ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 المنهاج الاسلامي لإيجاد الاُمة الواحدة \ الاستاذ عبد الباري الزمزمي

كلّ بنيان يراد له البقاء ومواكبة العصور والأجيال لابد أن يقوم على اُسس قوية وقواعد راسخة تضمن له دوام المتانة والتماسك، وتجعله صامداً بوجه تقلّبات الأيام وصروف الدهر.

ولما كانت الاُمة الاسلامية آخر الاُمم وأطولها بقاءً في الأرض وعليها تقوم الساعة، فإن دينها الحنيف وضع لها من القواعد الراسخة والاُصول الثابتة ما يكفل لها قيام وحدة متماسكة لا تنال من صلابتها الزلازل، ولا توهن بنيتها العواصف، وتلك هي مقوّمات الوحدة التي تتكون من ستة عناصر، هي:

١ - الأرض. ٢ - تقرير الاُخوّة بين أفراد الاُمة الاسلامية. ٣ - تشريع القيادة الواحدة. ٤ - تقرير المساواة بين أفراد الاُمة. ٥ - تشريع القبلة الواحدة. ٦ - الاعتصام بالكتاب والسنّة.

وهذا تفصيل القول في كلّ أصل من هذه الاُصول:

أما الأرض فهي مستقر الاسلام، وهي الدار التي يأوي إليها المؤمنون وعليها تقوم دولة الاسلام، ومنها تنطلق دعوته: (والذين تبوّؤا الدار والايمان من قبلهم…. ) [٢].

ولابد أن تكون هذه الأرض خاضعة لحكم الإسلام وسيطرة أهله، مصداقاً لقوله

ـ

١ - كاتب من المغرب.

٢ - الحشر / ٩.

عزوجل: (وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنَّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعدخوفهم أمنا…. ) [١].

ويقول النبي (صلى الله عليه وآله): "بشّر هذه الاُمة بالسناء والرفعة بالدين والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب" رواه أحمد والحاكم.

وأن تكون آمنة منيعة محمية الحدود والثغور، كما أمر بذلك ربّ العباد فقال:

(يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا…. ) [٢].

ويقول النبي (صلى الله عليه وآله): "رباط يوم خير من صيام شهر أو قيامه" رواه أحمد.

إن الأرض الموصوفة بهذه الصفات هي درع الايمان وبيضة الاسلام، ومهجر المستضعفين من المؤمنين وملجأ الخائفين، ومأوى الفارين بدينهم من الفتن.

وأما الاُخوة بين أفراد الاُمة الاسلامية فقد جعلها الاسلام آصرة تربط بين المسلمين، ونسباً يدخل فيه كلّ مسلم، ورابطة متينة تجمع بين صغيرهم وكبيرهم وقويّهم وضعيفهم ومحسنهم ومسيئهم.

والاُخوة في الاسلام ليست كلمة مرسلة لا مدلول لها أو شعاراً أجوف لا معنى من ورائه، بل هي حقيقة راسخة في الحياة الاسلامية وخليقة قائمة بين المسلمين، لها آثارها في واقعهم ولها مظاهرها في سلوكهم ومختلف أحوالهم، لأنّها لازمة للايمان ومنبثقة عنه، ومن ثم فهي تابعة له في الوجود والعدم وفي الظهور والخفاء.

وقد جعل الاسلام آثار الاُخوة الاسلامية اُموراً ثلاثة:

أوّلها: وجوب الحبّ المتبادل بين المسلمين، كما يقرّره قول الله عزوجل: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) [٣].

ويقول النبي (صلى الله عليه وآله): "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا

ـ

١ - النور / ٥٥.

٢ - آل عمران / ٢٠٠.

٣ - مريم / ٩٦.

حتى تحابّوا، أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ افشوا السلام بينكم".

ولكي ينتشر الحبّ بين أفراد الاُمة الاسلامية ويتداولونه بينهم، أمر النبي (صلى الله عليه وآله) كلّ مسلم فقال: "إذا أحبّ الرجل أخاه ليخبره أنه يحبّه". رواه الترمذي.

ثانيها: وضع نظام الحقوق بين أبناء الاسلام، فقد شرع الاسلام نظام الحقوق بين المسلمين وجعل العمل به أمراً لازماً للاُخوة في الدين، ومظهراً لقوة اليقين وصدق الايمان، وهي حقوق شملت كلّ جوانب الحياة وأحوال المسلمين كافةً; ما ظهر منها وما بطن وما خفي منها وما انتشر.

ثالثها: وضع نظام التكافل والتآزر بين الاُخوة في الله، وهو من لوازم الاُخوة وشعبها، كما يفيده قول النبي (صلى الله عليه وآله): "مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".

