ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الوحدة الاسلامية عناصرها و موانعها \ الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني

ذكرنا في القسم الاول من هذا الحديث عناصر وحدة المسلمين، ولا يكتمل الحديث عن العناصر دون ذكر الموانع التي تقف بوجه تحقق وحدة لها كل مستلزمات الوجود وكل مقومات الحياة.

عوامل تفرقة المسلمين منها ماهو أصلي، أي أن وجودها بالذات يتنافى مع الوحدة، ومنها ماهو فرعي، أي إنه لوحده لا يشكل عامل تفرقة الاّ إذا انضمّ الى العوامل الاصلية. وهذه العوامل الثانوية أكثر ظهورا وبروزا، بل إن العوامل الاصلية لا يمكن أن يظهر مفعولها إلاّ من خلال هذه الفرعيات، ثم إن هذه العوامل الثانوية ترتبط غالبا بطبيعة البشر ولا يمكن إزالتها، بل الذي يجب اقتلاع جذوره هو العوامل الاصلية للتفرقة، ونبدأ بالحديث عن العوامل الفرعية.

العوامل الثانوية للتفرقة

١ - اختلاف المذاهب

حين يدور الحديث عن وحدة المسلمين تَطرحُ قضيةُ الاختلاف المذهبي بين المسلمين نفسها باعتبارها أهم موانع الوحدة. والمسلمون في الواقع اختلفوا منذ القرن الاول الهجري في الاصول والفروع. وعلى مرّ التاريخ ظهرت مدارس فقهية وعقائدية وسلوكية عديدة.

والمسلمون اليوم ينقسمون الى سنة وشيعة، والسنة على أربعة مذاهب مشهورة في الفروع، وعلى مذهبين مشهورين في الاصول هما مذهب الاشاعرة ومذهب المعتزلة. ويوجد أيضا "الاباضية" ولهم مذهبهم الخاص في الفقه والكلام.

أما الشيعة فأشهرهم الامامية الاثنا عشرية ويوجد أيضا الزيدية، والاسماعيلية. منهم من هو على هدى القرآن والسنة، ومنهم من تسربت اليه عقائد باطلة.

ثم هناك بين أهل السنة والشيعة فرق صوفية لكل منها طريقتها الخاصة في تهذيب النفس والسلوك، وتلتزم هذه الفرق غالبا بما تلتزم به المذاهب الاسلامية في الفقه والعقيدة وإن تسرب الى بعضها شيء من الانحراف.

الهاجس الذي يقلق دعاة الوحدة من التعددية المذهبية هو التاريخ الطويل للنزاعات المذهبية الدامية بين أتباع الفرق الاسلامية. وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها. لكن الذي يجب أن نتعمّق فيه هو سبب هذه النزاعات الدامية. هل هو مجرّد الاختلاف الفكري أو الفقهي؟ إننا نجد في مقاطع تاريخية كثيرة بل وفي عصرنا الراهن أجمل ألوان التعايش والتعاون والتعاضد بين الجماعات ذات التوجهات الفكرية والاجتهادية المتباينة… وهذا يعني أن الاختلاف ذاته ليس سبب الخلاف والنزاع. وبنظرة أدق نفهم أن السبب يعود الى "الجهل" أو الى "الاغراض الدنيوية". فالجهل هو الذي دفع الخوارج لأن يشهروا السيف بوجه المسلمين، ودفع بخوارج عصرنا لأن يكفّروا المسلمين ويستحلّوا دماءهم، وهذا اللون من التعامل مرفوض كل الرفض في نظر الاسلام. والاغراض الدنيوية هي التي أججت نار الحروب الطائفية في مقاطع كثيرة من التاريخ، ولا تزال مصالح الحكم والسلطة تلعب دورها في إثارة النزاعات الدينية، والدين منها بُراء. ولا تزال يد القوى المتجبّرة واضحة كل الوضوح في النزاع بين أهل السنة والشيعة، بل وفي إثارة النزاعات بين أبناء المذهب الواحد.

متى ما كانت الحالة بعيدة عن الجهل وعن الاغراض الدنيوية فلا تجد ثمة سوى التفاهم والحوار والبحث العلمي على أساس الدليل والبرهان والاحترام المتبادل.

ولنستدل فيما نقول بأقوال العلماء.

يقول المرحوم الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء في مقال تحت عنوان "بيان للمسلمين" [١].

