ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الاكراه \ الشيخ أحمد البهادلي

بحث مقارن يعتمد على مصادر أهل السنة والشيعة يوضح الرأي الاسلامي في موقف الإنسان المسلم والجماعة المسلمة في حالة الإكراه. وهي دراسة فقهية عملية طالما تواجه الافراد والجماعات في حياتهم الخاصة والاجتماعية.

حقيقة الإكراه لغة واصطلاحاً

الإكراه - لغةً - مأخوذ من الكره. والكره، بضم الكاف وفتحها، هو الإباء والمشقة. وهو أيضا - بالضم - ما أكرهت نفسك عليه - وبالفتح - ما أكرهك غيرُك عليه.

ويبدو من تعريف الفقهاء وعلماء أصول الفقه للإكراه أنّهم لم يصطلحوا عليه بما يختلف عن معناه اللغوي حيث عرّفه بعضهم بـ: حمل الغير على أن يفعل مالا يرضاه ولا يختار مباشرته لو خُلِّي ونفسه [٢].

وعرَّفه آخر بـ: "حمل الغير على أمر يمتنع عنه بتخويف يقدر الحامل على إيقاعه ويصير الغير خائفاً به" [٣].

ـ

١ - استاذ في كلية الفقه - النجف الاشرف.

٢ - التلويح على التوضيح، لسعد الدين التفتازاني ج ٢ ص ١٩٦. ط. أُولى. مصر ١٣٢٢هـ - .

٣ - كشف الأسرار لعبد العزيز البخاري ج ٤ ص ١٥٠٣. ط. دار الخلافة (غير مؤرخ).

وعرَّفه ثالث بـ: "حمل الغير على ما يكرهه" [١].

أما ماورد عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام): "لا يمين في غضب ولا في قطيعة رحم ولا في جبر ولا في إكراه". حيث جعل الجبر غير الاكراه، فهو من باب التفصيل في أنواع الإكراه بحسب المكره، ولذا عندما قال له السائل: "أصلحكَ الله فما الفرق بين الجبر والإكراه؟ " قال: "الجبر من السلطان ويكون الإكراه من الزوجة والأم والأب وليس ذلك بشيء" [٢].

ومما يؤيد أن الجبر نوع من الإكراه سؤال الراوي عن الفرق بين الجبر والإكراه، ممّا يدل على أنَّهما معاً بمفهوم واحد. بل المروي عن أبي حنيفة: "إن الإكراه لا يتحقَّق الا من السلطان لِما أن المنعة له والقدرة لا تتحقق بدون المنعة" [٣].

مقوّمات الإكراه

والإكراه بمفهومه المتقدِّم يتقوَّم بأربعة أُمور:

الأول: المُكرِه (بكسر الراء):

وهو من يحمل غيره على القيام بفعل أو قول يكره القيام به. ولا يُسمّى الانسان مكرِهاً مالم يكن قادراً على تنفيذ ما هَدَّد به المُكره، فالعاجز عن التنفيذ يكون تهديده ووعيده لغواً.

الثاني: المُكْرَه (بفتح الراء):

وهو من توعَّده غيره بالإضرار به لو لم يفعل ما أُريد منه، ويشترط فيه من أجل انطباق مفهوم الإكراه عليه أن يكون ظانا أو عالما بـإيقاع الضرر به، بحيث يولِّد له هذا الظن أو العلم خوفاً من وقوع ما هُدِّد به. فلولم يحصل له حتى الظن لا يُسمى مكرَهاً [٤].

ـ

١ - المكاسب، تحقيق جامعة النجف الدينية ج ٨ ص ٦٥. ط. النجف ١٣٩٢هـ.

٢ - وسائل الشيعة، للحر العاملي ج ١٦ ص ١٤٣ باب ١٦ حديث رقم [١].

٣ - الهداية، لعلي المرغيناني ج ٣ ص ٢٧٥. ط. الحلبي - مصر (غير مؤرَّخ).

٤ - المشهور بين المذاهب الاسلامية تحقّق الإكراه بظن الضرر أو العلم به وينسب الى بعض الحنابلة إشتراط مسّ الأذى فعلاً بالمكره، ولا يكفي عند هذا البعض حتى العلم بوقوع الأذى فضلاً عن الظن به. أنظر المكاسب ج ٨ ص ٧٦م، س. والهداية ج ٣ ص ٢٧٥م. س. والمغنى لابن قُدامه، ج ٧، ص ١١. ط. المدينة المنورة ٣٤٢هـ.