وقوله (صلى الله عليه وآله): "المؤمن أخو المؤمن يكفّ عنه ضيعته ويحوطه من ورائه".

وقد جعل النبي (صلى الله عليه وآله) التكافل بين أفراد المجتمع الاسلامي من أرفع الأعمال وأعلاها منزلة في الاسلام، فقال (صلى الله عليه وآله): "أحب الناس الى الله أنفعهم، وأحب الأعمال الى الله سرور تُدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً أو تطرد عنه جوعاً، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحبّ إلي من أن أعتكف في المسجد شهراً". رواه الطبراني.

والتكافل في نظام الاسلام يجب أن يقوم بين المسلمين في مختلف صور المعاش وشتى مرافق الحياة، ومن ثم كان التكافل في الاسلام شاملاً لكلّ مظاهر الحياة وأنواع السلوك.

وأما الأصل الثالث من مقوّمات الوحدة الاسلامية فهو تشريع القيادة الواحدة للاُمة المسلمة وجعلها كتلة واحدة غير قابلة للتقطيع أو التجزيء، والتأكيد على السمع والطاعة لولاة الأمر ما أطاعوا الله وأقاموا شريعته.

وحفاظاً على وحدة الاُمة من التصدّع والشقاق وحماية لجماعتها من شرّ الفتنة والزلازل، جعل الاسلام العلاقة بين الراعي والرعية مبنية على المودة والرحمة والرعاية الصالحة والاحترام المتبادل بين الطرفين.

يقول النبي (صلى الله عليه وآله): "خير أئمّتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم".

ويقول (صلى الله عليه وآله): "إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم": رواه أبو داود.

وما ظهر ذلك الصراع المرير والقتال الرهيب في الاُمة الاسلامية في منتصف القرن الأول من تاريخ الاسلام إلا عندما تعدّدت القيادة في الاُمة، إذ خرج معاوية على الطاعة وفرّق شمل الجماعة وأبى أن يدخل في بيعة الامام الشرعي علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فأفرز ذلك الشقاق المبكر خلافاً وتفرّقاً وتنازعاً عانت الاُمة الاسلامية من شرّه عصوراً وأجيالاً، ومازالت أذياله وآثاره باقية في المسلمين الى عصرنا الحاضر.

وما هذا الخلاف القائم بين السنّة والشيعة إلا ثمرة مُرّة لذلك الشقاق المبكر الناتج عن تعدّد في الاُمة الواحدة.

وأما الأصل الرابع من مقوّمات وحدة الاُمة فهو اعتصام أهل الاسلام بالكتاب والسنة واجتماعهم عليهما واتفاقهم على العمل بهما، مصداقاً لقول الله عزوجل: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا…. ) ١…

وقوله سبحانه: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله…. ) [٢].

والاستمساك بالكتاب والسنة والتزام أحكامهما سلوكاً وخلقاً وعقيدة مما يستلزمه الايمان الصادق واليقين الراسخ ويجمع المؤمنين على مرجع واحد، يرجعون الى توجيهه في اُمور دينهم ودنياهم ويحكّمونه فيما شجر بينهم، فلا يجدون في صدورهم حرجاً من قضائه ويسلّمون لحكمه تسليماً تاماً. لكونهم يعلمون أنه القول الفصل والمرجع الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبذلك تتألف قلوبهم على الحق ويجتمعون على اتّباع سبيله، وإنّما ضلّ من ضل من أهل الاسلام بتجاوزهم الكتاب والسنة والتقديم بين يدي اللّه ورسوله، وابتداعهم

ـ

١ - آل عمران / ١٠٣.

٢ - الانعام / ١٥٣.

مرجعيات متعددة أنزلوها منزلة الوحي واعتمدوا ما صدر عنها من أحكام وتوجيهات، ورضوا بها بديلاً عن حكم الله ورسوله، فتفرّقت بهم السبل وضلّوا عن سبيل الله، وصاروا طرائق قدداً وشيعاً وأحزاباً، كلّ حزب بما لديهم فرحون، وكلّ فريق بما عندهم مقتنعون ولو أنّهم أقاموا وجوههم للكتاب والسنة ووقفوا عند نصوصهما، فلم يتقدّموا عليها ولم يتخلفوا عنها لكانوا على هدى من ربهم، ولثبتوا على المحجّة البيضاء ولاستقاموا جميعاً على كلمة سواء.