المسلمون بعد اتفاقهم كلمة واحدة على أن القرآن العزيز وحي من اللّه جل شأنه وأن العمل به واجب، ومنكر كونه وحياً كافر، والقرآن صريح في لزوم الاتفاق والإخاء والنهي عن التفرق والعداء، وقد جعل المسلمين إخوة فقال عز شأنه: (إنما المؤمنون إخوة). (واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا). (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) [٢] إلى كثير من أمثالها، فبعد اتفاقهم على وجوب الأخذ بنصوص الكتاب الكريم لهم مهما بلغ الخلاف بينهم في غيره، فان رابطة القرآن تجمعهم في كثير من الأصول والفروع، تجمعهم في أشد الروابط من التوحيد والنبوة والقبلة وأمثالها من الأركان والدعائم واختلاف الرأي فيما يستنبط أو يفهم من القرآن في بعض النواحي، اختلاف اجتهادي لا يوجب التباغض والتعادي.

نعم أعظم فرق جوهري، بل لعله الفارق الوحيد بين الطائفتين: السنة، والشيعة، هو قضية الإمامة حيث وقع الفرقتان منها على طرفي الخط، فالشيعة ترى أن الامامة أصل من أصول الدين، وهي رديفة التوحيد والنبوة، وأنها منوطة بالنص من اللّه ورسوله، وليس للأمة فيها من الرأي والاختيار شيء، كما لا اختيار لهم في النبوة بخلاف إخواننا من أهل السنة، فهم متفقون على عدم كونها من أصول الدين، ومختلفون بين قائل بوجوب نصب الامام على الرعية بالاجماع ونحوه، وبين قائل بأنها قضية سياسية ليست من الدين في شيء لا من أصوله ولا من فروعه، ولكن مع هذا التباعد الشاسع بين الفريقين في هذه القضية، هل تجد الشيعة تقول إن من لا يقول بالامامة غير مسلم (كلا ومعاذ اللّه) أو تجد السنة تقول إن القائل بالامامة

ـ

١ - مجلة رسالة الاسلام - السنة الثانية - العدد الثالث.

٢ - الانعام / ١٥٩.

خارج عن الاسلام - لا وكلا - إذن فالقول بالامامة وعدمه لا علاقة له بالجامعة الاسلامية وأحكامها من حرمة دم المسلم وعرضه وماله، ووجوب أخوته، وحفظ حرمته، وعدم جواز غيبته، إلى كثير من أمثال ذلك من حقوق المسلم على أخيه".

ويقول العلامة محمد جواد مغنية في مقال تحت عنوان "ضرورات الدين والمذهب" [١]:

"المسلم من صدَّق مقتنعاً بكل ما اعتبره الإسلام من الأصول والفروع، والأصول ثلاثة: التوحيد، والنبوة، والمعاد، فمن شك في أصل منها، أو ذهل عنه قاصرا أو مقصرا فليس بمسلم، ومن آمن بها جميعاً جازما فهو مسلم، سواء كان إيمانه عن نظر واجتهاد، أم عن التقليد والعدوى، على شريطة أن يكون وفق الحق والواقع.

أما ماذكره العلامة الحلي، والشهيد الثاني، وغيرهما، من وجوب الاستدلال والنظر في الأمور والعقائد، وعدم كفاية التقليد فيهما، فإن المقصود منه التقليد الذي لا يوصل إلى الواقع، أما إذا كان سبيلا للتصديق بالحق، فلا ريب في إجزائه وكفايته، وإلا لم يبق من المسلمين سوى واحد من كل مائة، ولذا قال العلامة الأنصاري في كتاب الفرائد: (والأقوى كفاية الجزم الحاصل من التقليد).

ويكفي من التوحيد الايمان بوحدة اللّه تعالى، وقدرته وعلمه وحكمته، ولا تجب معرفة صفاته الثبوتية والسلبية بالتفصيل، ولا أنها عين ذاته أو غيرها، ويكفي من النبوة الإيمان بأن محمداً (صلى الله عليه وآله)، رسول من اللّه صادق فيما أخبر به معصوم في تبليغ الأحكام، فإن الرسول قد يخبر عن الشيء بصفته الدينية المحضة أي كونه رسولا مبلغاً عن اللّه تعالى، وقد يخبر عنه بصفته الشخصية، أي كونه إنساناً من البشر، فما كان من النوع الأول، يجب التعبد به، وما كان من النوع الثاني فلا يجب.

أما التصديق والإيمان بأن النبي كان يسمع ويرى وهو نائم، كما يسمع ويرى وهو مستيقظ، وأنه يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وأنه عالم بجميع اللغات، وأنه

ـ

١ - مجلة رسالة الاسلام السنة الثانية العدد الرابع.

