ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 العروة الوثقى في الذكرى المئوية لصدورها

تعتبر هذه الصحيفة في طليعة الصحافة الإسلاميّة الداعية إلى يقظة المسلمين ووحدتهم وعزتهم واستقلالهم.

بعد أن هاجر السيد جمال الدين الأسد آبادي المعروف بالأفغاني من مصر إلى باريس ورأى ما أصاب دعوته من انتكاس وما ألم بمصر من مصاب جرّاء احتلال الإنجليز، عزم - بالتعاون مع تلميذه محمد عبده - على إصدار جريدة العروة الوثقى لتحمل أهداف جماعة «العروة الوثقى» وأفكارهم إلى المسلمين.

صدر العدد الأول منها يوم الخميس ١٣ آذار (مارس) سنة ١٨٨٤ م (١٥ جمادي الأول ١٣٠١ هـ) واستمرت ثمانية أشهر تقريبا حتّى توقفت بعد صدور العدد الثامن عشر والأخير منها في ١٧ تشرين الأول (أكتوبر) من نفس السنة.

والصحيفة رغم قلت أعدادها كان لها الأثر الكبير في نشر الصحوة الإسلاميّة في وقت مبكر في مصر والشام والعراق والجزيرة العربية وإيران وأفغانستان والهند.

ركزت العروة الوثقى على «الدعوة إلى الوحدة الإسلاميّة» ونحن نقتطف منها ما يرتبط بهذا المحور لعلاقته بأهداف «رسالة التقريب».

* * *

* - نشرت مقالات العروة الوثقى في كتاب أعده وقم له السيد هادي الخسروشاهي باعتباره الحلقة الأولى من سلسلة آثار السيد جمال الدين الأفغاني، واعتمدنا في هذا العرض على هذا الكتاب.

(٢٠٤)

يقول تحت عنوان الآية الكريمة ﴿وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾:

أظلت ولاية الإسلام ما بين نقطة الغرب الأقصى إلى تونكاني على حدود الصين في عرض ما بين فازان من جهة الشمال وبين سرنديب تحت خط الاستواء أقطار متصلة، وديار متجاورة، يسكنها المسلمون، وكان لهم فيها السلطان الذي لا يغالب. أخذ بصولجان الملك منهم ملوك عظام، فأداروا بشكوكتهم كرة الأرض إلا قليلاً. ما كان يهزم لهم جيش، ولا ينتكس لهم علم، ولا يُرد قول على قائلهم. قلاعهم وصياصيهم متلاقية، ومنابتهم ومغارسهم في سهوبهم (أراضيهم السهلة الواسعة) وأخيافهم (الأراضي المنحدرة عن الجبل) رابية مزدهية بأنواع النبات، حالية بأصناف الأشجار، مع صنع أيدي المسلمين. ومدنهم كانت آهلة مؤسسة على أمتن قواعد العمران تباهي مدن العالم بصنائع سكانها وبدائعهم، وتفاخرها بشموس الفضل، وبدور العلم، ونجوم الهداية، ومن رجال لهم المكان الأعلى في العلوم والآداب.

كان في نقطة الشرق من حكمائهم ابن سينا والفارابي والرازي ومن يشاكلهم، وفي الغرب ابن باجة وابن رشد وابن الطفيل ومماثلوهم، وما بين ذلك أمصار تتزاحم فيها أقدام العلماء في الحكمة والطب والهيئة والهندسة وسائر العلوم العقلية، هذا فضلاً عن العلوم الشرعية التي كانت عامة في جميع طبقات الملة. كان خليفتهم العباسي ينطق بالكلمة فيخضع لها فغفور الصين * وترتعد منها فرائص أعظم الملوك في أروبا. ومن ملوكهم في قرونهم المتوسطة مثل محمود الغزنوي وملكشاه السلجوقي، وصلاح الدين الأيوبي، وكان منهم في المشرق مثل تيمور الكوركاني، وفي الغرب السلطان محمد الفاتح، والسلطان سليم والسلطان سليمان العثماني، أولئك رجال قضوا ولم يطو الزمان ذكرهم ولم يمح أثرهم.

كانت لأساطيل المسلمين سلطة لا تبارى في البحر الأبيض والأحمر والمحيط

* - فغفور: لقب ملوك الصين.

(٢٠٥)

الهندي ولها الكلمة العليا في تلك البحار إلى زمان غير بعيد…. والمسلمون اليوم هم هم يملأون تلك الأقطار التي ورثوها عن آبائهم وعديدهم لا ينقص عن أربعمائة مليون، وأفرادهم في كل قطر بما أشربت قلوبهم من عقائد دينهم أشجع وأسرع إقداماً على الموت ممن يجاورهم، وهم بذلك أشد الناس ازدراء بالحياة الدنيا وأقلهم مبلاة بزخرفها الباطل، جاءهم القرآن بمحكم آياته يطالب الناظرين بالبرهان على عقائدهم، ويعيب الأخذ بالظنون والتمسك بالأوهام، ويدعو إلى الفضائل وعقائل الصفات، فأودع في أفكارهم جراثيم الحق وبذر في نفوسهم بذور الفضل، فهم بأصول دينهم أنور عقلاً وأنبه ذهنا وأشد استعداداً لنيل الكمالات الإنسانية، وأقرب إلى الاستقامة في الأخلاق، وربما يرون لأنفسهم من الاختصاص بالشرف، وما وعدوا به على لسان كتابهم الصادق من إظهار شأنهم على شؤون العالم أجمع ولو كره المبطلون، لا يرغبون بسلطة لغيرهم عليهم، ولا يحوم فكر واحد منهم أن يخضع لذي سطوة من سواهم، وإن بلغت من الشدة أو اللين ما بلغت. لما بينهم من الإخاء المؤزر بمناطق العقائد، يحسب كل واحد منهم أن سقوط طائفة من بني ملته تحت سلطة الأجانب سقوط لنفسه. ذلك إحساس يشعر به وجدانه ولا يجد عنه مسليا