وأما الأصل الخامس من مقوّمات الوحدة الاسلامية فيتجلى في تشريع القبلة الواحدة للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، إذ يجب على كلّ مسلم حيثما كان من الأرض أن يستقبل المسجد الحرام كما أمره بذلك ربّ العباد فقال: (فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولّوا وجوهكم شطره…. ) [١].

ومن أجل ذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله): "من صلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذاك المسلم الذي له ذمة اللّه وذمة رسوله فلا تحقروا اللّه في ذمته" رواه البخاري.

إن شعور المسلم بكونه يستقبل القبلة التي يستقبلها إخوته المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها يجعله ينجذب تلقائياً إلى أهل ملّته ويعد نفسه فرداً من أفراد الاُمة الإسلامية وعضواً من أعضاء جسدها، وإن كان لا يعرف منها أحداً ولا يعرفه منهم أحد.

وأما الأصل السادس من مقوّمات وحدة الأمة فإنّه تقرير المساواة بين أفراد الاُمة، واعتبارهم جميعاً بمنزلة واحدة من الحق والعدل والاحترام، فلا يعلو بعضهم على بعض بمال أو جاه أو منصب أونسب، ولا يفخر أحد منهم على أحد بقبيلة أو شعب أو عشيرة; فاختلاف الناس في أوطانهم وأعمالهم ومناصبهم لا يعد في الاسلام مدعاةً للتفاخر والتفاضل والتعالي، ولا يعتبر معياراً صادقاً للتمييز بين الناس وتقديم بعضهم على بعض، كما بيّن ذلك سبحانه وتعالى بقوله: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر واُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم…. ) [٢]،

ـ

١ - البقرة / ١٤٤.

٢ - الحجرات / ١٣.

وقال النبي (صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع: "يا أيها الناس إن ربّكم واحد وأباكم واحد; ألا لافضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى". رواه أحمد.

تلكم هي مقوّمات الوحدة الاسلامية ومكوناتها التي كانت هي الاُسس الراسخة والقواعد الصلبة لعزّة الاُمة الاسلامية ونهضتها وحضارتها التي انبعثت رحمة للعالمين، وكانت بها الاُمة الاسلامية خير اُمة اُخرجت للناس.

حماية وحدة الاُمة

كما وضع الاسلام القواعد والاُسس الآنفة الذكر لبناء وحدة الاُمة ورعايتها، وضع قواعد اُخرى لصيانة هذه الوحدة وحمايتها من التصدع والانهيار، ومن تلك القواعد:

١ - وجوب قيام مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع الاسلامي; والحكمة من قيام هذه المهمة إرصاد المنكر وأهله في المجتمع. لردعهم والأخذ على أيديهم حتى لا تشيع الفاحشة في المجتمع ويتسع الخرق على الراقع، وحينئذ ينقسم المجتمع الى فريقين; فريق يميل الى الخير ويستقيم عليه، وفريق زائغ عن الحق يقترف المنكرات وينشرها بين الناس، وتلك بوادر الفرقة وبذور الشقاق والتمزّق، ومن أجل ذلك قال عزوجل: (ولتكن منكم اُمة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعدما جاءهم البينات…. ) [١]، فقد جمع سبحانه بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين النهي عن التمزّق والاختلاف، وذلك لأن الاختلاف والتفرّق نتيجة حتمية لتعطيل مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يوضح ذلك ويزيده بياناً حديث النبي (صلى الله عليه وآله) الذي يقول: "مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها وكان الذين في أسفلها إذا استقوا

ـ

١ - آل عمران / ١٠٤ - ١٠٥.

من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً فلن نؤذي من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً" رواه البخاري.

لقد أوضح هذا الحديث النبوي أن سكوت الاُمة عن ظهور المنكر بين ديارها وإحجامها عن تغييره والأخذ على المجاهرين به يفضي بالاُمة كلّها إلى الهلاك والتمزّق، وذلك لكونها لم تأخذ حذرها من صنيع المفسدين ولم تعمل على حماية سفينة المجتمع من المخاطر والآفات، ولو أنها حالت بين المنكر وأهله وأوقفتهم عند حدود اللّه لأمنت الفتن والتنازع، ولنجوا جميعاً بمحسنهم ومسيئهم من الوهن والانهيار.

