ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 رسالتان بين واعظ زاده و بن باز \ مفتي عام المملكة العربية السعودية و رئيس هيئة كبار العلماء و ادارة البحوث العلمية والافتاء

مقدمة

تبودلت منذ أمد رسالتان بين الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية من الجمهورية الاسلامية الإيرانية والشيخ عبد العزيز بن عبد اللّه بن باز، الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإرشاد والدعوة الإسلامية والمفتي العام بالمملكة العربية السعودية. الرسالة الأولى بعثت من مكة المكرمة، أيام الحج في ١١ ذي الحجة الحرام ١٤١٣هـ. ق، والرسالة الثانية، صدرت إجابة للأولى من مكتب المفتي العام في ٦ من جمادى الثاني ١٤١٦ هـ. ق، رقم ١٦٦٥ / ١، أي بعدما يقارب سنتين وبضعة شهور.

تناولت الرسالة الأولى مسألتين مهمتين شغلتا ولا تزالان الأوساط الدينية، ودور العلم في البلاد الإسلامية بل المجتمعات الاسلامية عامة على صعيدي الثقافة والسياسة.

الاولى: مسألة التبرك والتوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله) وبالأولياء في حياتهم ومماتهم. وهذه المسألة أحدثت ضجة بين المسلمين منذ قرون بين موافق او مخالف لها إطلاقاً، أو مفصِّل بين ما إذا خلصت من شائبة الشرك فتجوز، وإلا فلا، وقد نشرت حولها مئات الكتب وآلاف الخطابات والبحوث.

والأستاذ الخراساني طرح المسألة على أساس أنها مسألة خلافية بين المسلمين وحتى بين الصحابة أنفسهم، مشيراً إلى بعض ما يدعم رأيه، مؤكدا على أن مثل هذه المسألة الخلافية سواء أجزناها أو رفضناها، لا ينبغي أن تكون مدعاة لتهمة الشرك ولا رمي القائلين بها الى اعتقاد الشرك والخروج عن ربقة الاسلام.

المسألة الثانية: حول الصلح مع العدو الصهيوني، الذي أجازه الشيخ بن باز في بعض بحوثه إذا لم يكن في إمكان المسلمين الحرب مع هذا الكيان، وإحقاق حقوق الشعب الفلسطيني من خلال القتال، استنادا إلى صلح النبي (صلى الله عليه وآله) مع المشركين في الحديبية. وقد شغل بحث الأستاذ الخراساني حول هذه المسألة قسطاً كبيراً من رسالته، مركزاً على وجود فرق واضح بين صلح الحديبية وبين الصلح مع الكيان الصهيوني من نواح شتى [١].

أجاب الشيخ بن باز عن المسألة الاولى مصرّحا بوجود الخلاف فيها بين بعض الصحابة، ومفرّقاً في التبرك بآثار النبي، بين ما مسّ بدنه في حياته وبين غيره بعد وفاته، فجوّز الأول استناداً إلى شواهد كثيرة، ومنع الثاني لعدم الدليل على جوازه، وقد أطال البحث حول هذه المسألة وما شابهها مستندا الى ابن تيمية وغيره. ولكن الشيخ بن باز أمسك في رسالته عن الاجابة عن المسألة الثانية رغم أهميتها القصوى في حياة المسلمين.

ونحن إذ نشكر الأستاذين لهذه الروح الأخوية والحوار العلمي الذي جرى بينهما في المسألتين - رغم البون الشاسع في وجهات النظر - بروح طيّبة واحترام متبادل، كما كانت عليه سيرة السلف الصالح من الصحابة الكرام

ـ

١ - راجع أيضا بحث الاستاذ الدكتور عبد الهادي الفضلي، تحت عنوان: الرأي الفقهي في السلام مع اسرائيل، مجلة رسالة التقريب، العدد ١٥.

وكثير من التابعين وجلّ العلماء والعظام، رأينا أن نضع نص الحوار بين أيدي الباحثين ليكون نموذجا للروح العلمية الموضوعية المتوخّاة في مثل هذه المسائل الخلافية، علماً بأن المجلة نشرت من قبل رسالة الامين العام فقط.

رسالة الاستاذ الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، سماحة الأستاذ الجليل الشيخ عبد العزيز بن عبد اللّه بن باز المحترم / الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.

السلام عليكم ورحمة اللّه، وبعد:

لاحَظت تركيزكم على مسألة التوحيد في عدد من أعداد مجلة البحوث الاسلامية، كما سمعتكم في جلستين وفقت لزيارتكم، تؤكدون تأكيدا متواصلاً على إرشاد الناس الى التوحيد الخالص للّه رب العالمين. ولا شك أنه الأساس القويم، والركن الركين لهذا الدين الحنيف، بل هو محور كل أحكامه وشرائعه. وهذه ميزة لمستها في سماحتكم مشكورين.

ومع احترامي وتقديري لجهودكم في هذا السبيل، خطر ببالي بعض الملاحظات، أحببت أن أبديها لكم راجياً أن يكون فيها خير الاسلام والمسلمين، والاعتصام بحبل اللّه المتين في سبيل تقارب المسلمين، ووحدة صفوفهم في مجال العقيدة والشريعة.

أولاً: لاحظتكم تعبّرون دائماً عن بعض ما شاع بين المسلمين، من التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وآله) وبعض الأولياء، كمسح الجدران والأبواب في الحرم النبوي الشريف وغيره، شركاً وعبادة لغير اللّه، وكذلك طلب الحاجات منه ومنهم، ودعائهم، وما الى ذلك.

إني أقول: هنا فرق بين ذلك، فطلب الحاجات من النبي ومن الأولياء، باعتبارهم يقضون الحاجات من دون اللّه أو مع اللّه، فهذا شرك جلي لا شك فيه، لكن الأعمال الشائعة بين المسلمين، والتي لا ينهاهم عنها العلماء في شتى أنحاء العالم الاسلامي من غير فرق بين مذهب وآخر، ليست هي في جوهرها طلباً للحاجات من النبي والأولياء، ولا اتخاذهم أرباباً من دون اللّه، بل مردّ ذلك كله (لو استثنينا عمل بعض الجهال من العوام) الى أحد أمرين:

التبرك والتوسل بالنبي وآثاره، أو بغيره من المقربين الى اللّه عزوجل.

فالتبرك بآثار النبي من غير طلب الحاجة منه ولا دعائه، فمنشؤه الحبّ والشوق الأكيد رجاء أن يعطيهم اللّه الخير بالتقرب الى نبيه واظهار المحبة له، وكذلك بآثار غيره من المقرّبين عند اللّه.

وإني لا أجد مسلماً يعتقد أن الباب والجدار يقضيان الحاجات، ولا أن النبي (أو الولي) يقضيانها، بل لا يرجو بذلك إلا اللّه إكراماً لنبيه أو لأوليائه أن يفيض اللّه عليه من بركاته.