ً، وبما ساخ (غاص ورسب) في نفوسهم من جذور المعارف التي أرشدهم إليها دينهم، ونالوا منها النصيب الأعلى في عنفوان دولتهم، يعدون أنفسهم أولى الناس بالعلم وأجردهم بالفضل.

ذلك شأنهم الأول وهذا وصفهم للآن، ولكنهم مع هذه كله وقفوا في سيرهم بل تأخروا عن غيرهم في المعارف والصنائع بعد أن كانوا فيها أساتذة العالم، وأخذت ممالكهم تنقص أطرافها وتتمزق حواشيها مع أن دينهم يرسم عليهم أن لا يدينوا لسلطة من يخالفهم بل الركن الأعظم لدينهم طرح ولاية الأجنبي عنهم وكشفها عن ديارهم بل منازعة كل ذي شوكة في شوكته. هل نسوا وعد الله لهم بأن يرثوا الأرض وهم العباد الصالحون. هل غفلوا عن تكفل الله لهم بإظهار شأنهم على سائر الشؤون ولو كره المجرمون؟ هل سهوا عن أن الله اشترى منهم لإعلاء كلمته أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة؟ لا. لا. إن العقائد الإسلاميّة مالكة لقلوب المسلمين حاكمة

(٢٠٦)

في إرادتهم عامتهم وخاصتهم.

نعم يوجد للتقصير في إنماء العلوم وللضعف في القوة أسباب أعظمها تخالف طلاب الملك فيهم [١]، لأنا بينا أن لا جنسية للمسلمين إلاّ في دينهم، فتعدد الملكة عليهم كتعدد الرؤساء في قبيلة واحدة، والسلاطين في جنس واحد، مع تباين الأغراض وتعارض الغايات، فشغلوا أفكار الكافة بمظاهرة كل خصم على خصمه، وألهوا العامة بتهيئة وسائل المغالبة وقهر بعضهم لبعض، فأدت هذه المغالبات وهي أشبه شيء بالمنازعات الداخلية إلى الذهول عما نالوا من العلوم والصنائع، فضلاً عن التقصير في طلب ما لم ينالوا منها، ونشأ من هذا ما نراه من الفاقة والاحتياج، وعقبه الضعف في القوة والخلل في النظام، وجلب تنازع الأمراء على المسلمين تفرق الكلمة وانشقاق العصا، فلهوا بأنفسهم عن تعرض الأجانب بالعدوان عليهم.

هذا كان من أمراء المسلمين مع ما فيه من الضرر الفادح عندما كانوا منفردين في ميادين الوغى، لا يجاريهم فيها سواهم من الملل، ولكن ضرب الفساد في نفوس أولئك الأمراء بمرور الزمان، وتمكن من طباعهم حرص وطمع باطل فانقلبوا مع الهوى، وضلت عنهم غايات المجد المؤثل، وقنعوا بألقاب الأمارة وأسماء السلطنة وما يتبع هذه الأسماء من مظاهر الفخفخة وأطوار النفخة ونعومة العيش مدة من الزمان، واختاروا موالاة الأجنبي عنهم المخالف لهم في الدين والجنس، ولجأوا للاستنصار به وطلب المعونة منه على أبناء ملتهم، استبقاء لهذا الشبح البالي والنعيم الزائل [٢].

هذا الذي أباد مسلمي الاندلس، وهدم أركان السلطنة التيمورية في الهند ومحا أطلالها وعلى رسومها شيد الإنجليز ملكهم بتلك الديار. هكذا تلاعبت أهواء السفهاء بالممالك الإسلاميّة ودهورتها أمانيهم الكاذبة في مهاوي الضعف والوهن، قبح ما

١ - يقصد اختلاف الحكام في البلاد الإسلاميّة، مما يؤدي إلى النزاع بين الشعوب المسلمة (التحرير).

٢ - يرى أن السبب الثاني في تخلف المسلمين موالاة الحكام للأجانب (التحرير).

(٢٠٧)

صنعوا وبئس ما كانوا يعملون، أولئك اللاهون بلذاتهم، العاكفون على شهواتهم، هم الذين بددوا شمل الملة، وأضاعوا شأنها، وأوقفوا سير العلوم فيها، وأوجبوا الفترة في الأعمال النافعة من صناعة وتجارة وزراعة بما غلوا من أيدي بنيها.

