ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أهم المسائل المطروحة في أوراق المؤتمر. عرض موجز لأوراق الباحثين \ الاستاذ محمد الامين خليفة

من المسائل التي تثار عادة لدى الحديث عن الدولة الاسلامية مسألة الحريات. هذه القضية أصبحت من الإثارات الهامة التي توجّه عادة للمنادين بتطبيق الحكم الاسلامي. النظام الاسلامي يقود المجتمع نحو مسار معيّن في العقيدة والسلوك والتشريع. فاين موقع الحريات الاساسية في ظل هذا النظام. هذا ما حاول الباحث أن يجيب عليه. ولاجابته قيمة عملية إضافة الى قيمتها العلمية، لأن الرجل يعيش في بلاده (السودان) تجربة عملية في هذا المجال.

يقول في المقدمة:

"إن قضية الحرية وحقوق الانسان هي أم القضايا وأس الحقوق ومنبت العمل في الفكر الاسلامي وفي عالمنا المعاصر لأن الحرية هي ضد الاستبداد وهي الاصل في العلاقة بين الناس، العلاقة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وهي تحمل في طياتها عناصر القوة، وان ضمان الحريات العامة والحريات الفردية وحقوق الانسان استتباب للامن واشاعة لحسن العلاقات والنوايا المنطوية على الخير والبر، فقد عنى الاسلام أول ما عنى بصيانة الحريات وان الحرية أصل وحق فردي وجماعي ولا إكراه ولا سيطرة للإنسان على أخيه الإنسان، وجاءت الآيات تترى وتعزز ذلك أن (لا اكراه في الدين) فحتى الايمان بالله يجب ان يكون دون إكراه بل بكامل الحرية والاختيار (فذكّر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر) [١] (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) [٢] (لو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى

ـ

١ - الغاشية / ٢١.

٢ - هود / ٢٨.

يكونوا مؤمنين) [١].

إن الحرية في الفكر الاسلامي أمانة ومسؤولية كبرى روعي فيها كامل الحق والالتزام به والفناء فيه، وان الحرية فطرة سليمة تتماشى مع العقيدة السليمة وهي بالمعنى الاخلاقي ممارسة إيجابية لفعل الواجب طوعاً والحض على المعروف والنهي عن المنكر فليست الحرية عند المسلمين كما يقول الفيلسوف البريطاني رسل "بأنها غياب الحواجز أمام تحقيق الرغبات "لكن كامل الحرية عند المسلمين هي قمة العبودية للّه رب العالمين وليست هي اباحة أو انتهاكاً للعرض أو الغاء للعقل مناط التكليف".

ثم يتحدث عن الحقوق الاساسية للانسان في إطار التشريع الاسلامي وفي ظل "التكريم" و"الاستخلاف" الممنوح للانسان على ظهر الارض فيقول:

فالله هدى الانسان وعرفه بحقوقه عن طريق الانبياء والرسل والكتب السماوية لأنه العليم بتحديد حقوق خلقه، وقبل أن نطلع على المواثيق الدولية علينا أولا ان ننظر في كتاب الله الحكيم لما أقر فيه من الحقوق الاساسية.

حق الحياة وحرمة الانسان

قد حرم الله تعالى انتهاك حرمة الانسان والغاء حياته اذ تقول الآية: (أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعاً) [٢].

ويقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) عن الموبقات السبع: "الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق…"

حق المعاملة المتساوية

بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللون أو الاصل… لقد أكد القرآن على مبدأ تساوي كافة النوع الانساني أيما تأكيد، لافضل لانسان على آخر الا بالاخلاق

ـ

١ - يونس / ٩٩.

٢ - المائدة / ٣٢.

والايمان بالله الآية (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم) [١]. إن أصل الانسانية واحد وما اختلاف الالوان والالسنة والاجناس الا آيات وتنوع لاصل واحد، وإن اللّه اوجد هذا الاختلاف بين الشعوب للتعارف. ولو كان بنو الانسان على لون واحد وشكل واحد ولسان واحد لمات التنافس بينهم وماتت الهمة وما أمكن التمييز بينهم ولذلك خلقهم وكلهم من تراب. إذاً لا تفاخر ولا تعالي كما يقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله): "لا فضل لعربي على أعجمي ولا أعجمي على عربي ولا أحمر على أسود ولا أسود على أحمر الا بالتقوى ولا فضل للانساب".

حق التمتع بالأسرة وخصوصيتها

إن من أعظم الحقوق الاساسية للانسان حق تكوين الاسرة والتمتع بها، ولقد أشار القرآن الكريم إشارات دالة وهامة في الآية: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) [٢]. ويحض الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) الشباب على الزواج وعلى التمتع بالاسرة ويقول (صلى الله عليه وآله): "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج…" ويقول (صلى الله عليه وآله): "تزوجوا الودود الولود…" وإن الزواج سنّة "ومن رغب عن سنتي فليس مني…" كما يقول الرسول (صلى الله عليه وآله).

حق حماية الضعفاء

يحض القرآن الكريم على أن نحمي الضعفاء منا، وأن عدم التعدي على النساء والاطفال والمسنين والجرحى والمرضى أمر واجب، بل علينا ان ندافع عنهم: (ومالكم لا تقاتلون في سبيل اللّه والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من

ـ

١ - الحجرات / ١٣.

٢ - الروم / ٢١.

لدنك نصيراً) [١].

ويوصي الرسول (صلى الله عليه وآله) جنده في الميدان أن يصونوا هذا العرض وهذه الحرمة ويراعوها حق رعايتها وأن لاتنال أيديهم طفلا أو امرأة أو شيخا أو مريضا أو جريحا.

وأن المرأة يجب صون كرامتها، وأن عصمة النساء وكرامتها يجب احترامها في كافة الاحوال وان لا يستباح عرضها ولو وقعت في الأسر.

حق تقرير المصير

تقرير المصير حق قديم قدم الانسانية ومنذ أن احتدم الجدل بشأن الانسان هل هو مسيّر أم مخيّر، وحسم الامر بأن الانسان مسيّر فيما يقدره من قضاء وقدر ومسير فيما يقدر عليه ويسوقه عقله الى خياره، واختياره مناط التكليف، وما هبوط أبينا آدم من الجنة الا تقرير لمصيره مع سبق علم اللّه بذلك ولكن الكلمة: "حق تقرير المصير" شاعت بعد انهيار الامبراطوريات وانحسار الاستعمار ومن خلال غضبة الشعوب وامتلاكها لارادتها السياسة ومطالبتها بحقها الاساسي في التعبير الحر وفقاً لما يمليه عليه ضميره في بقاء المستعمر أو خروجه من التراب الوطني، لكن الكلمة وفعلها اكثر شيوعاً ورسوخاً عند نهضة الاسلام وبسط حضارته; فالمعنى ملازم للتوحيد ومرادف للحرية ويتماشى مع الفطرة السليمة والناموس العام، فقد أتاح الاسلام حرية الرأي والفكر ومنح التفكر درجة عليا في العبادة واعطى المجتهد اجرا وإن أخطأ، وكفل حرية العقيدة حيث لا إكراه في الدين وكانت إحدى زوجات الرسول (صلى الله عليه وآله) كتابية خصها بالبر ولم يكرهها في أمر.

إن اتفاقية صلح الحديبية نصت على حق تقرير المصير خلال الفترة الانتقالية التي كانت مدتها عشر سنوات، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض. تقول الاتفاقية: "إن بيننا عيبة مكفوفة - أي صدوراً منطوية لما فيها من خير وإنه لا اسلال

ـ

١ - النساء / ٧٥.

ولا إغلال - أي لا غدر ولا خيانة وأنه من أحب ان يدخل عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه".

ويروى ان قتيبة بن مسلم الباهلي فتح اقليم سمرقند عنوة من غير ان يخير القوم بين الاسلام أو العهد أو القتال فشكا أهل الاقليم الى الخليفة عمر بن عبد العزيز وعندما تحقق من الامر أمر الجند بالخروج من الاقليم الذي فتحوه وان يعودوا الى ثكناتهم ثم خير بعد ذلك أهل الإقليم في الثلاثة ليختاروا ويقرروا مصيرهم فاختار منهم العهد ومنهم من اختار الاسلام وكفى الله المؤمنين القتال.

تلك بعض الحقوق التي ظهرت في المواثيق الدولية ويتشدق بها المتشدقون ويجهلون أن الاسلام سبق لذلك وعنى بالحقوق وكفل الكرامة الانسانية منذ ان خلق الله الانسان، كما أن كل هذه الحقوق منصوص عليها في القرآن الكريم وهو دستور الامة، فالحقوق الدستورية اذن مكفولة ومضمونة ويتحاكم الناس الى الدستور الالهي والقرآن هو المرجعية…

أما الحريات فقد عنى الاسلام بالحرية، بل ان الحرية مرادفة للانسانية ولا كرامة لانسان دون كفالة حريته، وان الشخصية الانسانية سواء أكانت شخصية فردية أحادية أم شخصية معنوية لجماعة أو دولة لا تتوافر الا في ظل الحرية، وان الله تعالى الذي خلق الانسان مستعدا للعلم بالاشياء، وأن ذلك الاستعداد لا ينمو الا في حرية مكفولة، فلابد أن يكون الفكر حراً ولابد ان يكون العلم حرا… إن أهم هدف للشريعة أن يكون الانسان حرًّا وتتوفر له اسباب العزة والكرامة الانسانية والشرف امتدادا لتكريم الله له في كتابه العزيز: "ولقد كرمنا بني آدم…" وكان من مظاهر تكريم الله لبني آدم خلقه في أحسن تقويم في صورته المادية والمعنوية (لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) [١]. وشرفه واختاره خليفة في الارض (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة) [٢].

وأسجد اللّه ملائكته للانسان تكريما له: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم

ـ

١ - التين / ٤.

٢ - البقرة / ٣٠.

فسجدوا) [١] وسخر اللّه سبحانه وتعالى للانسان أسباب الحياة الكريمة والعزة والخلافة وسخر له مافي السموات ومافي الارض (ألم تروا أن اللّه سخر لكم مافي السموات ومافي الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) [٢]. (وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها) [٣].

إن هذه الرحمة السابغة والفيض العميم لا يكون الا بتحقيق العدل والمساواة والكرامة والحرية للناس جميعا في ظل الشعور بالاخوة الانسانية والنسب الواحد والندية; ذلك الشعور الذي يجعل هذه الحقوق الانسانية أمراً فطرياً طبيعياً وقدراً مشتركاً بين جميع أفراد السلالة الانسانية يستند الى وحدة الاصل والمنشأ والتساوي في الحقوق والواجبات".

ثم إن الحريات في نظر الاسلام ليست شعارا يرفع في الساحة الاجتماعية، بل هي عملية تحرير حقيقي للانسان تجعله قادرا على تحقيق غاياته السامية، وهذه الحريات هي: حرية فكرية ودينية وسياسية ومدنية، ثم يشرح كل واحدة منها ويقول:

الحرية الفكرية

إن الله سبحانه وتعالى خلق الانسان في أحسن تقويم، هذا العقل الذي منحه اللّه للانسان هو مكان الشرف ومناط التكليف، فبالعقل يصير الانسان إنساناً وتفضيله على غيره بهذا العقل… إن التفكير فطرة إنسانية وفريضة إسلامية وعبادة راقية والآيات القرآنية تحض كثيراً على استعمال العقل والتفكر وكثيراً ما نرى في دبر الآية (أفلا تعلقون) (أفلا تتفكرون) (لعلكم تتفكرون) (لأولي الالباب) (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا للّه مثنى وفرادى ثم تتفكروا) [٤].

ـ

١ - البقرة / ٣٤.

٢ - لقمان / ٢٠.

٣ - ابراهيم / ٣٤.

٤ - سبأ / ٤٦.

كما أن المراحل التي مر بها سيدنا ابراهيم هي للايمان الكامل (كذلك لنري إبراهيم ملكوت السموات والارض وليكون من الموقنين…. ) [١].

يقول الغزالي: "إن الشرع عقل من الخارج وإن العقل شرع من الداخل وهما متعاضدان بل متحدان".

بل إن اللّه جعل خلقه كتاباً مفتوحاً وعلم الانسان ان يتفكر فيه ليقوده عقله الى الحق المبين والى الايمان كما جاء في آخر سورة آل عمران: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب. الذين يذكرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض…. ) [٢].

الحرية الدينية

إن كانت الحرية الفكرية مكانها العقل مناط التكليف فإنّ الحرية الدينية مكانها القلب مستودع الايمان، ولا يمكن أن يكره الانسان على ما يؤمن به ويصدقه إلا طوعا من عنده، لأن العقيدة اقتناع داخلي وعمل باطني، ولو ضربنا مثلا بالصوم في العبادات فإنه عمل لا رقابة ظاهرية عليه.

لقد وردت آيات كثيرة في القرآن تبرهن ذلك: (لا إكراه في الدين) [٣].

(ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) [٤] (…. أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) [٥] (فذكر إنما أنت مذكر. لست عليهم بمسيطر) [٦] (لكم دينكم ولي دين) [٧].

