ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الصداق \ الشيخ محمد مهدي نجف

دراسة فقهية مقارنة حول "الصداق" يستنتج فيه الكاتب بعد عرض آراء فقهاء الشيعة وأهل السنة أن الاسلام لم يقيّد موضوع الصداق تجسيداً لنظريته في حقوق المرأة وشخصيتها الكاملة. ودعا في الوقت نفسه الى تقليل المهور تسهيلا للزواج ورعاية للفقراء.

أجمع المسلمون على تشريع الصداق من الكتاب والسنّة، وبعد أن اعتادت الامم السالفة والشعوب منذ أقدم العصور، تعيين صداق للزوجة عند خطبة الزواج، وأقرّت الديانات السماوية السابقة ذلك أيضاً ولم تُعارضه.

فأشار القرآن الكريم إلى قصة موسى وشُعيب (عليهما السلام) في قوله تعالى: (قال إنّي أريد أن اُنكحكَ إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن اتممت عشراً فمن عندك وما اُريد أن أشقّ عليك ستجدني إن شاء اللّه من الصالحين قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان عليَّ واللّه على ما نقول وكيل) [٢].

لكن يبدو من الآية الكريمة والأخبار المستفيضة أن المستفيد من الصداق في العهود السالفة هو غير الزوجة.

صوّر القرآن الكريم الحياة الزوجيّة بأحسن صورها، حيث صوّر صلة النفس

ـ

١ - باحث في الحوزة العلمية، ورئيس مركز الدراسات التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية.

٢ - القصص / ٢٧ - ٢٨.

بالنفس، وصلة السكن والقرار، وصلة المودة والرحمة، وصلة الستر والتجمّل، فقال تعالى: (يا أيها الناس اتّقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء) [١].

وقال: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) [٢]، وقال: (هنَّ لباس لكم وأنتم لباس لهنَّ) [٣].

وشرَّع الإسلام لها من الحقوق والواجبات ما يكفل بقاءها وصلاحها، وتبلغ به غايتها على ضوء الأخلاق العالية، والعواطف النزيهة. فاهتم بأمرها، حيث جعل بدء هذه الرابطة مبتنياً على رضا الطرفين، وعلى إيجاب وقبول كمظهرين لهذا الرضا، فلهما الرأي، وإنشائها دون أن يكون لأحد حقّ الالتزام بها جبراً، فليس لأبي المرأة إكراهها على تزوج من لا ترضاه.

فندب في بداية الأمر إلى إعلان النكاح واشهاره والاحتفال به [٤]، تعظيماً لشأنها، وأوجب على الزوج المهر، وجعله حقاً خالصاً للزوجة، جزاء ما رضيت به من شركة، وما فرضته على نفسها من تبعيّة، وما ستقدّمه من معونة، إعزازاً لجانبها، وتكريماً لالتزامها. تملكه وتتصرف به حيث تشاء، بعد أن كان الآباء أو أولياء الزوجة يأخذونه ولا يُعطونها شيئاً، وكأنهم يعتبرون المهر ثمن إرضاع الفتاة، أو ثمن الأتعاب والجهود التي يبذلونها لها حتى الزواج.

الصداق في القرآن

يؤكد القرآن الكريم أمر اللّه سبحانه وتعالى بـإعطاء المهور إليهنّ، لا لغيرهن. منها قوله تعالى: (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً) [٥].

ـ

١ - النساء / ١.

٢ - الروم / ٢١.

٣ - البقرة / ١٨٧.

٤ - المقنعة: ٥١٤، ومقدمات ابن رشد ٢ / ٣٦٧.

٥ - النساء / ٦.

قال أبو جعفر الطبري: "يعني بذلك تعالى ذكره: واعطوا النساء مهورهن عطيّة واجبة، وفريضة لازمة. ثمّ قال: وهذا أمر من اللّه لأزواج النساء المدخول بهنّ المسمّى لهنّ الصداق أن يؤتوهن صدقاتهنّ دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق" [١].

وقال أبو جعفر الطوسي عند تفسير الآية: "قال بعضهم: هي نحلة من اللّه لهنّ أن جعل على الرجل الصداق ولم يجعل على المرأة شيئاً من الغرم، وذلك نحلة من اللّه تعالى للنساء. ثمّ قال: واختلفوا في المعنّي بقوله: (وآتوا النساء)، فقال ابن عباس وقتادة وابن جريج وابن زيد واختاره الطبري والجبائي والرماني والزجاج: المراد به الأزواج، أمرهم اللّه تعالى بـإعطاء المهر إذا دخل بها كملاً إذا سمّى لها المتعة. وقال أبو صالح: هذا خطاب للأولياء، لأن الرجل منهم كان إذا زوّج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، وأنزل هذه الآية. وروى هذا أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام).

ثم ختم كلامه بقوله: والأول أقوى، لأن اللّه تعالى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين للنساء، ونهاهم عن ظلمهنَّ والجور عليهنَّ، ولا ينبغي أن يُترك الظاهر من غير حجّة ولا دلالة" [٢].

وقال الراوي عند تفسير الآية: "خطاب لمن؟ فيه قولان; أحدهما: أنَّ هذا الخطاب لأولياء النساء، وذلك لأنّ العرب كانت في الجاهلية لا تُعطي النساء من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئاً لك النافجة، ومعناه أنّك تأخذ مهرها إبلاً فتضمّها إلى إبلك، فتنفج مالك، أي تُعظّمه.

وقال ابن الأعرابي: النافجة ما يأخذه الرجل إذا زوّج ابنته، فنهى اللّه عن ذلك، وأمر بدفع الحقّ إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قُتيبة. والقول الثاني: أنَّ الخطاب للأزواج، اُمروا بـإيتاء النساء مهورهنَّ….، ثمَّ قال: لأنّه لا ذكر للأولياء هاهنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج" [٣].

ـ

١ - تفسير الطبري ٤ / ٢٤١ - ٢٤٢.

٢ - التبيان ٣ / ١٠٩ - ١١٠.

٣ - التفسير الكبير ٩ / ١٧٩.

وفي رواية الكلبي: أن أهل الجاهليّة كان الولي إذا زوجها، فإن كانت معه في العِشرة (العشيرة) لم يُعطها من مهرها كثيراً ولا قليلاً، وإن كانت غريبة، حملها على بعير إلى زوجها ولم يعطها شيئاً غير ذلك البعير [١].