ألا قاتل الله الحرص على الدنيا والتهاك على الخسائس، ما أشد ضررهما وما أسوأ أثرهما، نبذوا كلام الله خلف ظهورهم وجحدوا فرضاً من أعظم فروضه ن فاختلفوا والعدو على أبوابهم، وكان من الواجب عليهم أن يتحدوا في الكلمة الجامعة، حتّى يدفعوا غارة الأباعد عنهم، ثم لهم أن يعودوا لشؤونهم، ماذا أفادتهم المغالاة في الطمع والمنافسة في السفاسف؟ أفادتهم حسرة دائمة في الحياة، وشقاء أبدياً بعد الممات، وسوء ذكر لاتمعوه الأيام.

أما وعزة الحق وسر العدل، لو ترك المسلمون وأنفسهم بما هم عليه من العقائد مع رعاية العلماء العاملين منهم، لتعارفت أرواحهم وائتلفت آحادهم، ولكن وا أسفا تخللهم أولئك المفسدون الذين يرون كل السعادة في لقب أمير أو ملك ولو على قرية لا أمر فيها ولا نهي. هؤلاء الذين حولوا أوجه المسلمين عما ولاهم الله وخرجوا على ملوكهم وخلفائهم، حتّى تناكرت الوجوه وتباينت الرغائب.

الاتفاق والتظافر على تعزيز الولاية الإسلاميّة، من أشد أركان الديانة المحمدية، والاعتقاد به من أوليات العقائد عند المسلمين، لا يحتاجون فيه إلى أستاذ يعلم، ولا كتاب يثبت، ولا رسائل تنشر. إن رعاة المسلمين فضلاً عمن علاهم تتصاعد زفراتهم، وتفيض أعينهم من الدمع حزناً وبكاء على ما أصاب ملتهم من تفرق الآراء، وتضارب الأهواء، ولولا وجود الغواة من الأمراء، ذوي المطامع في السلطة بينهم، لاجتمع شرقيهم بغربيهم، وشماليهم بجنوبيهم، ولبى جميعهم نداءً واحداً. إن المسلمين لا يحتاجون في صيانة حقوقهم، إلاّ إلى تنبه أفكارهم لمعرفة ما به يكون الدفاع، واتفاق آرائهم على القيام به عند لزومه، وارتباط قلوبهم الناشيء عن إحساس بما يطرأ على الملة من الأخطار.

ألم تر أمة الروس هل تجد فيها ما يزيد على هذه الأصول الثلاثة، هي أمة متأخرة في الفنون والصنائع عن سائر أمم أوربا وليس في ممالكها ينابيع للثروة، ولئن

(٢٠٨)

كانت فليس هناك ما يستفيضها من الأعمال الصناعية، فهي مصابة بالحاجة والاعواز غير أن تنبه أفكار آحادها لما به يكون الدفاع عن أمتهم واتفاقهم في النهوض به وارتباط قلوبهم صير لها دولة تميد لسطوتها رواسي أوربا. لم يكن للروسية مصانع لمعظم الآلات الحربية، ولكن لم يمنعها ذلك عن اقتنائها، ولم يرتق فيها الفن العسكري إلى حد ما عليه جيرانها، إلاّ أن هذا لم يقعدها عن جلب ضباط من الأمم الأخرى لتعليم عساكرها، حتّى صار لجيشها صولة تخيف، وحملة تخشاها دول أوروبا.

فما الذي أقعدنا عن مشاكلة غيرنا، فيما هو أيسر الأشياء علينا، ونحن أشد الناس ميلاً إليه: من رعاية شرف الملة والتألم يما يحط منه والتعاون على صون الوحدة الجامعة لنا عن كل ما يثلمها. ما الذي رد الأفكار عن الحركة، وما أقعد الهمم عن النهوض، إلاّ أولئك المترفون، يحرصون على طيب في المطعم، ولين في المضجع، وتطاول في البنيان، وتفاخر بالخدم والخول ولا يراعون في حرصهم ما بعد يومهم، ويحافظون على لقب موضوع ورسم متبوع، يقنعون منه بالاحتفال لهم في المواسم والاعياد وهز الرؤوس وثني الأعطاف، تعظيماً وتبجيلاً، ثم تذييل الأوراق الرسمية بأسماء ليس لها مسميات، هؤلاء الساقطون يرضون لتخيل هذه المواثيل (جمع ماثل من الرسوم ما ذهب أثره) بكل دنيئة، هؤلاء يقبلون من تصرف أعدائهم في بيوتهم ما لا يقبله واحد من آحاد الناس دون موته، أولئك صاروا في أعناق المسلمين سلاسل وأغلالا، يحبسون هذه الأسود عن فريستها بل يجعلونها طعمة للثعالب، لا حول ولا قوة إلاّ بالله.

أيا بقية الرجل، ويا خلف الإبطال… هل ولي بكم الزمان، هل مضى وقت التدارك هل آن أوان اليأس، لا، لا، معاذا الله أن ينقطع أمل الزمان منكم، إن من أدرنه إلى بيشاور دولاً إسلامية متصلة الأراضي، متحدة العقيدة يجمعهم القرآن، لا ينقص عددهم عن خمسين مليوناً، وهم ممتازون بين أجيال الناس بالشجاعة والبسالة، أليس لهم أن يتفقوا على الذب والإقدام كما اتفق عليه سائر الأمم، ولو اتفقوا فليس ذلك ببدع منهم، فالاتفاق من أصول دينهم، هل أصاب الخدر مشاعرهم فلا يحسون

(٢٠٩)

بحاجات بعضهم البعض، أليس لكل واحد أن ينظر إلى أخيه بما حكم الله في قوله ﴿إنّما المؤمنون اخوة﴾ فيقيمون بالوحدة سداً يحول عنهم هذه السيول المتدفقة عليهم من جميع الجوانب.