والتبرك بآثار النبي كما تعلمون - ويعلمه كل من اطلّع على سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) - كان معمولاً به في عهد النبي، فكانوا يتبركون بماء وضوئه وثوبه وطعامه وشرابه وشعره، وكل شيء منه ولم ينههم النبي عنه ولعلكم تقولون: أجل، كان هذا، معمولاً به بالنسبة الى الأحياء من الاولياء والأتقياء (كما شاهدت أصحابكم يتبركون بطعامكم) وأنه خاص بالأحياء، دون الأموات، لعدم وجود دليل على جوازه إلا في حال الحياة بالذات. فأقول: هناك بعض الآثار تدل على أن الصحابة قد تبركوا بآثار النبي بعد مماته، فعن عبد اللّه بن عمر (رضي الله عنه) أنه كان يمسح منبر النبي تبركاً به. وهناك شواهد، على أنهم كانوا يحتفظون بشعر النبي، كما كان الخلفاء العباسيون، ومن بعدهم العثمانيون، يحتفظون بثوب النبي تبركاً به، ولا سيما في الحروب، ولم يمنعهم أحد من العلماء الكبار والفقهاء المعترف بفقههم ودينهم.

وهنا يعجبني أن ألخص لسماحتكم كلام الأستاذ الدكتور سعيد رمضان العالم السوري في هذا المجال نقلاً عن كتابه (فقه السنة) فانه بعد ما أشار الى شطر مما يدل على جواز التوسل بالنبي (صلى الله عليه وآله) وبآثاره قال: "وليس ثمة فرق بين أن يكون ذلك في حياته أو بعد وفاته. فآثار النبي لا تتصف بالحياة مطلقا"، سواء تعلق التبرك والتوسل بها في حياته أوبعد وفاته، كما ثبت في صحيح البخاري في باب شيب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

ومع ذلك، فقد ضلّ أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول اللّه، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته بعد وفاته، بحجة أن تأثير النبي قد انقطع بوفاته، فالتوسل به، إنما هو توسل بشيء لا تأثير له البتة.

وهذه حجة تدل - كما ترى - على جهل عجيب جداً، فهل ثبت لرسول اللّه تأثير ذاتي في الأشياء حال حياته، حتى نبحث عن مصير هذا التأثير من بعد وفاته؟ إن أحداً من المسلمين لا يستطيع أن ينسب أي تأثير ذاتي في الأشياء لغير الواحد الأحد جلّ جلاله ومن اعتقد خلاف هذا يكفر باجماع المسلمين كلهم.

فمناط التبرك والتوسل به أو بآثاره ليس هو أسناد أي تأثير إليه، والعياذ باللّه، وإنما المناط كونه أفضل الخلائق عند اللّه على الإطلاق وكونه رحمة من اللّه للعباد، فهو التوسّل بقربه إلى ربه وبرحمته الكبرى للخلق.

وبهذا المعنى كان الصحابة يتوسلون بآثاره من دون أن يجدوا فيه أي إنكار. وقد مر في هذا الكتاب (أي فقه السنة) بيان استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح والتقوى وأهل بيت النبوة في الاستسقاء وغيره، وإن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء بما فيهم الشوكاني وابن قدامة الحنبلي والصنعاني وغيرهم.

والفرق بعد هذا بين حياته وموته خلط عجيب غريب في البحث لا مسوّغ له "انتهى موضع الحاجة " [١].

هذا كله بالنسبة الى التبرك بآثار النبي حياً وميتاً، وأما التوسل بذاته أو بأحد من أهل بيته فهو كذلك، كما رأينا في كلام الدكتور البوطي، وكان معمولاً به حتى بعد وفاته كما استسقى الخليفة عمر (رضي الله عنه) متوسلاً بعمّ النبي العباس من دون أن ينكر

ـ

١ - فقه السيرة، ط ١٠ / ٣٥٥.

عليه أحد من الصحابة، ومن دون أن يكون لحياة النبي وموته تأثير عنده في جواز التوسل به.

ومردّ ذلك أنّ التبرك بآثار النبي والتوسل به وبآثاره وبذريته وبالأتقياء من أتباعه ليس معناه طلب الحاجة منهم، ولا أن في شيء منها بما في ذلك ذات النبي تأثيراً في رفع الحاجات ودفع الملمات أو أنه يضرّ وينفع، كما ورد في كلامكم في صدد النهي عنه (أنه لا يضر ولا ينفع)، فهذا تحويل للمسألة عن جوهرها، بل كل ذلك يعد للنبي وغيره من المقربين استجلاباً لرحمة اللّه تبارك وتعالى، لما نعلم من منزلتهم عند اللّه، استناداً الى سيرته وسيرة المسلمين، فلا يقاس هذا بعمل المشركين في شأن آلهتهم، حيث كانوا يعتقدون فيها التأثير في دفع الملمات ورفع الحاجات، إما مباشرة أو بالاشتراك مع اللّه.

كما لا ينبغي الاستشهاد على حرمة التبرّك والتوسّل (بالمعنى المذكور) وكونهما شركاً بما ورد من الآيات إدانة للمشركين، فإن ذلك ليس منه في شيء، والفرق بينهما واضح جلي، فهذا مظهر من مظاهر الشرك، وذلك مظهر من مظاهر التوحيد وحب اللّه وأوليائه.

بقي هنا أمران: الأول: أن يقول قائل: نحن نسلّم بجواز التبرك والتوسل للعلماء الذين فهموا جوهر الدين، إلا أن ذلك ممنوع على العوام لإنهم سوف يحولونهما الى الشرك، حيث يعتقدون للنبي وآثاره وللأولياء تأثيراً ذاتياً في رفع الحاجات أو دفع المضّرات، فيجب المنع عنهما سدّاً للذرائع.

وهذا ماسمعنا به من الأستاذ الدكتور محمد بن سعد سويعر يوم حضرنا عندكم وجلسنا على مائدتكم مشكورين.

والجواب على هذا الكلام سهل، فانه إذا ثبت جواز عمل بل استحبابه بدليل قطعي فلا يجوز المنع عنه بقول مطلق، خوفاً من الجُهّال أن يحولوه الى مافيه لون من الشرك، وإلا كان ينبغي للرسول (صلى الله عليه وآله) نهي الناس عن التبرك بآثاره سداً للذريعة، كما كان ينبغي له أن يمنع الناس عن زيارة القبور حذراً من أن الجُهّال يتّخذونها صنماً يعبد، أو يمنع من استلام الحجر لنفس السبب، هذا ليس هو الطريق الوحيد والقول السديد لسد الذرائع، بل الطريق هو مراقبة العلماء الذين هم ورثة الأنبياء والذين هم أمناء اللّه على حلاله وحرامه، فانهم أمروا بحفظ الناس عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين كما جاء في الحديث [١] من غير أن يحرّموا حلالاً أو يحلّلوا حراماً، ويفرّقوا في حكم واحد بين العوام والخواص.

