ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الفـرقـان \ الاستاذ الشيخ محمد مهدي الآصفي

الفتنة ظاهرة طبيعية يتعرض لها الفرد المسلم والجماعة المسلمة. والى جانب هذه السنّة الطبيعية وضع اللّه سبحانه معالم يُهتدى بها، وتكون فرقانا يميّز الحق عن الباطل. وهذه دراسة يغلب عليها الطابع القرآني للبحث في مسألة هامة هي "الفرقان"، توضّح معالم الخلاص حين تدلهمّ خطوب الفتنة. وهي دراسة نظرية وعملية نافعة لوحدة الصف الاسلامي بشكل خاص وللنجاة من الفتن الممزِّقة.

اللبس والفرقان

في حياة الانسان نوعان من التباس الحق بالباطل وتشابك الحق والباطل.

فقد يلتبس الحق بالباطل في النفس، فلا يستطيع الانسان أن يعرف الحق من الباطل ولا يتمكن أن يميز أهل الحق عن أهل الباطل.

وهذا نحو من التباس الحق بالباطل في الرؤية وداخل النفس. والنوع الثاني من التباس الحق بالباطل، تداخل أهل الحق وأهل الباطل في المجتمع، واختلاط هؤلاء بأولئك من دون فرز.

ـ

١ - عالم وداعية إسلامي، ورئيس مجلس البحوث التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية.

١ - الفرقان في النفس والرؤية

الفرقان في الافكار والاشخاص

الفرقان في مقابل اللبس.

وكما يكون اللبس يكون الفرقان.

واللبس، قد يكون بين الحق والباطل داخل النفس وفي الرؤية، وقد يكون بين أهل الحق وأهل الباطل. فقد يلتبس الامر على الانسان، فلا يميز الرأي الحق من الرأي الباطل من الآراء، وقد يلتبس الامر على الانسان فلا يميز أهل الحق عن أهل الباطل. وعليه فان اللبس في الرؤية قد يكون في الافكار وقد يكون في الاشخاص.

وكذلك "الفرقان" قد يكون في الافكار، فيميز الانسان الرأي الحق عن الرأي الباطل، وقد يكون في الاشخاص، فيميز الانسان صاحب الحق عن صاحب الباطل، والصادق عن الكاذب والمنافق عن المؤمن.

وهذان فرقانان في النفس والرؤية.

فرقان في الرؤية بين الحق والباطل (قد تبين الرشد من الغي) ١ وفرقان في الرؤية بين أهل الحق وأهل الباطل (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) [٢].

ولا شك أن كلاًّ منهما يمكن أن يكون دليلاً على الآخر. فقد نعرف الاشخاص بالافكار، وقد نعرف الافكار بالاشخاص، ونعرف الحق والباطل بأهل الحق والباطل.

وقد صح عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "علي مع الحق والحق مع علي" [٣].

وصحَّ عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "إني تركت فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتى أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض" [٤].

ـ

١ - البقرة / ٢٥٦.

٢ - الفاتحة / ٧.

٣ - تاريخ الخطيب البغدادي ١٤ / ٣٢١; منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ٥ / ٣٠ ومصادر كثيرة أخرى.

٤ - صحيح الترمذي ٥ / ٣٢٨، ح ٣٨٧٤ وغيره من المصادر الحديثية.

فيكون "عليٌّ" (عليه السلام) ميزانا للحق والباطل، بعد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) كما كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ميزانا للحق والباطل نزن به الحق والباطل، فما وافقه فهو الحق، وما خالفه فهو الباطل.

وقد جعل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في أُمته من بعده معالم يهتدي بهم الناس فيما يقبل عليهم من الفتن، فقال لعمار بن ياسر (رحمه الله): "تقتلك الفئة الباغية"، فكان عمار معلما من معالم الحق في فتنة صفين التي التبس فيها أمر الحق والباطل على كثير من الناس. فأعلن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أن عمار (رحمه الله) من معالم الحق، فحيث يقف فهو الحق.

وقد عرّفنا اللّه تعالى "الصراط المستقيم" بمن أنعم اللّه عليهم هذا الصراط. فقال تعالى: (إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).

فنعرف الصراط المستقيم بأصحابه، ونعرف صراط المغضوب عليهم وصراط الضالين بالذين غضب اللّه عليهم، وضلوا عن الصراط.