لا ألتمس بقولي هذا أن مالك الأمر في الجميع شخصاً واحداً [١]، فإن هذا ربما كان عسيراً، ولكني أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن، ووجهة وحدتهم الدين، كل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع فإن حياته بحياته وبقائه ببقائه… هذا اوان الاتفاق، ألا إن الزمان يواسيكم بالفرص وهي لكم غنائم فلا تفرّطوا، إن البكاء لا يحيي الميّت، إن الأسف لا يرد الفائت، إن الحزن لا يدفع المصيبة، إن العمل مفتاح النجاح، إن الصدق والإخلاص سلم الفلاح، إن الوجل يقرب الأجل، إن اليأس وضعف الهمة من أسباب الحتف ﴿وقل أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ ألا لا تكونوا ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، احذورا أن تقعوا تحت قوله الله: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ إن القرآن حي لا يموت، ومن أصابه نصيب من حمده فهو محمود، ومن أصيب من مقته فهو ممقوت، كتاب الله لم ينسخ فارجعوا إليه، وحكموه في أحوالكم وطباعكم ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾.

ولعل أمراء المسلمين قد وعظوا بسوء مغبة أعمال السالفين وهموا بملافاة أمرهم، قبل أن يقضي عليهم، بما رزيء به المفرطون من مقبلهم، ورجاؤنا أن أول صيحة تبعث إلى الوحدة وتوقظ من الرقدة، تصدر عن أعلاهم مرتبة، وأقواهم شوكة، ولا نرتاب في أن العلماء العاملين ستكون لهم اليد الطولى في هذا العمل الشريف، والله يهدي من يشاء ولله الأمر من قبل ومن بعد [٢].

* * *

١ - أي: لا أعني أن يكون العالم الإسلامي تحت ظل حاكم واحد (التحرير).

٢ - ص ١٣١ - ١٣٧ من المصدر المذكور.

(٢١٠)

ويقول تحت عنوان الحديث النبوي الشريف «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا».

أمران خطيران تحمل عليهما الضرورة تارة، ويهدي إليهما الدين تارة أخرى، وقد تفيدهما التربية وممارسة الآداب، وكل منهما يطلب الآخر ويستصحبه بل يستلزمه، وبهما نمو الأمم وعظمتها ورفعتها واعتلاؤها، وهما الميل إلى وحدة تجتمع، والتكليف بسيادة لا توضع [١]. وإذا أراد الله بشعب أن يوجد ويلقى بوانيه (يثبت ويقيم) إلى أجل مسمى أودع في ضئاضئه (أصوله) هذين الوصفين الجليلين، فأنشأه خلقاً سوياً، ثم استبقى له حياته بقدر ما مكن فيه من الصفتين إلى منتهى أجله.

كل أمة لا تمد ساعدها لمغالبة سواها لتنال منها بالغلب ما تنمو به بنيتها، ويشتد به بناؤها، فلابد يوماً أن تقضم وتهضم وتضمحل ويمحى أثرها من بسيط الأرض.

إن التغلب في الأمم كالتغذي في الحياة الشخصية، فإذا أهمل البدن من الغذاء وقفت حركة النمو، ثم ارتدت إلى الذبول والنحول، ثم أفضت إلى الموت والهلاك، وليس من الممكن لأمة أن تحفظ قوامها؛ وتصول على من يليها لتختزل منه ما يكون مادة لنمائها، إلاّ أن تكون متفقة في تحصيل ما تحتاج إليه هيئتها. إذا أحسست من أمة ميلاً إلى الوحدة فبشرها بما أعد الله لها في مكنون غيبه من السيادة العليا والسلطة على متفرقة الأمم. إذا تصفحنا تاريخ كل جنس واستقرينا أحوال الشعوب في وجودها وفناها، وجدنا سنة الله في الجمعيات البشرية، حظها من الوجود على مقدار حظها من الوحدة، ومبلغها من العظمة على حسب تطاولها في الغلبة، وما انحرف شأن قوم وما هبطوا عن مكانتهم، إلاّ عند لهوهم بما في أيديهم، وقناعتهم بما تسنى لهم، ووقوفهم على أبوب ديارهم، ينظرون طارقهم بالسوء، وما أهلك الله قبيلا إلاّ بعد ما رزئوا بالافتراق، وابتلوا بالشقاق، فأورثهم ذلاً طويلاً وعذاباً وبيلاً، ثم فناءً سرمدياً.

١ - أي الاتجاه نحو الوحدة والعزة (التحرير).