ـ

١ - الانعام / ٧٥.

٢ - آل عمران / ١٩٠ - ١٩١.

٣ - البقرة / .

٤ - يونس / ٩٩.

٥ - هود / ٢٨.

٦ - الغاشية / ٢١ - ٢٢.

٧ - الكافرون / ٦.

الحرية السياسية

إن الحرية السياسية مكفولة بنص الشرع مهما زينت عند المنظمات الدولية، وان لكل انسان الحق في توجيه الرئيس وفي المشاركة في رسم سياسة الدولة من باب المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية فالآيات القرآنية دالة وتحض على ذلك وسورة بأسم الشورى في القرآن. والشورى وضعت بين عبادتين الصلاة والزكاة (والذين استجابوا لربهم واقاموا الصلاة وامرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون) لمكانتها السامية وأهميتها القصوى في الحرية السياسية. وإن حديث الرسول (صلى الله عليه وآله): "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته إنما هي المسؤولية الفردية وضرورة مشاركة الكل في رسم السياسة وتشمل المسؤولية التضامنية. لقد مورست الحرية السياسية في صدر الاسلام بطريقة مثلى والقرآن يتنزل; ويختلف ابو بكر وعمر حتى ينزل الوحي مصدقا لاحدهما، ان في الشورى حرية الاختيار الحاكم عن طريق الشورى والانتخاب حرية في إدارة الاقتصاد الخاص أو العام.

الحرية المدنية

يقصد بها ان يكون الانسان حر التصرف في اموره الشخصية والمالية دون قيد الا القيد الذي يؤذي الجماعة أو الاسرة على حساب الفرد، وقد أرسى الاسلام هذه الدعائم وجعل لكل فرد حق التملك لاشباع الغريزة والفطرة ويرث ويبيع ويشتري ويرهن ويكفل ويمنح ويوصي ويتصدق ويتزوج ويتصرف بحرية دون حجر. ولا توجد آية واحدة في كتاب اللّه تبيح الرق والاستعباد، بل الآيات كلها آيات تحرير ولكن التدرج في إلغاء الرق كان مطلوباً كالتدرج في تحريم الخمر.

فمن أقسم وحنث من قسمه عليه تحرير رقبة، ومن افطر في رمضان دون عذر عليه عتق رقبة، والذي ظاهر زوجته عليه تحرير رقبة، والذي قتل مؤمنا خطأ عليه تحرير رقبة، ومن لطم مملوكاً أو ضربه عليه عتقه" كفارة لما اقترف من خطيئة، وان من مصارف الزكاة تحرير الرق، والتقرب الى اللّه والطاعة له فك رقبة".

الاجتهاد المتنوّع في الدولة الاسلامية في فكر

الامام الخميني

الاستاذ السيد محمد حسين فضل اللّه

من أهم الاوراق المقدمة الى المؤتمر، حاول الباحث أن يجيب على هذا السؤال:

"كيف يطرح الاسلام مسألة التنوع في الرأي السياسي في داخل الدولة الاسلامية؟ وهل يملك أصحاب الآراء المتنوعة الحرية في الإعلان عنها؟ وهل يسمح ولي الأمر للساحة الجماهيرية العامة في الامة ان تأخذ حريتها في التحرك على أساس التزام هذا الرأي أو ذاك، ليختلف الناس في الانفتاح على الاجتهادات المختلفة في القضايا العامة، ليكون لكل اجتهاد فريق يؤيده ويلتزم به؟ وماهي الضوابط العملية التي تحفظ الأمة من الاهتزاز أمام هذا الواقع المتحرك؟ ".

وبعد أن عرض رأيين مختلفين في هذا المجال الاول: يؤكد وحدة الرأي في خط القيادة، ووحدة الامة في الانتماء والالتزام والطاعة على أساس ذلك.

والثاني: يرى أنه لا مشكلة في حركة التنوع الاجتهادي في الامة. بل ربما كان ذلك نوع من الغنى الفكري الذي يتيح للمسألة أن تتخذ موقعها في دائرة التطبيق في أكثر من احتمال، حيث تتسع دائرة الاختيار في احتمالات المسألة لمن يملك أمر الاختيار في ذلك.

ثم يعرض الباحث إجابة الامام الخميني (رض) عن سؤال وجه اليه بشأن موقفه المؤيد لوجهات النظر المتعارضة في المجتمع الاسلامي الايراني وإجابة الامام على سؤاله بما يوضّح تأييده لوجود مثل هذا التعارض في إطار الاجتهاد الصحيح. ويستنتج من ذلك خطوطاً هامة في الموقف من التنوع الفكري والاجتهادي في الدولة الاسلامية فيقول:

"إننا نلاحظ في هذه الأطروحة الجوابية، أن المسألة هي ضرورة إفساح المجال للاجتهادات المتنوعة أن تملك حريتها في ساحة الفكر الإسلامي على مستوى الساحة الفقهية، وعلى مستوى الساحة السياسية، أو فيما تختلف فيه المسألة

السياسية أو الفقهية في قضايا الحكم، من حيث المبدأ ومن حيث التفاصيل، لان هناك الكثير من الأمور التي لابد من ان تطرح للتفكير من قبل أصحاب الاختصاص، ليتوفر الناس على الاطلاع على هذه المسائل فيما استحدثته التطورات العامة للحياة من المسائل التي يبتلي بها الناس في أوضاعهم الخاصة مما لا عهد للفقهاء به، لأنهم لم يتوفروا على دورة الرأي فيه، الأمر الذي قد يبعدهم عن تصور خصوصياته بدقة من حيث الموضوع والحكم.

فاذا فرضت الدولة، أو قرر ولي الأمر رأياً محدوداً بالطريقة الرسمية، ومنعت الناس من مواجهة القضايا بطريقة علمية دقيقة، بشكل شمولي واسع فإن من الممكن أن لا يصل الواقع الاسلامي الى عقدة شاملة للمسألة، بينما تتحرك حرية الفكر الاجتهادي في اعطاء الفكر المتنوع لتكفل للفقه تطوره في حركة الاجتهاد، كما تمنح القيادات المستقبلية في عملية النمو العلمي الامكانات الواسعة للنظرة الدقيقة الصائبة، من خلال المفردات المتنوعة التي تحقق للفكر ثراءً واسعاً في الموضوع. "إن طبيعة الحكومة الاسلامية تفرض أن يكون باب الاجتهاد مفتوحاً دائماً كما أن طبيعة الثورة تقتضي أن تطرح وجهات النظر الفقهية في مختلف المجالات، ولا يحق لأحد الحيلولة دون ذلك.

وفي ضوء ذلك لايكون التنوع مصدر ضعف واهتزاز، بل مصدر قوة وثبات، بشرط أن يتحرك الخط الاجتهادي في الحدود المرسومة له في دائرة الفكر، بعيداً عن النزوات الذاتية والنوازع المعقدة، التي تتخذ من الخلاف أساساً للفوضى وللتخريب، ولاثارة المشاكل للدولة الاسلامية. إن هناك فرقاً بين أن تبدع الرأي الفقهي أو السياسي لاغناء التجربة الفكرية فيما تحتاجه الأمة من تجارب الفكر في دائرة الحرية التي تتسع لك ولغيرك، مادام الهدف خدمة الاسلام والمسلمين، وبين أن تحرك رأيك لتؤكد نفسك فيه، ولتثير الضوضاء من حولك على أساسه، ولتبعد الانظار عن التفكير فيما هو الأصلح للامة فيها.

ولعل هذا الاتجاه في إدارة المسألة الاجتهادية في القضايا السياسية بالمعنى الواسع للسياسة، على طريقة حركة الاجتهاد في القضايا الفقهية، كما كان الأمر في العهود الماضية لدى الفقهاء السابقين. لعل هذا الاتجاه الذي يتحرك برعاية الولاية الفقهية الواعية يترك تأثيراته الايجابية على مستوى الذهنية الاسلامية العامة للامة، عندما تختزن في داخلها الفكرة التي تتفتح على أكثر من رأي في المسألة الواحدة لتختار الاصوب، أو تتحمل الرأي المضاد للرأي الذي تختاره، لتعيد النظر من جديد فيما اختارته، أن تدخل في حوار دقيق للوصول بأصحاب الرأي الآخر الى ماهو الحق بعيداً عن كل الحساسيات الذاتية والانفعالات المرضية. وبذلك تستطيع هذه التربية العلمية الاسلامية التي ترتفع إلى مستوى المسؤولية العلمية عن الفكر، أن تحفظ المجتمع الاسلامي من الاهتزاز أمام الحالات الطارئة التي تختلف فيها الافكار، فيهتز الناس في أوضاعهم العامة من خلال ذلك، لأن المجتمع إذا اعتاد على اختلاف الفكر في دائرة المصلحة العامة على أساس البحث عما هو الاصلح، فلا تكون النظرة الى هذه الظاهرة كحالة سلبية، بل تكون النظرة اليها كمناهض إيجابي للمستوى الرفيع الذي يرتفع اليه المجتمع في وع

يه لحركة التطور في الحاضر والمستقبل.

وهذا هو الذي يمكن أن يطرح لدى الإسلاميين قضية الحرية في الدائرة الإسلامية، ليتناقشوا فيما هي قضية الحرية في الدائرة العامة، بعيداً عن الهواجس النفسية التي ترفض مجرد المناقشة في إعطاء أية فرصة للباطل حتى على صعيد الاحتمال، لأن ذلك لا يتناسب مع الاخلاص للحق والتحرك من أجل إيجاد قاعدة ثابتة لوجوده واستمراره، لأن هذه المسألة تمثل المسألة المهمة في إعطاء الصورة المنفتحة على كل قضايا التطور الفكري في الحياة، في النظرة الاسلامية العامة لأن الانفتاح المرتكز على أساس القوة في الموقف والموقع يوحي بالثقة بالثبات، بينما قد يجد الناس في الانغلاق المتمثل بقهر الرأي المضاد، لونا من ألوان الشعور بالخوف الذي يوحي بالضعف.

واذا كان الامام الخميني (قدس سره) يقرر أنه لا يحق لأحد الحيلولة دون الانفتاح في الاجتهاد المتنوع، فإن معنى ذلك أن القضية تستحق المزيد من البحث الجدي من موقع الشعور الهادئ العميق بأن ذلك لا يمثل استهانة بالاسلام في مواقع قوته وثباته.

ويتابع الامام شرح موقفه في رسالته الجوابية فيقول - كما جاء في ترجمتها العربية - ليؤكد إمكانية تأييد القيادة للفريقين اللذين يتحدثان بالرأي المتنوع من دون أن يمثل ذلك لونا من ألوان الابتعاد عن أمانة المسؤولية: "اني أؤيد الطرفين وأدعمها… وهذان الجناحان ملتزمان بالاسلام والقرآن والثورة، ويريدان خير البلاد والشعب، ولهما وجهات نظر من أجل نشر الاسلام وخدمة المسلمين وانهما يريدان ان تكون البلاد مستقلة ويرغبان في أن تتخلص إيران والشعب الايراني من الجشعين والناهبين، ويريدان ازدهار الاقتصاد في ايران الاسلام وتحسين الاوضاع الثقافية والعلمية، لكي يتمكن الطلبة والباحثون من التوجه والخدمة في المراكز التربوية والفنية، ويريدان تعاظم قدرة الاسلام في العالم. وعلى هذا الاساس فلا يوجد هناك اختلاف".

ونلاحظ - في هذا النص - أن الامام (قدس سره) يؤكد في نظرته الإيجابية الى الرأي المختلف في الفريقين المختلفين اللذين تحولا الى محورين فكريين ومنطلقين سياسيين، على طبيعة الالتزام الاسلامي للفريقين وعلى روحيتهما المنفتحة على خدمة الاسلام والمسلمين في مواجهة الاستكبار والمستكبرين … ولذلك فلا مشكلة للتنوع الفكري في تحديد المصلحة الأهم، لأن ذلك لن يؤدي الى اختلاف، فيما تحمله الكلمة من سلبيات النتائج العملية على مستوى الأوضاع العامة للامة في قضاياها المصيرية المستبقلية.

ولذلك; فإن تأييد القيادة الاسلامية ودعمها لهما لا يمثل سلبية، فيما هي مسؤولية القيادة عن سلامة الخط والهدف معاً.

ويختم الامام "رضوان اللّه عليه" رسالته بالحديث عن العمق السلبي للانحراف في الاختلاف الفكري عن الخط السليم، ليوجه المختلفين نحو معالجة ذلك بالطريقة الاسلامية، فيقول:

"هناك شيء يؤدي الى الاختلاف - ونعوذ كلنا باللّه منه - وهو حب النفس، وهذا المرض لا يعرف هذا الاتجاه أو ذاك، ولا يميز بين رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء أو المحامي أو القاضي أو شورى القضاء الاعلى ومكتب التبليغات ولا يميز بين المرأة والرجل.