٢ - الأمر بالتحاكم إلى الكتاب والسنة عند التنازع والاختلاف، ورد الأمر الى الله ورسوله عند تعدّد الآراء حوله وتعذر الاتفاق فيه على كلمة سواء يقول عزوجل: (…. فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً…. ) [١]، ويقول سبحانه: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى اللّه…. ) [٢] ذلك أن التنازع والاختلاف إنّما هو نتيجة لتعدّد الآراء وتباين الاتجاهات، وفي هذه الحال لا يتم التغلب على مثل هذا الخلاف والسيطرة عليه إلا برده الى مرجع يتفق المختلفون على وجاهته والاذعان لحكمه ومن ثم كان الأمر برد التنازع الى الله ورسوله هو التوجيه الرشيد والنصح السديد الذي يفصل في النزاع قبل تفاقمه ويفضّ الخلاف قبل انتشاره واتساع رقعته.

ولا يتحقق الرد الى الكتاب والسنة ولا يكون مفعوله نافذاً في حل النزاع إلا بالقبول المذعن لما صدر عنهما من حكم والرضا به والتسليم بكونه قولاً فصلاً وحكماً عادلاً، مصداقاً لقوله سبحانه: (فلا وربك لايؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلّموا تسليماً…. ) [٣]، وقوله تعالى: (وما

ـ

١ - النساء / ٥٩.

٢ - الشورى / ١٠.

٣ - النساء / ٦٥.

كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى اللّه ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) [١].

٣ - الأمر بالاصلاح بين المتخاصمين والتوفيق بين المتشاجرين حتى لا تطول بينهم العداوة والشحناء، ولا ينقلب مابينهم من الود والاُخوّة الى غلّ وبغضاء، وذلك قول الله تعالى: (…. فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم…. ) [٢]، وقوله سبحانه: (إنّما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم…. ) [٣].

هذه هي القواعد التي وضعها الاسلام لحماية وحدة الاُمة وصيانتها من التصدع والتشقق، وهي خليقة بتحقيق هذه الحماية لو طبقت تطبيقاً سليماً، واُخذت بجد وإخلاص.

استبعاد مقوّضات الوحدة

لاتتم الاستقامة إلا باجتناب دواعي الزيغ، ولا تتحقق إلا بأخذ الحذر من الآفات، ولا تصمد وحدة الاُمة ولا يدوم تماسكها إلا باتّقاء عوامل الهدم واستبعاد المقوّضات، ومن ثم وجّه الاسلام أنظار الاُمة الى مقوّضات وحدتها وحذّرها من الوقوع في مزالقها، حتى لا تكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، ولا تكون من الذين وصفهم الله عزوجل بقوله: (…. يخربون بيوتهم بأيديهم…. ) [٤].

وهكذا حذّر الاسلام اُمته من الاختلاف والتفرّق، وجاءت التحذيرات في القرآن والسنة كثيرة ومتكررة; منها قوله سبحانه: (…. ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً كلّ حزب بما لديهم فرحون) [٥]، وقوله عزوجل: (…. ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله…. ) [٦].

وقول النبي (صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع: "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب

ـ

١ - الاحزاب / ٣٦.

٢ - الانفال / ١.

٣ - الحجرات / ١٠.

٤ - الحشر / ٢.

٥ - الروم / ٣١ - ٣٢.

٦ - الانعام / ١٥٣.

بعض".

وحذّر - أيضاً - من العصبية والفخر بالقومية والأنساب، لأن ذلك من اُمور الجاهلية ومن موجبات الفرقة والشقاق، يقول النبي (صلى الله عليه وآله): "لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنّما هم فحم جهنم، أو ليكوننّ أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرق بأنفه، إن الله أذهب عنكم عيبة الجاهلية وفخرها بالآباء، إنّما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي، الناس كلّهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب". رواه أحمد.

وحرّم الاسلام كلّ خلق أو سلوك يفضي الى العداوة والقطيعة ويوقع البغضاء والشحناء بين الاُخوة، وهذا باب واسع يدخل فيه كثير من الأعمال والأخلاق المحرمة لكونها في المصب المذكور.

ذلكم هو المنهاج الشامل الذي وضعه الاسلام لبناء الوحدة المتينة بين أفراد الاُمة الاسلامية، وقد آتى هذا المنهاج أكله وأثبت حسن نتيجته عندما أقامه المسلمون الأولون وأحسنوا العمل به، فوحّد بين الشعوب المختلفة في كلّ شيء، في القومية واللغة والثقافة والتاريخ والنظم والأعراف والتقاليد، وجعل منها اُمة واحدة تؤمن باللّه واليوم الآخر وتجاهد في سبيله: (…. هو الذي أيّدك بنصره وبالمؤمنين وألـّف بين قلوبهم لو أنفقت مافي الأرض جميعاً ما ألـّفتَ بين قلوبهم ولكنّ الله ألف بينهم إنّه عزيز حكيم) [١]. ـ

١ - الانفال / ٦٢ - ٦٣.



[ Web design by Abadis ]