الثالث: المكره به:

وهو ما هُدِّد به المكره من ضرر يلحق به لو لم يستجب لما طُلِب منه أن يقوله أو أن يفعله. سواء أكان الضرر المتوعد به متعلقاً بنفسه أو ماله أو عرضه أو أهله ممن يكون ضرره راجعاً الى تضرّره وتألـّمه [١]. فلو هُدِّد بإيقاع الضرر بمن لا يمت اليه بصلة حتى صلة الايمان لا يُسمى مكرهاً.

الرابع: المكره عليه:

وهو القول أو الفعل الذي يطلب القيام به، مع كراهته وعدم صدوره من الفاعل لولا تهديده بالضرر لولم يفعل ما طلب منه. فلو كان غيره كارهاً لما طلب منه لا يُسمّى مكرهاً وإن هدَّده غيره وتوعَّده بالضرر.

وبهذه المقوّمات الأربعة يتحقَّق مفهوم الإكراه. وبفقد واحد منها لا يتحقَّق.

أدلّة حكم الإكراه

وقبل أن ندخل في الحديث عن أحكام الإكراه، علينا أن نجعل نصب أعيننا الأدلّة العامّة لهذه الأحكام لنبني عليها النتائج المطلوبة.

وتنحصر الأدلَّة العامة بالأحاديث الشريفة، وهي:

١ - حديث محمد بن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) "وضِعَ عن أُمتّي تسعة أشياء: السَّهو والخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه…. " [٢].

ـ

١ - ومثَّل له الشيخ الأنصاري بالأب والولد والمؤمن. ونَسَب هذا الرأي الى الشرائع والسرائر والتحرير والروضة البهيَّة وغيرها، الا انه بالنسبة الى ضرر بعض المؤمنين وإن جوَّز فعل المحرَّم لدفعه ولكنّه أخرجه عن مفهوم الإكراه.

٢ - روي الحديث باختلاف يسير في اللفظ في:

أ - إرشاد الساري شرح صحيح البخاري ج ٩ ص ٤٥٥.

ب - التهذيب، للشّيخ الطوسي ج ١ ص ١٥٢.

ج - وسائل الشيعة للحرّ العاملي ج ١ ص ٣٢.

د - الخصال، للشّيخ الصَّدوق ج ١ ص ٤٦ و ٨٣.

٢ - حديث اسماعيل الجعفي عن أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السلام) قال: "وضِعَ عن هذه الأمّة ستُّ خِصال: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه…. ) [١].

٣ - عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): وضع عن أُمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" [٢].

٤ - عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "وضع عن أُمتي ما أُكرهوا عليه…. " [٣].

٥ - عن الشافعي، أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "رُفِعَ عن أُمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" [٤].

٦ - عن الامام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "عفي عن امتي ثلاث: الخطا والنسيان والاستكراه" [٥].

مفاد الأدلَّة

يفيد الدليل السادس عفو الشارع المقدَّس عمّن فعل فعلاً يستحق العقوبة عليه لو لم يكن مُكرهاً. وواضح أن العفو لايدلُّ على إباحة الفعل، وإنّما يدل على رفع العقوبة عليه فقط. وتشترك الأدلَّة الأخرى بكلمة وضع وما بمعناها وهي كلمة رفع.

ـ

١ - وسائل الشيعة م. س. ج ١٦ ص ١٤٤ كتاب الإيمان.

٢ - وسائل الشيعة م. س. ج ١٦ ص ١٤٤ كتاب الإيمان.

٣ - وسائل الشيعة م. س. ج ١٦ ص ١٤٤ كتاب الإيمان.

٤ - المغني والشرح الكبير لابن قُدامة ج ٥ ص ٢٧٣ ط. المكتبة السَّلفية المدينة المنورة ١٣٤٢هـ.

٥ - وسائل الشيعة م. س. ج ١٦ ص ١٤٤.