أول من تنشق عنه الأرض، فليس من ضرورات الدين ولا المذهب.

ويكفي من المعاد الاعتقاد بأن كل مكلف يحاسب بعد الموت على ما اكتسبه في حياته، وأنه ملاق جزاء عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، أما أنه كيف يحاسب العبد؟ وعلى أية صورة بالتحديد يكون ثواب المحسن، وبأي لون يعاقب المسيء؟ فلا يجب التدين بشيء من ذلك، فالتوحيد، والنبوة، والمعاد دعائم ضرورية لدين الإسلام، فمن أنكر واحداً منها، أو جهله فلا يعد مسلما شيعيا، ولا سنيا.

أما الفروع التي هي من ضرورات الدين، فهي كل حكم اتفقت عليه المذاهب الإسلامية كافة من غير فرق بين مذهب ومذهب، كوجوب الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، وحرمة زواج الأم والأخت، وما إلى ذلك مما لا يختلف فيه رجلان من المسلمين، فضلا عن طائفتين منهم، فإنكار حكم من هذه الأحكام إنكار للنبوة، وتكذيب لما ثبت في دين الإسلام بالضرورة.

والفرق بين الأصول والفروع الضرورية، أن الذي لا يدين بأحد الأصول يكون خارجا عن الإسلام، جاهلا كان أم غير جاهل، أما الذي لا يدين بفرع ضروري، كالصلاة والزكاة، فإن كان ذلك مع العلم بصدوره عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، فهر غير مسلم، لأنه إنكار للنبوة نفسها، وإن كان جاهلا بصدوره عن الرسالة، كما لو نشأ في بيئة بعيدة عن الإسلام والمسلمين، فلا يضر ذلك باسلاميته إذا كان ملتزماً بكل ماجاء به الرسول، ولو على سبيل الإجمال، فالتدين بالأصول أمر لابد منه للمسلم، ولا يعذر فيها الجاهل، أما إنكار الاحكام الفرعية الضرورية فضلا عن الجهل بها، فلا يضر بـإسلامية المسلم إلا مع العلم بأنها من الدين، فالإمامة ليست أصلا من أصول دين الإسلام، وإنما هي أصل لمذهب التشيع، فمنكرها مسلم إذا اعتقد بالتوحيد، والنبوة، والمعاد، ولكنه ليس شيعيا".

والمرحوم العلامة السيد شرف الدين العاملي يعقد في كتابه: "الفصول المهمة في تأليف الامة" فصولا يتحدث فيها بالتفصيل عن العلاقة الطبيعية التي تربط أهل السنة والشيعة باعتبارهم جميعا مسلمين، يعترف كل منهما بما له وعليه من حقوق وواجبات تجاه المسلم الآخر.

والعلامة الفقيد الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الازهر السابق يقول في مقال تحت عنوان "بيان للمسلمين": [١]

إن الدين الإسلامي قائم على نوعين من الاحكام:

أحدهما: أحكام ثابتة، يجب الإيمان بها، ولا يسوغ الاختلاف فيها وليس من شأنها أن تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا أن تخضع لبحث الباحثين، واجتهاد المجتهدين. ذلك بأنها ثابتة عن اللّه تعالى بطريق يقيني لا يحتمل الشك، واضحة في معانيها، ليس فيها شيء من الإبهام أو الغموض.

والثاني: أحكام اجتهادية نظرية مرتبطة بالمصالح التي تختلف باختلاف ظروفها وأحوالها، أو راجعة الى الفهم والاستنباط اللذين يختلفان باختلاف العقول والأفهام، أو واردة بطريق لا يرقى إلى درجة العلم واليقين، ولا يتجاوز مرتبة الظن والرجحان.

والنوع الأول من الأحكام - وهو القطعي في روايته ودلالته - هو الأساس الذي أوجب اللّه على المسلمين أن يبنوا عليه صرح وحدتهم غير متنازعين، وربط به عزهم وقوتهم وهيبتهم في أعين خصومهم والمتربصين بهم. والمسلمون كلهم مؤمنون به إيمانا ثابتاً لا يتزعزع، لا فرق في ذلك بين طائفة منهم وطائفة.

وإن جميع الآيات التي جاءت في النهي عن التفرق، وذم الاختلاف، والتحذير منه، وضرب الأمثال بما كان من الأمم السابقة حين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات; إنما تعني الاختلاف والتفرق في هذا النوع من الأحكام، ومن ذلك قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء…) [٢]. (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات) [٣]. (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة اللّه التي فطر الناس عليها. لا تبديل لخلق اللّه. ذلك الدين القيم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا

ـ

١ - مجلة رسالة الاسلام - السنة الاولى - العدد الاول.