ويوجد طريق واحد للخلاص من هذا المرض وهو الرياضة الروحية. واذا أراد الاخوة من الجناحين المحافظة على نظام الجمهورية الاسلامية، فيجب عليهم تجاوز ظاهرة الانتقاد الهدام، وضرورة الانتقاد البنّاء، لأن ذلك هو الذي يطور المجتمع ويبنيه… وعلى الجميع ان لا يتصوروا انفسهم معصومين عن الخطأ.

واذا كان هناك شخص أو مجموعة - والعياذ باللّه - تفكر في ضرب الآخرين لتقديم مصلحته أو مصلحة مجموعته، فإنه يجب أن يعلم بأنه قبل أن يضرب مناوئيه سوف يضرب الثورة الاسلامية المباركة.

وعلى كل حال فإن; تأليف القلوب والتخلي عن الأحقاد والضغينة والتقارب، من الأعمال التي توجب رضى اللّه سبحانه وتعالى ويجب أن تحذروا الذين يريدون إبقاء الفتنة بينكم".

إن هذه الوصية - الموعظة - في نهاية الرسالة توحي بأن على القيادة أن تبقى في حالة وعي دائم، وملاحقة سريعة لكل الانحرافات الطارئة التي تتدخل في الواقع الاسلامي من خلال الخصوصيات الذاتية للمجتهدين المختلفين أو للفريقين المتنوعين، لتثير المسألة الاخلاقية الروحية في ساحة المسألة العملية والسياسية، لتستقيم الشخصية الاسلامية في الخط الصحيح، لتتعمق في دراسة مواقعها الفكرية أو العملية على أساس سلامة المواقع المصيرية للأمة الاسلامية كلها… وبذلك تبتعد عن العنصر الذاتي الذي قد يزحف الى المشاعر الخاصة، ليثير فيها الكثير من الانفعالات المعقّدة، ويحرك في داخلها الحقد والبغضاء تحت عناوين مختلفة، فيما قد يخيل للانسان - معها - أنه يتحرك في خط الاصلاح، في الوقت الذي يكون فيه غارقاً في وحول الذات ومواقع الفساد.

وهذا ما ينبغي للحركة الاسلامية أن تنتبه اليه في حركتها الفكرية والعملية في الخط السياسي فيما تتنوع فيه المواقف وتتعدد فيه الآراء ويختلف من خلاله الأشخاص".

معالم الدستور الاسلامي

الاستاذ الشيخ محمد علي التسخيري

تناول الباحث في ورقته تجربة تدوين الدستور الاسلامي في الجمهورية الاسلامية الايرانية باعتباره القانون الاساس الذي يقوم عليه نظام الحكم في إيران الاسلام وأشار في فقرة من بحثه الى أن الدستور بلور شمول الاسلام لكل جوانب الحياة وقال:

"أراد اللّه تعالى أن يستوعب الاسلام كل شؤون الحياة الانسانية، وينظمها التنظيم الكامل، ويحل لها كل مشاكلها برغم اختلاف هذه المشاكل وتباين الظروف، وذلك بعد أن منحه كل عناصر المرونة المطلوبة في إشباع الجوانب المتغيرة، أما الجوانب الثابتة من حياة الانسانية فقد شرع لها التشريعات الواقعية الثابتة.

وعلى أي حال، فقد استوعب الاسلام كل النواحي الانسانية حتى سلم المحققون في الاسلام بقاعدة: "مامن واقعة إلا وللّه فيها حكم" وقد جاءت بعض النصوص الشريفة لتؤكد هذا الجانب بكل وضوح. فقد ورد في كتاب "الكافي" (ج ١ باب الرد الى الكتاب والسنة) عن علي بن ابراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن حماد، عن أبي عبد اللّه (الصادق) (عليه السلام) قال: سمعته يقول: "ما من شيء الا وفيه كتاب أو سنة".

على أن توزّع النصوص والقواعد الاسلامية نفسها على الجوانب المختلفة للحياة الانسانية يكشف بكل وضوح هذا الاستيعاب.

ومن هذا المنطلق فإننا نجد الروح الاسلامية تسري في مختلف مواد الدستور الاسلامي، وهذا ما نجده مثلا في استعراض إجمالي لبعض هذه المواد، كما يلي:

١ - تؤكد المادة الاولى أن الشعب الايراني أقام النظام الجمهوري الاسلامي على أساس من اعتقاده الراسخ بحكم الحق والعدل القرآني.

٢ - والمادة الثانية تربط الدستور الاسلامي بالايديولوجية الاسلامية.

٣ - وتذكر المادة الثالثة كل الاهداف التي توخاها الاسلام من الحكومة الاسلامية.

٤ - وبمطالعة سريعة للمادة الرابعة نعرف أن القانون والمقررات والموازين الاسلامية مقدمة على كل عموم أو اطلاق في أي قانون آخر.

٥ - قررت المادة الخامسة تطبيق مبدأ إسلامي أصيل هو مبدأ العمل بولاية الفقيه العادل الكفوء كامتداد لمبدأ الامامة. وهذا ما تفصله المواد من (١٠٧) وحتى المادة (١١٢).

٦ - أكدت المادتان السادسة والسابعة احترام آراء الامة وتقويم وجودها وتطبيق مبدأ الشورى الاسلامي في الحدود المقررة له.

٧ - وفي المادة الثامنة قررت مبدأ الرقابة الاجتماعية المتبادلة داعية لعمل الجميع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض.

٨ - وفي المادة التاسعة يتجلى لنا تأكيد الوحدة والاستقلال من كل تبعية، وهمامن العناصر الاسلامية.

٩ - أما المادة العاشرة فقد تبنت - تبعاً للتعليمات الاسلامية - جعل العائلة وحدة البناء الاجتماعية وإقامتها على أساس خلقي اسلامي.

١٠ - وتؤكد المادة الحادية عشرة أن المسلمين جميعاً أمة واحدة، وأن هذا مبدأ يجب أن يلحظ في كل عمل سياسي.

١١ - وفي المادة الثانية عشرة نجد التصريح بأن الاسلام هو دين الدولة الرسمي، مع تأكيد احترام كل المذاهب الاسلامية.

١٢ - أما المادتان [١٣] و [١٤] فهما تطبقان التعليمات الاسلامية في التعامل مع الأقليات الدينية غير الاسلامية.

١٣ - وفي المادة [١٦] نجد تأكيد تعليم اللغة العربية بعد دورة الدراسة الابتدائية مباشرة لأنها لسان القرآن والعلوم والمعارف الاسلامية.

١٤ - وفي المادة [١٧] نلاحظ جعل التأريخ الهجري تأريخاً رسمياً للدولة شمسياً كان أو قمرياً.

١٥ - وتسجل المادة [١٨] عبارة: "اللّه اكبر" على علم الجمهورية الاسلامية.

١٦ - وتنفي المادة [١٩] كل تمايز عنصري أو تعصب قبلي بين أفراد الشعب.

١٧ - وتؤكد المادة [٢٠] أن الجميع، رجالاً ونساء، يحميهم القانون ويتمتعون بكل الحقوق الانسانية التي يقررها الاسلام.

١٨ - وتوجب المادة [٢١] على الدولة ضمان حقوق المرأة في جميع الجهات في اطار التعليمات الاسلامية.

١٩ - ونجد في المادتين [٢٣] و [٢٤] تطبيقاً رائعاً لمبدأ "لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي". وكذلك في المواد التالية مع ملاحظة عدم تحول الحرية الممنوحة الى حالة الفوضى والتآمر.

٢٠ - والمادة [٢٩] تحكي عن تطبيق مبدأ الضمان الاجتماعي في الاسلام عبر وضعه، كمبدأ مسلّم به، على عاتق الدولة، وتعميمه على المجالات المختلفة، ومنها مجالات التربية والتعليم، كما قررت ذلك المادتان (٣٠ و٣٣)، واستثمار الحقوق واسترجاعها كما في المواد (٣٤) وما بعدها.

٢١ - أما الفصل الرابع الذي يبدأ بالمادة (٤٣) وينتهي بالمادة (٥٥) فهو يعمل على إقامة نظام اقتصادي على أساس من المذهب الاقتصادي الاسلامي ونظرياته في الانتاج المتزايد المستفيد من كل تقدم علمي والمتناسب مع التوزيع العادل، والضمان الاجتماعي الأمثل. وهذا ما سوف نتعرض له إن شاء اللّه في أحاديث مقبلة.

٢٢ - تؤكد المادة (٥٦) أن الحاكمية المطلقة على الكون والانسان هي للّه تعالى وأنه تعالى هو الذي استخلف الانسان واستعمره في هذه الأرض، ثم تعرض المواد التالية كيفية إعمال هذه الحاكمية الشعبية.

٢٣ - وفي المادة (٦٧) نجد ممثل الشعب في مجلس الشورى الاسلامي يقسم على الحفاظ على حريم الاسلام، ومعطيات الثورة الاسلامية، وحراسة مباني الجمهورية الاسلامية.

٢٤ - تؤكد المادة (٧٢) أن مجلس الشورى الاسلامي لا يمكنه أن يضع قوانين تخالف الاسلام.

٢٥ - تقرر المادة (٩١) تشكيل مجلس صيانة الدستور للقيام بمهمة حراسة أحكام الاسلام والدستور، ويكون المرجع الرئيس في هذا الجانب.

٢٦ - وتقرر المادة (١١٥) أن رئيس الجمهورية ينتخب من بين المتدينين السياسيين المتصفين بالتقوى والايمان بمباني الجمهورية الاسلامية، وهو يقسم كما تقرر المادة (١٢١) على الدفاع عن الاسلام.

٢٧ - وجاء في المادة (١٤٤) أن جيش الجمهورية الاسلامية يجب أن يكون جيشاً إسلامياً عقائدياً وشعبياً يضم الأفراد الكفوئين لتحقيق أهداف الثورة الاسلامية والتضحية في سبيلها.

٢٨ - أما المادة (١٥٢) فهي تضع أساس السياسة الخارجية وأهدافها. ومن أهم هذه الاهداف الدفاع عن حقوق جميع المسلمين، في حين تنص المادة (١٥٣) على أن الجمهورية الاسلامية تجعل سعادة الانسان في المجموع البشري هدفها الرئيس، وتعتبر الاستقلال والحرية وحكم الحق والعدل من حقوق كل الناس في العالم.

٢٩ - تقرر المادة (١٦٢) أن يكون رئيس القوة القضائية مجتهداً عادلا.

٣٠ - وأخيراً، فإن المادة (١٧٥) تدعو الى حرية التبليغ، وإذاعة المعلومات في وسائل الاعلام ضمن الاطر والموازين الاسلامية.

خصائص الحاكم المسلم

الاستاذ محسن السماوي

حدد الكاتب هذه الخصائص بما يلي: ١ - العلمية ٢ - الحس الاجتماعي ٣ - المواجهة والاقدام ٤ - الانفتاح وبناء العلاقات.

وأضاف الى تلك الخصائص صفات أخلاقية هي: ١ - المحبّة ٢ - الاسلوب وآلية الخطاب ٣ - التواضع.

ورأى الكاتب أن الحاكم أو القائد يتحمل مسؤوليات فكرية واجتماعية هي: ١ - بناء الامة عقائديا ٢ - الرقابة والصيانة الاجتماعية ٣ - المساواة والعدالة.

أسس الحكومة الاسلامية وأصولها

الاستاذ محمد صلاح الدين

تحدّث عن الخطوط العامة التي يضعها القرآن للدولة الاسلامية، ثم استعرض الاطار العام لدولة المدينة المنوّرة في عهد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وذكر المهام الرسالية للدولة الاسلامية الى جانب مهامها الادارية، واستعرض آلية العمل التنفيذي في الدولة، وبين شروط الخلافة أو الامامة دون تفريق بين المصطلحين، ثم الفرق بين الحكوومة الاسلامية وغيرها.

الحاكم المسلم

أبو بكر الخوجم لي

أثبت الكاتب أولا ضرورة وجود الحاكم المسلم، ثم تحدّث بعد ذلك عن صفاته فيرى استنادا الى ما ارتضاه من نصوص أنه يجب أن يكون قرشيا وسائساً ومن أهل الولاية المطلقة الكاملة، أي مسلما حرّا ذكرا عاقلا بالغا.

وبيّن شروط عقد الامامة عند أهل السنّة فذكرها كما يلي: البيعة، والاستخلاف.

بعدها تحدث عما للحاكم من حقوق وما عليه من واجبات. أسس الحكومة الاسلامة وأصولها

الاستاذ قاسم المالكي

حاول الكاتب أن يسلط الضوء على حكومة "ولاية الفقيه"، في جانب انتخاب الولي، وحلّ مشكلة التزاحم بين المرشحين للولاية، ووظائف الولي الفقيه ووسائل تنفيذ مهامه، ذاكرا أن السلطات عمل فني يستعين به الولي لادارة شؤون الحكومة وسياسة الأمة.