(٢١١)

الوفاق تواصل وتقارب يحدثه إحساس كل فرد من أفراد الأُمة بمنافعها ومضارها، وشعور جميع الآحاد في جميع الطبقات بما تكسبه من مجد وسلطان، فيلذ لهم كما يلذ أشهى مرغوب لديهم، وبما تفقده من ذلك، فيألمون له كما يألمون لأعظم رزء يصابون به، وهذا الإحساس هو ما يبعث كل واحد على الفكر في أحوال أمته ن فيجعل جزءاً من زمنه للبحث فيما يرجع إليها بالشرف والسؤدد، وما يدفع عنها طوارق الشر والغيلة، ولا يكون همه بالفكر في هذا أقل من همه بالنظر في أحواله الخاصة، ثم لا يكون نظراً عقيماً حائزاً بين جدران المخيلة، دائراً على أطراف الألسنة، بل يكون استبصاراً تتبعه عزيمة يصدر عنها عمل يثار على استكماله بما يمكن من السعة، وما تحتمله القدرة على نحو ما يكون في استصحال مواد المعيشة بلا فرق، بل تجد الانفس أن شأن الأُمة في المكان الأول من النظر، والدرجة الأولى من الاعتبار، والشؤون الخاصة في المنزلة الثانية منهما. ولا تفقف فيما تجد عند جلب المصالح ودرء المفاسد لأوقاتها الحاضرة، بل يأخذ العقلاء منها سبلاً من التفكير، ويخترطون سيوفاً من الهمة، ليصيبوا من سعيهم شوارد من القوة، ونوادر من المكنة، ويتسخرجوا دفائن من الثروة ويجمعوا ذلك للأمة، لصيانة حي

اتها إلى حد العمل اللائق بها، كما يسعى الحازم جهده لتوفير ما يلزم لمعيشته، وما يطمئن به قلبه في دفع حاجته مدة العمر الغالب، بل يزيد عليه ما فيه الكفاية لابنائه من بعده. وإن الدور الأول من أعمار الأمم لا ينقص عن خمسة قرون ثم تتلوه سائر الأدوار وأولها أقصرها وهو سن الطفولية، وبدء الكمال فيما يليه، ما أرفع همم العقلاء في الأمم المستبصرة.

إذا بلغ الإحساس من مشاعر أفراد الأُمة إلى الحدّ الذي بيناه، رأيت في الدهماء منهم والخاصة همماً تعلو، وشيماً تسمو، وإقداماً يقود، وعزماً يسوق، كل يطلب السيادة والغلب، فتتلاقى هممهم، وتتلاحق عزائمهم، في سبيل الطلب فيندفعون للتغلب على الذين يلونهم، كما تندفع السيول على الوهاد، لا تقف حركتهم دون الغاية مما نهضوا إليه، ويكون نزوهم على الأمم بعد الغلب الأول تدفقاً من الطبع لا يحتاج إلى فكر وروية إلاّ في إعداد وسائل الفوز والظفر.

(٢١٢)

هذان الأمران: الوفاق والغلب، عمادان قويان وركنان شديدان من أركان الديانة الإسلاميّة، وفرضان محتومان على من يستمسك بها، ومن خالف أمر الله فيما فرض منهما عواقب من مقته بالخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة. جاء في قول صاحب الشرع «إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وإن المؤمن ينزل من المؤمن منزلة أحد أعضائه إذا مس أحدهما ألم تأثّر له الآخر، وجاء في نهيه «لا تقاطعوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخوانا» وأنذر من شذ عن الجماعة بالخسران والهلكة وضرب له مثل الشاة القاصية تكون فريسة للذئاب.

هذا كله بعدما أمر الله عباده بالاعتصام بحبله، ونهاهم عن التفرق والتغابن، وامتن عليهم بنعمة الاخوّة بعد أن كانوا أعداء ونطق الكتاب الإلهي ﴿إنّما المؤمنون إخوة﴾ وطلب من المخاطبين بآياته أن يبادروا بإصلاح ذات البين عند التخالف، ثم شدد على وجوب الإصلاح وإن أدى إلى مقالتة الباغي، فقال: ﴿وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله﴾ وإنّما أمر الله الدخول فيما اتفق عليه المؤمنون وتوحيد الكلمة الجامعة ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءتهم البينات﴾ وتوعد الكتاب الأقدس كل من انحرف عن سبيل المؤمنين بالعقاب الأليم فحكم بأن من يتبع غير سبيل المؤمنين يولّه الله ما تولى، ويصله جهنم وساءت مصيراً، وفي أمره الصريح إيجاب التعاون على البر والتقوى، ولا بر أحق بالتعاون عليه من تعزيز كلمة الحق وإعلاء منار الأُمة وأخبر الصادق - صلى الله عليه وآله - «أن يد الله مع الجماعة» وكفى بالقدرة الإلهية عوناًَ إذا صح الاجتماع وصدقت الألفة، وقد بلغت مكانة الاتفاق في الشريعة الإسلاميّة أسمى درجة في الرعاية الدينية، حتّى جعل إجماع الأُمة واتفاقها على أمر من الأمور

كاشفاًَ عن حكم الله وما في علمه وأوجب الشرع الأخذ به على عموم المسلمين، وعدّ جحوده مروقاً من الدين، وانسلاخاً عن الإيمان، ومن عناية الشارع بأمر الاتفاق قوله - صلى الله عليه وآله - «لو دعيت إلى حلف الفضول لفعلت» (حلف الفضول ما كان من هاشم وزهرة وتيم حيث وفدوا على عبدالله بن جدعان وتحالفوا على أن يدفعوا الظلم ويأخذوا الحق من الظالم، وسمي حلف الفضول لأنهم تحالفوا على أن لا يدعوا