فوضع أو رفع الشارع عن الأمة تضمَّنته الأحاديث الخمسة من إكراه وخطأ ونسيان ونحوها وإنّما هو الوضع والرفع التشريعي وليس الوضع أو الرفع التكويني. لأن الخطأ والنسيان والإكراه واقع في الخارج، والمرفوع في هذه الاخبار ما من شأن المشرع رفعه، وهو أحكامه الصادرة عنه المتعلّقة بأفعال المكلّفين أو بمتعلقاتها. لأن مفهوم الرفع عرفاً هو إزالة الوجود مع وجود المقتضي لبقائه، مثال ذلك: أن للشارع أحكاماً أولية مثل حرمة شرب الخمرة ووجوب الصوم، فإذا عرض الإكراه على الشرب أو تناول المفطِّر يحكم الشارع برفع الآثار المترتّبة على حرمة شرب الخمرة وتناول المفطِّر، من حدٍّ على الشرب وكفارة على الإفطار وعقاب أخروي عليهما.

واختلف العلماء في المرفوع بأحاديث الرفع، هل هو جميع الآثار المترتبة على الموضوعات بحسب أحكامها الأوليَّة أو أن المرفوع بهذه الأحاديث بعض الآثار دون بعض آخر؟

الرأي الأوّل: إن عروض الإكراه علّة لارتفاع الحكم، سواء كان حكماً وضعياً أم كان تكليفياً، ومؤدّى هذا الرأي أن الإكراه على فعل الحرام أو ترك الواجب أو فعل المكروه أو ترك المستحب، يرفع الأحكام الأوليَّة للفعل أو الترك.

فالحكم الأوّلي لشرب الخمر وترك الصلاة هو التحريم، فإذا أُكره المرء على هذا المحرَّم يرتفع تحريمه. وتبعاً لارتفاع التحريم ترتفع جميع الآثار التي كانت مترتِّبة على فعل المحرَّم من إثم وعقاب وكفّارة ونحوها.

وفي الأحكام الوضعية كذلك، فالشارع حَكَمَ بسببيَّة عقد الزواج لثبوت الزوجيّة وما يتبعها من آثار، وحَكَم بسببية عقود المعاوضات لنقل الملكيّة، وحكم بسببية إيقاع الطلاق والعتق للفراق والحريَّة، فإذا أكره المرء على أحد هذه الأسباب ارتفع حكم الشارع بهذه السببيّة، وتبعاً لارتفاع الحكم ترتفع جميع آثاره الشرعيَّة ويقع العقد أو الايقاع لاغيين.

الرأي الثاني: إنَّ الرفع في الأحاديث وارد للامتنان على العباد، وتحصل المنَّة عليهم فيما إذا كان المرفوع في الأحاديث هو المؤاخذة والأحكام المتضمنة لها، سواء

أكانت الأحكام تكليفيَّة أم وضعيّة، ففي الأحكام التكليفية لا يؤاخذ المكره على محرَّم ولا يلزم بعقوبة، وأما الأحكام الوضعية فلا يلزم بعقد أو إيقاع قد أكره عليه. إلا أنه لو أراد بعد زوال الإكراه تنفيذ ما أوقعه من عقد أو إيقاع وترتيب الأثر عليه، فله ذلك، وله إلزام الطرف الآخر في تنفيذ المعاملة، لأن الرفع في الحديث ورد ليرفع الضرر عن المكره لا ليرفع كل أثر ولو كان نفعاً له، فإن رفع الآثار النافعة ينافي الامتنان [١].

آثار الإكراه

وبعد أن تعرَّفنا على الإكراه وأدلَّته ومفادها. ننتقل الى بيان آثاره بالنسبة للأمور الآتية:

١ - الإكراه والأُمور الاعتقاديّة:

قد يُكره الانسان على النطق بما ينافي الاعتقاد الواجب، كإنكار الإله أو النبوة أو المعاد ونحوها. ولا خلاف بين المسلمين في الرخصة بمثل هذه الأقوال لدى تحقّق الإكراه عليها. وممّا يدل على هذه الرخصة: ما قاله علي (عليه السلام) وهو على منبر الكوفة: إنكم ستُدعون الى سَبّي فسبوني ثمَّ تدعون الى البراءة مني وأنا على دين محمد (صلى الله عليه وآله)، فقال له السائل: أرأيت أن اختار القتل دون البراءة؟ فقال واللّه ما ذلك عليه وماله إلا ما مضى عليه عمّار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكَّة وقلبه مطئمن بالإيمان فأنزل اللّه عزَّ وجل فيه: (إلا من أُكره وقلبه مطمئن بالإيمان) فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) عندها: "يا عمار إن عادوا فَعُد. فقد أنزل اللّه عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا" [٢].

