ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 معالـم التضامـن و الاُخوّة الإسلامية فـي السيرة النبويـة \ الاستاذ حميد معلّه

هذا البحث محاولة لتأشير أهم معالم السيرة النبوية الشريفة في إيجاد روح الاخوة والتضامن بين المسلمين، وكيفية الاستفادة من تلك المعالم في علاج أزمات واقعنا الحالي. باعتبار أن هذه المعالم إرشادات واجبة الامتثال وتجارب حيّة قادرة على الانطلاق بالامة الى دورها الحضاري الشاهد.

تمهيد

الذي تقرّر تقريباً في علوم الاجتماع، أن أغلب حالات الاتحاد والتساند (الفيدرالية أو الكونفدرالية أو الوحدات الاندماجية) التي تحصل بين الشعوب، إنما تتشكل وفق ضرورات خاصة اقتصادية أو سياسية أو حربية، ثم تتآلف هذه الشعوب اُمـّة تجاورها اُمم اُخرى، تعيش جميعها وفق سلطات النواميس الاجتماعية، المخترعة أو الوافدة أو الملفّقة، على النحو الملاحظ في الاُمم التاريخية أو الاُمم المعاصرة.

يذكر أن الاُمم التي تألّفت حديثاً، أو التي تألّفت سابقاً - وفق الضرورات المذكورة - لم تحصل على ميّزات الاتحاد والتشكّل دفعة واحدة، وإنما حصلت عليها عبر نضالات واسعة، وتناقضات حادّة، وخلال مدة زمنية لايُستهان بها، بيد

ـ

* باحث من مدينة قم.

أنه ليس غريباً القول بأن أغلب أنواع هذا التضامّ والتساند (الاتحادات) النابعة من تلك الضرورات الاضطرارية، هي اتحادات مرحلية ومؤقتة، وقد ثبت أن الكثير منها لم يستمر تشكّلها بمجرد زوال أو تبدّل الضرورات التي دفعت اليها; أما الاُمّة الاسلامية (الاُمة التي شاءت حكمة اللّه تعالى أن تجعلها اُمّة وسطاً) فلم تتشكل نواتُها الاُولى استناداً الى ذلك الاضطرار، الذي لا أثر فيه للاختيار، ولم يستلزم في تشكّلها الزمن الطويل الذي احتاجه غيرها، ولم يتّسع عمرها كذلك لتلك التناقضات والاضطرابات التي تُمنى بها الاُمم عادة وهي في طور التآلف والتشكل، وإنما طوت مراحل نموّها واختزلت معوّقات دربها بزمن قياسي وخارق للعادة، الأمر الذي أثار - وما يزال - التساؤل عن سرّ ذلك، وعن العوامل التي أسهمت في الدفع بهذا الاتجاه.

إن كثيراً من الدارسين والباحثين الذين درسوا نشوء وتطور الجماعة الاُولى للمسلمين، أدهشهم هذا التشكيل الجديد والسريع والهادف، باعتباره ظاهرة تسترعي الانتباه، لذلك عزوا أسباب ذلك الى عدّة أمور; منها:

١ - طبيعة الرسالة الشاملة التي بعثها اللّه تعالى لهذه الاُمة، وما تكتنزه من طاقات محرّكة وبنّاءة، وما تمتاز به من عقيدة واضحة ومترابطة، وثابتة وشاملة، وفطرية ومبرهنة، ووسطى غير متطرفة، تحلّ لغز الوجود، وتفسّر للانسان سرّ الحياة والموت، وتجيب على أسئلته الخالدة: من أين؟ والى أين؟ ولِمَ؟ وكذلك بما تتمتع به من شريعة متجانسة ومتّسقة وميسّرة وقابلة للانفتاح والاستجابة لضرورات الحياة (الزمكانية) وفق قواعد الاجتهاد العقلي المرتكز على الاُصول والثوابت.

٢ - طبيعة الرسول المبعوث بهذه الرسالة الشاملة والمتكاملة، وما يمتاز به من خلُق عظيم، وصمود متناه، وعلم غزير، وتكامل نفسي…. وهو ما سيكون مدار بحثنا هذا.

٣ - طبيعة البيئة (الجغرافية والاجتماعية) التي نهضت فيها تلك الرسالة، وما امتازت به من صفاء وانبساط وقسوة مناخية، أكسبت أبناءها صفات خاصة تمثّلت

بحبّ البحث والتحري والمواصلة، منعكسة بأنماط سلوكية واضحة كالإقدام والشجاعة والاعتماد على النفس وعشق الحرية والصبر والسَّخاء و…. جدير ذكره أن هذه الصفات والعناصر لا تخلو بقية الشعوب منها بنسب ما، وليست هي من المختصّات الخاصة لشبه جزيرة العرب (منشأ الحركة الاُولى)، بدليل إمكانية استبدال قوم بقوم وحضارة بحضارة، إلا أنها مثّلت في حينها الأرضية المناسبة لحمل أفكار تلك الرسالة الشاملة، والأداة الفعّالة بيد الرسول القائد (صلى الله عليه وآله)، كيما يصنع الاُمة الشاهدة بتلك المدّة القياسية.

٤ - طبيعة الظروف السياسية التي أحاطت نشوء الجماعة الاسلامية الاُولى، وابتعادها النسبي عن سيطرة القطبين الرئيسيين آنذاك (الدولة الفارسية والدولة البيزنطيّة)، الأمر الذي وفّر للجماعة الناشئة حرية الحركة والارتقاء بعيداً عن التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لتلكما الدولتين.