الشورى

دراسة في الاسس الفقهية والتاريخية

الاستاذة شذى الخفاجي

تحدثت صاحبة الورقة عن تاريخ الشورى، وفوائدها، ووجوبها، ومدى الزامها للحاكم المسلم، ومجالاتها، وشروط المستشارين، ثم اختتمتها بكلمة أخيرة وجهتها الى المؤتمر فقالت:

"قد تبيّن من خلالها ما تقدم أهمية اشتراك الامة في الشورى لكي تتعمق العلاقة بين الحاكم ورعيته ويتوصلوا الى الرأي الأصوب والموقف الاصوب المنسجم مع المصلحة الاسلامية الكبرى، فالاحرى بالمجتمعين في مؤتمرات الوحدة والتقريب أن يتشاوروا في كل أمر يتعلق بالوحدة والتقريب، ويضعوا برامج ومناهج عمل مشتركة، ويشكّلوا لجان متخصصة تعمل على مدار السنة، وتتابع فيها حركة الوحدة والتقريب، وتتجاوز المعوقات والثغرات، ووضع خطط جديدة تساعد على الوصول الى الاهداف الكبرى بتظافر الجهود والامكانيات، ثم يكون المؤتمر الجديد مناسبة جديدة لتقويم مسيرة الوحدة والتقريب، ولا يقتصر على إلقاء الخطب وقراءة البيان الختامي، فيجب أن تكون النشاطات والاعمال بمستوى الطموح، وبمستوى التحديات التي تتعرض لها أمتنا الاسلامية وخصوصاً ما تقوم به الدول الاستكبارية من مؤامرات لإبقاء حالة الفرقة والتمزّق وما يقوم به أذنابهم من إثارة الفرقة تحت لافتات إسلامية أو مذهبية، فلنتشاور معاً وليتوسع عدد المتشاورين لكي نصل الى وحدة الامة الاسلامية بأسرع وقت وبأقل التكاليف". أهداف الحكومة الاسلامية

الاستاذ هادي آونگ

ركز الكاتب في مقدمة ورقته على وجوب إقامة الدولة الاسلامية فقال:

"وجوب نصب الخلافة أو إقامة الدولة الاسلامية أو الحكومة الاسلامية أمر لا خلاف فيه بين المسلمين منذ عهد الصحابة رضي اللّه عنهم بعد وفاة الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) الى يومنا هذا بعد اختلافهم في الأمور الفرعية إلا من شذ وشذ في النار. وقدموا هذا الأمر قبل اختلافه في فروعه حيث قامت الدولة الاسلامية وطبقت شريعته فيها، وانتشر هذا الدين مهما انحرفت الشخصيات في الفترات المتعددة، مما يدل على أن نصب الخلافة وإقامة الدولة الاسلامية ماهو معلوم من الدين بالضرورة عند المسلمين في تلك الفترات، إلا في العصر الذي تأثر فيه المسلمون بالغزو الفكري الخطير بعد سيطرة الاستعمار على بلادهم وجعلت الفكرة العلمانية التي تفصل بين الدين والسياسية أقصر طريق إلى الردة، من بينها وأهمهانسيانهم وجوب إقامة الدولة الاسلامية التي تقوم بواجب إقامة الدين وسياسة الدنيا به، ثم بعد ذلك اُلغيت الشريعة الاسلامية شيئاً فشيئاً إلا ما بقي من الأحكام الشخصية العينية، مصداقاً لقول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "لتنقضن عرى الاسلام عروة عروة فكلما انقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، فأولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة" (رواه احمد في المسند).

فرسالة الاسلام التي قادها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لا تنتهي بوفاته، ولا تزال طائفة من أمته ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر اللّه. فظهرت الحركات الاسلامية في أنحاء العالم الاسلامي من أقصاه الى أقصاه التي تدعو الى الاسلام بكامله وشامله من الاقرار بالشهادتين الى وجوب إقامة الحكومة الاسلامية، وطلعت الصحوة الاسلامية في كل مكان من العالم، وتفضحت انحرافات الأديان كلها إلا الاسلام، وفشلت الايديولوجيات والنظريات العلمانية، وأقربها وفاة الاتحاد السوفيتي وإفلاس الغرب، وشعر المسلمون الواعون بحماسة أقوى. وقاموا بدعوة الناس إلى دين اللّه بتقديم المشروعات الاسلامية واقناع الناس اليها بالبراهين والحجج بواسطة الاحزاب الاسلامية وجماعاتها ومؤسساتها".

ثم تحدث عن أهداف الحكومة الاسلامية موضحا الجانب الديني والجانب الدنيوي من هذه الاهداف، وتحدّث عن المزايا التي تنفرد بها الحكومة الاسلامية ذاكرا أنها:

١ - ربانية

فإنها من رب العالمين الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه، وجعل لكل مخلوق نظاما وشريعة، وللناس وما يتعلق بهم حكما ومنهاجا. فإن الشريعة الاسلامية التي تحكم البلاد، وتسير عليها الحكومة الاسلامية ليست من وضع بشر يحكمه القصور والعجز والتأثر بمؤثرات المكان والزمان والحال وغيرها. فانما هو أكمل شريعة وأتمها وأعدلها فقال تعالى: (اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون. اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) [١].

وقال تعالى: (وان كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون اللّه إن كنتم صادقين) [٢].

وهدف هذه الشريعة الاول والاعلى هو ربط الناس وأمور دنياهم وأخراهم باللّه تبارك وتعالى. ولن يحاسبوا عند اللّه في أمور العبادة فقط وإنما يحاسبون كذلك في أمور دنياهم وسوف يجمع اللّه يوم القيامة الائمة وأتباعهم. فقال تعالى: (يوم ندعوا كل أناس بامامهم) [٣].

٢ - انسانية عالمية

فإنها ذات صبغة إنسانية عالمية، فليست تشريعا لجنس خاص من البشر أو لاقليم معين من الارض أو فترة محدودة من الزمان. وهي للناس جميعا وصالحة لكل زمان ومكان وحال وعادلة مطلقة، ومحيطة بجميع القضايا الفردية والجماعية، ومشتملة على مطالب الفطرة الانسانية التي فطر اللّه الناس عليها، ولا يريد الخير والسعادة في الدنيا والاخرة لابنائها فحسب بل لسائر امم الارض واجناسها وشعوبها، لا فرق بين من تقدم بهم الزمان أو تأخر، ولا بين القوي والضعيف والسيد والمسود ولا بين المسلمين وغير المسلمين. فهي مالم تقدره النظم

ـ

١ - المائدة / ٣.

٢ - البقرة / ٢٣. .

٣ - الاسراء / ٧١.

والايديولوجيات التي تنفضح مساوؤها ولم تحقق احلامها في عالم الواقع الى يومنا هذا.

وإنها لا تعترف بالدكتاتورية التي تجعل الناس عبادا مقهورين في أيدي الحكام فقررت ان لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق، وليست كالديمقراطية الغربية التي تجعل صوت الاغلبية صوت الاله. ولكنها دعوة الى إخراج الناس من عبادة العباد الى عبادة اللّه ومن جور الاديان الى عدل الاسلام ومن ضيق الدنيا الى سعة الدنيا والاخرة.

وانها لا تعترف بالنظم والفلسفات التي تجعل من الفرد والمجتمع خصمين متصارعين، بعضها يقرر ان تكون الغلبة للفرد كالنظام الرأسمالي والليبرالي وبعضها يقرر ان تكون الغلبة للمجتمع كالنظام الشيوعي والاشتراكي، فكلاهما باطلان. لانهما يتجاهلان فطرة الانسان التي فطر اللّه عليها. فإن اللّه الذي أنزل الاسلام لا يقر هذا الصراع بين الفرد والمجتمع ولا يقر التعارض بين مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع وعلى العكس، يرى أن النزعتين الفردية والجماعية متساندتان. لأن الانسان اصيل في فرديته وجماعيته ويحتاج اليهما معا.

٣ - الثبات والمرونة

فالثبات في الأصول والأهداف والمرونة في الفروع والوسائل. فثباتها تسلم من الذوبان والميوعة والخضوع لتغيير غير سالم. ولا يجوز للحكومة أن تتلاعب بها. رغم أنها تشعر بسلامة تدخل الرعية بسلطانها ولكنها لا تسلم من عقاب رب العالمين وعلاقتها بالذنوب التي تعاقب عليها يوم القيامة. وبمرونتها تستيطع أن تتكيف وتواجه التطورات، وتلائم كل وضع جديد.

وللعلماء حق الاجتهاد بشروطها لاستنباط الاحكام التي لا نص فيها. فهناك مسائل منصوصة لامجال للاجتهاد فيها وهي من الامور القطعية حلالها وحرامها من الكتاب والسنة، ويجب على الحكومة الاسلامية الخضوع لها لقوله تعالى:

(وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من

أمرهم) [١].

فمجال الاجتهاد في التشريع الاسلامي واسع جدا بل اكثر الاحكام الشرعية عملية. فهناك اجتهاد من النصوص الفرعية. وهناك اجتهاد فيما لا نص فيه.

فالأمور التعبدية في أحكام العبادات لامجال للعقل في تكييفها، فلابد أن تكون احكاما قطعية في كل زمان، وكانت خارجة من نطاق النقد. والاحكام المدنية قابلة للاجتهاد بحسب تطور المصالح والاحوال الاجتماعية، ولم يتوسع الشارع في بيانها، واقتصر على بيان المبادئ والاحكام العامة غير متعرض لتفصيلاتها وجزئياتها التي تختلف باختلاف الازمنة والبيئات. والاحكام الجنائية اقتصرت نصوص القرآن والسنة على عقوبات القصاص، والحدود في ستة أمور لاخلاف فيها بين العلماء وهي السرقة، والحرابة، والزنا، وقذف المحصنات وشرب الخمر والردة ولم تتعرض النصوص لغيرها بل تركتها لاجتهاد ولي الامر يقررون عقوباتها على مايرونه زاجرا ورادعا. وكذلك للاحكام الدستورية والاجتماعية والمالية اكثرها عامة كالشورى بدون ذكر تفصيلها. واعداد القوة في سياسة الدفاع والحرب، وتقسيم الاموال في الزكاة والغنائم والفيء بذكر الاصناف المستحقين بدون ذكر كيفية التقسيم وهكذا.

٤ - السياسة الشرعية

فمن أجل هذه المرونة في الشريعة الاسلامية نرى ان الحكومة الاسلامية الملتزمة بالاسلام ومن معها من اولي الامر واهل الحل والعقد أو أهل الشورى يجدون أمامهم مجالا واسعا في باب السياسة الشرعية اي سياسة الامة بالاحكام الشرعية بحيث تستطيع الحكومة المسلمة تحقيق كل مصلحة خالصة أو راجحة ودرء كل مفسدة خالصة أو غالبة وهي في ظل الشريعة السمحة لا تخرج عنها ولا تحتاج الى غيرها. وهذه السياسة لا تجوز أن تعارض القواعد والنصوص، فلا

ـ

١ - الاحزاب / ٣٦.

سياسة الا ما وافق الشرع كما قال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس اقرب الى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وان لم يضعه الرسول، ولانزل به وحي. فان اردت بقولك الا ما وافق الشرع. أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح، وإن أردت الا ما نطق به الشرع فغلط.

فمن أبواب السياسة الشرعية تشكيل الوزارات. وتنظيم الادارات الحكومية، وتنظيم المحاكم في القضاء وترتيبها، والميزانية ومراقبتها، والتعزير والردع في العقوبات وإسقاط بعض العقوبات أو إيقافها لاسباب شرعية وغيرها".

أساس الحكومة

بين النظرية الاسلامية والنظرية الوضعية

الاستاذ الشيخ فؤاد كاظم المقدادي

يذكر الباحث في مقدمته أهمية مسألة الحكم والحكومة والتحديات التي تواجه نظرية الاسلام في الحكم فيقول:

"إن من أبرز التحديات المعاصرة التي تواجهها الأمة الاسلامية وصحوتها الرائدة هي مسألة الحكم والحكومة كأطروحة نظرية في مقابل الاطروحات الوضعية، وكقابلية على التطبيق في الواقع واستيعاب المستجدات والتطورات الهائلة في مجال تقنين حركة الانسان وحاجاته المتجددة كماً وكيفاً، خصوصاً وأن التحدي هذا قد حُشدت له كل عوامل القوة المادية العظمى التي تمتلكها الكارتلات الدولية للانظمة الوضعية، مدعومة بالاجواء المحمومة للعقل الجمعي المختلق بأعظم وسائل التقنيات الاعلامية المعاصرة، في سعتها وفنونها وأساليبها المتنوعة، للتحكم في اتجاهات الرأي العام للمجتمعات الانسانية.