٢ - الانعام / ١٥٩.

٣ - آل عمران / ١٠٥.

دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون).

فهذا هو الاختلاف المذموم المنهي عنه في كتاب اللّه تعالى.

أما النوع الثاني من الأحكام، فإن الاختلاف فيه أمر طبيعي، لأن العقول تتفاوت، والمصالح تختلف، والروايات تتعارض، ولا يعقل، في مثل هذا النوع أن يخلو مجتمع من الاختلاف، ويكون جميع أفراده على رأي واحد في جميع شؤونه، وهذا النوع من الاختلاف غير مذموم في الإسلام، مادام المختلفون مخلصين في بحثهم، باذلين وسعهم في تعرف الحق واستبانته، بل إنه ليترتب عليه كثير من المصالح، وتتسع به دائرة الفكر، ويندفع به كثير من الحرج والعسر، وليس من شأنه أن يفضي، ولا ينبغي أن يفضي، بالمسلمين الى التنازع والتفرق، ويدفع بهم الى التقاطع والتنابز.

ولقد كان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، والتابعون لهم بـإحسان، والأئمة عليهم الرضوان، يختلفون، ويدفع بعضهم حجة بعض، ويجادلون عن آرائهم بالتي هي أحسن، ويدعون إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم نسمع أن أحدا منهم رمى غيره بسوء، أو قذفه ببهتان، ولا أن هذا الاختلاف بينهم كان ذريعة للعداوة والبغضاء، ولا أن آراءهم فيما اختلفوا فيه. قد اتخذت من قواعد الإيمان وأصول الشريعة التي يعد مخالفها كافراً أو عاصياً للّه تعالى، وقد كانوا يتحامون الخوض في النظريات، وفتح باب الآراء في العقائد وأصول الدين، ويحتمون فيها بالمأثور، سداً لذريعة الفتنة، وحرصاً على وحدة الأمة، وتفرغا لما فيه عزهم وسعادتهم وارتفاع شأنهم، ولذلك كانوا أقوياء ذوي عزة ومهابة: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) [١] …"

مما تقدم نفهم أن الاختلاف المذهبي نفسه ليس مدعاة للنزاع، اللهم إلا إذا اقترن بحالة الجهل أو استغلته الاطماع الدنيوية، حينئذ تثور النزاعات وتسفك الدماء، باسم الدين، وليس للدين في الواقع دور فيها، بل إنها تتعارض مع روح الدين وشريعته السمحاء.

ـ

١ - الفتح / ٢٩.

٢ - تعدّد الحكومات

حالة التجزئة القائمة في عالمنا الاسلامي جرّت الى حروب ونزاعات حدودية وغير حدودية كثيرة… لا نريد أن نتحدث عن الصورة المثالية المطلوبة لعالمنا الاسلامي حيث تتوحّد الامة تحت قيادة واحدة، بل حديثنا عن هذه الحالة الموجودة التي تتعدّد فيها الحكومات. هل هذا التعدّد بطبيعته يؤدي الى الاختلاف والنزاع؟ ! لو نظرنا الى الساحة العالمية لوجدنا أن البلدان التي تملك زمام أمورها تتعاون مع بعضها تعاونا يكاد يلغي الحدود بينها. هذه الاسواق المشتركة والاحلاف المشتركة والاتفاقيات المشتركة بين بعض بلدان العالم تثبت إمكان توحّد جهود بلدان العالم رغم تعدّد حكوماتها. التعددية إذن في الاجهزة الحاكمة لا يؤدي بذاته الى نزاع، بل إن النزاعات تنشب بسبب طغيان حاكم من الحكام واستفحال روح التسلّط والعدوان فيه. أو بسبب تدخّل القوى الكبرى ودفعها لعملائها كي يحققوا عن طريق العدوان أطماعَها.

الاسلام يرفض العدوان والطغيان، ويرفض الخضوع لارادة المستكبرين، ويضع كل الضمانات للحيلولة دون هذه الحالة، وليس وراء النزاعات بين بلدان العالم الاسلامي سوى غياب الروح الدينية والالتزام الديني.

بين بلدان المسلمين كل الدواعي للتعاون السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي والامني والعسكري، لكن ضعف الدوافع الدينية، وفقدان الارادة المستقلة عند بعض حكام هذه البلدان يحول دون الوحدة المنشودة، بل إن الطغيان أحيانا أو العمالة أحيانا أخرى يؤدي الى هذه النزاعات المشهودة في عالمنا الاسلامي.