٥ - وهناك أسباب اُخرى تتصل بطبيعة اللغة العربية وقابليتها الفريدة في التعبير عن أدقّ الحقائق الكونية والإلهية، وإعجازها المبين في الاقناع والتأثير…. وكذلك تتصل بطبيعة الولاء القبلي السائد آنذاك، وبطبيعة البؤس والفوارق الطبقية التي كان يعكسها المجتمع المكّي بوضوح أكثر من غيره، الى غير ذلك ممّا ساهم جميعاً بـإبراز نموذج الاُمة الشاهدة الى واقع الحركة الاجتماعية، لتمارس شطراً من شهادتها على الناس، في مدّة زمنية تصلح أن تكون نموذجاً للمقارنة والمحاججة والاحتذاء.

وبسبب ما وصلت اليه "الاُمة الوسط" من تراجعات هائلة على مختلف المستويات والأصعدة، وذلك منذ انحسار الدولة العثمانية - كحدّ أقرب للتشخيص، وإلا فهناك من يرى أن خط التراجع قد بدأ أبعد من ذلك بكثير - والى الآن، فقد ظهرت الحاجة الملحّة عند مصلحي هذه الاُمة ودعاتها الهادفين الى إرجاع دورها الحضاري الرائد، لدراسة العوامل الاساسية التي أسهمت سابقاً بتشكيل وتآلف الاُمّة على جميع الأبعاد، للاستفادة منها في عملية بناء الاُمّة من جديد، وتضييق الهوّة بين عناصرها ومكوّناتها، وتأسيس خطابها النهضوي القادم.

ومحاولة البحث الذي بين أيدينا، هي محاولة متواضعة لتأشير أهم معالم السيرة النبوية الشريفة، في إيجاد روح الاُخوّة والتضامن بين المسلمين، وكيفية الاستفادة من تلك المعالم في علاج أزمات واقعنا الحالي; مرّة باعتبارها معالم وإرشادات واجبة الامتثال وضرورية الاقتداء، واُخرى كونها تجربة حيّة تمثل تراث الاُمّة الاسلامية التي تحاول الانعتاق من سجنها الحالي، للانطلاق الى دورها الحضاري الشاهد.

ينقسم البحث الى قسمين رئيسيين هما:

١ - السيرة النبوية في مكّة: ثلاثة معالم رئيسية هي:

أ - صلاة الجماعة. ب - دار الأرقم المخزومي. ج - ظروف المواجهة.

٢ - السيرة النبوية في المدينة، ثلاثة معالم رئيسية هي:

أ - بناء المسجد النبوي الشريف. ب - قيام المؤاخاة. ج - الحروب والغزوات (المواجهة المقصودة).

١ - المرحلة المكية

الأساليب النبوية في إيجاد روح الأخوّة الاسلامية فـي المرحلة المكية

هناك عدّة أساليب عملية وتنظيمية دأب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) على ممارستها من أجل توثيق أواصر الاُخوّة والتضامن بين المسلمين، ولصعوبة حصر كل تلك الأساليب والاجراءات - باعتبار أن كل السلوك النبوي الشريف كان دالاً وساعياً بذاك الاتجاه - سنعمد الى تأشير ثلاثة معالم رئيسية هدفت الى إيجاد ثلاثة أنواع من الوحدة: الوحدة الفكرية والوحدة الشعورية والوحدة الهدفية أو النظمية، وهذه المعالم هي:

١ - صلاة الجماعة

من المعروف أن الصلاة هي أوّل فريضة قُررت في الاسلام، وممّا لاشكّ فيه أن الرسول (صلى الله عليه وآله) ومنذ البداية، قد حرص على إقامة هذه الفريضة جماعةً، فقد ذكر الطبري في تاريخه، إن أوّل ثلاثة رآهم الناس يصلّون جماعة قرب الكعبة هم:

رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) والامام علي (عليه السلام) والسيدة خديجة بنت خويلد (رضي اللّه عنها) [١]. ولذلك يمكن عدّ هذا الإجراء العبادي واحداً من أهم المعالم التي تؤكد ضرورة وأهمية التوحد والتآخي. وقد كثر الحث على صلاة الجماعة والترغيب فيها والحرص على ممارستها، والنهي عن عدم حضورها، بشكل قلَّ نظيره مقارنة مع بقية الشعائر العبادية، الأمر الذي يلفت الانظار الى الأسرار الكامنة وراء هذا التأكيد والفوائد المرجوة من وراء هذا الأداء المقدس.

إن فريضة الصلاة عموماً بظهورها الأدائي، وانتشارها المحكم والمتّسق على مساحة الزمن اليومي (صبح، ظهر، عصر، مغرب، عشاء)، وصلاة الجماعة خصوصاً، تشكل استعراضاً يوميّاً مهيباً، ومحطات محاسبة نادرة. وصلاة الجماعة فضلاً عن كونها تجلياً روحيّاً واتصالاً معنويّاً يعمل على تنقية المضمون الداخلي للمصلي، فهي ممارسة تفقدية عملية ويومية يتطلّع فيها المسلم على أحوال إخوانه عن قرب واحتكاك، وهي عمل دعائي دائب يحرّض على تماسك الجماعة المسلمة وتضامها من جهة، ويُلقي الرعب والتوجّس في نفوس أعدائها من جهة اُخرى، ويشيع الاطمئنان ويوقظ مشاعر الانتباه ويستوقفها لدى الذين لا يحملون مواقف عدائية ضد المسلمين. فهي إذن تربية روحية، وممارسة توحيدية عملية يومية، وهي دعاية إيجابية فعّالة ومستمرة. وبعيداً عن الافاضة بالفوائد المرجوّة من إقامة هذه الفريضة.