ومنها قوله تعالى: (لا جُناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقترِ قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين) [٢].

ومنها قوله تعالى: (وإن طلقتموهنّ من قبل أن تمسّوهن وقد فرضتم لهنّ فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) [٣].

وقوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتاخذونه بُهتاناً وإثماً مبينا) [٤].

وقوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهنّ فآتوهن اُجورهنَّ فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن اللّه كان عليماً حكيما) [٥]

وقوله تعالى: (فانكحوهن بـإذن أهلهنَّ وآتوهنَّ اُجورهنَّ بالمعروف محصنات غير مسافحات) [٦].

وقوله تعالى: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الّذين اُتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهنَّ اُجورهنَّ محصنين غير مسافحين) [٧].

وقوله تعالى: (يا أيها النبي إنا احللنا لك أزواجك اللاتي آتيت اُجورهُنَّ) [٨].

وقوله تعالى: (ولا جناح عليكم أن تنكحوهنَّ إذا آتيتموهنَّ اُجورهنَّ) [٩].

ومهما كانت الأهداف في ذلك، فقد أصبح من المستلزمات العرفيّة الطيّبة

ـ

١ - الجامع لأحكام القرآن ٥ / ٢٥.

٢ - البقرة / ٢٣٦.

٣ - البقرة / ٢٣٧.

٤ - النساء / ٢٠.

٥ - النساء / ٢٤.

٦ - النساء / ٢٥.

٧ - المائدة / ٥.

٨ - الاحزاب / ٥٠.

٩ - الممتحنة / ١٠.

والمحمودة عند الناس كافّة.

ويستفاد من الآيات القرآنية، والآثار النبوية الشريفة، أن للصداق عدّة أسماء، منها: الصداق، والصدقة، والمهر، والنحلة، والفريضة، والأجر، والعلائق، والعقر، والحباء [١].

أقسام الصداق

وقد عبّر الفقهاء عن الصداق بالمهر في بعض الكُتب الفقهيّة، وقسّموه إلى ثلاثة أقسام.

الأول: المهر المسمّى [٢]، وهو إمّا أن يكون صحيحاً أو فاسداً.

فالصحيح: ما اتفقوا عليه، ورضوا به، لقول اللّه تعالى: (ولا جُناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) [٣]، ويعتبر فيه رضا الزوجين، إن كانت المرأة بالغة رشيدة، أمّا لو كانت صغيرة وعقد عليها أبوها أو جدها، فأي صداق اتفق هو والزوج عليه، جاز أن يكون صداقاً لبنته البكر، قليلاً كان أو كثيراً، وكذا السيّد في أمته.

وإن كان غير الأب أو الجدّ، اُعتبر رضا الزوج والزوجة فيه، لأن الصداق لها، وهوعوض منفعتها، فأشبه أجر دارها، فإن لم يستأذنها الولي في الصداق، فحكمه حكم الوكيل المطلق في البيع، إن جعل الصداق مهر المثل فما زاد صحّ ولزم، وإن نقص عنه فلها مهر المثل.

واتفق الفقهاء على استحباب تسمية الصداق حين العقد، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يزوج بناته وغيرهن ويتزوج فلم يخلّ ذلك من صداق، قطعاً للنزاع والخصومة. وليس ذكره شرط في صحة العقد [٤]، بدليل قوله تعالى: (لا جناح عليكم إن طلّقتم

ـ

١ - موطأ مالك ٢ / ٥٢٧، وتفسير الطبري ٤ / ٢٤١، والدر المنثور ٢ / ١٢٠.

٢ - ويراد به ذكر المهر المتفق عليه حين إجراء العقد.

٣ - النساء / ٢٤.

٤ - الروضة البهية ٥ / ٣٤٧، ومقدمات ابن رشد ٢ / ٣٦٥.

النساء مالم تمسوهنَّ أو تفرضوا لهنَّ فريضة) [١]. وعند عدم ذكره، يتحقق صداقها بمهر المثل كما سيأتي في القسم الثالث من أقسام المهر.

حدّ الصداق

فلا حدّ لأكثره باتفاق بين فقهاء المسلمين، فقد أجمعت الإمامية إلا ما نَدَرَ منهم [٢]، وغيرهم من فقهاء المسلمين على أن الصداق ما تراضيا عليه، قليلاً كان أو كثيراً [٣] مستدلّين على جواز المغالاة في المُهور بقوله تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوجِ وآتيتم إحداهنّ قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً) [٤]، والقنطار: المال الكثير، ولأنّ اللّه تعالى لا يُمثّل إلا بمباح [٥].

وبما رواه ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "أدوا العلائق"، قيل: ما العلائق بينهم يا رسول اللّه؟ قال: "ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيباً من أراك" [٦].

وقال أبو سعيد الخدري: سألنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) عن صداق النساء، فقال: "هو ما اصطلح عليه أهلوهم" [٧].

وروى جابر أن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قال: "لو أنّ رجلاً تزوج مرأة على ملء كفّ من طعام لكان ذلك صداقاً" [٨].

ـ

١ - البقرة / ٢٣٦.

٢ - كالسيد المرتضى في الانتصار: ١٢٤، فإنّه قال: لا يجوز تجاوز مهر السنة خمسمائة درهم جياد، قيمتها خمسون ديناراً، فمن زاد على ذلك رد إلى السنة. وهو ظاهر كلام ابن الجنيد، كما ورد ذلك في مختلف الشيعة / ٥٤١، وابن بابويه في الفقيه ٣ / ٢٣٥، فلاحظ.

٣ - المغني لابن قدامة ٨ / ٤، والمجموع ٦ / ٣٢٦، ومغني المحتاج ٣ / ٣٢٠، والسراج الوهاج / ٣٨٧، وبداية المجتهد ٢ / ١٨، وفتح الباري ٩ / ٢٠٩، والجامع لأحكام القرآن ٥ / ١٢٨.

٤ - النساء / ٢٠.

٥ - الخلاف ٤ / ٣٦٤ - ٣٦٦.

٦ - السنن الكبرى ٧ / ٢٣٩، والجامع لأحكام القرآن ٥ / ١٢٨.

٧ - السنن الكبرى ٧ / ٢٣٩.

٨ - السنن الكبرى ٧ / ٢٣٨.