٣ - الاختلافات القومية

الاختلافات القومية حقيقة قررها القرآن الكريم وعبّر عنها بالشعوب والقبائل حيث قال سبحانه: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل

لتعارفوا إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم) [١].

والآية الكريمة تبين الحقائق التالية:

١ - كما أن البشر مخلوقون بطبيعتهم من ذكر وأنثى، كذلك مخلوقون بطبيعتهم من شعوب وقبائل، وهذه حقيقة ثابتة في خلقة البشرية.

٢ - إن الهدف من هذا الاختلاف هو "التعارف". وكما أن تعارف الذكر والانثى يخلق النماء والخصب البشري واستمرار الحياة الانسانية، كذلك تعارف الشعوب والقبائل المختلفة يؤدي الى تلاقح الثقافات والافكار والكفاءات لينتج الخصب الحضاري في حياة البشرية.

٣ - إن معيار التفاضل بين الافراد والجماعات هو الرقي في سلم التكامل الانساني الذي عبّر عنه القرآن بالتقوى.

واستطاع الاسلام أن يسجل أفضل صور التفاعل بين الشعوب المسلمة، وأجمل ألوان التعايش بين القوميات المختلفة، ولعل اجتماع سلمان الفارسي وصهيب الرومي، وبلال الحبشي بين صحابة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) كان مقدرا له أن يكون رمزا للامتزاج الحضاري بين آسيا وأوربا وأفريقيا في بودقة الاسلام.

غير أن النعرات الجاهلية القائمة على أساس غياب الروح الدينية واستفحال الذاتيات الضيقة لعبت دورها على مرّ التاريخ في إثارة النزاعات القومية بين المسلمين، وكان لحكام بني أمية وولاتهم دور مخجل في إثارة التمييز العنصري، وفي عصرنا الحديث لعبت السياسة الاستعمارية دورا بغيضا في إثارة العنصريات القومية بين شعوب بلدان العالم الاسلامي، بل بين قوميات البلد الواحد. ونشأت في العالم الاسلامي أحزاب تتبنّى التعصب القومي تقليدا للغرب أو عمالة له، جاهلة أو متجاهلة أن التعصّب القومي أحرق الغرب وأدخله في حربين عالميتين أضافة الى حروب طاحنة محلية، حتى صحا على نفسه، وألغى التعصّب القومي وأحل مكانه التعاون والتفاهم.

ـ

١ - الحجرات / ١٣.

الاختلاف القومي - إذن - ليس مدعاة بنفسه للخلاف والنزاع، بل هو عامل إثراء وإنماء إن كان في ظل التعارف والتعاون. وهذا ما دعا اليه دين الفطرة.

إختلاف اللغة

لم يلغ الاسلام لغات الشعوب المفتوحة، وإن شجع على تعلّم اللغة العربية. ولا أدلّ على ذلك من تعايش العربية مع لغات العالم الاسلامي، ومن تحدّث الاجيال العربية المهاجرة بلغات المهجر، منذ القرن الهجري الاول. كثير من العلوم الاسلامية دوّنت باللغات الاسلامية إضافة الى اللغة العربية. غير أن إقبال المسلمين على تعلّم اللغة العربية ظاهرة مشهودة على مرّ التاريخ، يغذّيها حبّ المسلمين لفهم القرآن والحديث ونصوص الدين المبين.

والواقع أن اللغة تسهم الى حدّ كبير في إحلال التفاهم بين أبناء الامة. ولا يمكن أن تكتمل وحدة الامة إلاّ إذا اقترنت بوحدة لغوية بينها. واللغة العربية باعتبارها لغة القرآن قادرة على أن تكون لغة التفاهم بين المسلمين، شرط أن تبذل الجهود لاحيائها في البلدان غير العربية، بل وحتى في البلدان العربية التي غلبتها اللهجات العامية وسيطرت على ألسنة العرب بدل العربية الفصحى.

وحين كان مجلس الخبراء عاكفا على تدوين الدستور الاسلامي بعثت اليه مذكرة فيها بعض الاقتراحات، منها ضرورة الاهتمام باللغة العربية باعتبارها من مقومات انشداد أجزاء الامة الاسلامية. وصدر الدستور الاسلامي وهو يؤكد على ضرورة تدريس اللغة العربية في جميع مراحل التدريس وفي كل الفروع الدراسية.