هناك حقّ نعرف به أهل الحق، وحق يُعرف بأهل الحق. فالحق قد يكون دالا، وقد يكون مدلولا، وكل صحيح في موضعه. ولكن أيهما الاصل في الحلقة الاخيرة من هذا المسلسل؟

البيّنة

يطرح القرآن فكرة "البيّنة"، ويعتبرها الاساس والاصل في مسلسل الحق. والبيّنة هي الحق الذي لا يمكن الشك فيه، ولا يلتبس بالباطل، والرشد الذي لا يلابسه الغي (قد تبين الرشد من الغي) وهذا الرشد الذي لا يلابسه الغي، والحق الذي لا يلتبس بالباطل هو البينة.

وفي القرآن الكريم: (قل إني على بيّنة من ربي وكذبتم به) [١].

والبيّنة كالنور، ظاهرة في نفسها، وفي نفس الوقت مظهره لغيرها. واذا انطلق

ـ

١ - الانعام / ٥٧.

الانسان من البيّنات التي جعلها اللّه تعالى في حياة الناس في ظلمات الافكار والمذاهب والاهواء لا يلتبس عليه الحق والباطل في مسلسل الافكار والاشخاص.

والأخذ بـ "البيّنة" يعصم الانسان عن الضياع والتيه ويحفظ الانسان على الصراط المستقيم، وبعكس ذلك اتباع الهوى والاخذ بالهوى، فانه يصرف الانسان عن البينات، ويضل الانسان في متاهات الهوى يقول تعالى:

(أفمن كان على بيّنة من ربّه كَمَن زُيـّنَ له سوء عمله واتبعوا أهواءهم) [١].

مضلات الفتن

وفي مقابل "الفرقان" الذي يفرز الحق عن الباطل تقع "مضلات الفتن"، وفي "مضلات الفتن" يختلط الحق بالباطل في نفس الانسان، وهي تصيب مجتمعا، وتخطئ آخر كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الفتنة:

"إن الفتن تحوم كالرياح، يصبن بلداً ويخطئن آخر".

وهذه الاصابة والعدول تتبع سننا إلهية دقيقة وثابتة، فقد يعصم اللّه تعالى مجتمعا عن الفتنة، وقد يأذن اللّه تعالى للفتنة أن تدخل في مجتمع من أوسع أبوابه…. وليس في ذلك شيء من العفوية، ولا يحدث شيء من ذلك صدفة.

فاذا حلّت الفتنة بقوم سلبتهم بصائرهم إلا مَن عصم اللّه تعالى.

عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "ليغشين من بعدي فتن كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا، ويمسى كافراً، ويمسي مؤمنا، ويصبح كافرا، يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل" [٢].

وعن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) "ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا، ويمسى كافراً إلا من أحياه اللّه تعالى بالعلم" [٣].

وقد عاش أمير المؤمنين (عليه السلام) فترة من أقسى هذه الفترات، وشهد ولادة الفتن

ـ

١ - محمد / ١٤.

٢ - كنزل العمال حديث رقم ٣٠٨٩٣.

٣ - كنزل العمال حديث رقم ٣٠٨٨٣.

التي أضرّت الاسلام والمسلمين كثيراً وكان (عليه السلام) يقول:

"ألا إن أخوف فتنة عندي عليكم فتنة بني أمية" [١].

ومن هذه الفتن فتنة الخوارج التي كانت تركيباً معقداً لمجموعة من الفتن من ردود الافعال والافعال… انتهت الى وقعة "النهروان" الموجعة التي آلمت الامام أمير المؤمنين (عليه السلام) أكبر ما آلمته "صفين"، لان ضحايا هذه الفتنة كانوا ضحايا الجهل، ولم يكونوا من هواة السلطة والمنافسة في الحكم، كما كان الامر في صفين.

وإذا أقبلت الفتن انقلبت البصائر فلم يعد يبصر الانسان من حوله شيئاً من الحق والباطل الا من عصم اللّه، ويفقد الانسان الرؤية.

يقول أمير المؤمنين وهو الخبير بالفتنة: "أيها الناس، أنا فقأت عين الفتنة، ولم يكن أحد ليجترئ عليها غيري".