٢ - دار الأرقم المخزومي; النواة الاولى للتمركز

بعد ثلاثة أعوام من البعثة النبوية الشريفة، وبعدما دخلت دعوة الاسلام مرحلتها العلنية، وبسبب من تشديد قريش وعتاتها الحصار على الدعوة الفتية وأتباعها، ومن أجل تكريس العقيدة الجديدة في نفوس تلك الفئة المؤمنة، قرر الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) أن يتخذ لأتباعه مكاناً منعزلاً يجتمعون فيه ويكون لهم مدرسةً يتعلمون فيها معالم دينهم الحنيف، ويجنّب نفسه وأصحابه مواقف الاصطدام المتوقع مع القوم،

ـ

١ - تاريخ الطبري ٣ / ٢١٣، مصر.

فاختار (صلى الله عليه وآله) دار الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي - وهو سيد من سادات قريش الذين سابقوا الى الاسلام - كيما تكون مقرّاً لهذه المهمة، وكانت الدار على مقربة من الصفا، فأصبحت بموقعها الاستراتيجي هذا، مركزاً للتدريب والتثقيف والتربية والتعليم.

دلالات هذه الدار التربوية والتثقيفية، يمكن أن تنسحب الى أبعاد تنظيمية اُخرى، حيث اعتمدت هذه الدار ركيزتين أساسيتين في التربية والتعليم أو التزكية والتبليغ، هما: القرآن الكريم، والسلوك النبوي الشريف; فالقرآن الكريم مثّل مادة التثقيف والمعرفة أي النظرية، أما السلوك النبوي في هذه الدار، وهو يرتل القرآن ويُفسر آياته، ويقيم أود الجماعة، ويصحح سلوكها، ويثير في أعماقها مكامن التفكير والتأمل بآيات اللّه ومفردات الواقع المحيط، فقد بيّن الاتجاه العملي لتلك الممارسة التنظيمية وأطّر اتجاهاتها.

ويمكن اختزال أبعاد الدار الأرقمية واُطرها بالملاحظات التالية:

أ - توحيد الفكر ومنهجيته

إن مهمة الدار بشكل أوّلي هي تنظيم الفكر، وتبيين مفدرات العقيدة، وإرساء دعائم التفكير السليم، وكشف لآلئ منهج الاسلام ودستوره القويم - القرآن الكريم - وذلك بالاعتماد على تفسير القرآن الكريم وعرض أحكامه الشرعية، وأساليب دعوته، وطرق محاججاته، وكيفية الهجوم على مواقع الخصم، وهي - كما يلاحظ - مهام وحدوية أساسية لكلّ دار أرقمية يزمع انشاؤها والاقتداء بها.

ب - توحيد المشاعر وتكثيفها

وكانت الدار - على بساطتها وما يحيطها من أخطار - تعدّ مصنعاً عملياً لتوحيد المشاعر وإنتاج السلوك المنظّم والمتيقّظ - الفردي والجماعي - للمسلمين، وذلك عبر الاختلاط والتقارب بينهم وإقامة الفروض الدينية تحت إشراف الهادي المختار (صلى الله عليه وآله) كما كانت (الدار) فرصة مقصودة ومحسوبة النتائج، للاطلاع عن قرب على أحوال الجماعة، ومدى استعداداتهم من قبل صاحب الرسالة (صلى الله عليه وآله)، ومعرفة أفكار الجماعة ومفردات حياتها وأساليب حركتها، من قبل المنضمّين اليها، كما هي

فرصة لبناء مناخات نفسية بينهم، تحكي روح الوحدة، وتفسح المجال للتبادل العلمي البنّاء، وممارسة الحوار المنفتح والقائم على الحجة والبرهان.

ج - توحيد الاهداف والحركة

وإضافة الى المزيتين الاساسيتين للدار، وهما تنظيم المحتوى العقائدي والشعوري للجماعة، وتوحيد حركتها وأهدافها ضد النزوع السائد لتحوّلِ المجتمع الانساني الى مجتمع حيواني - وذلك عبر إبراز التأكيد على المثل العليا، وأولوية التفكير القيمي والاخلاقي، وعلى الكرامة واحترام الذات، والعلاقات الانسانية، وبعبارة مختصرة تأكيد قيم وحقائق الدين الكبرى - فقد امتازت الدار بتأكيد استقطاب الشباب من ذوي العزم والارادة، وأصحاب الثبات والإقدام، إذ هم العنصر الحيوي في كل اُمة، وذلك إدراكاً من المربي العظيم (صلى الله عليه وآله) لأهمية ودور هذا العنصر الفعّال، سواء في سرعته المتميزة في الاستجابة والاستقبال، أو سرعته في التنفيذ والإقدام، وكذلك تنظيم حركة هذا العنصر الفعّال باتجاه أهدافه.

٣ - ظروف المواجهة وتنظيم الحركة

المعلم الثالث الذي استطاع أن يستثمره الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) ويوجّه نتائجه لصالح الجماعة المسلمة الاُولى هو ظروف المواجهة الصعبة، وأساليب القمع الوحشية التي مورست ضد أتباعه، الذين لم تكن لديهم القوة والمنعة التي تدفع عنهم أذى القوم وتعصبهم; فإن الكثير من الاتباع أمثال عمار بن ياسر وأبيه واُمّه، وبلال بن رباح الحبشي، وصهيب الرومي، وخبّاب بن الأرت، وبقيّة الاصحاب، لقوا عنتاً كثيراً من قريش، ولكن تصبير الرسول (صلى الله عليه وآله) لهم، ووعدهُ لهم بالأجر الجزيل وشراء بعضهم من سادتهم ومن ثم عتقهم، كان قد وثّق من أواصر التضامن والتآلف بين المسلمين، بل إن القمع المضاد لوحده قد فعل أثره المعاكس، فشدّ البناء الفتي بعضه الى بعض بقوة وزاده إصراراً على مواصلة دربه.