أليس من المؤسف أن تتحدث الدول المسلمة في اجتماعاتها باللغة الانجليزية أو الفرنسية ولا تتحدث بلغة دينها وقرآنها وتراثها وهي اللغة العربية؟ !

العوامل الاصلية للتفرق

١ - الجهل: كان الجهل بالدين عامة، والجهل بالمذاهب خاصة، وراءَ أكثر ماحدث من نزاعات في التاريخ باسم الدين.

الجهل بحقيقة الدين خلق ألوانا من التعصب المقيت، وألوانا من البدع والالتقاط، وأدى الى تفرّق صفوف المسلمين وظهور الافراط والتفريط في المجتمعات الاسلامية.

كما أن جهل أصحاب مذهب بمتبنيات أصحاب المذهب الآخر خلق حساسيات وعقدا، وأدى الى تبادل التهم والافتراءات.

وليس الجهل مقتصراً على القرون الغابرة، بل هو لايزال يعشعش في مجتمعاتنا ويفرّخ، ويولّد أحياناً صورا مؤلمة من التعصّب والتحجّر، أو ينتج استخفافا بشريعة اللّه وتهاونا في الالتزام بأحكامه. كما أنه يظهر على شكل حزازات طائفية وتهم وافتراءات.

والغريب أن هذا الجهل المذهبي نجده حتى في أوساط علمية مرموقة… فكم قابلت من العلماء من يجهل أبسط الحقائق بشأن المذاهب الاخرى! وكم وجدت من يحمل منهم مفاهيم غير صحيحة عن الآخرين.

وصدق السيد شرف الدين إذ قال: المسلمون إذا تعارفوا تآلفوا.

يحضرني الآن أني قابلت المرحوم الشيخ محمد الفحّام شيخ الأزهر الاسبق، وما إن رآني حتى قال: سمعت من الاخوة الشيعة أنهم يحوّرون الحديث النبوي الشريف: "إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه وسنتي" ويقولون "… كتاب اللّه وعترتي"… ويبدو أن تخصص الرجل كان في قواعد اللغة العربية، ولم يكن له الاطلاع اللازم على الحديث. وكان الى جانبه مساعده الشيخ عبد العزيز عيسى (وهو من مؤسسي دار التقريب في القاهرة)، فبادر قائلا: هذه المسألة أثيرت أيام المرحوم الشيخ محمود شلتوت، ودفع ذلك الى أن يبحث أحد الاخوان في أسانيد "كتاب اللّه وعترتي" ويذكرها جميعا من مصادر أهل السنة، ثم عمدت دار التقريب الى نشر هذا البحث. والبحث الذي اُشير اليه هو رسالة دونها الشيخ قوام الدين الوشنوي من علماء قم*.

ويبدو أن علاج هذه الظاهرة يمكن أن يتمّ عن طريق مجمع يضم ممثلي المذاهب الاسلامية، وتتشكل في هذا المجمع لجان لدراسة المشتركات الموجودة بين المسلمين، ثم تُذكر الخصائص الثابتة المقبولة لكل مذهب. وبذلك تتضح الفوارق بدقّة، وتزول التهم والافتراءات*.

٢ - عدم التثبت قبل الحكم: وهي دالة شائعة مع الاسف في جميع مجالات حياتنا، وخاصة المذهبية… حالة الاكتفاء بالشائعات والحكم على أساسها ظاهرة ناتجة عن غياب الروح العلمية وغياب أهمية كرامة الانسان، وغياب التربية الاسلامية التي تعلمنا كيف نتعامل مع المسموعات. يقول المرحوم العلامة كاشف الغطاء في مقال تحت عنوان: "التثبت قبل الحكم" [١]:

"مازال أهل العلم والنظر والدراسات الصحيحة يعنون أكبر العناية بالمصادر التي يعتمدون عليها في بحوثهم، ويستندون إليها في أحكامهم، ومن المعهود أن رجال الفرق، وأهل العصبية للمذاهب، ينقلون عن مخالفيهم آراء قد لا يعرفها هؤلاء المخالفون، وقد يعرفونها على صورة أخرى تختلف اختلافاً قريباً أو بعيداً عن الصورة المنقولة، وأنهم قد يأتون باستدلالات لمذهب مخالفيهم يروجون لها، في ظاهر الأمر، ويوغلون في تفصيلها والعناية بدقائقها، ليوهموا الناس أنها لمخالفيهم، ثم يكرون عليها بالإبطال والتزييف والطعن والتجريح فلا تلبث أن تنهار.