(٢١٣)

عند أحد فضلاً يزيد عن حقه ويكون نواله بالظلم إلاّ أخذوه منه وردوه لمستحقه) فهو من حلف الجاهلية، وقد صرح الشارع بقبوله لو دُعي إليه، هذا إجمال الأدلة على وجوب الاتفاق وحظر المنابذة والمغابنة بين المسلمين، بل وبينهم وبين غيرهم ممن رضى بذمتهم وقبل جوارهم بالمعروف في شرعهم فإن سبيل المؤمنين يسعه ولا يضيق عنه.

وأما السعي لإعلاء كلمة الحق وبسطة الملك وعموم السيادة فلا تجد آية من آيات القرآن الشريف إلاّ وهي داعية إليه، جاهرة بمطالبة المسلمين بالجد فيه، حاظرة عليهم أن يتوانوا في أداء المفروض منه، ومن الأوامر الشرعية أن لا يدع المسلمون تقوية ملّتهم حتّى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وفي السُنّة المحمدية والسيرة النبوية، مما يظافر آيات القرآن ما جمعه العلماء في مجلدات يطول عدّها، هذا حكم ديننا لا يرتاب فيه أحد من المؤمنين به والمستمسكين بعروته.

هل يمكن لنا ونحن على ما نرى من الاختلاف والركون إلى الضيم أن ندعي القيام بفروض ديننا، كيف ومعظم الأحكام الدينية موقوف إجراؤه على قوة الولاية الشرعية، فإن لم يكن الوفاق والميل إلى الغلب فرضين لذاتهما أفلا يكونان مما لا يتم الواجب إلاّ به، فكيف بهما وهما ركنان قامت عليهما الشريعة كما قدمنا هل، لنا عذر نقيمه عند الله يوم العرض والحساب يوم لا ينفع خلة ولا شفاعة بعد هدم هذين الركنين، وأيسر شفاعة إلينا إقامتها وعديدنا أربعمائة مليون أو يزيد، هل يتيسر لنا إذا خلونا بأنفسنا وجادلتنا ضمائرنا أن نقنعها ونرضيها بما نحن عليه الآن؟

كل هذه الرزايا التي حطت بأقطارنا، ووضعت من أقدارنا، ما كان قاذفنا ببلائها، ورامينا بسهامها، إلاّ افتراقنا وتدابرنا والتقاطع الذي نهانا الله ونبيه عنه. لو أدينا حقوقا تطالبنا بها تلك الكلمة التي تهل بها ألسنتنا، وتطمئن قلوبنا بذكرها، وهي كلمة الله العليا هل كان يمكن للاغراب أن يمزقوا ممالكنا كل ممزق، وهل كان يلمع سيف العدوان في وجوهنا، وهل كنا نشيم نيران الأعداء إلاّ وأقدامنا في صياصيهم، وأيدنا على نواصيهم. إن لأبناء الملة الإسلاميّة يقيناً بما جاء به شرعهم، لكن أليس على صاحب اليقين بدين أن يقوم بما فرض الله عليه في ذلك الدين؟ ﴿احسب الناس

(٢١٤)

أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ ولا ريبة في أن المؤمن يسرّه أن يعلمه الله صادقاً لا كاذباً، وأي صدق تظهره الفتنة ويمتاز به الصادق من الكاذب إلاّ الصدق في العمل؟ هل يود المسلم لو يعمّر ألف سنة في الذل والهوان وهو يعلم أن الازدراء بالحياة هو دليل الإيمان؟ أنرضى ونحن المؤمنون وقد كانت لنا الكلمة العليا أن تضرب علينا الذلة والمسكنة، وأن يستبد في ديارنا وأموالنا من لا يذهب مذهبنا، ولا يرد مشربنا، ولا يحترم شريعتنا، ولا يرقب فينا إلاّ ولا ذمّة، بل أكبر همه أن يسوق علينا جيوش الفناء حتّى يخلي منا أوطاننا، ويستخلف فيها بعدنا أبناء جلدته، والجالية من أمته؟ !

لا. لا. إن المخلصين في إيمانهم الواثقين بوعد الله في نصر من ينصر الله الثابت في قوله: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ لا يتخلفون عن بذل أموالهم وبيع أرواحهم، والحق داع والله حاكم والضرورة قاضية فأين المفر. المبصر بنور الله يعلم أنّه لا سبيل لنصر الله وتعزيز دينه إلاّ بالوفاق وتعاون المخلصين من المؤمنين. هل يسوغ لنا أن نرى أعلامنا منكسة، وأملاكنا ممزقة، والقرعة تضرب بين الغرباء على ما بقي في أيدينا ثم لا نُبدي حركة، ولا نجتمع على كلمة، وندعي مع هذا إننا مؤمنون بالله وبما جاء به محمد…. وأخجلتاه لو خطر هذا ببالنا ولا أظنه يخطر ببال مسلم يجري على لسانه شاهد الإسلام.