أمّا محاولة العزل في شعب أبي طالب، والتي دامت ثلاث سنوات تقريباً، فهي وإن أثّرت على المسلمين اقتصادياً واجتماعياً، فقد رفعت كفّة ميزان المعنوية الى مستوى أذهل قريش وأورثها النزاع فيما بينها، خاصة حينما انتهى الحصار بتحد

نبوي لمضمون صحيفتهم الآثمة التي أكلتها الدود، ولم تدع فيها اسماً للّه إلا اثبتته [١]، ولم يقف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) إزاء القمع الوحشي عند حدود الوعظ والارشاد والتصبير; وإنما عمد الى إيجاد صيغ وحلول عملية وإجرائية لنشر دين ربه وللحدّ من طغيان قريش وطيشها، فقد استخدم وسيلة الهجرة، حيث طلب من أتباعه الهجرة الى الحبشة "لأنها أرض صدق وفيه ملك لايظلم عنده أحد، حتى يجعل اللّه لكم فرجاً ممّا أنتم فيه" [٢]، كما زاول طريقة طلب الجوار [٣]، له ولأصحابه، وقد رُويت في ذلك قصص مذهلة، منها على سبيل المثال قصة ردّ عثمان بن مظعون جوار الوليد بن المغيرة وتفضيله جوار اللّه على جوار أحد المشركين، حيث آلمه أن يرى نفسه يغدو ويروح في أمان الوليد بن المغيرة، وأصحابه وأهل دينه يلقون البلاء والأذى في اللّه [٤]. ومن تلك الوسائل أيضاً هي: عرض دعوته (صلى الله عليه وآله) أثناء المواسم في الاسواق كسوق "مجنة" وسوق "عكاظ" وسوق "ذي المجاز"، وهي وسيلة، وإن لم يجن من ورائها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) دخول أحد من القبائل الى دين اللّه تعالى، فقد كانت وسيلة إعلامية كبرى، حيث وصلت أخبار الدين الجديد الى أقاصي البلاد عبر رجوع القبائل والقو

افل التجارية الى مواطنها. ومنها: سلاح التقية كما حدث مع عمار بن ياسر (رضي الله عنه) بقوله (صلى الله عليه وآله) له: "يا عمار! إن عادوا الى مثل ما فعلوا بك فعد"، حيث أنزل اللّه تعالى قوله الشريف: (…. إلا من اُكره وقلبه مطئن بالايمان…. ) [٥]، ومنها: أنه (صلى الله عليه وآله) عرض دعوته على أهل النصرة من القبائل العربية التي تفد على أم القرى في مواسم الحج والتجارة، وهي محاولات وإن لم تُسفر عن دخول أحد الى دين اللّه، فإنها ساعدت في انتشار الدعوة في الآفاق من جهة، وفي ترسيخ عقيدة الإيمان

ـ

١ - السيرة النبوية ١ / ٣٧٧، ابن هشام، دار احياء التراث العربي - بيروت.

٢ - السيرة النبوية ١ / ٣٢٢، ابن هشام، بيروت.

٣ - الجوار: أن يطلب الرجل الدخول في جوار أحد أقوياء وسادة قريش فيكون في حمايته وذمامه.

٤ - المصدر نفسه ١ / ٣٧٠.

٥ - النحل / ١٠٦.

في نفوس المسلمين من جهة أخرى، ومنها: حادثا الاسراء والمعراج، حيث كانا حدثين هامّين في حياة الدعوة الاسلامية، لأنهما أكّدا للمؤمنين الصادقين كثيراً من الدلالات والمعاني [١]، كما شكّلا هزة اختبارية عنيفة لبعض الذين أسلموا حديثاً فنقّت أجواء المسلمين منهم. ومنها: إبرام عهود ومبايعات مع قبائل يثرب (الاوس والخزرج) أثناء مواسم الحج; كبيعة العقبة الاولى وبيعة العقبة الثانية والتي أثمرت فيما بعد عن إسلام أغلب افراد القبيلتين، بل أغلب سكان يثرب، ومهّدت للخطوة الجريئة الاُخرى التي خطتها الرسالة الالهية بالهجرة الى يثرب، وبداية المرحلة الثانية من حياة الدعوة الاسلامية، وتحت إشراف رجل الدين والحرب والدولة محمد بن عبد اللّه (صلى الله عليه وآله).

ولا أجدني بحاجة الى التعليق على كيفية الاستفادة من هذه الأساليب في العصر الحاضر خاصة وإن جاهلية اليوم لا تختلف كثيراً عن جاهلية الأمس إلا بكثرة عددها وعدّتها، ويحضرني هنا ماقاله المرحوم سيد قطب في ظلاله الوارف: "إن الاسلام ليس حادثاً تاريخياً وقع مرّة، ثم مضى التاريخ وخلّفه وراءه! إن الاسلام مواجهة دائمة لهذه البشرية الى يوم القيامة، وهو يواجهها - كما واجهها أوّل مرة - كلّما انحرفت وارتدّت الى مثل ماكانت فيه أوّل مرة.