وكلما صدع للاسلام صوت ولاحت بوارق انتصاره في اُمة من الناس أو بقعة من الأرض تصاعدت الوتيرة الاعلامية والهجمة الثقافية والسياسية لمختلف أجهزة الاستكبار العالمي ويعلو ضجيجها بشعار الديمقراطية العائم، فهي تثيره دخاناً

وتلوح به عصاً، تارة يهدف جر الدول الضعيفة - وخصوصاً ذات الأغلبية الاسلامية - إلى أحضان المعسكر الرأسمالي الغربي، وتارة اُخرى لتمرير مخططاتها في احتواء الموجة الاسلامية المتنامية التي تطالب باقامة الحكومة الاسلامية وتحكيم شرعة اللّه وقوانينه في واقعهم السياسي والاجتماعي، وثالثة لتشويه صورة النظام الاسلامي الرائد وتجربته الفريدة في ايران الاسلام…. فتتهمه أحياناً بالدكتاتورية والاستبداد، واُخرى بالقصور عن تحقيق مصالح المجتمع وسعادته، وأخيراً - وهو الاخطر - محاولتها الدس والتشويه لخلق تصورات منحرفة، خصوصا في أوساط المثقفين، مدعية أن النهج الديمقراطي هو السبيل الذي لابد من الاخذ به لتطوير النظام السياسي الاسلامي وسد ثغراته وتجديده ليتناسب وتطلعات الشعوب لتقرير مصيرها ولينسجم والنظام السياسي الدولي القائم على أساس ديمقراطيتهم الغربية. وهذا في حقيقته محاولة تمهيدية لاحتواء النظام الاسلامي وتفريغه من محتواه الالهي الاصيل، بل وإسقاطه في حضيض أنظمتهم الوضعية ونظرياتم المادية. وليس هذا بغريب أو جديد في اُفق المواجهة مع الجاهلية الحديثة وشياطينها الانسية".

ثم يذكر الفارق في أساس الحكومة بين النظرية الاسلامية والنظرية الوضعية ويقول:

"إن عملية تقويم أية نظرية أو اُطروحة في مجال الولاية والحكم لابد فيها من النظر إلى فارق أساسي بين النظريات والاطروحات الوضعية من جهة والاُطروحات الإلهية المتمثلة بنموذجها الأكمل في الدين الاسلامي من جهة اُخرى، وهو أن السلطتين التشريعية والتنفيذية في الأنظمة الوضعية من صنع البشر وليس وراءهم أو فوقهم أي مصدر أو سلطة عليا، وأن السلطة في أحسن صورها القائمة على أساس العقد الاجتماعي تفتقر الى القدرة على إصابة واقع العدل والقسط والمصلحة الاجتماعية، بل إن للميول والرغبات والمصالح الشخصية أو المشتركة للفئة المنتخبة مطلق العنان في التحكم فيها. أمّا في الاسلام فإن السلطة التشريعية مقوّمة بواقع العدل والقسط والمصلحة الاجتماعية، وهذا لا يمكن تحقيقه ومعرفته الا من خلال الرسالات الالهية، لان اللّه وحده هو العالم بالمصالح والمفاسد الواقعية للحياة الانسانية، وطريقته في بيان تشريعه وإيصاله إلى البشرية هي إرسال الرسل الأمناء بكتبه وبياناته".

ويقارن بين الاساسين فيقول:

"ولعقد المقارنة المفترضة نقول: إن هناك أمرين أساسيين من مقولات الوجدان الانساني لابد من توفرهما معاً وفق المنطق العقلي والعقلائي لتسوغ إقامة الحكومة وبسط سلطانها التشريعي والتنفيذي وإعمال ولايتها على الناس:

الأول: مصدر مشروع تستمد منه الحكومة المفترضة السلطة والولاية.

الثاني: قيام سلطة الحكومة المفترضة وبرامجها وفق المصالح الاجتماعية وبهدف تحقيق العدل في واقع المجتمع.

أمّا الأمر الأول: ففي الديمقراطية العلمانية - بمختلف صورها - يكون مصدر السلطة والحكومة في التشريع والتنفيذ هو الناس أو مجموعة منهم، أمّا في الاسلام فمصدر السطلة والولاية هو اللّه تعالى، وهذا كما يشمل أصل الولاية والحكومة فهو يستوعب السلّم الطولي لها من السلطتين التشريعية والتنفيذية - على فرض صحّة هذا التقسيم على ضوء الاسلام - واللّه سبحانه يصطفي لتبليغ رسالاته وتشريعاته والولاية على الناس من تتوفر فيه مواصفات الولاية الالهية.

وفي هذا الأمر نقطة افتراق أساسية وجوهرية - كما هو واضح - بين الديمقراطية العلمانية والنظرية السياسية في الاسلام.

وأمّا الأمر الثاني: فعلى أساس الديمقراطية العلمانية تبقى مشكلة تشخيص المصالح والمفاسد الواقعية للحياة الانسانية في بعديها الفردي والاجتماعي مستعصية وقائمة تفتقر إلى حلٍّ واقعي يصدقه العقل والمنطق ويذعن له الوجدان وتطمئن به النفس. وعليه; فإن معالم طريق تحقيق العدالةوالسعادة للمجتمع الإنساني على أساس الديمقراطية العلمانية تبقى غامضة تاركة المجتع يتخبّط في مجال تشخيص التشريع والنظام الصالح واختيار السلطة والحكومة العادلة والمؤتمنة على مصالحه وأهدافه. وبتعبير آخر أن العقبة الكؤود في وجه الديمقراطية العلمانية هي مسألة الجهل بالمصالح والمفاسد وعدم إحراز العدالة كشرط في من يتم اختياره للسلطة والولاية، فهما نَقصان جوهريان تعجز الديمقراطية العلمانية عن رفعهما بعيدا عن الدين الحق.

أهداف الحكومة الاسلامية

الاستاذ حميد معلّه

يثير الكاتب في ورقته مسائل هامّة ترتبط باختلاف الآراء بشأن الحكومة الاسلامية. السؤال الاول: هل هناك ضرورة لتشكيل مثل هذه الحكومة؟ ويذكر لذلك آراء فريقين:

"الفريق الاول: ينفي إمكانية قيام حكومة اسلامية، بل ويرفض قيام مثل هذه الحكومة حتى لو توفرت إمكانيتها انطلاقا من استنتاج قديم مفاده أن بناء الدولة الحديثة، واللحاق بالحضارة الغربية، ليس ممكنا في إطار التمسك بالمرجعية الدينية، وأن الدين قِيَم ومُـثُل لا تصلح لقيادة المجتمعات العصرية - وفي أقل الفروض تساهلاً - هو مبادئ لتنظيم علاقة العبد بربه فقط دون الامتداد الى غيرها من المجالات.

ويضيف هؤلاء أن تشكيل الدولة على أساس الدين فيما لو تم فانه يعني إلغاء الديمقراطية، والتبادل السلمي للسلطة، ويعني عودة الاستبداد والتعسف السلطاني، والانحدار نحو التطرف الديني الذي يتجاوز حدود الدين نحو السياسة، أو يقدس الاخيرة ليضعها في مصاف الحقائق الدينية المقدسة، وبعبارة مختصرة يعتبر هذا الفريق إقامة الحكومة على أساس الدين، عودة الى الماضوية وغرقاً في الاصولية وتجسيدا للارهاب.

أما الفريق الثاني: فيرى أن قسماً مما يعيبهم به الخصوم إنما هو اجتزاء للحقائق التاريخية، واجتراء على الامانة العلمية والموضوعية، بينما لا يشكل القسم الآخر الا تأكيدَ حق شرعي في الهوية والاستقلالات الثقافية. مؤكدين أن إحياء التراث الذي تقوم به الحركات الاسلامية الداعية الى تشكيل الحكومة الالهية، والمد الجماهيري الذي تحصل عليه، إنما يعبران عن إرادة التحرر الذاتية للمجتمعات الاسلامية بعد حقبة طويلة من الضياع والاغتراب في زحمة العقائد والقيم الغربية الوافدة، أما ازدياد المطالبة الشعبية بالعودة الى الاصول ودعمها للصحوة الاسلامية فهو استفتاء جماهيري حر على قبول هذه العودة والتفاني من أجلها مضيفين بأن ما يثار على مشروع الحكومة الاسلامية، (وهو مايزال في طور الفرض) غير ذي قيمة، خاصة وأن أداء العلمانية لا يدعم اعتراضاتها. ويضيف هذا الفريق أيضا أن دعوة الامة الى المنابع الاصلية لتراثها (الماضوية كما يسميها الخصوم) هو مقدمة لتحقيق ما عجزت الامة الاسلامية عن تحقيقه منذ نشأتها - باستثناء حقبة الخلافة الراشدة القصيرة - من سلطة الهية تستلهم تعاليم الدين، وتستمد سيادتها وشرعيتها من أوامر اللّه وشرعه".

ثم يتحدث عن الصراع بين الفريقين والهواجس التي تساور كل منهما وما تمخض عنه هذا الصراع، ويقول:

"إن الحديث عن تشكيل الحكومة الاسلامية مرتبط في أذهان الناس بالتأكيد على نموذج معين للشرعية، وبالتالي على نموذج معين لممارسة السلطة.

فالحديث عن الشرعية الدينية يجر رأساً لنموذج الخلافة، والخلافة العثمانية بالخصوص باعتبارها أقرب المراحل التاريخية للذهن المعاصر دون التمييز بين دور هذه الخلافة وطبيعتها، وبين دور الخلافة في طورها الاول (الراشدة) أو ماهو أبعد منها أي طبيعة الحكومة وشرعيتها في الفترة النبوية الشريفة.

ومن إيحاء هذا الارتباط تتغذى مخاوف الفريق الاول من الخلافة والسلطنة وما تنطوي عليه من استبداد وتكريس للفردانية وغياب الدستورية… الخ، في وقت لا يعير هذا الفريق مخاوف الفريق الثاني أهمية تذكر ولا يسمح بتعقلها، كالمخاوف المتمثلة بخطورة التماهي مع القيم الوافدة وما تؤدي اليه من استلاب وفقدان الهوية والاصالة، مع أن الوقائع التاريخية اللاحقة أثبتت بما لا يقبل الجدل جدية هذه المخاوف، وآثارها المرعبة في حياة الجماعة المسلمة. بل الملاحظ أن الفريق الاول ظل يلوك خطاب من سبقوه - المشحون بالتهم والتجني - دون أن يكلف نفسه قراءة التجربة واستخلاص العبر منها.

لقد وجدنا ومنذ عام ١٩١٤م - وهو عام سقوط الدولة الاسلامية العثمانية - ولحد الآن، أن الفريق الذي يتوجس خيفة من استبداد الخليفة السلطاني قد اوقع الامة في استبداد أفضع، وهو استبداد (النخبة)، ثم اخضعها بعد ذلك الى تعسف الديكتاتوري الذي يطل على جنح دبابة في ليل مظلم ليستولي على مقاليد البلاد والعباد، ثم ادخلها في عسف الحزب الواحد، وجور العشيرة المتخلّفة، واخيراً في فرعونية الفرد الواحد وأسرته. أولئك الذين لم ينجحوا لا في الحفاظ على الوطن الصغير ولا كسب الوطن الاكبر.

وخلال ثمانين عاما، لم يحص الوعي الشعبي وهو يراقب التجربة بخوف وحذر، سوى المزيد من الخسائر والانكسارات والهزائم المنكرة على جميع الاصعدة والمستويات، حتى أصبح جديرا أن نقول: إن من حق اتباع الفريق الاول - فضلاً عن غيرهم - أن يتمردوا على نخبهم وخلفائهم الديكتاتوريين، لانهم قدموا اداء مشينا اكثر سوءًا من اداء النموذج الذي تخوفوا منه، فقد كان النموذج السلطاني مستبدا حقا لكنه كان - وعلى الاقل - محترما من قبل أعدائه، وكان متخلفاً في أدائه ومعالجاته، الا انه كان متشدداً في حقوق بلاده فلم يبع فلسطين ولم يساوم على الجزائر أو المغرب الغربي…. الخ، ومن حق الفريق الثاني أن تتعمق مخاوفه وتزداد مراراتها سواء من العدو الاكبر (الاستكبار والامبريالية) أو من السلاطين الجدد الذين أضاعوا الهوية ولم يكسبوا الحداثة، وضحّوا بالوحدة ولم يكسبوا القطرية.

ولو كان هناك ما يبرر توقف الصراع وتجميد المخاوف بالنسبة للفريق الثاني خلال الفترة ما بين وما بعد الحربين العالميتين لأسباب عديدة فان الزمن اللاحق قد أسقط تلك الاسباب وكشف حقيقة المخاوف أو زيفها لكلا الفريقين، ورجّ الوعي المتردد بما أخرجه من قوقعة الانتظار ودفع به وبالامة الى حالات التوثب والجهاد كيما تلج الامة وطلائعها أزمتها الكبرى بكل وضوح، وبكل اقتدار، ودون ملابسات أو تبريرات.

إن المرحلة التي مرت على المسلمين وبرغم قساوتها كانت مرحلة ضرورية لانفتاح الوعي، إذ ما كان للوعي الشعبي الاسلامي أن يقفز قفزته الهائلة هذه مالم يمر بها ويتجرع مرارتها، لكن الاستمرار في صياغة المخاوف القديمة باطر جديدة، إنما هو استمرار للازمة وتكريس للمحنة وليس حلاَّ لها. واذا كان الفريق الاول لا يمتلك دليلا على عدم ضرورة قيام الحكومة الاسلامية سوى مخاوفه، وسوى ترديد المثلث المعروف (رجعية، أصولية، إرهاب) فان الفريق الثاني لا يعتقد فقط ان الحكومة الاسلامية تشكل الاجابة والمنطلق لأزمته الحاضرة، وإنما يعتقد إضافة الى ذلك بوجوب وشرعية العمل على إيجاد مثل هذه الحكومة.