وعن أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السلام):

أن رجلاً أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: أوصني فقال: "لا تشرك باللّه شيئاً وإن أحرقت بالنار وعذبت إلا وقلبك مطمئن بالإيمان…. " [٣]. وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) في رجلين

ـ

١ - المكاسب: ٨ / ١١٤.

٢ - وسائل الشيعة م. س. ج ٦ مجلد ١١ ص ٤٧٦.

٣ - وسائل الشيعة م. س. ج ٦ مجلد ١١ ص ٤٧٦.

أخذا فقيل لهما: ابريا عن أمير المؤمنين، فبرئ واحد منهما وأبى الآخر، فَخُلّي سبيل الذي برئ وقُتِلَ الآخر. فقال: "أمّا الذي برئ فرجل فقيه في دينه، وأمّا الذي لم يبرأ فرجل تعجَّل الى الجنّة" [١]. وهذه الأحاديث ونحوها تدل على أن الإكراه على القول مرخَّص به مالم يؤثر على الإيمان القلبي. ولا تترتَّب عليه مؤاخذة. ولكن لو صمد ووطَّن نفسه حتى على القتل فهو مأجور على ذلك [٢].

٢ - الاكراه وحقوق اللّه:

كأن يُكرَه الانسان على فعل محرَّم دون أن يكون له مساس بالعباد، كترك الواجبات من صيام أو صلاة، أو فعل المحرَّمات كشرب الخمر وأكل الميتة ولبس الذهب للرجل ونحوها. وهذا أيضا ممّا رخَّص به الشارع ورفع المؤاخذة عليه [٣]، بل ربما يجب في حالة ترتّب ضرر جسيم بتركه، كالقتل وهتك العِرض وما شابهه. نعم في حالة الإكراه على ترك عبادة يجب قضاؤها بعد زوال الإكراه إن كانت مِمّا تُقضى كالصَّلاة والصيام. ولاخلاف بين المذاهب الاسلامية في هذه المسألة [٤].

٣ - الاكراه على المعاملات:

يرى بعض الإماميّة من علماء المسلمين: أن الإكراه المُسوِّغ للمحظورات هو الإكراه بمعنى الجبر، أمّا الإكراه الرافع لأثر المعاملات بعامة فهو ما كان بمعنى الجبر أو بما دونه ممّا يؤدي الى عدم طيب النفس في المعاملة، فالإكراه المسوِّغ للمحظورات أخص من الإكراه الرافع لأثر المعاملات. والإمامية يشترطون في المعاملات القصد الحاصل عن طيب النفس، مستدلين على ذلك:

ـ

١ - وسائل الشيعة م. س. ج ٦ مجلد ١١ ص ٤٧٦.

٢ - الهداية م. س ج ٣ ص ٢٧٧ و ص ٢٧٩.

٣ - وفرَّق أبو حنيفة في الإكراه على الزنا بين أن يكون الإكراه من السلطان فلا يجب الحد، وبين أن يكون من غير السلطان فيجب الحد عقوبة. الهداية م. س ج ٣ ص ٢٧٩.

٤ - ولكنَّهم إختلفوا فيمن يمكنه التخلّص بتورية وغيرها، هل يجب عليه التخلص أولا؟ إنظر المكاسب م. س ج ٨ ص ٦٨ وما بعدها. والهداية م. س. ج ٣ ص ٢٧٧.

١ - بقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) [١].

٢ - بالحديث القائل: "لايحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه" [٢].

٣ - الأحاديث الواردة في اشتراط الارادة في صحة الطلاق، بل الاحاديث الواردة في فساد طلاق من طلَّق مداراة لأهله من غير إرادة الطَّلاق. كحديث: "لاطلاق إلا لمن أراد الطلاق" [٣].

وعلى هذا; فالاكراه ينافي التراضي وطيب النفس والارادة، وبوجودهِ لا تصحُّ المعاملة ولا يترتَّب عليها أثرها الشرعي. وبما أن المكره لا قصد له الى مدلول اللفظ، وهو مكره على المعاملة ولم يقصد إنشاءها بل هو قاصد للفظ فقط، فتقع المعاملة لاغيةً، ولا يصحِّحها بعدئذ رضا المكره عند زوال الإكراه [٤].