إن البشرية تنتكس بين فترة واُخرى وترجع الى جاهليتها - وهذه هي (الرجعية) البائسة المرذولة - وعندئذ يتقدم الاسلام مرة اُخرى ليؤدي دوره في انتشالها من هذه (الرجعية) مرة اُخرى كذلك، والأخذ بيدها في طريق التقدم والحضارة" [٢].

٢ - المرحلة المدنية

الأساليب التي اتبعها الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) في المرحلة المدنية

وكما ذكرنا في المرحلة المكية ثلاثة معالم رئيسية من أساليب التضامن

ـ

١ - خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وآله) ١ / ٦٤٧، سميح عاطف الزين.

٢ - في ظلال القرآن ٣ / ١٢١، سيد قطب.

والاُخوّة بين المسلمين، أسس ركائزها السلوك النبوي الشريف، فسنعمد هنا أيضاً الى ذكر ثلاثة معالم متميزة في هذه المرحلة، أكدت بناء الوحدات المهمة لبناء أي مجتمع هادف، وهي: وحدة الافكار، ووحدة المشاعر، ووحدة النظام، وهي ذات المهام المكيّة، ولكن بطور موسّع وتحت رعاية منفتحة وبتفاعل إيجابي يصنع ظروف التهيئة ويدفع بها الى أمام.

١ - بناء المسجد النبوي الشريف

إن أول عمل بدأ به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بالمدينة هو بناء المسجد، ليكون الوسيلة المهمّة لتحقيق أغراض الوحدة والتآخي، ومركزاً للقيادة والتخطيط للمستقبل.

ويمكن إجمال الاهداف التي حقّقها بناء المسجد بما يلي:

أ - إنه أصبح قاعدة مقدسة للتثقيف الفكري، أبعدت المجتمع المسلم المتشكّل توّاً عن الصراعات الفكرية التي تنشأ دائماً عن عدم وجود الوحدة الموضوعية للأفكار، وعن وجود الفاصلة الزمانية أو المكانية بين المبلّغ والمتلقّي.

ب - ومادامت وحدة الافكار ووحدة المشاعر، ووحدة النظام (أي وحدة المنظمة القيمية والعلائقية بين الافراد) هي الاُسس الواقعية والحقيقية لكل مجتمع موحّد، بل هي هويته التي تميزه عن أي اجتماع آخر، فقد ساهم المسجد في بناء وترسيخ هذه الوحدات في نفوس المسلمين الأوائل الذين كانوا يتحدّرون عن عشائر متفرقة ومن مواقع اقتصادية مختلفة، ومن مواضع نفسية متباينة، وقد تحقق ذلك في المسجد بنفس الطريقة التي تم وضع أساسها في الدار الارقمية، ولكن بـإضافة عنصرين جوهريين، هما: الشمول والاتساع في الموضوعات، والحرية والمبادرة أو الاستقلال في الطرح والاستقبال.

ج - كما أصبح المسجد وسيلة لإشاعة الصداقة والمحبّة والمودّة بين المسلمين، فإنه حينما يلتقي المسلمون بعضهم ببعض عدّة مرات يوميّاً في جوّ من الشعور بالمساواة والعدل، وحينما تتساقط كل فوارق الجاه والمال وغيرها، ويبتعد شبح الأنانية والغرور عن اُفق هؤلاء الناس، فإنه لابدّ وأن تترسّخ فيما بينهم أواصر المحبة والتآخي والتآلف، ويشعر كلُّ منهم بأنه في مجتمع يبادله الحب والحنان،

وأن له إخواناً يهتمون به، ويعيشون قضاياه ومشاكله، ويمكنه أن يستند اليهم، ويعتمد عليهم، الأمر الذي يجعل المسلم يثق بنفسه ودينه وباُمّته [١].

د - ثم إن المسجد يساعد على تبسيط العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد، ويقلل من مشاكل التعامل الرسمي، والتكلفات البغيضة…. وتُفصل فيه الخصومات وكل مايهم الدولة وشؤونها والناس ومعاملاتهم وارتباطاتهم [٢] فضلاً عن كونه موضع العبادة والالتجاء الى اللّه تعالى.

وأخيراً فإن بناء المسجد واشتراك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في بنائه مع المسلمين وإنهاءه بفترة قياسية، ساهم بـإبراز عدة معالم تربوية ونفسية واجتماعية; فالتعاون في البناء جمع الصغير والكبير، الغني والفقير، الانصاري والمهاجر، جمعهم كلّهم في بودقة واحدة. وإنجاز بناء المسجد بسرعة أوقفهم على ثمرة التعاون والاتحاد، كما حلّ بناؤه جملة من المشاكل الاجتماعية، كان يمكن أن تتطور سلبياً فيما لو لم يتم إنجاز العمل بهذه السرعة، كمشكلة السكن، ومشكلة التجمع، ومشكلة التبليغ الموحد و….

٢ - إقامة المؤاخاة

المعلم الثاني المميّز في المرحلة المدنية هو قيام الرسول العظيم (صلى الله عليه وآله) ببناء أواصر الاخوّة العملية بين المسلمين; بين المهاجرين أنفسهم مرّة، وبينهم وبين الانصار (أهل المدينة) مرّة اُخرى، وهو ما يطلق عليه تاريخياً بـ (المؤاخاة).