الأمر الثاني: إن من يجوّز التبرك والتوسل هم جمهور العلماء في قبال جماعة أقل منهم بكثير لا يجوّزونهما، ولا ريب أن المجوزين اختاروا الجواز بعد الوقوف على الآراء، وبعد البحث والفحص عن الأدلة، والاطلاع على ما أبداه الشيخان السلفيّان الشيخ ابن تيمية، والشيخ محمد بن عبد الوهّاب وأتباعهما، فهؤلاء لم يقتنعوا طوال هذه القرون السبعة الى يومنا هذا بحجج مخالفيهم، فهم مجتهدون، ولكل مجتهد مصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد، كما هو ثابت عند الفقهاء، فالمسألة بعد أن عادت خلافية اجتهادية، فهل تسمحون في مثل هذه المسألة التي جلُّ العلماء على جوازها وقليل منهم على حرمتها، نسبة الكفر والشرك بل الفسق والضلال الى هؤلاء الجّم الغفير المعترف بفقههم وتقواهم؟ فما هو الفارق إذا بين القطعيات والظنيات؟ سواء في حقل العقيدة أو في حقل الشريعة؟ إنما الحكم بالكفر ثابت فيمن أنكر ضرورياً من ضروريات الدين ليس إلا، دون مسألة خلافية; هي معترك الآراء بين الفقهاء.

فأقلّ ما يقال في مثل هذه المسألة الخلافية هو الاحتياط بالإمساك عن التقوّل فيهم، حتى ترجع المسألة قطعية، والاكتفاء لمن لا يجوِّزه بالوعظ والإرشاد، إذا رآه شركاً أو بدعة وضلالاً، فهذا منتهى المطاف في أداء الواجب من مثله. وقد مرّ بنا أن استهللنا كلامنا بالتقدير لجهودكم في سبيل إرساء أمر التوحيد، وهذا بنفسه سعي مشكور أغتبطكم عليه، لولا أن ينضمّ اليه إطلاق القول بالشرك أو الكفر فيمن جوّز هذا العمل عن اجتهاد ونظر، من دون تقليد أعمى، ولا جهل بالكتاب والسنّة وبآراء الفقهاء، الموافق منهم والمخالف.

ـ

١ - معالم الدين. ط ١٤١٣هـ. ق / ٣٣.

ثانياً: أحببت الإشارة إلى مسألة أخرى لها أهميتها، وهي ما أفتيتم بشأن مسألة فلسطين، حيث تقولون: "إنه يجب على المسلمين وعلى الدول الاسلامية والأغنياء والمسؤولين أن يبذلوا جهودهم ووسعهم في جهاد أعداء اللّه اليهود، أو فيما تيسر من الصلح إن لم يتيسر الجهاد، صلحا عادلا يحصل به للفلسطينيين إقامة دولتهم على أرضهم، وسلامتهم من الاذى من عدو اللّه اليهود، مثلما صالح النبي أهل مكة، وأهل مكة في ذلك الوقت أكثر من اليهود الآن، وإن المشركين والوثنيين أكثر كفراً من أهل الكتاب، فقد أباح اللّه طعام أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم، ولم يبح طعام الكفار من المشركين، ولا نساءهم، وصالحهم النبي (صلى الله عليه وآله) على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكفّ بعضهم عن بعض، وكان في هذا الصلح خير عظيم للمسلمين، وإن كان فيه غضاضة عليهم بعض الشيء. لكن رضيه النبي (صلى الله عليه وآله) للمصلحة العامة.

فاذا لم يتيسر الاستيلاء على الكفرة، والقضاء عليهم، فالصلح جائز لمصلحة المسلمين، وأمنهم واعطائهم بعض الحقوق…. " [١].

وهذه الفتيا منكم إنما صدرت ولاشك إخلاصاً للاسلام والمسلمين، وحرصاً على إرشاد الأمة الى مافيه خيرهم وصلاحهم، إلا أنّ فيها بعض الملاحظات، فهي تحتوي شطرين:

الشطر الأول: وجوب حرب اليهود وبذل الجهود في جهاد أعداء اللّه اليهود. وهذا ما يوافقكم عليه علماء الاسلام جميعاً شيعة وسنة، ولعلكم لمستم موقف الشيعة، في مكة المكرمة عبر شعاراتهم، أو سمعتم به عن طريق المذياع أو قرأتم عنه في الجرائد، أنهم أشدّ الناس على الكفّار ولاسيما على اليهود. فهذا حق صريح، ورأيكم حجة على جميع المسلمين حكومات وشعوباً، جزاكم اللّه عنهم خير الجزاء، وشكر مساعيكم، فقد أديتم واجبكم امام اللّه تبارك وتعالى وأمام المسلمين قاطبة.

وأما الشطر الثاني وهو ما تيسر من الصلح إن لم يتيسر الجهاد صلحاً عادلاً الى

ـ

١ - مجلة البحوث الاسلامية رقم ٣٥ / ٢٤.

آخر ما أبديتم من الرأي باخلاص فيجب الوقوف عنده طويلاً.

لا ريب أن المسألة لو كانت كما اقترحتم وكانت القيود والشروط محققة بالشكل الذي قيّدتم، فالحكم هو ما صرحتم به، الا أن المسألة مع الأسف الشديد ليست بهذه السهولة، ومغزى كلامي أن البحث ليس في الكبرى من الدليل، وإنما هو في الصغرى، وتوضيحها كما يأتي:

أولاً: إن الجهاد مع اليهود ميسور وبابه مفتوح بمصراعيه أمام المسلمين، إلا أن حكّام المسلمين لم يقفوا يوماً ولا يريدون أن يقفوا أمام العدّو بكل جهودهم وإمكانياتهم، فان العرب طرحوا القضية منذ أربعين سنة ولحد الآن قضية عربية، وليست إسلامية، وهذه أول ضربة وجهوها الى القضية، حيث أبعدوا بهذا المشروع العنصري معظم المسلمين عن ساحة المعركة، ولا أقل من أن ذلك أصبح عذراً لأولئك الحكام الذين لا علاقة لهم بشؤون المسلمين، فكانوا يقولون كما سمعت مراراً من أعوان الشاه في إيران: "هذه مشكلة العرب مع اليهود لا شأن لنا فيها". فلم يكونوا يسمعون صرخات المسلمين والعلماء من أنها اسلامية، بحجة أن العرب يعدّونها مسألة عربية.

وأمثال هؤلاء الحكام من العرب وغيرهم يطيقون استماع صرخات هؤلاء الشباب والأطفال المحاربين بالحجارة داخل الأرض المحتلة وهتافاتهم: "اللّه اكبر" "نحن مسلمون" ولا أن يروا في التلفزة صلاتهم حول المسجد الأقصى، لأن ذلك سوف يمثل إسلامية القضية فتأخذ العذر من أيديهم.

ثانياً: حتى العرب أنفسهم الذين احتكروا المسألة بحجة أنها عربية، وأنها مسألتهم دون سائر المسلمين لا يتفقون على كلمة واحدة، ولم يجهزوا إمكانياتهم أمام العدوّ، ولم يقفوا صفاً واحداً، فبدلاً من ذلك كله، افترقوا أحزاباً وشعوباً يهاجم بعضهم بعضاً، عسكرياً وإعلامياً، لاشيء إلا لصالحهم ولصالح العدّو، فلم يجهزوا أنفسهم للمعركة لاهم ولا سائر المسلمين ولم يمتثلوا أمر ربهم: (وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو اللّه وعدوّكم) فعندهم البترول الذي هو شريان حياة الأعداء، فلم يستفيدوا من هذه القوة الهائلة التي هي أقوى بكثير من رباط الخيل ومن أي قوة توجد في العالم.

كماأنهم لم يهتموا بقول ربهم: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) وما بمعناه في الكتاب والسنة.