وعن الباقر محمد بن علي (عليه السلام) قال: "الصداق ما تراضى عليه الناس قليلاً كان أو كثيراً فهو صداق" [١].

وعن أبي الصباح الكناني عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام). قال: سألته عن المهر ماهو؟ قال: "هو ما تراضى عليه الناس" [٢].

نعم، فقد وردت أحاديث كثيرة تؤكد على استحباب قلّة المهر، أو لا يتجاوز مهر السنّة، وهو خمسمائة درهم، كل ذلك رفقاً بالمستضعفين من الرجال، منها:

ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة" [٣].

وروى ابن عباس أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "خيرهنَّ أيسرهن صداقاً" [٤].

وما روي عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام)، أنه قال: "صداق النبي (صلى الله عليه وآله) اثنتا عشرة اُوقيّة ونش، والنش نصف اُوقيّة، والاُوقيّة أربعون درهماً، فذلك خمسمائة درهم" [٥].

لكن اختلفوا في حدّ القلّة على مذاهب.

فذهبت الإماميّة: إلى أنّ الصداق ليس مقدّراً كما تقدّم، بل كلّ مملوك يصحّ نقله، عيناً كان أو منفعة يجوز جعله صداقاً، إذا كان بحيث يعد مالاً في العادة، فحبّة الحنطة ونحوها مملوك يصحّ نقله، ولا يجوز جعله مهراً، لكونه لا يعد مالاً، ولا فرق في ذلك بين العين والمنفعة، لأنها مال، حتى منافع الحر، كتعليم صنعة محللة، أو سورة من القرآن وما دونها مما يقع عليه الإجارة، أو غيره من الحكم والآداب والشعر، أو عمل مقصود محلل [٦].

ـ

١ - التهذيب ٧ / ٣٥٤ حديث ١٤٤٢.

٢ - المصدر السابق حديث ١٤٤١.

٣ - مسند أحمد بن حنبل ٦ / ١٤٥.

٤ - مجمع الزوائد ٤ / ٢٥٥.

٥ - التهذيب ٧ / ٣٥٦ حديث ١٤٥٠. وانظر المقنعة / ٥٠٩، وارشاد الأذهان ٢ / ١٥، والروضة البهيّة ٥ / ٣٤٤.

٦ - المقنعة / ٧٨، والمبسوط للطوسي ٤ / ٢٧٢ والخلاف ٤ / ٣٦٦ مسألة ٣، ومختلف الشيعة / ٥٤٢، والمراسم / ١٥٢، والسرائر / ٣٠١، وشرائع الاسلام ٢ / ٣٢٤، وجامع المقاصد ١٣ / ٣٣٣ - ٣٣٤، وجواهر الكلام ٣١ / ٣ و١٣.

قال المحقق الثاني: "لا خلاف عند أصحابنا في أنّ المهر لا يتقدّر قلّة إلا بأقل ما يمتلك، وأما الكثرة فالمشهور بين الأصحاب عدم تقديرها، فيصح العقد على ما شاء من غير تقدير" [١].

ويدلّ على ذلك، ما روي عن الباقر محمد بن علي (عليه السلام) أنّه قال: "جاءت امرأة إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، فقالت: زوّجني، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "من لهذه؟ " فقام رجل، فقال: أنا يا رسول اللّه; زوجنيها، فقال: "ما تعطيها؟ " فقال: مالي شيء، فقال: "لا". قال: فأعادت، فأعاد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يقم أحدٌ غير الرجل، ثمَّ أعادت، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المرّة الثالثة: "أتحسن من القرآن شيئاً؟ " قال: نعم، فقال: "قد زوّجتك على ما تحسن من القرآن، فعلّمها إيّاه" [٢].

وبما روي عن سهل بن سعد الساعدي كان يقول: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) جاءته امرأة، فقالت: يا رسول اللّه إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً، فقام رجلٌ، فقال: يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "هل عندك من شيء تُصدقها إيّاها؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "إن أعطيتها إيّاه جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً" فقال: ما أجد شيئاً. قال: "التمس ولو خاتماً من حديد" فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "هل معك من القرآن شيء؟ " قال: نعم، معي سورة كذا وسورة كذا، لسور سمّاها، فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "قد أنكحتُكها بما معك من القرآن" [٣].

وبما روي عن أبي هريرة نحو هذه القصّة، لم يذكر الإزار والخاتم، فقال: "ما

ـ

١ - جامع المقاصد ١٣ / ٣٣٨.

٢ - التهذيب ٧ / ٣٥٤ - ٣٥٥ حديث ١٤٤٤.

٣ - الموطأ ٢ / ٥٢٦ حديث ٨، وصحيح البخاري ٧ / ٢٢، وسنن أبي داود ٢ / ٢٣٦ حديث ٢١١١، سنن الترمذي ٣ / ٤٢١ حديث ١١١٤، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد ذهب الشافعي إلى هذا الحديث، فقال: إن لم يكن له شيء يصدقها، فتزوجها على سورة من القرآن، فالنكاح جائز، ويعلّمها سورة من القرآن.

تحفظ من القرآن؟ " قال سورة البقرة أو التي تليها، قال: "فقم فعلّمها عشرين آية، وهي امرأتك" [١].

وبما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: "من استحلّ بدرهم فقد استحل"، يعني النكاح [٢].

واستدلوا على ذلك أيضاً بأخبار كثيرة، رويت بأسانيد وطرق صحيحة، مختلفة الألفاظ عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) يطول بيانها.

ووافق الإماميّة كل من: الحسن، وعطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، والثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، واسحاق، وأبو ثور، وداود، وسعيد بن المسيب: إلى أنّه لا حدّ لأقلّه، بل كلّ ما كان مالاً جاز أن يكون صداقاً [٣].

واستدلوا على ذلك بما روي عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، أنّه قال للذي زوّجه: "هل عندك من شي تصدقها؟ " قال: لا أجد، قال: "التمس ولو خاتماً من حديد" [٤].

وعن عامر بن ربيعة يحدّث عن أبيه: أن امرأة من بني فزارة جيء بها إلى النبي (صلى الله عليه وآله) قد تزوجت على نعلين، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): "أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ " قالت نعم، فأجازه [٥]. أي النكاح.

وذهب سعيد بن جبير، والنخعي، وابن شبرمة، ومالك، وأبي حنيفة: إلى أنّه مقدّر.