فقام اليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين حدثنا عن الفتن فقال (عليه السلام): "إن الفتن إذا أقبلت شبهت، وإذا أدبرت نبهت، يشبهن مقبلات، ويعرفن مدبرات" [٢] وهذه أهم خصوصية في الفتنة. إذا أقبلت يفقد الانسان الرؤية، ويلتبس عليه الحق والباطل (شبهت)، فلا يميز أيهما الحق وأيهما الباطل، وإذا أدبرت انتبه الانسان، وعاد اليه ما فقده من رشده ووعيه (نبهت).

كيف يعمل الانسان في الفتنة

كيف يعمل الانسان الفتنة حتى يسلم منها؟ يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهر فيركب، ولا ضرع فيحلب" [٣].

وليس معنى ذلك أن يعتزل الانسان الساحة في الفتنة، وليس السلامة من الفتنة بالانسحاب عن الساحة والعمل، وإنما معنى ذلك أن لا يعطي الانسان من نفسه شيئاً للفتنة.

ـ

١ - كتاب الغارات ١ / ٦.

٢ - كتاب الغارات ١ / ٦.

٣ - الكلمة الاولى من باب المختار من حِكم أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة.

وهذا أحد وجهي القضية، والوجه الاخر العمل لمكافحة الفتنة ومقارعتها، والوقوف الى جنب أولئك الذين يقفون في وجه الفتنة. ومن لا يكافح الفتنة يؤيدها ويسندها لا محالة، وليس للانسان بد من واحد من هذين: إما مكافحة الفتنة أو الاستسلام لها. ولا يصح ماكان يرى بعض الضعفاء من المسلمين عندما اندلعت الفتنة أن "الجالس فيها خير من القائم والنائم فيها خير من الجالس" فان هؤلاء الجالسين لا محالة يقعون في شرك الفتنة عن علم أو عن غير علم.

عوامل الفرقان في النفس

وللسلامة من مضلات الفتن جعل اللّه تعالى للانسان معاذا يلوذ به من الفتنة، ويمكنه من التفريق بين الحق والباطل.

والمعاذ الاول هو اللّه تعالى، فان اللّه عزوجل يعيذ عبده إذا استعاذ به من مضلات الفتن.

وقد ورد في الدعاء: "وأعوذ بك من مضلات الفتن".

فاذا استعاذ العبد بربه، واعتصم به، هداه اللّه الصراط المستقيم وجعل اللّه تعالى له نورا يمشى به في الناس:

(يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نوراً مبينا. فأما الذين آمنوا باللّه واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم اللّه صراطاً مستقيماً) [١].

وهذا النور الذي يرزق اللّه الانسان إذا اعتصم به ولجأ اليه، ينير للانسان طريق حركته في المجتمع، وليس نورا في النظرية فقط. فيميّز به المؤمن عن المنافق، والقويَّ عن الضعيف، والصادق عن الكاذب. وهذه خاصية النور الذي يمشي به الانسان في الناس، يقول تعالى:

(أومن كان مَيْتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مَـثَلُه في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زُيّن للكافرين ما كانوا يعملون) [٢].

ـ

١ - النساء / ١٧٤ - ١٧٥.

٢ - الانعام / ١٢٢.

وقد أمرنا اللّه تعالى أن نعوذ به، ونلجأ اليه كلما داهمتنا ظلمات الضلال والفتن.

يقول تعالى: (قل أعوذ برب الفلق. من شر ما خلق. ومن شر غاسق إذا وقب) [١].

والفرقان الثاني في النفس التقوى. والتقوى معاذ وفرقان لمن يتحصن به.

فاذا حصن الانسان نفسه في حدود اللّه تعالى ولم يتجاوز حدود اللّه تعالى في قول أو فعل عصمته التقوى من الضلال والفتنة وطردت عنه الشيطان، وبصّره اللّه تعالى بكيد الشيطان ومكره فلا يتمكن منه الشيطان ولا يستطيع أن يكيد به، أو أن يمكر به (إن الذين اتقوا إذا مسّهم طائف من الشيطان تذكّروا فاذا هم مبصرون) [٢].

ويرزقهم اللّه تعالى بالتقوى نورا يهتدون به في حياتهم وسعيهم، نوراً يمشون به في الناس، فيميزون به الصادق عن الكاذب والمؤمن عن المنافق:

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم واللّه غفور رحيم) [٣].

ويقول تعالى: (…. واتقوا اللّه ويعلّمكم اللّه…. ) [٤].

والتقوى في نفس الانسان فرقان بين الحق والباطل والهدى والضلال: (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا اللّه يجعل لكم فرقانا…. ) [٥].

ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "اعلموا أنه من يتق اللّه يجعل له مخرجا من الفتن ونورا من الظلم" [٦] ومن التقوى مخالفة الهوى.

فاذا حلّت الفتنة بالانسان ووقع في شرك الفتنة، فخالف هواه كلما تردد بين أمرين يميل الى أحدهما ويرغب عن الآخر، جعل اللّه تعالى له من تلك الفتنة فرجا ومخرجا، ورزقه بصيرة يهتدي بها.

وقد روي عن الكاظم موسى بن جعفر (عليه السلام) "اذا حزبك (اذا مرّ بك) أمران، لا تدري أيهما خير وأصوب، فانظر أيهما أقرب الى هواك فخالفه، فان كثير الصواب في مخالفة

ـ

١ - الفلق / ١ - ٣.

٢ - الاعراف / ٢٠١.

٣ - الحديد / ٢٨.

٤ - البقرة / ٢٨٢.

٥ - الانفال / ٢٩.

٦ - نهج البلاغة خطبة رقم ١٨٢.

هواك" [١].

والمعاذ الثالث الاخلاص والخلوص للّه تعالى فان الشيطان لا سلطان له على عباد اللّه "المُخلصِين": (قال رب بما أغويتني لأُزيننّ لهم في الارض ولأُغوينّهم أجمعين. إلا عبادك منهم المخلَصين) [٢].

وعن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "طوبى للمخلصين أؤلئك مصابيح الهدى، تنجلي عنهم كل فتنة" [٣].

والمعاذ الرابع القرآن، فان القرآن فرقان بين الحق والباطل، فاذا اعتصم الانسان بالقرآن واهتدى به جعل اللّه تعالى له في نفسه فرقانا بين الحق والباطل.

(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبيّنات من الهدى والفرقان…. ) [٤].

(نزّل عليك الكتاب بالحق مصدّقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والانجيل. من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان…. ) [٥]. (تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا) [٦].

٢ - الفرقان في المجتمع

اللبس والتشابك في المجتمع

وقد يكون اللبس والتداخل بين الحق والباطل في المجتمع، وليس في النفس فقط. فيجمع المجتمع الجميع تحت غطاء الصلاح والتقوى والاسلام، الصادق منهم والكاذب، والمؤمن والمنافق، والقوي والضعيف، والصالح والفاسد، ويباري الكاذب الصادق في الصدق ويباري المنافق المؤمن في الايمان، ويباري الضعيف القويَّ في القوة.

ـ

١ - بحار الانوار ٧٨ / ٣١٤.

٢ - الحجر / ٣٩ - ٤٠.

٣ - الترغيب والترهيب ١ / ٥٤.

٤ - البقرة / ١٨٥.

٥ - ال عمران / ٣ - ٤.

٦ - الفرقان / ١.

وأكثر مايحدث هذا الخلط واللبس في المجتمع في أوقات اليسر والعافية حيث تبرز العناصر الضعيفة في صفوف المؤمنين، ويحتلون المواقع الامامية من هذه الصفوف، ويختلط المؤمن بالمنافق حتى لا يمكن تمييز هذا عن ذاك.

يقول تعالى:

(قد يعلم اللّه المعوّقين منكم والقائلين لإخوانهم هلمّ الينا ولا يأتون البأس إلا قليلا. أشِحّة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون اليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحّة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط اللّه أعمالهم وكان ذلك على اللّه يسيرا) [١].

اليسر والعافية من العوامل التي تجعل هذا الخليط الانساني غير المتجانس في صف واحد وتحت مظلة التقوى والصلاح. والشدة والابتلاء والخوف من العوامل التي تفرز بعضهم عن بعض، فيتقدم المؤمنون الصادقون ويتأخر المنافقون والكاذبون.

فرقان في الآخرة

والفرقان بين الناس اثنان في الدنيا والآخرة. فليس في الحياة الآخرة لبس وخلط، كما في الحياة الدنيا. إن الدنيا دار لبس وخلط والآخرة دار فصل وفرز.

يقول تعالى: (وامتازوا اليوم أيها المجرمون). ويقول تعالى عن حياة الآخرة: (يوم تبلى السرائر) [٢].