فمن منهم لا يتّخذ أعداء اللّه أولياء، ولا يميل الى اليمين والشمال (وقد سقط بحمد اللّه) ولا يعتمد ولا يستنصر بالأعداء (سوى النزر اليسير)، ولا يركع لصنم منهم ولا يسجد؟ وبعضهم لا يأكل ولا يشرب إلا باذنه؟

ومن خفى عليه هذا فليس له الدخول في المعارك السياسية وإظهار الرأي فيها.

والعجب كلّ العجب صمتُ بعض العلماء عن هؤلاء الحكام الركع السجود أمام الاصنام الطواغيت، ثم ينادي ويحكم بكفر وشرك أولئك المسلمين المساكين، الذين بذلوا كل ما عندهم، وتحملوا المشاق، وجاؤوا من كل فج عميق، حتى نالوا زيارة النبي، وقلوبهم ملئت بحبه، فقبّلوا الباب والشُبّاك حباً له، رجاء التقرب إلى اللّه بحبه، ويرون هذا منتهى أملهم من الحياة، فاذا بعالم أو مسؤول سكت عن ذلك الشرك الكبير وعن هؤلاء الأبالسة الكبار، يضربه بالسياط ويشتمه باللسان، ويكرر عليه: "هذا شرك، هذا كفر"، أليس هذا إبعاد المسلمين المخلصين عن الدين، وعن ساحة القتال مع اليهود ومع سائر أعداء الدين؟ فانه إذا كان كافراً ومشركاً فلماذا يضحي بنفسه في المعركة في سبيل الاسلام؟

وأنا أقول بصراحة: لو أن العلماء ومن وراءهم (بل ومن فوقهم!) الحكّام لم يخطئوا الطريق، واستقروا على الصراط القويم، لأمكن لهم تجيهز الملايين من الشبّان المسلمين الغيارى على الاسلام ضد اليهود، ولو تحقق هذا الحلم يوماً ما فإنا نرى أن كلمة اللّه هي العليا، وأن اللّه يحقق وعده: (إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبت أقداكم).

ثالثاً: الاستشهاد للصلح مع اليهود بمثل ما صالح النبي أهل مكة والمشركين عجيب فهو قياس مع الفارق، وفيه وجوه من الخلط والتمويه:

١ - إن النبي صالح أهل مكة من موقف القوة دون الضعف كما قال تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد ان أظفركم عليهم، وكان اللّه بما تعملون بصيرا) [١] مع أن حكّام العرب حينما يريدون أن يساوموا على الصلح مع العدو، إنما هم في منتهى الضعف (ولاسيما بعد حرب الخليج) سياسياً وعسكرياً والشيطان الأكبر الحامي لاسرائيل، رست أقدامه على أرضهم بكل ماله من العدة والعدد، وله حق الحياة والبقاء على جملة من الحكام، فهم عبيد في قبضته، يحق لهم أن يركعوا ويسجدوا أمامه آناء الليل وأطراف النهار وأنهم ليبذلون أموال المسلمين ويعرضون شعوبهم المساكين الى الكفار بالمجان، لا لشيء سوى للاحتفاظ على منصبهم، فهم متسلطون على أعناق الشعوب، راكعون أمام الأعداء. "أسد عليّ وفي الحروب نعامة". وفي مثل هذه الحالة يريدون ان يجلسوا مع العدّو حول طاولة المفاوضات للسلام (العادل) !!

ومن الدليل على ضعف المشركين وقوة المسلمين في الحديبية قول النبي (صلى الله عليه وآله) لرسول المشركين عنده (بديل بن ورقاء الخزاعي) "إن قريشاً قد أنهكتهم الحرب، وأخذت بهم فإن شاؤوا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس…. الى أن قال: فان هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ولينفذ اللّه أمره".

وإن مبايعته المسلمين على الحرب والتضحية بالنفس والمال كان استعداداً كاملاً للحرب.

ثم إن عروة بن مسعود رسول المشركين الآخر لديه حينما رجع الى المشركين قال لهم: "فوالله ما تنخّم رسول اللّه نخامة إلا وقعت في كفّ رجل منهم فدلك به وجهه وجلده، واذا أمرهم بأمر ابتدأوا امره واذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه واذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون النظر اليه تعظيما له، الى أن قال: أي قوم: لقد وفدتُ على الملوك ووفدتُ على قيصر وكسرى والنجاشي، واللّه إن رأيت ملكاً يُعظّمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً. وأنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها…. " رواه: البخاري ومسلم بتفاوت.

ـ

١ - الفتح / ٢٤.

٢ - إن اليهود ليسوا وحدهم الذين يحاربون شعب فلسطين، بل وقف الى جنبهم طواغيت العالم الذين غرسوا هذه الشجرة الخبيثة في أرض الاسلام وهم الذين يحاربون الاسلام والمسلمين، فندخل في الصلح معهم، لأنهم أقل من المشركين؟

وليس هؤلاء الطواغيت، ولا حتى اليهود الذين استولوا على أرض فلسطين بأهل كتاب، وإنما هم ملاحدة، دينهم الدولار، وأمنيتهم الاستيلاء على ثروات الأرض، فان اليهود في فلسطين معظمهم صهاينة ليسوا بأهل كتاب ولا أهل دين، بل هم حزب سياسي عنصري.

على أن اليهود في العالم يعدّون بعشرات الملايين، وكلهم مع يهود فلسطين، وبيدهم ثروات هائلة، وفي قبضتهم السوق العالمي والمصانع والسفن والاسلحة، ووسائل الإعلام العالمي: فكيف يجوز أن يقال: أن اليهود اليوم أقل من أهل مكة في ذلك اليوم؟

فيجب إذاً أن نضع هذه الأشياء في الميزان ثم نحكم بالصلح، وبدونها لم يتحقق صلح عادل.

٣ - إن الصلح كان مع أهل مكة بأمر من اللّه دون مشورة المؤمنين بل أكثرهم قاوموا النبي (صلى الله عليه وآله) أمام عقد الصلح وعند بعض بنوده، حتى أنزل اللّه سورة الفتح وكشف النقاب عن وجه الصلح، وعدّه فتحاً مبيناً، ومع ذلك لم يعترف كثير منهم في صميم قلوبهم وباقتناع نفسي منهم بأنه كان خيراً، حتى رأوا النتيجة ماثلة أمامهم بعد مدة.

٤ - كانت هناك حِكَم وأسباب جاءت في سورة الفتح تصريحاً أو إيماء، كالحفاظ على المؤمنين والمؤمنات القاطنين بمكة يومئذ الذين لم يعرف أشخاصهم، وكالحصول على الارضية المناسبة لاختلاط المسلمين بالمشركين، وتبيين الاسلام لهم واكتساب قلوبهم صوب المسلمين، وغير ذلك مما صرحتم به في مقالكم، ويعلم بالتدبر في سورة الفتح وفي الحوادث التي حدثت عقيب الصلح، ولا يوجد شيء من هذه الحِكَم والأسباب في الصلح مع اليهود الآن، بل الأمر بالعكس كما سنوضح.