قال ابن قدامة: "واحتج أبو حنيفة بما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "لا مهر أقل من

ـ

١ - سنن أبي داود ٢ / ٢٣٦ حديث ٢١١٢.

٢ - السنن الكبرى ٧ / ٢٣٨.

٣ - المغني لابن قدامة ٨ / ٤، والمجموع ٦ / ٣٢٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٢٠، والسراج الوهاج / ٣٨٧، والمبسوط للسرخسي ٥ / ٨٠، وشرح فتح القدير ٢ / ٤٣٥، وبدائع الصنائع ٢ / ٢٧٦، وفتح الباري ٩ / ٢٠٩، وبداية المجتهد ٢ / ١٨.

٤ - تقدمت الإشارة إلى الحديث ومصادره فلاحظ.

٥ - أخرجه ابن ماجة في سننه ١ / ٦٠٨ حديث ١٨٨٨، والترمذي في سننه ٣ / ٤٢٠ حديث ١١١٣ أيضاً.

عشرة دراهم" ولأنّه يستباح به عضو، فكان مقدّراً كالذي يُقطع به السارق" [١].

ثمَّ اختلفوا، فقال أبو حنيفة ومالك: أقلّه ما يُقطع به السارق، وهو دينار ذهب أو عشرة دراهم كيلاً عند أبي حنيفة، وربع دينار أو ثلاثة دراهم كيلاً عند مالك. ولا صداق عندهما أقل من ذلك، فإذا وقع العقد على دون ذلك، يصحّ العقد، وتجب عليه العشرة على قول أبي حنيفة، والثلاثة على قول مالك [٢].

وذهب ابن شبرمة: إلى أن أقل الصداق خمسة دراهم، وعن النخعي أربعون درهماً، وعنه عشرون، وعنه رطل من الذهب، وعن سعيد بـن جبير خمسـون درهماً [٣].

وردّ عليهم الشيخ الطوسي بقوله تعالى: (وإن طلقتموهنّ من قبل أن تمسوهنّ وقد فرضتم لهنّ فريضة فنصف ما فرضتم) [٤]، وقال: فجعل اللّه تعالى لها بالطلاق قبل الدخول نصف المسمّى، ولم يفصّل بين القليل والكثير، وبأخبار رويت من طرقهم [٥].

وقال ابن قدامة: وحديثهم غير صحيح، رواه ميسرة بن عبيد وهو ضعيف، عن الحجاج بن أرطأة وهو مدلس، ورووه عن جابر وقد روينا عنه خلافه، أو نحمله على مهر امرأة بعينها أو على الاستحباب [٦].

المهر الفاسد

من مباحث المهر أيضاً، البحث عن المهر الفاسد، ولفساده أسباب; منها: عدم قبوله الملك في شرع الإسلام، كالمسمّى على خمر أو خنزير مع إسلام أحد الزوجين بخلاف ما إذا كانا ذمّيين، وما لا قيمة له عند أحد من الناس، ولا منفعة مباحة فيه، كالعذرة النجسة أو نحوها.

ـ

١ - المغني لابن قدامة ٨ / ٤.

٢ - المغني لابن قدامة ٨ / ٤، وأسهل المدارك ٢ / ١٠٥، وبلغة السالك ١ / ٤١٤، وفتح الرحيم ٢ / ٣٤.

٣ - المصادر السابقة.

٤ - البقرة / ٢٣٧.

٥ - الخلاف ٤ / ٣٦٥.

٦ - المغني ٨ / ٥.

فذهبت الإماميّة: إلى أن المسلم لو تزوّج على خمر أو كلب أو خنزير أو حرٍّ، سواء جرى العقد على خمر معيّن معلوم، أو كلب أو خنزير أو حرّ كذلك، أو على مقدار معيّن من الخمر في الذّمة، بطل المسمّى قطعاً، لعدم صلاحيته للملك، ووجب في ذمّة المعقود له المهر بقدر مهر مثل المعقود عليها من نساء قومها، دون ما سمّي من الحرام [١].

قال الشيخ الطوسي: "إذا عُقد النكاح بمهر فاسد مثل الخمر والخنزير والميتة، كان العقد صحيحاً ووجب لها مهر المثل. وقال قوم لا يصحّ النكاح، وإليه ذهب قوم من أصحابنا" [٢].

وقال ابن قدامة: "إذا سُمّي في النكاح صداقاً محرّماً كالخمر والخنزير، فالتسمية فاسدة والنكاح صحيح، نصَّ عليه أحمد، وبه قال عامة الفقهاء، منهم الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي" [٣].

وقال ابن حزم: "كلّ ما جاز أن يمتلك بالهبة أو بالميراث فجائز أن يكون صداقاً، وأن يخالع به، وأن يؤاجر به، سواء حلّ بيعه أو لم يحلّ كالماء والكلب والسنور والثمرة التي لم يبد صلاحها، والسنبل قبل أن يشتد، لأنَّ النكاح ليس بيعاً" [٤].

وتترتب على المهر المغصوب أو المجهول، أو على شيء لا يجوز تملّكه، أحكام المهر الفاسد، وقد شرحها الفقهاء في كتبهم.

الثاني مهر المثل: ويُراد ما يُرغب به في مثلها نسباً وسناً وعقلاً ويساراً وبكارة، وأضدادها وغيرها مما تختلف به الأغراض [٥].

ذكر الفقهاء المثل في كثير من أبواب الفقه، ورتبوا عليه أحكاماً، خصوصاً في أبواب النكاح والصداق والطلاق، لكنّهم اختلفوا في تحديد مهر المثل لاختلافهم في

ـ

١ - الخلاف ٤ / ٣٦٣، والوسيلة / ٣٤٨، والغنية / ٥٤٨، والسرائر / ٣٠٠، ومختلف الشيعة / ٥٤٢، وجامع المقاصد ١٣ / ٣٧٣، وجواهر الكلام ٣١ / ١٠.

٢ - المبسوط للطوسي ٤ / ٢٧٢.

٣ - المغني ٨ / ٢٢. وانظر بلغة السالك ١ / ٤٠٧.

٤ - المحلّى ٩ / ٤٩٤.

٥ - قاله الشهيد الثاني في الروضة البهيّة ٥ / ٣٤٧.

مفهوم المثل ومصاديقه إلى مذاهب.