فلم يكتف النبي (صلى الله عليه وآله) بتوحيد البنى الفكرية للمسلمين، والوقوف عند حدود الاعتقاد النظري والقلبي، وإنما أراد أن يعطي لهذه الوحدة العقائدية مالرابطة الاُخوة العضوية من القوة والمكانة، أي أن يقفز بآثار الرابطة الروحية الى مصاديق اجتماعية متحركة، كيما تحرص هذه الآثار الاجتماعية على صياغة وحفظ (الوحدة العقائدية) وتنأى بها عن أن تتعرض لمعاول الهدم وأسباب الخصومة والنزاع; فإذا كانت عقيدة التوحيد التي انطلقت وتجذرت في دار الأرقم المخزومي ثم في المسجد

ـ

١ - الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ٣ / ٣٠، جعفر مرتضى العاملي.

٢ - المصدر نفسه.

النبوي قد حطّمت قلاع الشّرك الديني الذي ألزم الناس بعبادة الآلهة المتعددة، فإن صلاة الجماعة والمؤاخاة الاسلامية العملية التي أجرى فصولها نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) بين فريقي المسلمين (الانصار والمهاجرين)، قد حطّمتا حواجز الشرك في المجتمع…. وإذا كان الاسلام بكل ما يحمل من صفاء وسلام هو نعمة إلهية كبرى منَّ اللّه بها على الناس، فإن المؤاخاة لوحدها قد عدّها اللّه تعالى في كتابه العزيز بأنها نعمة مخصوصة تستحق الشكر والتذكير: (…. واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً…. ) [١]، ذلك أنها وحدة واُخوّة نوعية تجتاز حدود البلد والأرض والقبيلة والعنصر، لتتمكن من السلوك وتسيطر على الافكار وتستولي على المشاعر.

لقد أثمرت نتائج ذلك التآخي الفريد بسرعة هائلة; فها هو سعد بن الربيع يأتي أخاه في الاسلام عبد الرحمن بن عوف قائلاً: "أنت أخي يا عبد الرحمن، وأنا أكثر الناس في المدينة مالاً، فانظر في شطر مالي فخذه… وتحتي امرأتان، فانظر أيّهما أعجب لك حتى اُطلّقها". فقال له عبد الرحمن: "بارك اللّه لك في أهلك ومالك يا أخي، فإني لا اُريد منك إلا أن تساعدني في معرفة السوق هنا حتى أبيع وأشتري" [٢].

وقد جاءت الانصار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) قائلة:

"يا نبيّ اللّه! لقد بذلنا ما في وسعنا لنواسي إخواننا المهاجرين فيما آتانا اللّه من مال، ولم يبق لنا إلا النخيل، فاقسمه يا رسول اللّه بيننا وبينهم". فقال (صلى الله عليه وآله): "لا، ويشركونكم في الثمرة".

أمّا المهاجرون، فقد سيطر عليهم نوع من الشعور بالألم حيال ما فعله إخوانهم الانصار حتى دفعهم هذا الشعور الى الشكاية أمام رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) حيث قالوا: "يا رسول اللّه، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم، أحسن مواساة في قليل ولا أكثر بذلاً من كثير; لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى خشينا أن يذهبوا بالأجر كله".

ـ

١ - آل عمران / ١٠٣.

٢ - خاتم النبيين محمد (صلى الله عليه وآله) ٢ / ٣٦، سميح عاطف الزين، دار الكتاب اللبناني، بيروت.

فقال (صلى الله عليه وآله) لهم مطمئناً: "لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم اللّه لهم" [١].

وقد قامت هذه المؤاخاة على أساسين قويمين:

الأول: الحق، فهو القاسم المشترك بين الجميع، عليه يبنون علاقاتهم، وهو الذي يحكم تعاملهم بعضهم مع بعض في مختلف مجالات الحياة.

الثاني: المواساة، باعتبار أن الاُخوة القائمة "ليست مجرد توهج عاطفة أو شعور نفسي، وإنما هي اُخوّة مسؤولة ومنتجة، يحسّ الانسان فعلاً بجدواها وفاعليتها" [٢].

وغني عن البيان أن سيادة هذه الروح المعطاء، وشيوع مثل هذه المؤاخاة الفريدة بين المسلمين المعاصرين كفيلة بـإبدال أوضاعهم المزرية القائمة بما هو أفضل منها، خصوصاً وإن موقعهم الجغرافي ومواردهم الطبيعية وعددهم السكاني وروح أبنائهم الوثّابة وعقيدتهم الشاملة كلها عناصر فعّالة في تحقيق هدف الاسلام الكبير في إبراز النموذج الرسالي للعالم، وإنقاذ الرهان البشري على تراث النبوة السامي، وإعطاء الانسانية قاعدة رصينة لتجديد حياتها الروحية والمدنية والحضارية، والحدّ من انزلاقها الرهيب في مستنقع المادّة والتسافل الارضي.

٣ - الحروب والغزوات (المواجهات المقصودة)

تشكل الحروب والسرايا والغزوات المعلم الثالث من معالم التربية والتضامن الذي مارسه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وهو يبني الوحدة التنظيمية للمسلمين ويرصّ صفوفهم فضلاً عن تنظيمه العلاقات الاجتماعية والحقوقية للمسلمين وغيرهم عبر عقد المعاهدات والمكاتبات ووثائق الصلح.

لقد ضبط التاريخ أكثر من ثمانين سرية وغزوة قام أو بعث بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وذلك من أجل تحقيق أهداف محدّدة وغايات مشخصة، ومع إن أغلب السرايا التي بُعثت في بداية العام الثاني للهجرة كسرية حمزة (رضي الله عنه) وسرية عبيدة بن الحارث (رضي الله عنه) وسرية ابن وقاص (رضي الله عنه) وسرية عبد اللّه بن جحش (رضي الله عنه) وغيرهم، لم تقع فيها مواجهات حربية، ولم ينشب فيها قتال، إلا أنها حققت جملة من الاهداف

ـ

١ - المصدر نفسه ٢ / ٣٩.