٥ - اليهود الآن بما أعدوا واستعدوا للمعركة الحاسمة، معتمدون على تلك القوى العالمية الشيطانية، قادرون على أن يقضوا على الشعب الفلسطيني، ومن جاورهم من الشعوب، ولاسيما القاطنين في أرض الجزيرة العربية التي لليهود فيها مطامع تاريخية: كأراضي بني النضير وبني قريظة وأراضي خيبر وغيرها، في طرفة عين، ولعلّهم يفعلونها يوما من الأيام (لا قدر اللّه هذا اليوم). فهم حينما يفاوضون العرب من أجل السلام، لم يقصدوا السلام، ولم يكن خوفاً من العرب، إنما يريدون أن يسيطروا على أراضيهم وثرواتهم برفق وبرضا منهم أو من حكّامهم، ليتدخلوا في شؤونهم ثقافياً واقتصادياً وسياسياً، فيكونوا أحراراً فيما يعملون في تلك البقاع، ويتخذوا من تلك الشعوب أداة لبسط سلطانهم عليهم وعلى العالم الاسلامي كله، ويتعاملوا معهم معاملة السيد مع عبيده، والملك مع رعيته طوال الدهر.

ويرون أن الصلح المنشود هو الطريق الوحيد للوصول الى مطامعهم، حتى أنهم يمهلون أمر الصلح عمداً، ويسوّفونه قصداً، لإرضاء النفوس شيئاً فشيئاً، حتى يقتنعوا بأنه لا طريق للخلاص سوى الصلح والسلام.

مع أن مثل هذا الصلح هو الرصاصة الأخيرة لسقوط هذه الشعوب ثم لسقوط العالم الاسلامي والمسلمين في أيدي اليهود. فأين الصلح العادل؟ ليس هذا سوى الاستسلام المطلق دون السلام العادل.

ثمّ إنّ اليهود، متى التزموا بعهودهم طوال دهرهم وخاصة في مسألة فلسطين لكي نثق بهم؟ وأخيراً; لو فرضنا حصول كل هذه الشروط والقيود، فان الحكّام لا نثق بهم وسوف يتخذون من هذه الفتيا ذريعة لالتباس الأمر على الشعوب، وسيفاوضون العدو في صالحهم أكثر من صالح الشعوب، وسيكون هذا الحكم من سماحتكم مبدأ شرعية اليهود وشرعية عمل الحكام الذين أجروا عقد الصلح ومفاوضة السلام معهم.

فاياكم أن تجعلوا رقبتكم قنطرة لهؤلاء، والصواب هو الاكتفاء منكم بالشطر الأول من الفتيا، والانصراف عن الشطر الثاني رأساً، والمرجو منكم أن تأخذوا هذه السطور بعين الاعتبار، ثم الاجابة عليها، فإني ما أردت إلا الإصلاح ما استطعت، واللّه من وراء القصد، والسلام عليكم ورحمة اللّه.

محمد واعظ زاده الخراساني

مكة المكرمة ١١ ذي الحجة الحرام سنة ١٤١٣هجرية

رسالة الأستاذ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز الى حضرة المكرم الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني منحني الله وإياه الفقه في الدين، وأعاذنا جميعاً من طريق المغضوب عليهم والضالين آمين.

سلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته، أمابعد.

فقد وصلني كتابكم وصلكم اللّه بحبل الهدى والتوفيق وجميع ما شرحتم كان معلوماً.

وقد وقع في كتابكم أمور تحتاج إلى كشف وايضاح، وإزالة ماقد وقع لكم من الشبهة عملاً بقول النبي (صلى الله عليه وسلم): "الدين النصيحة". وقوله (صلى الله عليه وسلم): "من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله". وغيرهما من الأحاديث الكثيرة في هذا الباب.

وقد أرشد إلى ذلك مولانا سبحانه في قوله عزوجل: (وتعاونوا على البر والتقوى) وقوله سبحانه: (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن).

فأقول: ذكرتم في كتابكم ما نصه: "ومع احترامي وتقديري لجهودكم في هذا السبيل خطر ببالي بعض الملاحظات، أحببت أن أبديها لكم راجياً أن يكون فيها خير الاسلام والمسلمين، والاعتصام بحبل اللّه المتين في سبيل تقارب المسلمين، ووحدة صفوفهم في مجال العقيدة والشريعة.

أولاً: لاحظتكم تعبّرون دائماً عن بعض ما شاع بين المسلمين من التبرك بآثار النبي (صلى الله عليه وسلم)، وبعض الأولياء كمسح الجدران، والأبواب في الحرم النبوي الشريف وغيره شركاً وعبادة لغير اللّه. وكذلك طلب الحاجات منه ومنهم، ودعاؤهم وما إلى ذلك.

إني أقول: هناك فرق بين ذلك، فطلب الحاجات من النبي ومن الأولياء، باعتبارهم يقضون الحاجات من دون اللّه أو مع اللّه، فهذا شرك جلي لاشك فيه، لكن الأعمال الشائعة بين المسلمين، والتي لا ينهاهم عنها العلماء في شتى أنحاء العالم الإسلامي، من غير فرق بين مذهب وآخر، ليست هي في جوهرها طلباً للحاجات من النبي والأولياء، ولا اتخاذهم أرباباً من دون اللّه، بل مردّ ذلك كله (لو استثنينا عمل بعض الجهال من العوام)، إلى أحد أمرين: التبرك والتوّسل بالنبي وآثاره، أو بغيره من المقرّبين إلى اللّه عزوجل.

أما التبرك بآثار النبي من غير طلب الحاجة منه، ولادعائه، فمنشؤه الحب والشوق الأكيد، رجاء أن يعطيهم اللّه الخير، بالتقرب إلى نبيه، وإظهار المحبة له، وكذلك بآثار غيره من المقربين عند اللّه.

وإني لا أجد مسلماً يعتقد أن الباب والجدار يقضيان الحاجات، ولا أن النبي أو الولي يقضيها، بل لا يرجو بذلك الا اللّه، إكراماً لنبيه، أو لأحد من أوليائه، أن يفيض اللّه عليه من بركاته. والتبرك بآثار النبي كما تعلمون ويعلمه كل من اطلع على سيرة النبي (صلى الله عليه وسلم) - كان معمولاً به في عهد النبي، فكانوا يتبركون بماء وضوئه، وثوبه وطعامه وشرابه وشعره وكل شيء منه، ولم ينههم النبي عنه، ولعلكم تقولون: أجل كان هذا، وهو معمول به الآن بالنسبة إلى الأحياء من الأولياء والأتقياء لكنه خاص بالأحياء، دون الأموات لعدم وجود دليل على جوازه إلا في حال الحياة بالذات فأقول: هناك بعض الآثار تدل على أن الصحابة قد تبركوا بآثار النبي بعد مماته، فعن عبد اللّه ابن عمر - رضي اللّه عنهما - أنه كان يمسح منبر النبي تبركاً به.

وهناك شواهد على أنهم كانوا يحتفظون بشعر النبي، كما كان الخلفاء العباسيون ومن بعدهم العثمانيون، يحتفظون بثوب النبي تبركاً به، ولاسيما في الحروب، ولم يمنعهم أحد من العلماء الكبار والفقهاء المعترف بفقههم ودينهم، انتهى المقصود من كلامكم.