فذهبت الإماميّة: إلى أنّ مهر المثل ليس له تحديد في الشرع، فيحكم فيه أهل العرف الذين يعلمون حال المرأة نسباً وحسباً، ويعرفون أيضاً ما له دخل وتأثير في زيادة المهر ونقصانه، إلا في الموضع الذي يجب فيه، فقد اشترطوا فيه أن لا يتجاوز مهر السُنّة.

قال الشيخ الطوسي: "مهر المثل - في الموضع الذي يجب - يُعتبر بنساء أهلها من اُمّها واُختها وعمّتها وخالتها وغير ذلك، ولا يجاوز بذلك خمسمائة درهم، فإن زاد على ذلك مهر المثل، اقتصر على خمسمائة" [١]. وإن اختلف فقهاء الإماميّة في المقصود بما لم يتجاوز عن مهر السنّة، هل هو مفوضة البضع [٢] أو مطلقاً؟ على قولين [٣].

واستدلوا على ذلك بالأخبار الصحيحة المروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) [٤] منها:

ما روي عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام)، في رجل يتزوج امرأة ولم يفرض لها صداقاً، قال: "لاشيء لها من الصداق، فإن كان دخل بها، فلها مهر نسائها" [٥].

وقال الشافعي: يعتبر بنساء عصبتها. وقد فصّل النووي ذلك بقوله: "مهر المثل: ما يُرغبُ به في مثلها، وركنه الأعظم نسب، فيراعى أقرب من تنسب إلى من تنسب إليه، وأقربهنَّ أختُ لأبوين، ثم لأب ثمَّ بنات أخ ثم عمّات كذلك، فإن فقد نساء العصبة أو لم ينكحن، أو جهل مهرهنَّ، فأرحام كجدات وخالات، ويعتبر سن وعقل وبكارةٌ وثيوبة وما اختلف به غرضٌ، فإن اختصت بفضل أو نقص زيد أو نُقص لائقٌ

ـ

١ - الخلاف ٣ / ٣٨٢، والمبسوط للطوسي ٤ / ٢٩٩.

٢ - يأتي تعريفه في القسم الثالث من أقسام المهر فلاحظ.

٣ - انظر النهاية في الفقه: ٤٧٠، المهذب البارع ٢ / ٢٠٢، والجوامع الفقهيّة / ٧١٧، مختلف الشيعة ٢ / ١٠٠، السرائر ٢ / ٥٨١، جامع المقاصد ١٣ / ٤٢٥، الحدائق الناظرة ٢٤ / ٤٨١، جواهر الكلام ٣١ / ٥٤، تحرير الأحكام ٢ / ٣٤ - ٣٥.

٤ - الخلاف ٤ / ٣٨٢.

٥ - التهذيب، ٧ / ٣٦٢ حديث ١٤٦٧.

بالحال" [١].

وقال مالك: اعتبر بنساء بلدها [٢].

وقال أبو حنيفة: يعتبر بنساء أهلها من العصبات وغيرهم من أرحامها. قال شمس الدين السرخسي: "نساؤها اللاتي يعتبر مهرها بمهورهنَّ عشيرتها من قبل أبيها، كأخواتها وعمّاتها وبنات عماتها عندنا، وقال ابن أبي ليلى: اُمها وقوم اُمها كالخالات ونحو ذلك" [٣].

أمّا أحمد بن حنبل، فقد ذكر ابن قدامة عن أحمد بن حنبل في تحديده، فقال: "في رواية ابن حنبل: لها مهر مثلها من نسائها من قبل أبيها، فاعتبرها بنساء العصبات خاصة، وهذا مذهب الشافعي. وقال في رواية إسحاق بن هاني: لها مهر نسائها، مثل اُمّها أو اختها أو عمتها، أو بنت عمها. اختاره أبو بكر وهو مذهب أبي حنيفة، وابن أبي ليلى" [٤].

وفي مسألة اُخرى ذهبت الإماميّة: إلى أنّ الزوج لو أصدقها شيئاً بعينه، فتلف قبل القبض، سقط حقّها من عين الصداق، وبقي النكاح بحاله بلا خلاف، ويجب لها مثله إن كان له مثل، فإن لم يكن له مثل، فقيمته [٥].

وقال ابن قدامة: "إذا تلف قبل قبضه، لم يبطل الصداق بتلفه، ويضمنه بمثله إن كان مثليّاً، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في القديم، وقال في الجديد يرجع إلى مهر المثل، لأن تلف العوض يوجب الرجوع في المعوض، فإذا تعذّر ردّه، رجع إلى قيمته كالمبيع، ومهر المثل هو القيمة، فوجب الرجوع إليه" [٦].

واستدل الشيخ الطوسي على ما ذهبت إليه الإمامية بقوله: "إنّ كلّ عين يجب تسليمها إلى مالكها، فإذا تلفت ولم يسقط سبب الاستحقاق لملكها، وجب الرجوع إلى

ـ

١ - السراج الوهاج في شرح المنهاج / ٣٩٢.

٢ - المدونة الكبرى ٢ / ٢٣٩، وأسهل المدارك ٢ / ١٠٨، والمغني لابن قدامة ٨ / ٥٩.

٣ - المبسوط للسرخسي ٥ / ٦٤.

٤ - المغني ٨ / ٥٩.

٥ - الخلاف ٤ / ٣٧٠.

٦ - المغني ٨ / ٣٦.

بدلها، كالغصب، والقرض، والعارية عند من ضمنها" [١].

واستدل ابن قدامة بقوله: "ولنا أن كلّ عين يجب تسليمها مع وجودها إذا تلفت مع بقاء سبب استحقاقها، فالواجب بدلها كالمغصوب، والقرض، والعارية. وفارق المبيع إذا تلف، فإنَّ البيع انفسخ وزال سبب الاستحقاق" [٢].

الثالث التفويض: التفويض في اللغة: جعل الشيء إلى غيره، وأن يكله إليه، يقال: فوضت أمري إليه، أي فوضته إليه ليدبره. قال ابن الأثير: يقال فوض إليه الأمر تفويضاً إذا ردّه إليه.

وفي الاصطلاح: هو إخلاء العقد عن المهر بأمر مستحقّه، وهو يتحقق في الرشيدة دون الصغيرة والسفيهة [٣].