بعد ذلك يثير الباحث مسألة المخاوف المحتملة من قيام الدولة الاسلامية فيقول:

"قد يقال إننا كمسلمين لسنا بصدد الادلة والبراهين التي تثبت لنا صلاحية وشمولية وقدرة عقيدتنا وأحكامها السمحاء، ولا بصدد الادلة التي تؤكد لنا ضرورة وجوب التزامنا بها وتحكيمها بيننا، فربنا هو الذي أخبر بذلك، وشواهد تاريخنا المعطاء لاتنفي ذلك.

وإننا كمسلمين نعيش أزمة كبرى ومحنة عسيرة، قد فشلت كل الطروحات البشرية في حلها - اذا لم تزدها تعقيدا - لذا فمن اللازم علينا ان نعود الى ديننا وأحكامه باعتباره البلسم الشافي لجروحنا…. لكننا نبحث عن الضمان.

إن ما نخشاه ليس هو جور الدين، فحاشا للدين عن ذلك، وإنما نخشى دور ولاة الامر وفساد أمرهم، وتجيير احكام الدين لصالح المصالح الضيقة والاهداف الجزئية. فنكون كمن وقع فيما هرب منه، وستكون مصيبتنا أشد وأعظم.

إن ما نخشاه ان نعود مرة اخرى لمظلّة الاستبداد وسيف القمع وهذه المرة باسم الاسلام وباسم اللّه، فيضيع دم الضحية بقداسة الجلاد. ان فساد حكّامنا الحاليين يضرّنا ويضر انفسهم، أما فساد الحاكم الاسلامي فانه يضرنا ويضر نفسه، ويضر الاسلام (تلك العقيدة التي نحتمي بها حينما يشتد الجور بنا وتتفاقم المصائب علينا). هذه هي مخاوف المسلمين من قيام حكومة إسلامية وهي مخاوف لا تنبعث من الخيال، ولا من التعصب (كما هو شأنها عند النخب المتسلطة) وانما منشؤها الموروث التاريخي المثقّل بتجارب الاستبداد السياسي التي حفلت بها الحياة الاسلامية السابقة، والتي مورست باسم الاسلام والخلافة والامام… انها مخاوف حقيقية وواقعية ومن الحق ان تثار، ولكن الحق ايضا ان يصار الى حلّها والوقوف حائلا أمام عدم تجسمها مرة أخرى، وذلك عبر ايجاد الضمانات وصمّامات الامان اللازمة والشرائط المحكمة لانتخاب اولياء الامور، ومسؤولي النظام، وإعطاء الامة وطلائعها المؤمنة دورها في الانتخاب والمحاسبة… الخ. ان من الحق إظهار هذه المخاوف، والاعلان عنها، والتذكير بها، وذلك حرصاً على الدين عموما وعلى التجربة المزمع قيامها خصوصاً، لكن ليس من الحق أن تتحول هذه المخاوف الى مفار

ز تعويق إزاء المشروع ابتداءً، وليس من الحق أن تكون حجة المرض على المشروع مدعاة لاجهاضه أساساً.

فنحن مع الضمانات ومع الشرائط ومع اعطاء الشعب حقه في الانتخاب والاختيار… الخ من أجل ترصين المشروع وسد منافذ انحرافه المحتملة ولمن يريد ان يكفي نفسه عناء التنظير ويحتكم الى التجربة والعمل الملموس، فليلقِ طرفه على التجربة الزاهرة التي يعيش فصولها الشعب الايراني وليغترف منها ما يشاء".

ثم يتحدث عن نموذج الجمهورية الاسلامية باعتباره التجربة المعاصرة والمشهودة للدولة الاسلامية فيقول:

لاشك أن نموذج الحكومة الاسلامية القائم في إيران هو اول تجربة متقدمة للمشروع الاسلامي في العصر الراهن، وهي قابلة للانفتاح والاستفادة من كل الاضافات الخيرة والاجتهادات المخلصة، يقول ولي امر المسلمين وقائد الثورة الاسلامية في ايران آية اللّه العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله) قبل أكثر من عشرة أعوام "نحن لاندعي تشكيلنا حكومة كحكومة الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله)، ولكننا ندعي بأننا نمضي الى الامام نحو حكومة الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) … نحن أول تجربة في هذا المجال، ونأمل ان تغنينا التجارب القادمة) [١].

لذلك، فان كل كلام سبق قيام هذه الحكومة المباركة، انما هو كلام يدور حول إمكانية المشروع المفترضة، وبعبارة أخرى يدور في اطار التنظير، اما بعد قيامها فكل بحث أو دراسة حول هذا الموضوع ستكون امام تعديل للتنظير المفترض وفق النموذج القائم، أو إضافة للنموذج القائم وفق التنظير المفترض. لذا فنحن نسأل والنموذج يجيب. وسنعرض هنا ملاحظة واحدة وعدة أسئلة خوف الاطالة وطلباً للاختصار مع التأكيد بأن مثل هذا الحوار يمكن ان يظل مفتوحاً بين السائل والنموذج، وليس بالضرورة أن يكون مادحاً أو ممجداً، فالجمهورية الاسلامية باعتبارها أمل المسلمين جميعاً تظل بحاجة الى التقويم والكثير من التنظير المعمق والاقتراحات الهادفة.

الملاحظة: إذا كنا نعتقد أو نجمع على الاعتقاد بأن الهدف الاساس من وراء قيام الحكومة الاسلامية هو اشاعة الحق والعدل والحرية والامان بين الناس، أو بعبارة أخرى، هو إيجاد الامة الوسط التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بأبعادها الواسعة، لتكون شهيدة على الناس، أو بعبارة ثالثة مختصرة وجامعة، هو تفعيل لعملية الجهاد (الاكبر والاصغر) من أجل تمهيد أرضية الهداية للعالمين، اذا كنا نعتقد ذلك، فينبغي ان نعرف الى جانب ذلك، أن روح الدولة بما هي دولة ميالة في أغلب أحوالها الى الاستقرار والانتفاع الواقعي من النعم والمعطيات الالهية، وتدعيم وجودها، بينما روح الدين تظل نازعة الى الاستمرار في الهداية والاندفاع بها الى مالانهاية وأن هذا التجاذب لابد وأن يقسم الناس الى فريقين، فريق يدعو لمواصلة الهداية الدائمة، وإدامة شروطها، وفريق يدعو الى التوقف أو التأمل واستثمار المعطيات الفعلية للحالة المتحققة. لذلك ينبغي التأكيد أن شكل الدولة أو آلية مؤسسات الحكومة ليست أهدافاً قائمة بذاتها، وإنما هي وسائل في خدمة الهدف

ـ

١ - مقالات المؤتمر الثالث للفكر الاسلامي المنعقد بطهران عام ١٩٨٥ص ٢٥.

الاكبر وهو "هداية" الانسان والاخذ بيده من دائرة الظلمات الى أفق النور الاوسع، وكلما اندكت الوسائل بالهدف وخضعت له كلما طال عمرها واتسعت قاعدتها وترسخت شعبيتها، هذه هي الملاحظة، اما الاسئلة فهي:

الاسئلة: قيل ان الحكومة الدينية اذا ما قامت، فانها تلغي الحريات المدنية جميعاً، وإنها تفرض رقابة صارمة على الضمائر والسرائر، وإنها ترجع الدنيا الى العصور المظلمة وانها تجلد العقل وتقطع الاعضاء، وإنها تبتذل المرأة وتستعبد الرجل، وانها تغيّب التبادل السلمي للسلطة وتضحي بالقانون، وانها تسيس الدين وتجمد السياسة، وانها واللائحة ليست على وشك الانتهاء، ولنسأل النموذج: هل الامر هكذا حقاً؟ لنسأل: هل ضاعت الحريات المدنية في الجمهورية الاسلامية الايرانية؟ وكيف حال المرأة فيها؟ وكم عدد الذين قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف؟ لنسأل: ماهو مستوى الجمهورية الاسلامية (التقني والعسكري والاعلامي والثقافي والاقتصادي… الخ) مقارنة مع ميزان بلدان المنطقة؟ وماهي درجة الامن والاستقرار في هذا البلد؟ وكيف تقوم الانتخابات فيه؟ وكم هي نسبة المشتركين فيها؟ كيف يعتنى بالامومة والطفولة والشباب؟ وهل تخلفت الفنون والرياضة والآداب خلال الـ ١٨ عاما الاخيرة؟ واخيراً وليس آخرا كيف يقابل الناس ولي أمرهم وقائد مسيرتهم؟ وكيف يتعامل الشعب مع مسؤوليه؟ ومن يجبر الناس على الحضور في المسيرات والتظاهرات وصلاة الجمعة… الخ؟

إن الاجابة على هذه الاسئلة وأمثالها يحتاج الى مجلدات، ولكن إطلالة موضوعية واحدة على ما حصل ويحصل في هذه البلاد تكفي للدلالة الف مرة على أن مشروع الحكومة الاسلامية هو الاجابة الواقعية على ازمة الانكسار والهامشية التي نعيشها، ويكفي ان نقول ان الانتخابات الرئاسية الاخيرة فيها قد حظيت باعجاب جميع بلدان العالم بلا استثناء ومنهم الولايات المتحدة الامريكية وهي ألدّ الاعداء وخير الفضل ما شهدت به الاعداء، فهل بعد الهدى الا الضلال؟ ".

أوليات حول دراسة الدولة الاسلامية والسلطات الثلاث

الاستاذ عبد الرزاق هادي الصالحي

ماهي آلية عمل السلطات في الدولة الاسلامية؟ هذا سؤال حاول أن يجيب عليه الباحث في ورقته، قارن فيها بين الرؤية الوضعية التي أسست وفقها الدولة الحديثة، وبين تجربتي الحكم الاسلامي (الحكومة النبوية وفترة الحكم الراشدي).

بعد أن أوضح مفاهيم "الدولة" و"السلطة" و"السيادة" تحدث عن مناهج القدرة في الدولة الاسلامية.

ثم تحدث عن الفكر السياسي الوضعي وموقفه من الدولة والسلطات الثلاث، واستعرض الفكر السياسي الاسلامي، وركز على كتاب الرسول (صلى الله عليه وآله) أو ما سمّاه "وثيقة المدينة" التي حددت أركان الدولة الاسلامية ومرجعيتها الفكرية وطرق تعاملها. واستخلص من هذه الوثيقة مايلي:

"١ - الامة: وهي (الامة الاسلامية) التي وجدت التعبير القانوني الدستوري عنها في هذه الوثيقة، حيث أن الروابط الاسرية والقبلية التي اعترف بها الاسلام واعطاها حيزا في تشريعه قد تجاوزها في التشريع السياسي وفي تشكيل المجتمع السياسي.

واعتبر أن التنظيم المجتمعي - السياسي - يقوم على أساس العقيدة والانتماء الى المشروع السياسي للاسلام، وهذا ما كانت عليه المؤاخاة الاولى والثانية.

٢ - وأن هذه الامة متماسكة متعاونة في السراء والضراء لأن هؤلاء المؤمنين يشكلون وحدة، ووحدة هذه الامة مصدرها وحدة الدين ووحدة الايمان باللّه الواحد [١] (شعب الاقليم).

٣ - ان المرجع في الاختلاف والنزاع وتفسير نصوص الوثيقة هو الرسول (صلى الله عليه وآله) والمرد في ذلك الى اللّه سبحانه فالقيادة للرسول (صلى الله عليه وآله).

ـ

١ - د. مكي محمد كاظم، النظم الاسلامية، ص ١٣٨ دار الزهراء ط ١، ١٣١١هـ، بيروت.

٤ - العقوبة شخصية ولا ترد على غيره "لا يأثم امرؤ لحليفه".

٥ - العبارة "إنه من خرج آمن ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم…. ". تحدد مكاناً تسري فيه احكام هذه الوثيقة وهي المدينة حيث السيادة الكاملة للدولة النبوية بقيادة الرسول، فالمدينة هي أرض الدولة. (إقليم الدولة).

٦ - المواطنة: تفيد دراسة نصوص "الوثيقة" أن المواطنة - في الدولة الاسلامية - لا تساوق الانتماء الديني دائماً، بل يمكن أن تفترق عنه، حين يكون المجتمع السياسي مكوناً من فئات انتماء ديني متنوع.

فكان اليهود إلى جنب المسلمين في مجتمع الدولة الاسلامية في المدينة واقرت لهم "الوثيقة" حقوقهم وعينت ما عليهم من واجبات.