فلا يتمكن يومئذ أحد من إخفاء سريرته، وستر باطنه، يومئذ يظهر الناس على حقائقهم. وهذا هو "الفرقان" في الآخرة. وفي الدنيا كذلك فرقان.

فرقان الدنيا

وفي الدنيا فرقانان يفصلان الناس بعضهم عن بعض، ويفرزان الصادق عن

ـ

١ - الاحزاب / ١٨ - ١٩.

٢ - الطارق / ٩.

الكاذب والمؤمن عن المنافق. هذان الفرقانان يومان هما يوم "الفتنة" ويوم "الخوف".

في هذين اليومين يتميز الناس بعضهم عن بعض.

الفتنة والخوف

في يوم الفتنة… تتمكن الفتنة من عقول الناس، وتغلب على نفوسهم وأفكارهم وتسلب منهم الرؤية والبصيرة فيلتبس عليهم الحق بالباطل، ويلتبس عليهم أهل الحق بأهل الباطل، فلا يميزون هؤلاء عن أولئك، ولا هذا عن ذاك، ولكن الفتنة تفرز قلة يعصمهم اللّه تعالى عنها ويرزقهم بصيرة نافذة، فيقفون الى جانب الحق وإن قل أهله ورواده، ويقارعون الباطل وإن كثر أهله.

ومن عجب أن "الفتنة" تخلط الحق بالباطل في نفوس عامة الناس كما ذكرنا من قبل عند الحديث عن اللبس في النفس والرؤية، ولكنها في نفس الوقت تفرز فئة قليلة من الناس يرزقهم اللّه بصيرة ووعيا ويعصمهم اللّه تعالى من الفتنة، ويرزقهم عزما وقوة.

وقد كانت أيام "الجمل" و"صفين" و"النهروان" و"الطف" أيام فتن في تاريخ الاسلام.

وبلغت عتمة هذه الفتن في رؤى الناس ونفوسهم يومئذ حدّا لم يعد الناس يميزون معها بين علي والحسن (عليهما السلام) وبين معاوية، وبين الحسين (عليه السلام) وبين يزيد.

وقد عمد بنو أمية الى تعميق هذه الفتنة في نفوس الناس وتضليلهم وتعتيم الرؤية لديهم الى حدود مخيفة.

وكان أبلغ هذه الفتن وأقواها يوم الطف. حيث وقف الحسين (عليه السلام) ومعه كوكبة محدودة من أهل بيته وأصحابه في مقابل سلطان بني أمية وملكهم الواسع ووقف معهم جماهير الناس يومئذ. ويَعجَب الانسان أن تنفذ الفتن هذا النفوذ العميق في قلوب الناس. فلا يستجيب لدعوة الحسين (عليه السلام) الى الخروج على سلطان بني أمية وغيّهم يومئذ غير اثنين وسبعين نفرا من المسلمين رغم حرص الحسين (عليه السلام) وإصراره على دعوة المسلمين الى الخروج على يزيد وإنهاء هذه الفتنة التي عمت العالم الاسلامي وأفسدت على الناس دينهم وأخلاقهم.

وليس يضر إمام الحق أن يقف في الفتنة بهذا الجمع الصغير… فقد وقف من قبله إبراهيم (عليه السلام) رائد التوحيد وأبو الانبياء وحده في الفتنة التي ألقوه فيها في النار، فجعلها اللّه تعالى عليه برداً وسلاما.

يقول تعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتا للّه حنيفا ولم يك من المشركين) [١].

كان إبراهيم (عليه السلام) يومئذ لوحده أمة موحدا للّه تعالى ويعبده ولا يشرك به.

وقد سمى اللّه تعالى يوم بدر بيوم الفرقان، حيث وقف عدد قليل من المسلمين في الساحة أمام كل قوى الشر في العالم. يقول تعالى: (يوم الفرقان يوم التقى الجمعان).

واليوم الآخر للفرقان في المجتمع يوم الخوف والضراء.

فان الامن والعافية يخلطان الناس والخوف والابتلاء يفرزان الناس.

(…. فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون اليك تدور أعينهم كالذي يُغشى عليه من الموت فاذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد…. ) [٢].

إن النواة الصلبة للمجتمع الاسلامي في صدر الاسلام تكونت في ضراء مكة وبأسائها، فنصرهم اللّه تعالى في "بدر"، وبعد أن أخذتهم نشوة النصر التحق بهم من لم تكسبه أيام الباساء والضراء هذه الصلابة والقوة، فهزمتهم قريش في "أحد".