لذلك كان شيوخ العلم، وحذاق النقد، يوصون تلاميذهم بأن يعنوا بمصادرهم، وألا يقلدوا في بحوثهم وأفكارهم تقليداً أعمى، فيقعوا في الخطأ، لمذهب ما، أو فكرة ما، إذا أرادوا أن يصلوا إلى الحقيقة في هذا المذهب، وأن يعرفوا الواقع الفعلي، لا التخيلي، لهذه الفكرة.

أقول هذا لأنني تتبعت كثيراً مما يكتبه الكاتبون عن الشيعة إلى عهد قريب، فوجدته مأخوذاً عن ابن خلدون الذي كان يكتب وهو في أفريقيا وأقصى المغرب عن الشيعة في العراق وأقصى المشرق، أو عن أحمد بن عبد ربه الأندلسي، أو أمثالهما، وقد يريد الكاتبون التوسع، ويقصدون الى الدراسة والتحليل. فيرجعون إلى كتب الغربيين المعروفين "بالمستشرقين"، وحينئذ يظنون أنهم قد أتوا بفصل

ـ

١ - مجلة رسالة الاسلام - العدد الاول - السنة الاولى.

الخطاب، واعتمدوا على المصدر الوثيق، وجاؤوا بالحجة الدامغة. مع أن أمر الشيعة في أفكارهم وآرائهم ميسر لمن أراد معرفته، فهذه كتبهم ومؤلفاتهم ومكتباتهم - ومن بينها مكتبتنا التي تشتمل على أكثر من خمسة آلاف مجلد - تشهد بأن الشيعة ماهم إلا طائفة من طوائف المسلمين، ومذهب من مذاهب الإسلام، يتفقون مع سائر المسلمين في الأصول، وإن اختلفوا معهم في بعض الفروع.

٣ - لغة الطعن والتنابز بالالقاب: شاعت بين أصحاب المذاهب الاسلامية منذ القدم لغة بعيدة عن الموضوعية والروح الاسلامية، وهي لغة الطعن، ولصق التهم، ونسبة الالقاب السيئة الى الخصوم، مماكان يزيد في الطين بلة، ويؤجج نيران العصبيات، ويبعد الحالة الاسلامية عن الحوار العلمي الهادئ الرصين.

ولاتزال ألقاب "العامة" و"الخاصة" في كتبنا عند الحديث عن الشيعة والسنة، ولايزال هناك من يطلق كلمة "النصيرية" على العلويين، ولايزال هناك من يسمي أتباع هذا المذهب أو ذاك باسماء لا يرضونها كالرافضة والوهابية وأمثالها.

هذه الالقاب لا تغيّر من الحقيقة شيئاً، ولعلها تكون مشمولة بالنهي الوارد في الآية الكريمة: (ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالالقاب) [١].

وثمة كتب ألفت لتضم بين دفتيها ألوان الطعون مثل: "الوشيعة"، و"فيصل التفرقة بين الاسلام والزندقة" و "الزام النواصب" و… أمثالها. وهي تجانب روح التقارب والتوحيد وتجافي الاخوة الاسلامية، على العكس من كتب أخرى ذكرت الاختلافات بروح علمية موضوعية مثل "مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين" لابي الحسن الاشعري، و"الفصول المهمة في تأليف الامة" للسيد شرف الدين… وأمثالها.

٤ - أسلوب استثارة الخلافات: بعض الناس صِداميّون بالذات… في كل أمورهم يريدون أن يبحثوا عن خصم ليتناطحوا معه، يعيشون حياتهم وكأنهم في ساحة حرب ينادون: "هل من مبارز". هؤلاء يلجّون في الخصام دائما، ولا يعرفون سوى الخصومة…

ـ

١ - الحجرات / ١١.

يفتشون دائما عن العيوب والثغرات والاختلافات، فيجدون فيها ما ينفّسون عن روحهم التوّاقة للاصطدام.

وحين يدخل مثل هؤلاء الساحة المذهبية يخلقون المآسي… يفسرون حتى اختلافات النحويين اختلافا مذهبيا. لا تجد في بحوثهم سوى الاثارات الطائفية.

بينما تجد على العكس من هؤلاء علماء يعشقون مسائل الوفاق والاشتراك، ويجهدون أنفسهم لدراسة المشتركات، وما يقرّب بين المسلمين، منهم على سبيل المثال: الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي، وأمين الاسلام الطبرسي، والسيد محسن الامين، والسيد شرف الدين، وكتب السيد المرتضى كتاب "الانتصار" ليجد له شريكا في مسائله الفقهية من سائر المذاهب.