إن الميل للوحدة والتطلع للسيادة وصدق الرغبة في حفظ حوزة الإسلام كل هذه صفات كامنة في نفوس المسلمين قاطبة ولكن دهاهم بعض ما أشرنا إليه في أعداد ماضية فألهاهم عما يوحي به الدين في قلوبهم وأذهلهم أزماناً عن سماع صوت الحق يناديهم من بين جوانحهم، فسهوا وما غووا، وزلوا وما ضلوا، ولكنهم دهشوا وتاهوا، فمثلهم مثل جواب المجاهيل من الأرض في الليالي المظلمة، كل يطلب عوناً وهو معه ولكن لا يهتدي إليه، وأرى أن العلماء العاملين لو وجّهوا فكرتهم لإيصال أصوات بعض المسلمين إلى مسامع بعض، لأمكنهم أن يجمعوا بين أهوائهم في أقرب وقت وليس بعسير عليهم ذلك بعدما اختص الله من بقاع الأرض بيته الحرام بالاحترام وفرض على كل مسلم أن يحجه ما استطاع، وفي تلك البقعة يحشر الله من جميع رجال المسلمين وعشائرهم وأجناسهم فما هي

(٢١٥)

إلاّ كلمة تقال بينهم من ذي مكانة في نفوسهم تهتز لها أرجاء الأرض، وتضطرب لها سواكن القلوب. هذا ما أعدتهم له العقائد الدينية، فإن أضفت إليه ما أذاب قلوبهم من تعديات الأجانب عليهم، وما ضاقت به صدورهم من غارات الأغراب على بلادهم، حتّى بلغت أرواحهم التراقي، ذهبت إلى أن الاستعداد بلغ من نفوس المسلمين حداً يوشك أن يكون فعلاً، وهو مما يؤيد الساعين في هذا المقصد، ويهيء لهم فوزاً ونجاحاً بعون الله الذي ما خاب قاصده، وهو ربي إليه أدعو واليه أنيب [١].

* * *

ويقول تحت عنوان: «إذا أراد الله بقوم خيرا جمع كلمتهم» داعيا الإيرانيين والأفغان إلى التعاون والاتحاد.

سرّنا من الجرائد الفارسية صدقها في خدمة أوطانها واعتدالها في مشاربها وزادنا مسرّة اهتمامها بترجمة بعض الفصول المهمة من جريدتنا ونقلها إلى اللسان العذب الفارسي مما تظن فيه تنبيهاً لأفكار المسلمين، واستلفاتاً لعقولهم إلى ما فيه خيرهم، فلها منا ومن كل مخلص في محبة ملته أوفر الشكر، خصوصاً جريد « «اطلاع» التي تطبع في مدينة «طهران» وهذا المنهج القويم مما تعم به الفائدة في جميع الأقطار الإسلاميّة، فإن جميعها بعد بلاد العرب، وان اختلفت ألسنة سكانها باختلاف شعوبهم إلاّ أنهم ينطقون باللغة الفارسية، فهي في الشرق كاللسان الفرنساوي في الغرب، وكان بودنا أن يعززوا أفكارنا بما تجود به قرائحهم السليمة، وأذهانهم الصافية، وترشدهم إليه عقولهم العالية، خصوصاً فيما يتعلق بالدعاء للوحدة الإسلاميّة، وإحياء الرابطة الملية بين المسلمين، لا سيما في الاتفاق بين الإيرانيين والأفغانيين.

هاتان طائفتان هما فرعان لشجرة واحدة، وشعبتان ترجعان لأصل واحد هو الأصل الفارسي القديم، وقد زادهما ارتباطاً اجتماعياً في الديانة الحقة الإسلاميّة ولا يوجد بينهما إلاّ نوع من الاختلاف الجزئي لا يدعو إلى شق العصا، وتمزيق

١ - نفس المصدر: ١٣٨ - ١٤٤.

(٢١٦)

نسيج الاتحاد، وليس بسائغ عند العقول السليمة أن يكون مثل هذا التغاير الخفيف سببا في تخالف عنيف.

ليس ببعيد على همم الإيرانيين وعلو أفكارهم أن يكونوا أول القائمين بتجديد الوحدة الإسلاميّة، وتقوية الصلات الدينية، كما قاموا في بداية الإسلام بنشر علومه، وحفظ أحكامه وكشف أسراره، وما قصروا في خدمة الشرع الشريف بأية وسيلة.

نعم البخاري ومسلم والنيسابوري والنسائي والترمذي وابن ماجه وأبو داود والبغوي وأبو جعفر البلخي والكليني وغيرهم ممن أنبتتهم أراضي إيران، أبو بكر الرازي الطبيب الشهير والإمام فخر الدين الرازي ممن نشأوا في طهران، أبو حامد الغزالي حجة الإسلام، وأبو اسحق الاسفراييني، والبيضاوي، وخواجه نصير الدين الطوسي، والأبهري وعضد الملة والدين، وغيرهم من علماء الكلام والأصول مممن تفتخر بهم بلد فارس وهم فخار للمسلمين، الفيلسوف الشهير أبو علي بن سينا، وشهاب الدين المقتول، ومن على شاكلتهم ممن جبلوا من تراب فارس. أن أهل فارس كانوا من أول القائمين بخدمة اللسان العربي وضبط أصوله، وتأسيس فنونه، منهم سيبويه، وأبو علي الفارسي، والرضي، ومنهم عبد القاهر الجرجاني، مؤسس علوم البلاغة لبيان إعجاز القرآن، وفهم دقائقه على قدر الطاقة البشرية، وصاحب صحاح الجوهري من إحدى قراهم، ومجد الدين الفيروزآبادي، من إحدى بلدانهم، الزمخشري، والسكاكي، وأبو الفرج الأصفهاني، وبديع الزمان الهمداني، وغيرهم ممن بينوا دقائق القرآن، وشيدوا معالم الدين، كلهم من ارض فارس.