وكثيراً ما يحدث في المجتمعات والبيوتات المحافظة، تفويض المرأة شخصاً آخر لتعيين المهر، أو لظروف خاصة يتفق الرجل والمرأة على الزواج من دون تعيين المهر، فيفوض كلّ منهما الآخر، أو أحدهما في تعيين المهر فيما بعد، فيترتب عليه أحكام كما تقدم في مهر المثل. وعلى هذا يمكن القول بأنَّ التفويض ينقسم إلى قسمين:

الأول: تفويض البضع، وهو إخلاء العقد عن ذكر المهر بأمر مستحقه، وله صورتان:

الأولى: أن تقول المرأة: زوجتك نفسي، ولا تذكر مهراً، فيقول الرجل: قبلت.

الثانية: أن تقول: زوجتك نفسي، ولا مهر عليك.

الثاني: تفويض المهر، وهو أن يُذكر المهر على الجملة مبهماً، ويفوض تقديره إلى أحد الزوجين، أو إلى أجنبي. مثل أن تقول: زوجتكَ على أن تفرض ما شئت، أو ما شاء زيدٌ.

قال الشيخ الطوسي: "مفوضة البضع إذا فُرض لها المهر بعدالعقد، فإن اتفقا على

ـ

١ - الخلاف ٤ / ٣٧١.

٢ - المغني ٨ / ٣٦.

٣ - ارشاد الاذهان ٢ / ١٦.

قدر المهر مع علمهما بقدر مهر المثل، أو ترافعا إلى الحاكم ففرض لها المهر، كان كالمسمّى بالعقد، تملك المطالبة به، فإن دخل بها ومات استقرَّ ذلك، وإن طلقها قبل الدخول، سقط نصفه، ولها نصفه، ولا متعة عليه" [١].

قال ابن قدامة: "فإن فرض لها بعد العقد، ثمَّ طلّقها قبل الدخول، فلها نصف ما فرض لها، ولا متعة، وهذا قول ابن عمر وعطاء والشعبي والنخعي والشافعي وأبي عبيد. وعن أحمد أنّ لها المتعة ويسقط المهر" [٢].

وقال أبو حنيفة: "إذا فرض لها فطلّقها قبل الدخول، سقط المفروض، كأنه ما فرض لها، ووجبت لها المتعة كما لو طلّقها قبل الفرض" [٣].

وقد استدل الشيخ الطوسي على مدّعاه بقوله تعالى: (وإن طلقتموهنَّ من قبل أن تمسوهنَّ وقد فرضتم لهنَّ فريضة، فنصف ما فرضتم) [٤]، ومعناه يعود إليكم نصف ما فرضتم، لأن المهر كان واجباً لها قبل الطلاق، وبالطلاق ما وجب لها شيء، فلمّا قال: (فنصف ما فرضتم) معناه فنصف ما سمّيتم بالعقد.

فالجواب: إنّ المسمّى عندكم - على ما قاله الراوي - يسقط كلّه بالطلاق قبل الدخول، وإنّما يجب نصف مثله، فأمّا نصف ذلك المسمّى فلا، وهذا يُخالف نصّ الآية، فإنَّ اللّه تعالى قال: نصف الفرض لا نصف مثله، على أنَّ الآية بالفروض بعد العقد أشبه منها بالمسمّى حال العقد. وأيضاً نحمل الآية على العموم فيما فرض حال العقد وما فرض بعده، ولا تنافي بينهما.

وروى ابن عمر، أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "أدوا العلائق" قيل: يا رسول اللّه وما العلائق؟ قال: "ما تراضى عليه الأهلون" [٥]، وذلك عام على كلّ حال [٦].

ـ

١ - الخلاف ٤ / ٣٧٦.

٢ - المغني ٨ / ٤٨ وانظر الأم ٥ / ٦٩ و ٧٠، والمجموع ١٦ / ٣٧٢ و ٣٧٣، وكفاية الأخيار ٢ / ٣٨.

٣ - أحكام القرآن للجصاص ١ / ٤٣٥، والمبسوط للسرخسي ٦ / ٦١ و ٦٢، والباب ٢ / ١٩٨، والمغني لابن قدامة ٨ / ٤٨، وأسهل المدارك ٢ / ١١٨ - ١١٩.

٤ - البقرة / ٢٣٧.

٥ - السنن الكبرى ٧ / ٢٣٩.

٦ - الخلاف ٤ / ٣٧٧.

وقال الشيخ الطوسي أيضاً: "إذا دخل بمفوضة المهر، استقر ما يحكم واحد منهما به على ما فصّلناه، وإن طلّقها قبل الدخول بها، وجب نصف ما يحكم به واحد منهما" [١].

وقال الشافعي، وأبو حنيفة: إن دخل بها استقر مهر المثل، وإن طلّقها قبل الدخول بها استحقت نصفه عند الشافعي، وعند أبي حنيفة يسقط بالطلاق قبل الدخول، ويجب المتعة [٢].

الخلوة وأحكامها

الخلوة: هي أن يخلو الزوج بزوجته في الفترة الواقعة بين إجراء عقد النكاح وبين البناء بها بعد الزفاف، وقد تطول هذه الفترة إلى سنة أو أكثر حسب الظروف والعادات السائدة في المجتمعات، وكما هو سائد في عصرنا الحاضر. وربّما تحدث في خلال هذه الفترة بعض الاختلافات بين الزوجين أو ذويهما، مما يؤدي إلى الانفصال بينهما بالطلاق، وربّما يقع الموت بينهما، فتترتب على ذلك بعض الأحكام في الصداق والفرائض.

ولأهميّة هذا الموضوع، وكثرة الابتلاء به، أود أن أستعرض آراء فقهاء المذاهب الإسلاميّة في مسألة من مسائله.

فأقول: إذا طلّقها بعد أن خلا بها وقبل أن يمسّها، اختلف الفقهاء على مذهبين:

الأول: ذهب ابن عباس وابن مسعود والشعبي وابن سيرين والشافعي - في قوله الجديد - وأبو ثور ومالك وداود - وهو ظاهر روايات الإماميّة وأقوال أكثر فقهائها - إلى أنَّ وجود هذه الخلوة وعدمها سواء، فيرجع إليه نصف الصداق، ولا عدّة عليها [٣].

ـ

١ - المصدر السابق ٤ / ٣٨١.

٢ - المجموع ١٦ / ٣٧٣، والمبسوط للسرخسي ٥ / ٦٢ و ٦٥.