وهذا هو رأي بعض الإماميّة والحنابلة والشافعيَّة والمالكيَّة [٥].

وذهب البعض الآخر من الإمامية الى أنَّ المكره قاصد للمعنى، للفرق بينه وبين من يتكلَّم تقليداً أو تلقيناً كالطّفل الجاهل بالمعاني. غير أنّ القصد المفقود بالإكراه هو القصد الى وقوع أثر العقد، لا عدم إرادة المعنى من الكلام، فيتحقّق مع الإكراه وجود العقد، ولكن لا يترتَّب عليه أثره الشرعي وهو حِلّية المال وانتقاله لعدم طيب

ـ

١ - النساء / ٢٩.

٢ - المكاسب ج ٨ ص ٤٥، وفي مستدرك الوسائل ج ٣ ص ١٤٦ ح ١: (المسلم أخو المسلم لا يحل ماله إلا عن طيب نفس منه). أنظر هامش المكاسب ج ٦ ص ١٨٠ - ١٨١.

٣ - أنظر وسائل الشيعة ج ٧ مجلد ١٥ ص ٢٨٥، باب ١١، وص ٣٣٢ باب ٣٨.

٤ - أنظر المكاسب ج ٨ ص ١١١. وهو في ص ٥١ وما بعدها ينسب هذا الرأي الى الشهيدين الجزّيني والعاملي، والعلامة الحُلّي مستدلين عليه بالأخبار الواردة في طلاق المكره. كما في الجزء ١٥ من الوسائل الباب ٣٧ ص ٣٣١ - ٣٣٢.

٥ - انظر: اعلام الموقّعين عن ربّ العالمين لابن قيم الجوزية ط. السعادة / مصر ١٢٧٤ هـ. ج ٣ ص ١٠٨، والمغني لابن قُدامة، م. س ج ٧ ص ١١٨، والهداية م. س ج ٣ ص ٢٧٨.

النفس، فإذا تعقبت العقد موافقة المكره على إمضاء العقد ترتيب آثاره كعقد الفضولي. مضافاً الى أن أحاديث الرفع وردت للامتنان لا للإلزام، ويتحقَّق الامتنان بأن يُترك الخيار للمكره بعد رفع الاكراه إن شاء أمضى العقد وإن شاء أبطله، أمّا لو قلنا ببطلان العقد مع الإكراه صار الحكم إلزامياً للمكره، وهو خلاف الامتنان الوارد في أحاديث الرفع [١].

ويتَّفق الأحناف مع هذا البعض من الإمامية بالنسبة الى المعاملات التي تحتمل الفسخ ولا تصح مع الهزل كالبيع، وحجَّتهم أن الإكراه بعدم الرضا لا الاختيار، والرضا شرط للصحة للانعقاد، فتقع هذه المعاملات فاسدة تصحِّحها الإجازة اللاحقة.

أمّا بالنسبة الى المعاملات التي تحتمل الفسخ ولا تبطل بالهزل كالنكاح والطلاق والرجعة، ثبت حكمها ووقعت صحيحة نافذة ولا أثر للإكراه فيها [٢].

والرّاجح أنَّ المعاملة - عقداً كانت أم إيقاعا - إنّما جعلها الشارع سبباً في التأثير إذا اتّصفت برضا موقّعها، ولا يكفي في تأثيرها وجود ذات العقد مجرَّداً عن الرضا، وبما أن الإكراه ينافي الرضا، فالمعاملة الواقعة تحت تأثيره لا تترتَّب عليها آثارها الشرعيّة.

نعم إذا وردت أدلَّة تفيد تصحيح المعاملة إذا تأخَّر رضا صاحبها عن إنشائها كما في بيع الفضولي، فحينئذ تصح المعاملة المكره عليها إذا رضي المكره بإمضائها بعد زوال الإكراه.

وأمّا في مثل النكاح والطلاق ونحوهما ممّا لم يقم الدليل على صحة المعاملة الفضولية فيه وإن تعقبتها الإجازة، فلا يصحّحها تعقّب رضا المكره بعد زوال الإكراه، ولا بدَّ من اقتران إنشاء الصيغة بتوفّر شروطها، ومنها الرضا. ولذا ورد في

ـ

١ - المكاسب، ج ٨ ص ١١٤.