والجواب أن يقال: ماذكرتم فيه تفصيل:

فأما التبرك بما مسّ جسده - عليه الصلاة والسلام - من وضوء أو عرق أو شعر ونحو ذلك. فهذا أمر معروف وجائز عند الصحابة - رضي اللّه عنهم - وأتباعهم بـإحسان. لما في ذلك من الخير والبركة. وهذا أقرهم النبي (صلى الله عليه وسلم).

فأما التمسح بالأبواب والجدران والشبابيك ونحوها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي، فبدعة لا أصل لها، والواجب تركها لأن العبادات توقيفية لا يجوز منها إلا ما أقره الشرع لقول النبي (صلى الله عليه وسلم): "من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو رد" متفق على صحته… وفي رواية لمسلم، وعلّقها البخاري (رحمه الله) في صحيحه جازماً بها: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد".

وفي صحيح مسلم عن جابر (رضي الله عنه)، قال كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يقول في خطبته يوم الجمعة: "أما بعد فإن خير الحديث كتاب اللّه وخير الهدى هدى محمد (صلى الله عليه وسلم)، وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة" والأحاديث في ذلك كثيرة. فالواجب على المسلمين التقيد في ذلك بما شرعه اللّه كاستلام الحجر الأسود وتقبيله، واستلام الركن اليماني.

ولهذا صح عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه قال لما قبل الحجر الأسود: "إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) يقبلك ما قبلتك".

وبذلك يعلم أن استلام بقية أركان الكعبة، وبقية الجدران والأعمدة غير مشروع لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يفعله، ولم يرشد إليه ولأن ذلك من وسائل الشرك. وهكذا الجدران والأعمدة والشبابيك وجدران الحجرة النبوية من باب أولى لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يشرع ذلك ولم يرشد اليه ولم يفعله أصحابه - رضي اللّه عنهم - .

وأما ما نقل عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - من تتبع آثار النبي (صلى الله عليه وسلم) واستلامه المنبر فهذا اجتهاد منه (رضي الله عنه)، لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم). وهم أعلم منه بهذا الأمر، وعلمهم موافق لمادلت عليه الأحاديث الصحيحة. وقد قطع عمر (رضي الله عنه)، الشجرة التي بويع تحتها النبي (صلى الله عليه وسلم) في الحديبية، لما بلغه أن بعض الناس يذهبون إليها ويصلون عندها خوفاً من الفتنة بها، وسداً للذريعة.

وأما دعاء الأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك فهو الشرك الأكبر وهو الذي كان يفعله كفار قريش مع أصنامهم وأوثانهم، وهكذا بقية المشركين يقصدون بذلك أنها تشفع لهم عند اللّه، وتقربهم إليه زلفى، ولم يعتقدوا أنها هي التي تقضي حاجاتهم وتشفى مرضاهم وتنصرهم على عدوهم، كما بين اللّه سبحانه ذلك عنهم في قوله سبحانه: (ويعبدون من دون اللّه مالا يضرهم ولا ينفعهم، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه)، فرد عليهم سبحانه بقوله: (قل أتنبئون اللّه بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون).

وقال عزوجل في سورة الزمر: (فاعبد الله مخلصاً له الدين الا لله الدين الخالص، والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم الا ليقربونا الى اللّه زلفى، إن اللّه يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون، إن اللّه لا يهدي من هو كاذب كفار) فأبان سبحانه في هذه الآية الكريمة: أن الكفار لم يقصدوا من آلهتهم أنهم يشفون مرضاهم، أو يقضون حوائجهم وانما أرادوا منهم أنهم يقربونهم الى اللّه زلفى، فأكذبهم سبحانه ورد عليهم قولهم بقوله سبحانه: (إن اللّه لا يهدي من هو كاذب كفار) فسماهم كذبة وكفاراً بهذا الأمر.

فالواجب على مثلكم تدبر هذا المقام وإعطاؤه ما يستحق من العناية. ويدل على كفرهم ايضا بهذا الاعتقاد، قوله سبحانه: (ومن يدعُ من دون اللّه إلهاً آخر لابرهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون) فسماهم في هذه الآية كفاراً وحكم عليهم بذلك لمجرد الدعاء لغير اللّه من الأنبياء والملائكة والجن وغيرهم.

ويدل على ذلك أيضا قوله سبحانه في سورة فاطر: (ذلكم اللّه ربكم له الملك. والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير. إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم. ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير) فحكم سبحانه بهذه الآية على أن دعاء المشركين لغير اللّه، من الأنبياء والأولياء، أو الملائكة أو الجن، أو الاصنام أو غير ذلك بأنّه شرك، والآيات في هذا المعنى لمن تدبر كتاب اللّه كثيرة.

وننقل لك هنا من كلام شيخ الاسلام ابن تيميه (رحمه الله) في الفتاوى ص ١٥٧ ج ١ ما نصه: "والمشركون الذين وصفهم اللّه ورسوله بالشرك أصلهم صنفان: قوم نوح، وقوم إبراهيم. فقوم نوح كان أصل شركهم العكوف على قبور الصالحين ثم صوروا تماثيلهم، ثم عبدوهم، وقوم إبراهيم كان أصل شركهم عبادة الكواكب والشمس والقمر وكل من هؤلاء يعبدون الجن، فإن الشياطين قد تخاطبهم، وتعينهم على أشياء، وقد يعتقدون أنهم يعبدون الملائكة، وإن كانوا في الحقيقة إنما يعبدون الجن، فإن الجن هم الذين يعينونهم، ويرضون بشركهم، قال اللّه تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون. قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم، بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون).

والملائكة لا تعينهم على الشر، لافي المحيا ولا في الممات، ولا يرضون بذلك، ولكن الشياطين قد تعينهم وتتصور لهم في صور الآدميين، فيرونهم بأعينهم ويقول أحدهم: أنا ابراهيم أنا المسيح، أنا محمد أنا الخضر أنا أبو بكر أنا عمر، أنا عثمان أنا علي أنا الشيخ فلان، وقد يقول بعضهم عن بعض هذا هو النبي فلان، أو هذا هو الخضر، ويكون أولئك كلهم جناً، يشهد بعضهم لبعض، والجن كالإنس. فمنهم الكافر، ومنهم الفاسق، ومنهم العابد الجاهل، فمنهم من يحب شيخاً فيتزي في صورته ويقول: أنا فلان، ويكون ذلك في برية ومكان قفر، فيطعم ذلك الشخص طعاماً ويسقيه شرابا أو يدله على الطريق أو يخبره ببعض الأمور الواقعه الغائبة، فيظن ذلك الرجل، أن نفس الشيخ الميت أو الحي فعل ذلك، وقد يقول: هذا سر الشيخ وهذه رقيقته، وهذه حقيقته، أو هذا ملك جاء على صورته، وانما يكون ذلك جنياً، فإن الملائكة لا تعين على الشرك والإفك والإثم والعدوان. وقد قال اللّه تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب، ويرجون رحمته ويخافون عذابه. إن عذاب ربك كان محذورا) قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون الم

لائكة والأنبياء كالعزير والمسيح، فبين اللّه تعالى أن الملائكة والأنبياء عباد اللّه. كما أن الذين يعبدونهم عباد اللّه، وبين أنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويتقربون إليه كما يفعل سائر عباده الصالحين.