٣ - المجموع ١٦ / ٣٤٧، والمبسوط للسرخسي ٥ / ١٤٥، وبداية المجتهد ٢ / ٢٢، والمحلّى ٩ / ٤٨٥، والمغني ٨ / والخلاف ٤ / ٣٩٦، وجواهر الكلام ٣١ / ٧٧ - ٧٨، مقدمات ابن رشد ٢ / ٤١٦، وفتح الرحيم ٢ / ٤٢.

ذهب إليه الشيخ الطوسي، مستدلاً عليه بقوله تعالى: (وإن طلقتموهنَّ من قبل أن تمسوهنَّ وقد فرضتم لهنَّ فريضة فنصف ما فرضتم) [١]، ولم يستثن الخلوة، فيجب حملها على عمومها.

ثمَّ قال "ووجه الدلالة من الآية: أنه لا يخلو من أن يكون المسيس عبارة عن اللمس باليد، أو عن الخلوة، أو عن الوطء، فبطل أن يراد به اللمس باليد، لأن ذلك لم يقل به أحد ولا اعتبره. وبطل أن يراد به الخلوة، لأنه لا يعبر به عن الخلوة لا حقيقة ولا مجازاً، ويعبر به عن الجماع بلا خلاف، فوجب حمله عليه. على أنّه اجتمعت الصحابة على أن المراد في الآية بالمسيس الجماع. روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس.

وأيضاً قال اللّه تعالى في آية العدّة: (ثم طلّقتموهنَّ من قبل أن تمسّوهنَّ فما لكم عليهن من عدّة تعتدّونها) [٢]، ولم يُفصّل" [٣].

قال ابن قدامة: "قال شريح والشعبي وطاووس وابن سيرين والشافعي في الجديد: لا يستقر إلا بالوطء، وحكي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس، وروي نحو ذلك عن أحمد، روى عنه يعقوب بن بختان أنّه قال: إذا صدّقته المرأة أنه لم يطأها، لم يكمل لها الصداق، وعليها العدّة، وذلك لقول اللّه تعالى: (وإن طلقتموهنَّ من قبل أن تمسّوهنّ وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) [٤]، وهذه قد طلّقها قبل أن يمسّها، وقال تعالى: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض) [٥]، والإفضاء الجماع، ولأنها مطلّقة لم تمس، أشبهت من لم يخل بها" [٦].

المذهب الثاني: أن الخلوة كالدخول، يستقر بها المسمّى، ويجب عليها العدّة،

ـ

١ - البقرة / ٢٣٧.

٢ - الأحزاب / ٤٩.

٣ - الخلاف ٤ / ٣٦٩.

٤ - البقرة / ٢٣٧.

٥ - النساء / ٢١.

٦ - المغني ٨ / ٦٢.

ذهب إليه قوم من فقهاء الإماميّة [١]، وروي ذلك عن علي (عليه السلام) [٢]، وبه قال في الصحابه عمر وابن عمر، وفي التابعين الزهري، وفي الفقهاء الأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في قوله القديم [٣].

وذهب إليه ابن قدامة فقال: "ولنا إجماع الصحابة رضي اللّه عنهم، روي عن الإمام أحمد والأثرم بـإسنادهما عن زرارة بن أوفى قال: قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنّ من أغلق باباً أو أرخى ستراً فقد وجب المهر ووجبت العدّة. ورواه أيضاً عن الأحنف عن عمر وعلي، وعن سعيد بن المسيب وعن زيد بن ثابت عليها العّدة ولها الصداق كاملاً. ثم قال: وأمّا قوله: (من قبل أن تمسوهن) فيحتمل إنّه كنّى بالمسبب عن السبب الذي هو الخلوة بدليل ما ذكرناه" [٤].

الصداق المؤجّل

لا خلاف بين الفقهاء في جواز كون الصداق مؤجلاً، كما يجوز أن يكون معجّلاً، أو كون بعضه معجّلاً والبعض الآخر مؤجلاً. وكذا لا خلاف بينهم في المؤجل لو وقّت إلى أجل معلوم فهو إلى أجله، إنما وقع الاختلاف في ما إذا اُجّل إلى أمد غير معلوم.

قال الشيخ الطوسي: "إن النكاح يصحّ بصداق عاجل وآجل، وأن يكون بعضه عاجلاً وبعضه آجلاً، فإذا ثبت أن الكلّ صحيح، نظرت: فإن عقد على الاطلاق، اقتضى إطلاقه أن يكون المهر كلّه حالا" [٥].

وقال ابن قدامة: "قال القاضي: المهر صحيح ومحلّه الفرقة، فإن أحمد قال: إذا

ـ

١ - الخلاف ٤ / ٣٦٩، وجواهر الكلام ٣١ / ٧٧ - ٧٨.

٢ - سنن الدار قطني ٣ / ٣٠٦ حديث ٢٢٩، والسنن الكبرى ٧ / ٢٥٥.

٣ - المبسوط للسرخسي ٥ / ١٤٩، والمغني لابن قدامة ٨ / ٦٣، والمحلّى ٩ / ٤٨٥، والمجموع ١٦ / ٣٤٧، وبداية المجتهد ٢ / ٢٢، والخلاف ٤ / ٣٦٩.

٤ - المغني ٨ / ٦٢.

٥ - المبسوط للطوسي ٤ / ٣١٣.

تزوج على العاجل والآجل، لا يحلّ الآجل إلا بموت أو فرقة، وهذا قول النخعي والشعبي، وقال الحسن وحمّاد بن أبي سليمان وأبو حنيفة والثوري وأبو عبيد: يبطل الأجل ويكون حالاًّ، وقال أياس بن معاوية وقتادة: لا يحل حتى يُطلّق أو يخرج من مصرها أو يتزوج عليها. وعن مكحول والأوزاعي والعنبري يحلّ إلى سنة بعد دخوله بها، واختار أبو الخطّاب أن المهر فاسد ولها مهر المثل، وهو قول الشافعي" [١].