٢ - الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) ٣ / ٦٧، جعفر مرتضى العاملي.

التي كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) مصمّماً على إنجازها.

كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) - باتباعه هذا التكتيك الجديد - يسعى الى تحقيق نوعين من الاهداف المهمة:

١ - أهداف من النوع الستراتيجي والدائم، مثل:

أ - الدفاع عن نموذج الدولة الناشئة في يثرب والمحافظة على علاقاتها الداخلية والخارجية.

ب - نشر نور الهداية الالهية (الاسلام) وتبليغه الى الناس كافّة، لأن تكليف الرسالة هو إنقاذ جميع الناس من الضلالة وليس إنقاذ قريش أو العرب فحسب.

ويمكن اختصار الأهداف الستراتيجية بعبارة (حفظ النفس وأداء التكليف).

٢ - أهداف من النوع المرحلي الآني:

أ - انتزاع الركود أو اليأس النفسي الذي بدأ يغزو نفوس الأصحاب والأتباع، خصوصاً المهاجرين منهم، وهم يعانون لوعة الانتظار والاغتراب، ثمّ تصعيد درجات الحماس والمعنوية وإيجاد المعادل الموضوعي قبالة آثار القهر والقمع والجوع والتشريد; فها هي جيوش المستضعفين تغزو وتخرج على شكل بعوث وسرايا، إنهم أصبحوا يشكّلون قوّة عسكرية ضاربة متجانسة تماماً مع منطق الحياة عموماً ومنطق الصحراء خصوصاً.

ب - رصد حركة قريش وتنسّم أخبارها وزعزعة أهم أركان الهيبة والاستقرار القرشي (التجارة)، من خلال ملاحقة عيرها التجارية بالسرايا والغزوات ووضعها في مواقع نفسية مهزوزة ومرتبكة.

جـ - استعراض القوة العسكرية الاسلامية في المنطقة، وتحقيق أهداف الترهيب والترغيب وإرساء المعاهدات من مواقع الكفاءة والندّية. وأهم ميزات هذه الحروب والغزوات هي:

١ - القصدية والهدفية والمبادرة: فقد كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) هو الذي يخطط للحروب وينفّذها بنفسه أو يبعث بعوثها.

٢ - كما أبرزت هذه الحروب عدّة حقائق أساسية فيما يتعلق بالرسول (صلى الله عليه وآله) وقيادته، والرسالة ودورها، والمؤمنين وعزمهم، والمنافقين وصدّهم وتخاذلهم.

٣ - إضافة الى أن هذه الحروب قد تضمنت فنون القتال وصفحات الحرب كافّة; كان فيها الهجوم والدفاع، والانسحاب والمحاصرة، والقتال الفردي والجماعي، والانتصار والهزيمة، والصلح والنقض، مما شكّل تجربة حياتية وسياسية وإدارية متكاملة لهذا النشء الجديد الذي حمل رسالة التغيير والهداية.

أمّا دوافع هذه الحروب الأساسية فقد اُجملت بثلاثة مبادئ رئيسية هي: الدفاع، والهجوم، والمناورة.

أ - الدفاع: ويمثل المحافظة على الدين من نوعين: من الاعتداءات الخارجية المتمثلة بغزوات قريش وأحلافها، والداخلية المتبدية بالاهتزازات الداخلية وأراجيف المنافقين ونقض اليهود لمواثيقهم وضغوط الواقع الاقتصادي.

ب - الهجوم: وقد شكّل اتجاهين مهمّين; رمزي: وهو ما شكّل أرضية المناورة والترهيب، وحقيقي: وهو ما مثّل المواجهة الفعلية وما انسحب عنها من آثار.

ج - المناورة: والتي شكّلت سرايا الاستعراض والتدريب المادة الرئيسية لها، وقد أسفرت عن نتائج مهمّة ليس أقلّها المعاهدات والاتفاقيات بين الدولة الجديدة والمحيط الخارجي لها.

إن الحروب والمواجهات في المرحلة المدنية تمثّل في تفاصيلها الكثيرة عنصراً مهماً في التراث النبوي فيما يتعلق بالادارة والتخطيط والبناء، لذلك فإن استيفاء حق هذا المعلم المهم، واستقراء كل آثاره ونتائجه والدروس والعبر المتحصلة منه هي مهمّة لا تستوفيها هذه الاشارة العابرة، إذ تستلزم دراسات وافية ومفصّلة، بيد أن ذلك لا يمنع من الاثارة التالية، وهي: إن صناعة مواجهة الأعداء الفعلية وتحصيل الآثار الايجابية من ورائها، هي فنّ واختصاص إذا لم تُحسن إجادته فقد يهدد بانهيار البناء كلّه، وقد برزت عظمة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) بكونه لم يكن رجل دين أو واعظاً مرشداً فحسب، وإنّما كان رجل الدين والدولة والحرب، ومن أرقى طراز.