والمشركون من هؤلاء قد يقولون: إنا نستشفع بهم، أي نطلب من الملائكة والأنبياء أن يشفعوا، فإذا أتينا قبر أحدهم طلبنا منه أن يشفع لنا فإذا صورنا تمثاله - والتماثيل إما مجسّدة وإما تماثيل مصورة كما يصورها النصارى في كنائسهم - قالوا: فمقصودنا بهذه التماثيل تذكر أصحابه، وسيرهم ونحن نخاطب هذه التماثيل ومقصودنا خطاب أصحابها ليشفعوا لنا إلى اللّه فيقول أحدهم: يا سيدي فلان، أو يا سيد جرجس أو بطرس، أو ياستي الحنونة مريم أو ياسيدي الخليل أو موسى بن عمران أو غير ذلك اشفع لي إلى ربك.

وقد يخاطبون الميت عند قبره: سل لي ربك، أو يخاطبون الحي وهو غائب كما يخاطبونه لو كان حاضراً حياً وينشدون قصائد بقول أحدهم فيها: يا سيدي فلان أنا في حبك أنا في جوارك أشفع لي الى اللّه، سل اللّه لنا أن ينصرنا على عدونا، سل اللّه أن يكشف عنا هذه الشدة أشكو اليك كذا وكذا فسل اللّه أن يكشف هذه الكربة، أو يقول أحدهم: سل اللّه أن يغفر لي.

ومنهم من يتأول قوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك، فاستغفروا اللّه وأستغفر لهم الرسول لو جدوا اللّه تواباً رحيما). ويقولون: إذا طلبنا منه الاستغفار بعد موته كنا بمنزلة الذين طلبوا الاستغفار من الصحابة. ويخالفون بذلك الاجماع من الصحابة والتابعين لهم بـإحسان، وسائر المسلمين، فإن أحداً منهم لم يطلب من النبي (صلى الله عليه وسلم) بعد موته أن يشفع له، ولا سأله شيئاً، ولا ذكر ذلك أحد من أئمة المسلمين في كتبهم وإنما ذكر ذلك من ذكره من متأخري الفقهاء، وحكوا حكاية مكذوبة على مالك (رضي الله عنه)، سيأتي ذكرها، وبسط الكلام عليها إن شاء اللّه تعالى.

فهذه الأنواع من خطاب الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم عند قبورهم وفي مغيبهم، وخطاب تماثيلهم، هو من أعظم أنواع الشرك الموجود في المشركين، من غير أهل الكتاب، وفي مبتدعة أهل الكتاب والمسلمين الذين أحدثوا من الشرك والعبادات مالم يأذن به اللّه تعالى، قال تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به اللّه). إلى آخر ماذكره (رحمه الله) في رسالته الجليلة المسماة (القاعدة الجليلة في التوسل والوسيلة) قد أوضح فيها أنواع الشرك فراجعها إن شئت.

وقال أيضا (رحمه الله) في رسالته إلى اتباع الشيخ عدي بن مسافر ص ٣١ ما نصه: (فصل: وكذلك الغلو في بعض المشايخ إما في الشيخ عدي، ويونس القني أو الحلاج وغيرهم، بل الغلو في علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) ونحوهم، بل الغلو في المسيح (عليه السلام) ونحوه فكل من غلا في حي أو في رجل صالح كمثل علي (رضي الله عنه) أو عدي أو نحوه، أو في من يعتقد فيه الصلاح كالحلاج أو الحاكم الذي كان بمصر أو يونس القني، ونحوهم وجعل فيه نوعاً من الألوهية مثل أن يقول: كل رزق لا يرزقنيه الشيخ فلان ما أريده، أو يقول إذا ذبح شاة باسم سيدى. أو يعبده بالسجود له، أو لغيره أو يدعوه من دون اللّه تعالى مثل أن يقول: يا سيدي فلان اغفر لي او ارحمني أو انصرني أو ارزقني أو أغثني أو أجرني أو توكلت عليك أو أنت حسبي أو أنا في حسبك أو نحو هذه الأقوال والأفعال التي هي من خصائص الربوبية التي لا تصلح الا للّه تعالى، فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبة فإن تاب وإلا قتل. فإن اللّه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لنعبد اللّه وحده لا شريك له ولا نجعل مع اللّه إلهاً آخر.

والذين كانوا يدعون مع اللّه آلهة أخرى مثل الشمس والقمر والكواكب والعزير والمسيح والملائكة واللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى ويغوث ويعوق ونسراً، وغير ذلك لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو أنها تنزل المطر أو أنها تنبت النبات وانما كانوا يعبدون الأنبياء والملائكة والكواكب والجن والتماثيل المصورة لهؤلاء، أو يعبدون قبورهم، ويقولون إنما نعبدهم ليقربونا الى الله زلفى. ويقولون هم شفعاؤنا عند اللّه، فأرسل اللّه رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لادعاء عبادة ولادعاء استغاثة. قال تعالى: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً. أولئك الذين يدعون يبتغون الى ربهم الوسيلة أيهم أقرب. ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً).

قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة فقال اللّه لهم: هؤلاء الذين تدعونهم يتقربون إليّ، كما تتقربون ويرجون رحمتي كما ترجون رحمتي ويخافون عذابي كما تخافون عذابي.

وقال تعالى: (قل أدعوا الذين زعمتم من دون اللّه لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض. ومالهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن أذن له) فأخبر سبحانه. أن ما يدعا من دون اللّه ليس له مثقال ذرة في الملك ولا شرك في الملك وأنه ليس له في الخلق عون يستعين به وأنه لا تنفع الشفاعة عنده إلا بإذنه". إلى أن قال (رحمه الله): "وعبادة الله وحده هي أصل الدين، وهو التوحيد الذي بعث اللّه به الرسل وأنزل به الكتب، فقال تعالى: (واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا. أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون) وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت) وقال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحي اليه أنه لا إله الا أنا فاعبدون).

وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يحقق التوحيد ويعلمه أمته حتى قال له رجل: ما شاء اللّه وشئت. فقال: "أجلعتني للّه نداً؟ بل ما شاء الله وحده" وقال: "لا تقولوا ما شاء اللّه وشاء محمد ولكن ما شاء اللّه ثم ما شاء محمد" ونهى عن الحلف بغير اللّه تعالى فقال: "من كان حالفاً فليحلف باللّه أو ليصمت" وقال: "من حلف بغير اللّه فقد أشرك" وقال: "لا تطروني كماأطرت النصارى عيسى بن مريم وإنما أنا عبد اللّه فقولوا عبد اللّه ورسوله".

ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق كالكعبة ونحوها. ونهي النبي (صلى الله عليه وسلم) عن السجود له، ولما سجد بعض أصحابه له نهي عن ذلك وقال: "لا يصلح السجود الا لله" وقال: "لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" وقال لمعاذ بن جبل (رضي الله عنه): "أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجداً له؟ " قال: لا، قال: "فلا تسجد لي" ونهى النبي (صلى الله عليه وسلم) عن اتخاذ القبور مساجد وقال في مرض موته "لعن اللّه اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" إلى أن قال (رحمه الله): ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المسجد على القبور ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقول الصلاة عندهاباطلة.