٢ - الهداية م. س. ج ٣ ص ٢٧٥ وما بعدها. والوجيز في أُصول الفقه، لعبد الكريم زيدان ص ١٣٤ ط. بغداد ١٩٧٧م.

الحديث الشريف: "لا طلاق لمن لم يرد الطلاق".

٤ - الإكراه على الاقرار:

الإقرار هو الاعتراف. وهو إخبار على وجه ينفي التهمة والريبة، لأنَّ العاقل لا يكذب على نفسه كذباً مضراً بها، ولهذا كان آكد من الشهادة. مثل الإقرار بجناية أو بحق لآخر، ولاخلاف - فيما أعلم - في أن الأقرار الناتج عن إكراه لا يترتَّب عليه أثر شرعي، فلو اُكره المرء على الأقرار بجناية أو حقّ لآخر فلا يؤاخذ بإقراره. لأن الإقرار إنّما يترتَّب عليه أثره إذا كان كاشفاً عن حق على المقر، ومع الإكراه لا يتحقَّق هذا الكشف. وأحاديث الرفع صريحة وشاملة لرفع أثر الإقرار عن إكراه [١].

٥ - الإكراه على ضرر الغير:

قلنا: إنّ أحاديث الرفع والوضع تفيد علِّية الإكراه لارتفاع الحكم التكليفي والوضعي - على الرأي الأول في مفاد هذه الأدلة - أو تفيد عليَّة الإكراه لارتفاع الاحكام التي تترتّب عليها المؤاخذة - كما هو الرأي الثاني في مفاد الأدلّة - وتحدثنا عن تطبيق هذين الرأيين على الأقوال والأفعال التي لا يلزم من القيام بها ضرر على الآخرين، مثل الاعتقادات والعبادات وحقوق اللّه الأخرى والمعاملات والإقرارات.

فلو اُكره المرء على ما يتضَّرر به غيره كالقتل والجرح وغصب المال وإيذاء الآخرين ونحوها، فهل تصلح أدلَّة الرفع التحريم أو رفع المؤاخذة؟ أم إنّها تختص بما إذا كان الفعل المكره عليه لا يسبّب ضرراً على آخر؟

ليس من السهل إعطاء إجابة واحدة جامعة لكل فروع المسألة، لأن نوع الإكراه يختلف باختلاف الضرر المهدد به المكره لو لم يفعل، كما أنّ حجم الضرر المراد إيقاعه بالآخرين أيضا يختلف. لهذا علينا أن نتحدَّث عن بعض صور المسألة من خلال هاتين الحيثيتين:

١ - الصورة الأُولى: الإكراه على قتل مسلم:

ـ

١ - اُنظر المغني والشرح الكبير ج ٥ ص ٢٧٢ - ٢٧٣. والهداية ج ٣ ص ١٨٠. وشرائع الاسلام للمحقق الحُلي ج ٤ ص ١٥١. ط. النجف المحققة ١٩٦٩م.

وهو لا يبيح القتل ولا يرفع المؤاخذة عليه حتّى لو هُدِّد المُكره بالقتل لو لم يفعل. وهذا مما صرَّح بعضهم بانعقاد الإجماع عليه، سواء أكان المراد قتله صغيراً أم كبيراً، ذكراً أم أنثى، عالما أم جاهلا، حرّاً أم عبداً [١].

لأن أدلة نفي الحرج ونفي الإكراه وإن كانت بعمومها تقتضي جواز المحظورات، إلا أنها شرعت لدفع الضرر وحقن الدم، فإذا بلغ الإكراه إراقة الدم فإنّه لا يرفع التحريم ولا المؤاخذة [٢]. فلا يستباح دم المسلم لمثل هذه الضرورة، وعلى المكره أن يصبر حتى يُقتل !! ولا يحقّ له قتل المسلم [٣].

٢ - الصورة الثانية: الإكراه على جرح مسلم أو قطع بعض أعضائه مما لا يؤدي الى قتله والمنسوب الى الشيخ الطوسي في هذه المسألة أنَّ الإكراه لا يرفع الحرمة ولا المؤاخذة، مستدلاً على رأيه هذا بإطلاق كلمة الدم الواردة في الخبرين، وهما:

أ - عن أبي جعفر محمد الباقر (عليه السلام): إنّما جعل التقية ليحقَن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة [٤].

ب - عن أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السلام): إنّما جعلت التقية ليحقَن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقيَّة [٥].