ثم استعرض الشكل الاولي للسلطات في فترة حكم الخلفاء الراشدين معتقدا أنها خمس سلطات هي: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية والسلطة المالية، ثم السلطة الرقابية. وبشأن السلطة الرقابية يقول:

"وعدها بعضهم جزءاً من السلطة التنفيذية، بيد أن البعض الآخر [١] اعتبرها سلطة قائمة بذاتها، وتستند الى مبدأي الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي سلطة ذات طبيعة اجتماعية، وظيفتها ضبط علاقات الافراد في المجتمع الاسلامي وفق الضوابط الشرعية الاسلامية لمنع الانحراف فيها. ومن مؤسساتها: نظام الحسبة، وولاية المظالم، والشرطة". النظام السياسي الاسلامي

والانظمة الديمقراطية والثيوقراطية

الاستاذ علي المؤمن

يحدد الباحث في بداية ورقته مفاهيم "النظام الاسلامي" و"الديمقراطية"

ـ

١ - الشهيد عبد القادر عودة، الاسلام وأوضاعنا السياسية، مؤسسة الرسالة بيروت، ص ٢٤٣.

و"الثيوقراطية" و"النظام الاساسي" ثم يتحدث عن مجالات التقاء الديمقراطية بالنظام الاسلامي، ومجالات الافتراق بين الاثنين. ومجالات الالتقاء والافتراق بين الثيوقراطية والنظام الاسلامي.

ويعقد الباحث فصلا عن موقع الاستبداد والدكتاتورية في الانظمة الثلاثة (الاسلامي والديمقراطي والثيوقراطي) فيقول:

"تحاول الديمقراطية من خلال مختلف الاساليب تجنب الممارسات الاستبدادية والدكتاتورية في ممارسة السلطة وفي الوصول اليها، بل إنها جاءت لتقضي على الاسبتداد والدكتاتورية، اللذين كانا يتمثلان في الحكومات الاتوقراطية والارستقراطية المدعومة من قبل الكنيسة. ولكن في الواقع لاتزال الديمقراطية عاجزة عن الحيلولة دون بروز أنواع من الدكتاتورية والاسبتداد في إطار أنظمتها السياسية. ويبدأ هذا الاستبداد بالعملية الانتخابية وينتهي بممارسة الجماعة الفائزة للسلطة. ففي العملية الانتخابية، لا يرشح سوى المنظمين الى جماعات السياسيين المحترفين وأصحاب رؤوس الاموال والقادة الحزبيين، في قوائم حزبية، لا تمثل طبقات الشعب مطلقاً، بل تمثل تلك الجماعات، التي هي شكل اكثر تعقيداً، من اشكال الارستقراطية السياسيةوالاقتصادية. وبالتالي فان الاستبداد الديمقراطي يبدأ من الترشيح للانتخابات، إذ لا علاقة للشعب باقرار هؤلاء المرشحين، بل قوى الاسبتداد التي تقف إما خلف الكواليس أو على المسرح وخلال عملية التصويت تمارس هذه القوى أشكالا اخرى من الاستبداد….

أما الثيوقراطية، فهي بالاساس تمثل حكما استبدادياً مطلقا، إما يكون حكم مجموعة مستبدة أو حكماً فردياً (اوتوقراطيا) متمثلا في الامبراطور والامير أو الباب. وهذا الحكم الفردي المطلق يعني تركيز كل سلطات الدولة في يد شخص واحد، فيكون هو المشرع وهو المنفذ وهو الذي يقضي، دون وجود أية شريعة أو قوانين تحده، وان وجدت فانه بيده إبطالها أو تعطيلها أو تحريفها وتفسيرها كما يشاء. وقد اثبتت التجربة التاريخية للثيوقراطية، انها كانت تمارس أبشع انواع الاسبتداد وسلب الحريات وكتم اي صوت ينطق باتجاه يخالف بشكل أو بآخر الاتجاه الحاكم. وما محاكم التفتيش الا مؤسسة واحدة من مؤسسات الحكم الثيوقراطي، والتي كانت تأخذ على عاتقها التفتيش عن آراء الناس ومعتقداتهم في المجالات السياسية والدينية، وحتى مجالات العلوم النظرية والتطبيقية، وتحكم بالزندقة والكفر على من تريد التخلص منه، وهذا الحكم يعني الحرق أو قطع الرأس أو الشنق، أو الحبس المؤبد في أحسن الاحوال….

ونصل الى النظام السياسي الاسلامي، فان الاسلام إنما جاء ليكون خاتم الرسالات والاديان والشرائع، وليحمل الحق والاخلاق والعدالة والخير والحرية للبشرية، ويقضي على كل الوان الاستبداد والظلم. ومن هنا نرى أن السلطات في النظام السياسي الاسلامي موزعة بشكل متوازن، وانها ملزمة بقوانين الشريعة الاسلامية، وملزمة برقابة الفقهاء، وملزمة أيضا برقابة الامة، فلا تستطيع أية مؤسسة أو سلطة - مهما كان مستواها - الاستبداد في الحكم أو ممارسة الدكتاتورية، سواء كان الفقيه أو رئيس الجمهورية أو البرلمان. فهناك - اذن - كوابح دستورية، حددها دستور الجمهورية الاسلامية الايرانية، تحول بصورة حازمة وواضحة دون أي نوع من أنواع الاسبتداد. وكذلك كوابح شرعية ومعنوية، حددتها الشريعة الاسلامية، وفي مقدمتها وجوب عدالة الحكام، فممارسة الاستبداد يناقض العدالة ويسقطها عن الحاكم، وبذلك يسقط الحاكم وتسقط ولايته فور ممارسته الاسبتداد، على اعتبار أن العدالة هي أحد أهم شروط الحكّام في الدولة الاسلامية. يقول الامام الخميني: "وليس لاحد أن تكون بيده الحكومة (المطلقة) لا الفقيه ولا غير الفقيه، وإنما الجميع يعملون طبقا للقانون، وهم مجرد منفذين له وحسب. والفقيه لي

س فقط لا يريد ارتكاب مخالفة، وليس فقط لا يريد فرض سيطرته على الحكومة، وإنما يريد الا يسمح لهذه الحكومات بأن تعود الى ما كان عليه الوضع سابقا، والى الوضع الطاغوتي والدكتاتوري، ويريد أن يمنع من حصول ذلك…".

ثم يفصل الحديث في الضمانات التي تقي النظام الاسلامي من الديكتاتورية.

واجبات وحقوق الحاكم الاسلامي

الاستاذ شهاب الدين الحسيني

لخّص الباحث واجبات الحاكم الاسلامي السياسية بما يلي:

١ - استشارة أصحاب الاختصاص ٢ - تعيين الامناء والاكفاء في مراكز الدولة ٣ - الحرص على وحدة الامة الاسلامية ٤ - المحافظة على الامن والاستقرار ٥ - إعلان الحريات العامة ٦ - القضاء العادل بين المسلمين ٧ - مساواة الرعية أمام القانون.

أما واجباته الاجتماعية فهي:

١ - الاهتمام بامور المسلمين ٢ - وجوب النظر في حوائج الناس ٣ - حسن التعامل مع الرعية.

وواجباته الاقتصادية:

١ - تحقيق التوازن الاقتصادي ٢ - العدالة في العطاء ٣ - مواساة الرعية في المستوى المعاشي ٤ - مراقبة العمليات الاقتصادية.

هذا اضافة الى واجباته التعليمية والتربوية.

أما حقوق الحاكم الاسلامي فقد لخّصها بما يلي:

١ - حق الطاعة ٢ - وجوب النصيحة على الامة ٣ - حقّ النصرة ٤ - حقّ الانفراد بالرأي ٥ - الصبر على مقررات الحاكم ٦ - حق الاستمرار في منصب الحاكمية.

ويلاحظ في البحث اهتمام صاحبه بالاستناد الى روايات أهل السنة والشيعة. من ذلك - مثلا - حديثه عن شروط حقّ الطاعة، فقد ذكرها بما يلي:

"١ - انّ حقّ الطّاعة مشروط بالتزام الحاكم الاسلامي بواجباته تجاه الرعية، وقد تظافرت الروايات وآراء الفقهاء في تأكيد هذا الشرط.

وقال الامام علي (عليه السلام): "ألا وإنّ لكم عندي ألا احتجز دونكم سرّاً إلا في حرب ولا أطوي دونكم أمراً إلا في حكم، ولا أؤخر لكم حقّاً عن محله، ولا أقف به دون مقطعه، وأن تكونوا عندي في الحقّ سواء، فاذا فعلت ذلك وجب للّه عليكم النعمة ولي عليكم الطاعة" [١].

وقال أيضاً: "فقد جعل اللّه سبحانه لي عليكم حقّاً بولاية أمركم، ولكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم" [٢].

وأكدّ الفرّاء على ذلك بقوله: "وإذا قام الامام بحقوق الامّة وجب عليهم الطاعة" [٣].

ويرى الهريدي أن الخلافة عقد يتم عن اختيار وقبول بين الامة والخليفة يرتب على كل من الطرفين التزامات وحقوقاً "يرتب للامّة على الخليفة السير في حكمه وسياسته على مقتضى كتاب اللّه وسنّة رسوله وإقامة العدل بين الناس، ورفع الظلم عنهم، وحراسة الدين، وإقامة شعائره وحدوده، والدفاع عن دار الاسلام، ويرتب للخيلفة على الأمّة السمع والطاعة…. " [٤].

فطاعة الحاكم طردياً مع التزامه بواجباته تجاه الرعية.

٢ - شرعية الاوامر:

إن طاعة الحاكم الاسلامي ليست مطلقة في كل أمر صادر منه، وإنما يطاع في خصوص الاوامر التي لا معصية فيها، فيجب أن يكون الامر مشروعاً حتى يكون موضوعاً لحق الطاعة، وهذا الشرط محل اتفاق جميع المسلمين من جميع المذاهب، فالطاعة مقيّدة بالأمر المشروع، قال الرسول (صلى الله عليه وآله): "انما الطاعة في المعروف" [٥].

وقال (صلى الله عليه وآله): "لا طاعة لمخلوق في معصية اللّه" [٦].

وحذّر (صلى الله عليه وآله) من طاعة من عصى اللّه من الحكّام فقال: "من أرضى سلطاناً بما أسخط اللّه تعالى خرج من دين الاسلام" [٧].

وقال بدر الدين العيني: "وجوب السمع والطاعة للامام…. مالم تكن معصية لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والاخبار الواردة بالسمع والطاعة للائمة مالم يكن خلافاً لامر اللّه تعالى ورسوله، فاذا كان خلاف ذلك فغير جائز لأحد أن يطيع أحداً في معصية رسوله وبنحو ذلك قالت عامة السلف" [٨].

وأكدّ النووي على هذا الشرط قائلاً: "تجب طاعة الامام في أمره ونهيه مالم يخالف حكم الشرع" [٩].

الحكومة الاسلامية ضرورة شرعية وحضارية

الاستاذ شاكر شبع

عرض الكاتب وثائق عديدة من القرآن والسنة تدل على ضرورة إقامة الحكومة الاسلامية، مثبتا بذلك هذه الضرورة في الاطار الشرعي. وعن هذه الضرورة في الاطار الحضاري قال:

"إن هذه الصورة الواقعية لانظمة اليوم لهي صرخة في منافذ الوعي الجاثم تحت أثقال قرون من التراجع والتهاون والتعامي عن نكبات الروح والبدن…

إنها دعوة للبحث في معادلات الواقع بحثا جاداً، وبالتأكيد سوف تقفز في طليعة عناوينه تلك المعادلة التبادلية الصارمة، معادلة الحضارة والوجود الحضاري: (…. إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [١٠].

إنها معادلة صارمة حقاً، لا تتردد على الاعلان دوما أن الوجود إنما هو الوجود الحضاري، ولا وجود حضاري لامة مالم يمتزج دستورها القيمي بواقعها المعاشي، وهذه هي الضرورة الحضارية لقيام حكومة إسلامية صالحة، قادرة على استيعاب المثل العليا وتحويلها الى محركات فعلية ومفاعلات نابضة بالحركة والحياة، لتصنع واقعاً جديداً، واقعا حيا عارفا بنفسه وبزمانه ومكانه واتجاهه وموقعه بين التيارات الاخرى.

إنه لا حضارة الا بدستور حي فاعل، ولا حياة ولا فعل لدستور الا بجهاز حكم منظم وواع ورشيد… وحيث مايدور الحديث من عودة الوعي الى المسلمين في عصرنا الحاضر، فانما يراد به وعيهم لهذه المعادلة الصارمة - معادلة الحضارة".

العلاقات الدولية للحكومة الاسلامية

من وجهتي النظر الفقهية والسياسية

الاستاذ عباس الذهبي

درس الباحث في مقاله مسألة علاقة الدولة الاسلامية بالبلدان الاخرى غير الاسلامية، أهي علاقة تقوم على أساس الحرب أصلا، أم أنها تقوم على أساس السلم وأن الحرب تحتاج الى مجوّز شرعي؟ والرأي المختار للباحث:

"أن السلم هو الأصل الأولي في تعامل الحكومة الاسلامية على الصعيد الدولي".

ثم تحدث الكاتب عن القواعد الفقهية التي تحكم السياسة الخارجية، وذكر قاعدتين:

أولاً - قاعدة نفي السبيل

(… ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلا) [١١].