كلمة لابد منها

إن حكمة اللّه تعالى الكبيرة في عباده المسلمين أنه وقاهم شرّ التفرّق في الاُسس والاُصول، وسما بحقائق دينه الكبرى أن تكون محلّ خلاف أو تنازع، وألحق بها كذلك ما هو في حكمها من الشعائر العبادية ودعائم المعاملات التي ينبغي ارتكازها

على أساس سليم من العدل والخلق الكريم في كل زمان ومكان، أمّا الفروع والأحكام التي لا يضر الاختلاف فيها، فلم يكن يصلح أمر الناس على توحيدها، ورسم صورة خاصة ومعينة لها، وإنما تركت كمساحات مفتوحة لإعمال النظر والتحليل والاستنباط (أي الاجتهاد)، باختلاف الأزمان والظروف، وهو (الاجتهاد) ضرورة عقلية وعملية مادامت الحياة في تطور وتجدّد، بل إن الاستجابات المتنوعة التي يمليها الاجتهاد، وتعدد الآراء، وتفاوت الأفهام، هي أمر لابد منه، وقد تكون بذاتها دليل حياة وقوة لهذا الدين، مادامت في حدود البحث العلمي الهادف، والحوار الممتلئ الرزن، وليس من الحكمة ولا الرحمة أن تأتي الرسالة بغير ما أتت، بل إن ذلك غير ممكن; فهل يتصور أن يضع اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله) للناس أحكاماً لوقائع يجهلونها؟ وهل كان بـإمكانهم تدوين كل ذلك وحفظه؟ وهل كان يمكن أن يصلنا كل ذلك سالماً معافى؟ !

إن مساحة المشتركات واسعة بين المسلمين، ولذلك نعجب من حكّام المسلمين كيف لا يرون هذه المشتركات ولا يسعون الى استثمارها في وقت يبحثون بكل جدّ لإيجاد قواسم مشتركة ومصطنعة; اقتصادية وأمنية بينهم وبين ألدّ أعدائهم وغاصب أرضهم (الكيان الصهيوني) ! والعجب يشتدّ حينما يتعلّق الأمر بالجماعات والحركات الاسلامية والمراكز والحوزات العلمية، حينما تظل منطوية على تبعات الماضي وآلامه، ومنحشرة بل ومنضغطة في خلاف التاريخ، مع أن حجم التحدي القائم وسفوره وقباحته لم تترك مجالاً للشك أو التردد من أن جميع المسلمين مستهدفون سواء كانوا شيعة أو سنة! معتدلين أو متطرفين! بدويين أو متفرنجين…. !

إننا نبحث عن مشروع أو عن إطار لمشروع يعطي المسلمين، أو يُرجع اليهم موقعهم اللائق في الخارطة العالمية المعاصرة، يستمد هيبته وموقعيته من عقيدتهم الشاملة ودورها الشاهد على الناس جميعاً. وبالتأكيد فإن الشهادة على الناس هي للراشد المتّحد وليس للمتخلّف المتمزق.

وندرك تماماً أن البحث في الوحدة الاسلامية - كحد أعلى - والبحث عن مشروع يقف بوجه حملات التغييب المتعمّد للهوية الاسلامية - كحد أوّلي - يعني البحث عن تشكيل موقعية مهمة في العالم الحديث، ويعني إعادة تشكيل شخصية أكثر من

مليار مسلم، ويعني فيما يعني أيضاً الوقوف ضد الانحدار الرهيب الذي تعانيه الحضارة العالمية بحث لا يواجه بأجواء الاستعراض وذهنية التسطيح وروحية التبسيط، وإنما بضرورة التكتل والتخطيط والاقدام.

وإذا كان من الحكمة والرفق الإلهي أثناء نشر الدين في مراحله الاُولى، أن كانت البقعة الجغرافية التي ترعرع عليها المسلمون الأوائل بعيدة عن الصراعات السياسية الدولية; فإن الأمر في مرحلته المعاصرة معكوس تماماً، فالبقعة التي يُراد للاسلام أن ينطلق منها اليوم تعد من أكبر مراكز الصراع والتوتّر الدولي، ومن أكثرها وفرة بالعناصر الحيوية للحضارة.

إن موقعية الشهادة أو (الوسط) التي يبحث عنها المشروع الاسلامي، ويسعى اليها، لا تضمر عداءً لأحد ولا تنفي آخرين; فلقد اعتبر الاسلام نفسه - وهكذا أراد اللّه له - مكمّلاً للأديان السماوية لا نافياً لها، وهو حين ينتقد اليهود والنصارى فلأنهم فرّطوا بالأمانة الإلهية وشوّهوا معالمها ومعانيها، سواء بسبب صدّهم للرسل (عليهم السلام)، أو خذلهم إيّاهم، أو إفساد عقيدة التوحيد عبر التجسيم أو التثليث. ومع ذلك فإن هذه الانتقادات لن تغيّر من حقيقة الاسلام الكبرى الهادفة الى تحقيق الغايات السامية نفسها التي كانت الرسالات السماوية السابقة قد رسمتها وأكّدتها، والتي تشكّل روح الدعوة الالهية ومبرّر وجودها وسرّ حركتها، أي الدعوة الى توحيد اللّه تعالى، والاعتراف بتراث النبوة والتزامه، والايمان بيوم القيامة والإعداد له (الايمان باللّه ورسله واليوم الآخر)، ومن ثم الاعتقاد بأن الدنيا دار ممرّ وأن الآخرة هي المقر، وأن الاُولى هي فرصة الارتقاء والتهيّؤ ليوم اللّه الأبدي (يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون. إلا من أتى اللّه بقلب سليم) [١].

إنّ مشروع الوحدة الاسلامية هو مشروع سلام ومشروع هداية ومشروع ثراء، وإن الأهداف الالهية هي واحدة كما كانت، وإن مهمّة تحقيقها مازالت قائمة كما هي. فهل المسلمون مازالوا كما هم؟ !

إنه السؤال الأكثر مرارة في الزمن المرّ.

ـ

١ - الشعراء / ٨٨ - ٨٩.



[ Web design by Abadis ]