الى أن قال - رحمه اللّه تعالى - : "وذلك إن من أكبر أسباب عبادة الأوثان كانت تعظيم القبور. بالعبادة ونحوها، قال اللّه تعالى في كتابه: (وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً) قال طائفة من السلف: كانت هذه الأسماء لقوم صالحين فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم وعبدوها.

ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي (صلى الله عليه وسلم) عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، انتهى المقصود من كلامه (رحمه الله).

وقال العلامة ابن القيم (رحمه الله) في الجواب الكافي ص ١٥٦ ما نصه: (فصل: ويتبع هذا الشرك الشرك به سبحانه في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات. فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره والطواف بغير بيته وحلق الرأس عبودية وخضوعاً لغيره وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمين اللّه في الأرض وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها وقد لعن النبي (صلى الله عليه وسلم) من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى للّه فيها، فكيف بمن اتخذ القبور أوثاناً يعبدها من دون اللّه. ففي الصحيحين عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي الصحيح عنه: "إن من أشرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" وفي الصحيح أيضا عنه: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك".

وفي مسند الإمام أحمد (رضي الله عنه) وصحيح ابن حبان عنه (صلى الله عليه وسلم) قال: "لعن اللّه زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج". وقال: "اشتد غضب اللّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". وقال: "إن من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند اللّه يوم القيامة، " فهذا حال من سجد للّه في مسجد على قبر فكيف حال من سجد للقبر نفسه، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" انتهى كلامه (رحمه الله).

وبما ذكرنا في صدر هذا الجواب، وبما نقلناه عن شيخ الاسلام ابن تيميه (رحمه الله) وتلميذه العلامة إبن القيم (رحمه الله) يتضح لكم ولغيركم من القراء أن ما يفعله الجهال من الشيعة وغيرهم، عند القبور من دعاء أهلها والاستغاثة بهم والنذر لهم والسجود لهم وتقبيل القبور طلباً لشفاعتهم أو نفعهم لمن قبلها. كل ذلك من الشرك الأكبر لكونه عبادة لهم والعبادة حق اللّه وحده كما قال اللّه سبحانه: (واعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً) وقال سبحانه: (وما أمروا الا ليعبدوا اللّه مخلصين له الدين حنفاء).

وقال عزوجل: (وما خلقت الجن والإنس الا ليعبدون) إلى غير ذلك من الآيات التي سبق بعضها.

أما تقبيل الجدران، أو الشبابيك أو غيرها، واعتقاد أن ذلك عبادة للّه، لا من أجل التقرب بذلك الى المخلوق. فإن ذلك يسمى بدعة لكونه تقرباً لم يشرعه اللّه فدخل في عموم قول النبي (صلى الله عليه وسلم): "من أحدث في أمرنا هذا ماليس منه فهو ردّ" وفي قوله (صلى الله عليه وسلم): "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".

وأما تقبيل الحجر الأسود، واستلامه واستلام الركن اليماني فكل ذلك عبادة للّه وحده واقتداء بالنبي (صلى الله عليه وسلم) لكونه فعل ذلك في حجة الوداع وقال: "خذوا عني مناسككم" وقد قال اللّه عزوجل "لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة" الآية.

وأما التبرك بشعره (صلى الله عليه وسلم) ووضوئه، فلا حرج في ذلك كما تقدم لأنه - عليه الصلاة والسلام - أقر الصحابة عليه ولما جعل اللّه فيه من البركة، وهي من اللّه سبحانه، وهكذا ما جعل اللّه في ماء زمزم من البركة حيث قال (صلى الله عليه وسلم) عن زمزم إنها مباركة وإنها طعام طعم وشفاء سقم.

والواجب على المسلمين الاتباع والتقيد بالشرع، والحذر من البدع القولية والعملية. ولهذا لم يتبرك الصحابة - رضي اللّه عنهم - بشعر الصديق (رضي الله عنه)، أوعرقه أو وضوئه ولا بشعر عمر أو عثمان أو علي أو عرقهم أو وضوئهم… ولا بعرق غيرهم من الصحابة، وشعره ووضوئه لعلمهم بأن هذا أمر خاص بالنبي (صلى الله عليه وسلم) ولا يقاس عليه غيره في ذلك، وقد قال اللّه عزوجل: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بـإحسان رضي اللّه عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم).

وقال كثير من الصحابة - رضي اللّه عنهم - : اتّبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.

وأما توسل عمر (رضي الله عنه) والصحابة بدعاء العباس في الاستسقاء وهكذا توسل معاوية (رضي الله عنه) في الاستسقاء بدعاء يزيد بن الأسود فذلك لا بأس به لأنه توسل بدعائهما وشفاعتهما ولا حرج في ذلك. ولهذا يجوز للمسلم أن يقول لأخيه: ادع اللّه لي وذلك دليل من عمل عمر والصحابة - رضي اللّه عنهم - ومعاوية (رضي الله عنه) على أنه لا يتوسل بالنبي (صلى الله عليه وسلم) في الإستسقاء ولا غيره بعد وفاته (صلى الله عليه وسلم) ولو كان ذلك جائزاً لما عدل عمر الفاروق والصحابة - رضي اللّه عنهم - عن التوسل به (صلى الله عليه وسلم) الى التوسل بدعاء العباس ولماعدل معاوية (رضي الله عنه) التوسل به (صلى الله عليه وسلم) إلى التوسل بيزيد بن الأسود وهذا شيء واضح بحمد اللّه.

وإنما يكون التوسل بالايمان به (صلى الله عليه وسلم) ومحبته والسير على منهاجه وتحكيم شريعته وطاعة أوامره، وترك نواهيه. هذا هو التوسل الشرعي به (صلى الله عليه وسلم) بـإجماع أهل السنة والجماعة وهو المراد بقول اللّه سبحانه: (لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة).

وبما ذكرنا يعلم أن التوسل بجاهه (صلى الله عليه وسلم) أو بذاته من البدع التي أحدثها الناس ولو كان ذلك خيراً لسبقنا اليه أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) لأنهم أعلم الناس بدينه وبحقه (صلى الله عليه وسلم) ورضي اللّه عنهم.

وأما توسل الأعمى به (صلى الله عليه وسلم) الى اللّه سبحانه في رد بصره إليه فذلك توسل بدعائه وشفاعته حال حياته (صلى الله عليه وسلم). ولهذا شفع له النبي (صلى الله عليه وسلم) ودعا له.

واللّه المسؤول بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يمنحني وإياكم وسائر إخواننا الفقه في دينه والثبات عليه وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يولي عليهم خيارهم ويصلح قادتهم وأن يوفق جميع حكام المسلمين للفقه في الدين والحكم بشريعة اللّه سبحانه والتحاكم اليها وإلزام الشعوب بها والحذر مما يخالفها عملاً بقول اللّه عزوجل: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم. ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما) وبقوله سبحانه: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من اللّه حكماً لقوم يوقنون) إنه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته…

مفتي عام المملكة العربية السعودية

ورئيس هيئة كبار العلماء وادارة البحوث العلمية والافتاء



[ Web design by Abadis ]