وبموجب هذا فالإكراه لا يسوغ جرح مسلم أو قطع عضو منه حتى لو هدِّد

ـ

١ - المكاسب م. س. ج ٤ ص ٣٥٦ - ٣٥٧ وقد نقل الاجماع عن بعض الامامية.

٢ - المراد بدليل نفي الحرج قوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) "الحج / ٧٨" وأدلّة نفي الإكراه هي ما ذكرناه في الصفحات السابقة من أحاديث، مثل (رفع عن أُمّتي ما أكرهوا عليه).

٣ - المكاسب ج ٤ ص ٣٥٦ وما بعدها. والهداية ج ٣ ص ٢٧٨.

٤ - وسائل الشيعة ج ٦ مجلد ١١ ص ٤٨٣. وأُصول الكافي ص ٤١٩ للكليني، ولعلَّ الصحيح جعلت وبلغت.

٥ - وسائل الشيعة ج ٦ مجلد ١١ ص ٤٨٣. وأُصول الكافي ص ٤١٩ للكليني، ولعلَّ الصحيح جعلت وبلغت.

المكره بالقتل [١].

وذهب بعض الإمامية الى أن الظاهر من الدم المتَّصف بالحقن في الخبرين هو الدم المؤدي الى الموت، فلو هدِّد شخص بالقتل لو لم يجرح مسلما أو يقطع عضواً من أعضائه، يكون والحالة هذه مشمولاً بعموم نفي الحرج ونفي الإكراه، وبالتقية، فيرخص في الإقدام على تنفيذ ما طلب منه، حقناً لدمه وحفظاً لنفسه [٢].

أمّا لو كان الإكراه ناتجاً عن تهديد بسلب مال، أو جرح دون القتل، أو سجن، أو نحو ذلك ممّا هو دون إزهاق النفس، فلا يجوز والحالة هذه جرح المسلم أو قطع عضو منه، وعلى المكره أن يصبر على ما هُدِّد به.

٣ - الصورة الثالثة: الإكراه على ضرر المسلم بما دون القتل والجرح والقطع، من أخذ ماله أو إهانته أو غيرهما من أنواع المظالم.

وتتشعَّب هذه الصورة الى فروع تتعذَّر الإحاطة بها، لأن كل نوع من أنواع الإضرار بالغير إذا نُسِب الى الضَّرر المهدَّد به المكره ينتج فرعاً من فروع هذه الصورة.

ولنذكر نماذج لهذه الفروع:

أ - الإكراه على هتك عِرض الغير بزنا ونحوه، مع أن الضرر المهدَّد به المكره قتل.

ب - الاكراه على هتك عِرض الغير بزنا ونحوه مع أن الضرر المهدَّد به المكره جرح أو قطع عضو.

ج - الإكراه على هتك عرض الغير بزنا ونحوه مع أنَّ الضرر المهدَّد به المكره دفع مال.

ـ

١ - الناقل لرأي الشيخ الطّوسي هو الشيخُ الأنصاري في المكاسب ج ٤ ص ٣٦. وهو أيضاً نقل الرأي الآخر عن الروضة البهية والمصابيح والرياض كما في ص ٣٦٢ من الجزء الرابع.

٢ - الناقل رأي الشيخ الطّوسي هو الشيخُ الأنصاري في المكاسب ج ٤ ص ٣٦. وهو أيضاً نقل الرأي الآخر عن الروضة البهية والمصابيح والرياض كما في ص ٣٦٢ من الجزء الرابع.

د - الإكراه على هتك عرض الغير بزنا ونحوه مع أن الضرر المهدَّد به المكره هتك عِرضه.

هـ - الإكراه على غصب مال أو إتلافه مع أن الضرر المهدَّد به قتل، أو جراح، أو قطع أعضاء، أو دفع مال، أو إتلاف مال، أو هتك عرض، أو إهانة.

و - الإكراه على إهانة مؤمن مع أنّ الضرر المهدَّد به قتل أو غيره من الفروع المذكورة في الفرع (هـ).

ويعرف حكم كل هذه الفروع وغيرها من الرجوع الى الأدلَّة.