والآية في مقام تقرير حقيقة موضوعية هي: أن تمكين الكافرين من المؤمنين لن يأتي من طريق "سبيل" قصور الاسلام - عقيدة وشريعة - عن ضمان السيادة والنصر. وإذا غُلب المسلمون على أمرهم وتمكن الكفار منهم، فإن ذلك يكون من طريق آخر، هو تقصير المسلمين وعدم التزامهم بالاسلام… ونلاحظ أن الآية نصّت على أن اللّه لن يجعل سبيلاً على "المؤمنين" وليس على المسلمين.

ومن المعلوم أن المؤمنين هم المسلمون المتقون، الواعون، الملتزمون بالاسلام عقيدة وشريعة، وهم أعلى درجة في الالتزام من سائر المسلمين. وهؤلاء هم الواجدون لأسباب القوة، والمنعة ضد الكفار، الذين لن يكون لهم سبيل وتمكن من السيطرة [١٢] …

ثانيا - قاعدة الاسلام يعلو ولا يعلى عليه

تبلورت هذه القاعدة على ضوء الحديث الذي ورد في كتاب: من لا يحضره الفقيه ج ٤ ص ٢٤٣ الوارد في باب ميراث أهل الملل، وقد جاء فيه أن: "الاسلام يعلو ولا يعلى عليه، والكفار بمنزلة الموتى، لا يحجبون ولا يورثون". والعلو - هنا - يمكن أن يتصور منه أحد معنيين:

أ - إما علو عقائد الاسلام، ومبادئه وشريعته، من حيث أنها حق وغيرها باطل. وعليه فهي عالية علو الحق على الباطل.

ب - وإما علو المسلمين بالاسلام، فلا يجوز أن تهدر كرامتهم أو تصادر حقوقهم وحرياتهم أو يكونوا في موقع الدّونية والمهانة بالنسبة الى غيرهم.

وعلى كلا المعنيين يمكن أن يستنبط مبدأ الاستقلال بحكومة الاسلام، ومن خلاله لا يمكن السماح لأي سلطة خارجية غير إسلامية أن تتدخل في شؤون الاسلام والمسلمين وتحاول أن تصادر حقوقهم وتعبث بمقدراتهم أو تنتهك مقدساتهم أو تفرض عليهم. مالا يتناسب مع كرامتهم ومصالحهم أو تفرض شروطاً مذلة عليهم وهذه القاعدة تنسجم مع قوله تعالى: (وللّه العزة ولرسوله وللمؤمنين) [١٣].

في الدولة ووظائفها وفصل السلطات…

الاستاذ الشيخ مصطفى ملص

استعرض الباحث أولا آراء فقهاء السياسة المسلمين مثل الماوردي والامام الخميني والسيد الصدر ليبين أن أعمال الدولة تتلخص في إثبات سلطانها على الارض والانسان.

وبعد أن يستعرض السلطات الثلاث في ظل الدولة الاسلامية يشير الى وجود من يضيف سلطتين آخريين اعتبرهما مستقلتين عن بقية السلطات وكانتا موجودتين في الدولة الاسلامية، وهما: السلطة المالية وسلطة المراقبة والتقويم. وهذا هو رأي الشهيد عبد القادر عودة في كتاب: الاسلام وأوضاعنا السياسية.

ويرى الباحث أن تطور حقل الاعلام والتربية سيدفع الى أن يصبح كل منهما سلطة مستقلة قائمة بذاتها لها قانونها ونظامها الخاص، ويوضح السلطتين على النحو التالي:

السلطة الإعلامية

لقد أصبح الإعلام في عصرنا الحاضر، ضرورة من أهم الضرورات السياسية والاجتماعية والإقتصادية والثقافية، وقد احتل دوراً متقدماً في التأثير على حياة الشعوب وسلوكياتها، وأصبح له تحكم وتأثير حتى في المسار السياسي للدول والشعوب.

وفي العالم الغربي وكثير من دول العالم، بدأت تطلق على وسائل الإعلام تسمية "السلطة الرابعة"، نظراً للضغط الذي تشكله في المجتمع، وعلى السلطات فيه، مما يجعلها أشد تأثيراً من أية سلطة من السلطات الثلاث.

ومن هنا; نرى أن على الدولة الإسلامية أن تضع تنظيماً يؤسس لتحويل الإعلام إلى سلطة يتم من خلالها إدارة عملية الحوار في المجتمع الإسلامي عبر تحويل وسائل الاعلام إلى منابر سياسية وثقافية وفكرية، تتخاطب من خلالها كل القوى الحية والمؤثرة في المجتمع، من أجل الارتقاء بالمجتمع نحو سمو الرسالة التي يؤمن بها.

السلطة التربوية

إن الدور الذي احتلته العملية التربوية، والأهمية التي تحظى بها، قد حولها إلى أهم وأخطر عملية جماعية تتم في الهيئة الاجتماعية، وقد استطاع الغرب من خلال تنظيم العملية التربوية التي استوردتها بلادنا وطبقتها وفقاً لتوجيه واضعيها، أن تحقق قدراً كبيراً من الفصل بين انساننا وماضيه، وتراثه وفكره وقيمه الاجتماعية والأخلاقية، وأوجدت شرخاً بين الطالب ومحيطه، وربطته بآليات وتقنيات معقدة، تنتهي به ليكون مجرد آلة، يمكن التحكم بها واستخدامها على الشكل الذي تريده القوة المسيطرة على زمام الأمور في العالم.

وبما أن عملية التربية هي العملية التي يتم من خلالها صياغة الإنسان المسلم ليؤدي الدور الذي خلق من أجله، فهذا يعني أن ضبط هذه العملية هو السبيل الوحيد، من أجل أن لا يقع الإنسان في اغتراب عن ذاته.

من هنا; نرى أن عملية التحويل هذه لايمكن أن تتحقق مالم تتحول الهيئة التربوية إلى سلطة مستقلة كل الاستقلال عن باقي السلطات في الدولة، ولنا في تجربة الحوزات العلمية التي اتصفت دائماً بالاستقلالية عن السلطة الحاكمة، أياً كانت هذه السلطة، مثل واضح، بل نستطيع القول ان الحوزة العلمية بقيادة مراجعها الكبار، كانت دائما سلطة مستقلة.

ونرى أن من مهام السلطة التربوية المقترحة القيام بما هو آت:

١ - الإشراف على المساجد والنوادي الحسينية وتوابعها.

٢ - ربط التعليم الابتدائي بالمسجد بحيث تحول المساجد إلى مناهل يتلقى الطفل المسلم فيها لغته الأولى الأساسية، ولغة القرآن، وعلم الحساب.

٣ - تنقية العلوم أو المناهج من كل الحشو الذي لا يحقق مصلحة للطالب ولأمته.

٤ - إنشاء الجامعات والحوزات العلمية وربطها بمراكز العلم الرئيسية في العالم الإسلامي مثل النجف وقم والأزهر الشريف ومكة والمدينة والزيتونة وغيرها، وجعل التعليم متناسباً مع الأساليب الإسلامية التي تهيء العلماء الحقيقيين وليس حملة الشهادات الفارغة من المضمون العلمي.

٥ - تخريج القضاة والدعاة وحملة العلوم الإنسانية النافعة.

٦ - الفصل بين العلوم والدراسات الإنسانية وبقية العلوم المهنية والتقنية وجعل هذه الأخيرة مرتبطة بوزارة أو وزارات مختصة. وجعل العلوم التقنية والمهنية في المرحلة الثانية من حياة الطالب الدراسية.

ثم يتحدث في ختام ورقته عن الاسباب الموجبة للأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات.

العلاقات الدولية في الاسلام

الاستاذ مجيب جواد الرفيعي

تحدث الكاتب عن العلاقات الدولية في نظر الاسلام، وعرّف الديبلوماسية بانها: فن إدارة العلاقات الخارجية، أو هي أسلوب رعاية مصالح الدولة في الخارج ولدى الدول الاخرى، وهي الاساليب السياسية التي تتبعها الدولة في تنظيم علاقاتها مع الدول الاخرى. وذكر تطور الديبلوماسية الاسلامية، ومهام الرسل والسفراء في الدولة الاسلامية، ولخص هذه المهام بما يلي:

١ - نشر الدعوة الاسلامية: أي عكس الحالة الاسلامية في الدول الاخرى، فلقد كانت تصرفات السفراء المسلمين وسلوكهم والتزامهم بالدين الحنيف فيه الدعوة للاسلام بطريق غير مباشر.

وبعد تراجع أهمية هذه الوظيفة، أي وظيفة الدعوة الى الاسلام، ألقي على عاتق السفراء مهام أخرى استوجبتها الاوضاع الجديدة للدولة الاسلامية واتساع حدودها وتعدد نشاطها تبعاً لذلك.

والواقع أنه لم تجر القواعد في الدولة الاسلامية على إرسال سفير أو مبعوث أو رسول خصيصاً لاعلان الحرب، إنما كان هذا الاعلان مرتبطاً دائماً بشيء آخر مثل الدعوة الى الاسلام وإنذار من لايدخل دين اللّه فإنما يقع عليه وازرة القتال.

٢ - متابعة الاحداث وما يجري داخل البلد: أي أن يكون الدبلوماسي ممثلاً عملياً لمعنى الدبلوماسية وديناميكياً في متابعته وابن زمنه وظرفه، ولهذا كانت التعليمات صريحة واضحة لدى السفراء المسلمين بضرورة متابعة الاحداث وما يجري داخل الدولة.

هذه التعليمات جاءت في شكل نقاط محددة، والاجابة عنها تعطي صورة محددة واضحة بحيث يكون لدى الدولة المرسلة فكرة كاملة شاملة، تفيد في تخطيط سياسة الدولة في السلم والحرب على حد سواء.

فالسفارة مسؤولة عن جمع المعلومات وتتبع الاحداث الداخلية والخارجية، وفوق هذا الاهتمام بالجانب العسكري، وهو الجانب الذي يقوم به في الوقت الحاضر الملحقون العسكريون [١٤].

٣ - الهدنة والصلح: أي الاشتراك في عقد الاتفاقيات لتنظيم العلاقات، فقد كان من ضمن المهام الرئيسية - واستمرت على ذلك - للبعثات الدبلوماسية، التوسط في إبرام الهدنة وعقد الصلح وإجراء المفاوضات الخاصة وانهائها.

والهدنة توقف مؤقت للأعمال الحربية وهي عمل مختلط، تتواءم فيه الصفتين العسكرية والسياسية، فالصفة العسكرية تظهر في أحكامه، أما الصفة السياسية فهي الغرض الذي من أجله تعقد الهدنة.

أما الصلح فهو انهاء الحرب بين طرفين متنازعين.

والرسل والسفراء هم المفاوضون بين الاطراف المتنازعة من أجل الوصول الى عقد هدنة أو ابرام صلح.

٤ - تبادل الاسرى: تلك المهمة الانسانية التي احتلت جانباً كبيراً من الدبلوماسية الاسلامية على مدى قرون عديدة.

٥ - المحالفات: على توالي العصور لجأت الدول الى اتباع اسلوب الاحلاف كوسيلة للمحافظة على بقائها في المحيط الدولي وحفظ كيانها حيال الدول الاخرى التي تتعارض معها في مصالحها.

ولقد كانت المحالفات تستهدف تأمين الدولة ضد مجموعات أخرى حتى لا تطمع هذه أو تلك في أراضي الجانب الآخر، وحتى يحل التفاهم محل النزاع وتحقيق هذه الاهداف يستدعي نوعية خاصة من الدبلوماسيين.

٦ - التهنئة والتعزية: وهي تأتي ضمن سياق ما يسمى بقواعد تبادل الاعراف، وتسمى سفارات المجاملة، لأنها في الظاهر تعني المجاملة بالتهنئة أو التعزية.

٧ - تدعيم الروابط الثقافية: لقد سعت السفارات الاسلامية بنشاطاتها المختلفة وذكاء ومهارة السفراء الى تدعيم العلاقات الثقافية، واستجلاب العلماء وتشجيع التبادل الثقافي.

ـ

١ - شرح نهج البلاغة ١٧ / ١٦.

٢ - نهج البلاغة ١١ / ٨٨.

٣ - الاحكام السلطانية ٢٨.

٤ - نظام الحكم في الاسلام ١٢٠، أحمد هريدي، جامعة القاهرة ١٩٦٨.

٥ - صحيح البخاري ٩ / ٧٨ - ٧٩.

٦ - مسند أحمد ١ / ١٣١، تاريخ بغداد ٣ / ١٤٥.

٧ - مستدرك الوسائل ٢ / ٣٦٤.

٨ - عمدة القارئ ٢٤ / ٢٢٤، بدر الدين العيني، دار الفكر - بيروت.

٩ - روضة الطالبين ٧ / ٢٦٧، النووي، دار الكتب العلمية - بيروت.

١٠ - الرعد / ١١.

١١ - النساء / ١٤١.

١٢ - راجع كتاب: نظام الحكم والادارة في الاسلام - الشيخ محمد مهدي شمس الدين / ٤٩٨ - ٤٩٩.

١٣ - المنافقون / ٨.

١٤ - النظم الدبلوماسية، د. صلاح الدين المنجد / ٩٩.



[ Web design by Abadis ]