هذا ما يتعلق الخلاف فيه في وقت الأداء، أمّا إذا أخلفت قيمة العين المتفق عليها حين الأداء، فهي مسألة مستحدثة يجب الاهتمام فيها، وطرحها على طاولة البحث والمناقشة، لأنّها مشكلة الوقت الحاضر. ولتوضيح ذلك نطرح السؤال التالي:

رجلٌ تزوج قبل ثلاثين سنة مثلاً، على صداق كان مؤجله مبلغاً معيناً من العملة السائدة في بلده آنذاك، بحيث لو قيست بالذهب تعادل مئة مثقال في حينه. وبمرور الزمن أخذت العملة المعيّنة ولظروف اقتصادية تفقد قوّتها الشرائية تدريجياً، بحيث أصبح المبلغ المتفق عليه وقت الأداء يساوي مثقالاً; بل ربما يكون نصف مثقال من الذهب، فهل يجب على الزوج دفع المال المسمّى في الصداق اليوم، أو ما يعادل المبلغ المتفق عليه آنذاك؟

في جواب هذا السؤال، يُمكن طرح بعض النظريات من قبل العلماء الاعلام ومناقشتها، لاصدار الرأي فيها وفي أضرابها من الديون المتعلقة بالذّمة، الطويلة الأمد، فإنّها تكاد تكون مشكلة في عصرنا الحاضر.

حصيلة البحث

بعد الاستعراض السريع لبعض مسائل الصداق في أقسامه الثلاثة; المسمّى والمثل والتفويض، وما للفقهاء من آراء متّفقة ومختلفة، كانت حصيلة البحث اُموراً:

١ - اهتمام القرآن الكريم والشريعة الإسلاميّة بالمرأة اهتماماً لم يسبق له مثيل في الشرائع السالفة، حيث منحت الشريعة الإسلاميّة إيّاها حقوقاً خاصة في الزواج

ـ

١ - المغني ٨ / ٢١، ومقدمات ابن رشد ٢ / ٣٧١.

والصداق، مما جعل لها العزّةوالكرامة، فأوجبت لها الصداق، ومنتحها حُرّية التصرّف فيه، وجعلت رضاها شرطاً في صحة العقد.

٢ - إجماع فقهاء المسلمين على فرض الصداق في العقد، وإن لم يكن ركنا في صحته، فلو لم يسمِّ الزوج لزوجته صداقاً، أو نسي ذكر الصداق في العقد، فالفرض عليه أن يُصدقها مهر مثلها من النساء، وللمسائل المتعلّقة بالموضوع أحكاماً خاصة، موضّحةً في محلّها من مصنفاتهم.

٣ - إجماع عامة الفقهاء على عدم تحديدهم للصداق قلّة أو كثرة، نعم اهتمت الشريعة الإسلامية بتقليل المهر، رعاية لحال المستضعفين من الرجال، وأن لا يكون وسيلة لحرمانهم النكاح المشروع، والتجائهم الطرق غير المشروعة، لسد حاجتهم الغريزية.

٤ - بيان المهر المسمّى من صحيحه وفاسده، وتوضيح الصحيح منه بما تراضى عليه الناس مما يُملك ويصحّ نقله، عيناً كان أو منفعة، بحيث يعد مالاً في العادة. أمّا الفاسد منه، فهو ما سمّي على خمر أو خنزير لغير مستحلّه، أو ما لا قيمة له عند أحد من الناس، ولا منفعة مباحة فيه.

٥ - توضيح التقسيمات الأخرى للمهر، كمهر المثل، ومهر التفويض، وبيان ما للفقهاء في اعتبار المثل بين النساء، ثم تطرق الحديث عن معنى التفويض، وتقسيمه إلى تفويض البضع وتفويض المهر، مع الإشارة إلى مسألة واحدة لكلّ منهما، مع بيان آراء الفقهاء فيهما.

٦ - تضمّن البحث الحديث عن الخلوة التي تقع في الفترة الواقعة بين عقد الزواج حتى ساعة الزفاف، ومذاهب الفقهاء في أحكامها، مع بيان استدلال كلّ منهم على مذهبه.

٧ - وتحدّثت عن الصداق المؤجل، مشيراً إلى اختلاف قيمة الصداق المؤجل من حيث قوته الشرائيّة حين الأجل في مسألة فرضية، داعياً العلماء الأعلام إلى حلّ هذه المسألة وغيرها لأنّها من مسائل عصرنا الحاضر، التي أخذت العملات السائدة في بلاد العالم تفقد قوتها الشرائيّة مقابل الذهب والفضة.

٨ - من خلال الاستعراض السريع لمسائل الصداق يبدو أن الاختلاف بين فقهاء المسلمين، اختلاف ضيّق ومحدود جداً، حيث يتمثل ذلك في بعض فروع المسائل، مما يبعث الأمل من جديد في النفوس - ومن خلال الدراسات والابحاث المقارنة في الفقه الاسلامي - على وحدة المسلمين بمختلف مذاهبهم، في اتفاقهم على مفاهيم كلّية في جلّ المسائل الفقهيّة، واختلافهم في بعض المصاديق نتيجة تطبيق أدلة استنباط الأحكام المختلفة.

الاستنتاج والتوصية

أخيراً نستنتج من البحث الماثل بين أيديكم أنّ الاسلام جعل بالاصل موضوع الصداق مفتوحاً غير مقيّد، تجسيداً لنظريته في حقوق المرأة وشخصيتها الكاملة، وإن كان قد دعا في نفس الوقت إلى تقليل المهور تسهيلاً وتشجيعاً للزواج، وابتعاداً عن الرذائل، ورعاية لأوضاع المستضعفين.

كما انه أكّد حق المرأة وشخصيتها في فرضه لمهر المثل حتى لا يضيع حقّها لا كلاً و لاجزءاً عند عدم ذكرالمهر في العقد. كما أنّنا نستنج أن الاسلام احترم عقد الزواج احتراماً كثيراً، فاعتبره صحيحاً مع قطع النظر عن المهر، مع بقاء حقّ المرأة في المهر والصداق، وهذا يؤكد أن الزواج ليس صفقة مالية كالبيع، ولذا يبقى العقد على حرمته وسلامته; ذكر الصداق أم لم يذكر، وتلف الصداق المعيّن قبل القبض أم لم يتلف، كان المهر قليلا أو كثيراً فلا غبن فيه ولا خيار…

ومن أجل ضمان حقّ المرأة الذي اهتم به الاسلام، ودفعاً للخصومات والنزاعات، أوصى بأن يكون المهر المؤجل أموالاً تتصف بالثبات النسبي في قيمتها، كالعقار والذهب والفضّة، وما شاكلها، والابتعاد عن الأوراق النقديّة لأنّها خاضعة للتذبذب في قيمتها السوقيّة، خصوصاً إذا كان التأجيل لمدة زمنيّة طويلة.



[ Web design by Abadis ]