فيمكن القول بأن أدلَّة الإكراه مطلقة. أي أنّها تتضمَّن رفع الأحكام والمؤاخذة على الأفعال التي يُكره عليها الانسان من دون تقييد هذا الرفع بما إذا لم يكن الفعل ضاراً بالغير. نعم قيِّدت أدلّة الإكراه بأن لا يكون الفعل إراقة دم، فبقي ما دون ذلك داخلاً تحت إطلاق (رفع عن أمتّي ما أكرهوا عليه).

مضافاً الى قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" فإن فعل الحرام مباح لضرورة الإكراه.

ومن هذا وذاك يُباح الفعل المكره عليه وان أدّى الى ضرر الغير بأي نوع من أنواع الأفعال وأي نوع من أنواع الإضرار التي بينّا بعضها في الفروع السابقة. ولكن يمكن القول أيضاً بأن أحاديث رفع أحكام الأفعال المكره عليها أو رفع المؤاخذة عليها إنّما هي للامتنان على الامة الاسلامية، لا على فرد دون آخر، فكيف يرخِّص الشارع في الاضرار بالبعض امتناناً على البعض الآخر بدفع الضَّرر عنه، لا سيَّما وقد ورد في الحديث المشهور "لا ضَرر ولا ضِرار".

وعلى هذا، فلو أدّى الإكراه الى ضرر الآخرين فلا يجوز للمكره إيقاع الضرر بهم ويجب عليه تحمُّل الضَّرر المهدَّد به مالم يبلغ القتل. هذان وجهان في المسألة، مال بعض الفقهاء الى الأول، ومال آخرون الى الثاني، وفصَّل البعض بين الإضرار بالعرض والإضرار بالمال. فمن أراد الاطلاع أو التفصيل عليه مراجعة كتب الفقه. وقد جئنا على ذكر بعضها في هوامش الصفحات الماضية. ولكن يحسن بنا ههنا التنبيه على أُمور:

الأول: إن الاكراه الذي يرتفع به حكم الفعل ويستباح به المحرَّم هو الإكراه الذي لا يتمكَّن المكره من التخلص منه بتورية وغيرها من وسائل التخلص. فإذا كان المكره قادراً على التخلص بما لا يسبّب له ضرراً أو حرجاً فلا يرخَّص في فعل المحظور بسبب الاكراه، ومثَّلوا لذلك بمن يكرهه أحد على أخذ مال آخر فيظهر له أنّه أخذه منه وهو لم يأخذه، أو يأخذه ثمَّ يردُّه الى صاحبه.

الثاني: يشترط في الإكراه الرافع للمؤاخذة على فعل المحرَّم أن لايكون حاصلاً بمقدمة اختيارية لا مكره سببت له هذا الإكراه. كمن دخل في عمل باختياره وهو يعلم أن هذا العمل يسبِّب له يوماً ما الإكراه على ارتكاب المحرّمات، فإذا كان مختاراً في الأسباب كان بحكم المختار في نتائجها، وإن كان مكرها عليها فلا يرتفع بسبب هكذا إكراه حكم الأفعال كما لا ترتفع المؤاخذة على المحرَّم منها.

الثالث: إنَّ الحديث المتقدِّم عن الإكراه وبيان صوره والخلاف في بعضها كل ذلك فيما إذا كان القول أو الفعل منسوباً الى المكره بسبب الإكراه، أمّا لو تقوَّم به الفعل كتقومه بالآلة بحيث يفقد أدنى مراتب القدرة على ترك ما أكره عليه، فهو والحالة هذه غير مأثوم ولا مؤاخذ، بلا خلاف، وبدون تفصيل بين أن يكون ما اُكره عليه بهذا المعنى للإكراه قتلاً أو غير قتل. كمن دفع على إنسان فقتله.

نعم; روي عن أبي عبد اللّه جعفر الصادق (عليه السلام) في رجل دفع رجلاً على رجل فقتله، قال: الدِّية على الذي دفع على الرجل فقتله، لأولياء المقتول، ويرجع المدفوع بالدِّية على الذي دفعه [١].

هذا، وقد اتّضح لنا من مجموع ما تقدَّم أنَّ الإكراه لا ينافي أهليَّة الوجوب كما لا ينافي أهليَّة الأداء. غاية الأمر أن المكره في بعض صور الإكراه لا يطالب بأداء الفعل وفق حكمه الأوَّلي ويرخَّص بتركه بسبب الإكراه؟

ـ

١ - الوسائل ج ١٩ ص ٤١.



[ Web design by Abadis ]