نتائج الفرقان

وللفرقان بين الحق والباطل في المجتمع وفي النفس نتائج وآثار كبيرة، فان نصر اللّه تعالى ينزل على المؤمنين، عندما تخلص جماعتهم من العناصر الكاذبة والمنافقة والضعيفة، وبعكس ذلك ينفذ الشيطان في النفس والمجتمع عندما يختلط الحق بالباطل، يأخذ ضغثاً من هذا وضغثاً من ذاك، كما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام)

ـ

١ - النحل / ١٢٠.

٢ - الاحزاب / ١٩.

فيخدع الناس ويضللهم به.

فاذا خلص الحق من الباطل في النفس والمجتمع استنزل الحق رحمة اللّه تعالى. فان اللّه تعالى ينصر المؤمن بالحق، ويرزقهم بالحق، ويؤلف بين قلوبهم بالحق، ويوحد صفهم بالحق، ويعزهم بالحق.

وإن "الحق" يستنزل من رحمة اللّه تعالى نوره ورزقه ما لا يستنزله بشيء آخر. وقد ورد في دعاء الافتتاح: "اللهم ما عرفتنا من الحق فحملناه، وما قصرنا عنه فبلغناه.

اللهم المُم به شعثنا. واشعب به صدعنا. وارتق به فتقنا. وكثّر به قلتنا. واعزز به ذلتنا. واغنِ به عائلنا. واقض به عن مغرمنا. واجبر به فقرنا. وسُد به خلتنا. ويسّر به عسرنا. وبيض به وجوهنا. وفك به أسرنا. وانجح به طلبتنا. وانجز به مواعيدنا. واستجب به دعوتنا. وأعطنا به سؤلنا. وبلغنا به من الدنيا والآخرة آمالنا. واعطنا به فوق رغبتنا".

إن الحق إذا خلص من الباطل في النفس وفي المجتمع، كان من أعظم منازل رحمة اللّه تعالى، فيعز اللّه تعالى به المؤمنين، ويحفظهم وينصرهم ويعزهم، ويرزقهم طلباتهم، ويرزقهم به كل ما يرغبون، ويرزقهم به فوق ما يرغبون.

الفرقان والتمحيص في آيات القرآن

والآن، نتوقف قليلا عند هذه الآيات المباركات من سورة آل عمران، لنجد كيف يجعل اللّه تعالى أيام الباساء والضراء فرقانا في حياة الناس: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون إن كنتم مؤمنين. إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم اللّه الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء واللّه لا يحب الظالمين. وليمحّص اللّه الذين آمنوا، ويمحق الكافرين. أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم اللّه الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) [١].

وهذه الآيات نزلت بعد نكسة أحد، ونكسة أُحد أقسى نكسة وأمرَّها في حياة المسلمين في الصدر الاول من الاسلام.

ـ

١ - آل عمران / ١٣٩ - ١٤٢.

وتحوّل الآيات هذه النكسة المرّة في حياة المسلمين الى قوّة واستعلاء، وتنتزع منها الخوف والوهن: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون…. ).

وهو انقلاب عجيب في ماهية الاحداث، حيث تتحول النكسة الى استعلاء ويتحول الوهن والخوف الى قوة وأمن.

وعامل الانقلاب هو "الايمان": (إن كنتم مؤمنين).

ثم تذكرهم الآيات الكريمة أن ما أصابهم من القروح في المعركة هي من متطلبات المعركة والمواجهة.

ولما كانت المواجهة مع أئمة الكفر قضية حتمية من قضايا الدعوة الى اللّه فان ما أصابهم من القروح في المعركة يدخل في حتميات الدعوة الى اللّه وليس منها بد.

ولكن مع ملاحظة نقطتين:

الاولى أن ما أصابهم من القروح أصاب أعداءهم كذلك: (إن يمسسكم قرح فقد مسَّ القوم قرح مثله). وهذه هي النقطة المشتركة بين الحزبين.

والنقطة الثانية هي التي يختص بها حزب اللّه دون حزب الشيطان وتشير اليها الآية ١٠٤ من سورة النساء: (…. إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من اللّه مالا يرجون…. ).