هذه هي الروح التي تتحرى الحقيقة، وتطلب رضا اللّه سبحانه وتعالى، لا تلك الروح الصدامية التي تطلب الشهرة وإرضاء الرغبات السطحية.

٥ - الاستناد الى أقوال العوام وأفعالهم: لاشك أن هناك عادات وتقاليد سائدة بين المسلمين لا يمتّ بعضها الى الاسلام بصلة، ظهرت على مرّ الايام والسنين بسبب الجهل أو بسبب خطط سياسية ماكرة، وهذه يجب ألاّ تكون ملاكا للحكم على أصحاب هذا المذهب أو ذاك. بعض المسلمين يضفون على أعمالهم المنحرفة صبغة دينية، فيسيئون الى الاسلام والى مذهبهم، والى هذا أشار الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) إذ قال: "كونوا لنا زينا ولا تكونوا علينا شينا".

يبدو أن المفارقة بين العمل والمعتقد لا تختص بالعوام، بل تشمل حتى بعض العلماء الذين يسيرون وراء العامة وينقادون لما تقوله العامة، تاركين علمهم محدوداً بقاعة الدرس والكتاب.

ولابدّ أن نذكر هنا وجود طوائف من المسلمين لايمكن أن نحكم عليهم الا من خلال أعمال أفرادهم لعدم توفّر المصادر الكافية لدراسة عقائدهم وتشريعهم مثل بعض الطرق الصوفية، والعلويين، والبهرة. وأعمال أفرادهم مدعاة للطعن في مذهبهم، فالاحرى بعلمائهم ومفكريهم أن يكتبوا بوضوح ما يبين انتماءهم الاسلامي.

٦ - إساءة فهم بعض المصطلحات: بعض الالفاظ المشتركة تفسّر أحياناً تفسيرا خاطئا يجعل منها وسيلة للتنافر والحزازة. "الولاية" تعني الامامة والقيادة، وتعني الحب. وولاية أئمة أهل البيت بالمعنى الاول خاصة بالشيعة، والثانية تشمل كل المسلمين، حتى الذين يسمون اليوم بالاباضية وينتسبون اسميا للخوارج. إذن من ينكر ولاية أئمة أهل البيت لايعنى بغضهم لآل البيت - والعياذ باللّه - كما يتصور البعض. بل إن الولاء لآل بيت رسول اللّه محور يجمع كل المسلمين ولا يتخلف عنه أحد.

و"التقية" مثلاً من المفاهيم الهامة التي تصون أرواح المسلمين أمام الاعداء، وتصون وحدة المسلمين في الداخل ولكن لفظها المشترك حمل بما يسيء الى الشيعة ويعتبرهم ممن عنده عقائد باطنية لا يظهرها.

٧ - مصالح الحكم والسلطة: وهذه لعبت دورها السيّء على مرّ التاريخ، فاستغلت الاختلافات، وأثارت الخلافات، ومارست السياسة المعروفة: "فرق تسد"، ولاتزال هذه الظاهرة يمارسها الحكام المستهترون بمصالح شعوبهم، البعيدون عن رضا اللّه القريبون من سخطه. لا يهمهم ما تسفك من دماء وما تثور من نزاعات، يقدمون كل شيء قربانا على مذبح حكمهم وتسلطهم وشهواتهم… هداهم اللّه أو أزال عن المسلمين شرورهم.

وأفظع من هؤلاء الحكام أسيادهم من الطغاة المستكبرين وأسياد أسيادهم من اليهود الصهاينة. هؤلاء يعملون ضمن خطة دقيقة مدروسة لاثارة النزاعات الطائفية، بل والحروب الطاحنة الاقليمية والمحلية.

ولا سبيل للنجاة من هذه الشرور الا باتحاد المسلمين، وصيانة مقدراتهم وحرماتهم وسيادتهم من الانتهاك، واللّه الموفق وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

ـ

* أعيد طبعه في المجمع مع تذييل منّا يُبيّن قصة تأليفه في إيران على عهد الامام البروجردي، وقصة إعادة طبعه في القاهرة. ونشرت رسالة التقريب هذا التذييل. ** أتفق المجتمعون في إحدى مؤتمرات الوحدة الاسلامية على صياغة المشتركات الاساسية، وصدر على أثر ذلك "منشور التقريب" غير أن المشروع بحاجة الى إعادة صياغته باشتراك عدد أكبر من علماء المذاهب الاسلامية.



[ Web design by Abadis ]