ثم تقرّر الآية الكريمة أن هذه النكسة وتلك النشوة، وهذه الهزيمة وذلك الفوز، أجزاء من حركة التاريخ وفي هذه الحركة يداول اللّه تعالى أيام النصر والنكسة بين الناس ومن خلال ذلك يدير اللّه تعالى حركة التاريخ: (وتلك الأيام نداولها بين الناس).

إلا أن العاقبة دائما في هذه المداولة للمتقين ولن تتغير هذه النتيجة مهما كانت أيام النكسة مرة: (قال موسى لقومه استعينوا باللّه واصبروا إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) [١].

وبعد هذه الحقائق يأتي دور الفرقان.

ـ

١ - الاعراف / ١٢٨.

إن هذا التداول في الفوز والنكسة، ونشوة الفوز ومرارة النكسة: (ليعلم اللّه الذين آمنوا) واللّه تعالى يعلم من دون ذلك من دون ريب… والمقصود ليفرز اللّه الذين آمنوا حق الايمان عن الذين لم يؤمنوا حق الايمان، وليفصل اللّه الذي صدقوا عن الكاذبين، والذين ترسخ الايمان في قلوبهم وصدورهم عن الذين أخذوا الايمان عارية موقتة.

إن القروح التي أصابت المسلمين في معركة أحد كان لابد منها لفرز هؤلاء عن أولئك: (وليعلم اللّه الذين آمنوا). وهذا هو التمحيص على الخط الافقي في المجتمع، والفرقان الاول في المجتمع. ومن دون هذا التمحيص والفصل والفرقان في المجتمع لا تستطيع هذه الامة أن تستلم دور القيمومة والامامة على وجه الارض، ولايمكن أن يتخذ اللّه تعالى منهم شهداء وقيمين على حياة الناس. فان اللّه تعالى لايتخذ الشهداء من الظالمين. فاذا دخلت الامة التمحيص وخضعت للفرقان، وانفرز فيها المؤمنون الصالحون عن غيرهم… عندئذ يتخذ اللّه منهم شهداء.

واذا كان هذا التمحيص والفرقان تمحيصا في سطح المجتمع (على الخط العمودي) فان اللّه تعالى يريد بهذه القروح تمحيصا وفرقانا آخر (على الخط الافقي) داخل النفوس: (وليمحص اللّه الذين آمنوا).

وهذا التمحيص تمحيص في العمق، وداخل النفوس. وفي نفوس المؤمنين أيضا يقين وشك، وصلاح وضلال، وصدق وكذب، وقوة وضعف، وتقوى وفجور، وتوحيد وشرك.

واللّه تعالى يريد للمؤمنين التمحيص حتى يطرد من نفوسهم الشك والضلال والكذب والضعف والفجور والشرك، وتخلص نفوسهم من ذلك، ويكون لهم اليقين والصلاح والصدق والقوة والتقوى والتوحيد نقياً خالصاً من كل شوب.

وكما لا تخلص ذرات الذهب المشوبة بالتراب الاعبر المرور بدرجة عالية من الحرارة لتنفصل فيها ذرات التراب من المعدن ويخرج المعدن نقياً من وسط التراب العالق به… كذلك لا تصفو نفس الانسان الا من خلال حدة قروح الضراء والبأساء التي يمرر اللّه تعالى المؤمنين من خلالها.

ولا تختص هذه المعاناة بالمؤمنين، فان هذه القروح كما قال اللّه تعالى تصيب هؤلاء وأولئك على نحو سواء: (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله).

إلا أنها للمؤمن نقاء وتمحيص، وللكافرين محق وهلاك: (ويمحق الكافرين).

وشتان بين معاناة ومعاناة.

معاناة تؤدي الى التمحيص وأخرى تنتهي الى السقوط والمحو. ثم تشير الآية الكريمة الى أن هذا التمحيص ليصلح المؤمنون للجنة، فان الجنة دار السلام ودار الطيبات ولا يدخلها الا الطيب، فاذا كان في نفوس المؤمن تقوى وفجور، وتوحيد وشرك، وصدق وكذب فلابد أن يذهب من نفوسهم هذا الخليط السيء من الشرك والكذب والفجور لتخلص الطيبات في نفوسهم من الخبائث. عندئذ يدخلون الجنة التي أرادها اللّه تعالى لهم: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يعلم اللّه الذي جاهدوا منكم ويعلم الصابرين).

وهذا هو التمحيص والفرقان الكامن داخل نفوس المؤمنين والحمد للّه رب العالمين.



[ Web design by Abadis ]