الطبري أول المؤرخين، والاصطخري، والقزويني، أول الجغرافيين، كانوا من بلاد فارس، الشبلي كان من نهاوند، وأبو يزيد البسطامي كان من بسطام، و الأستاذ الهروي وهو الأستاذ الحقيقي للشيخ محيي الدين بن العربي، كان من هراة ولكها بلاد إيران.

هل يُنسى صدر الشريعة وفخر الإسلام البزدوي والآمدي، والمرغيناني، والسرخسي، والسعد التفتازاني، والسيد الشريف والأبيوردي، وكلهم مَنَّ أبناء فارس، من أين كان القطب الشيرازي، والصدر الشيرازي، ورأس الحكمة في

(٢١٧)

المتأخرين مير باقر الداماد، ومير فندركسى وغيرهم كانوا من بلاد فارس؟ أي فضل كان ولم يكن لهم فهي اليد الطولى، أي مزية من الله بها على الإسلام ولم يكونوا من السابقين لاقتنائها، نعم وفيهم جاء من قول النبي - صلى الله عليه وآله - «لو كان العلم في الثريا لنا له رجال من فارس».

فيا أيها الفارسيون تذكروا أياديكم في العلم، وانظروا إلى آثاركم في الإسلام، وكونوا للوحدة الدينية دعامة، كما كنتم للنشأة الإسلاميّة وقاية، أنتم بما سبق لكم أحق الناس بالسعي في استرجاع ما كان لكم في فتوة الإسلام، أنتم أجدر المسلمين بوضع أساس للوحدة الإسلاميّة، وما ذلك ببعيد على طيب عناصركم وقوة عزائمكم [١]، أظن لا يخفى عليكم أن هذا الوقت هو أحسن الأوقات لندائكم بالوحدة مع الأفغانيين والتحالف معهم على مقاومة العادين، لتكونوا بالاتحاد معهم حصناً حصيناً، وحرزا منيعاً، تقف دونه أقدام الطامعين، أظنكم لم تنسوا أن استيلاء الإنجليز على الممالك الهندية، إنّما تم بوقوع الخلاف بينكم وبين الأفغانيين.

هل يخفى عليكم أن كل مسلم في الهند شاخص بصره إلى طرف بنجاب ينتظر قدومكم إذا اتحدتم مع إخوانكم الأفغانيين، حصلت لكم تجارب كثيرة وشهدتم من مظاهر الحوادث ما فيه أكمل عبرة، فهل يصح بعد هذا أن تستمروا على التجافي والتباعد مع علمكم أن الوحدة منبت الشوكة.

هذا آن التآخي والتوافق، هذه أوقات التحالف والتواثق، أحاط الأعداء ببلادكم، شرقا وغرباً وكل يشحذ سيفه ويسدد سهمه، حتّى تمكنه الفرصة من شن الغارة على أطراف بلادكم، فلو ضاعت الفرصة في هذا الوقت فربما لا تصادفونها في غيره، الإنجليز في ارتباك شديد في المسألة المصرية مع ضعفهم في القوة

١ - المقال يحث الإيرانيين أن يستعبدوا مجدهم الإسلامي وسالف عهدهم في خدمة الإسلام. أي إنه يستنهض الشعب الإيراني من منطلق الأصالة الإسلاميّة، وهذا الخطاب يختلف كل الاختلاف عن أسلوب «المثقفين» المتغربين، الذين كانوا يدعون الإيرانيين إلى استعادة أمجادهم الاخمينيين والساسانيين. (انظر دراسة الدكتور ولايتي في هذا العدد بشأن لغة المتغربين) - التحرير.

(٢١٨)

العسكرية، ومتورطون باختلاف الدول عليهم ومعاكساتها لمقاصدهم.

الأمير عبد الرحمن خان أمير أفغانستان على ما نعهده من أول شيبوبته أشد الناس عداوة للانجليز، وبينه وبينهم حزازات لا تزول، بل نقول إن عداوة الإنجليز سارية في عروق الأفغانيين عموماً ممتزجة بدمائهم، فلو حصل الاتفاق الآن بين سلطنة الشاه وبين إمارة الأفغان، لوجدت قوة إسلامية جديدة في المشرق بين سائر الطوائف الإسلاميّة، وينبعث فيهم وفي سائر المسلمين حياة جديدة، وتتجدد لهم آمال جليلة، وتنتعش بذلك أرواح المؤمنين، هذا وقت تنبهت فيه أفكار الأفغانيين إلى أعمال جيرانهم في المسألة المصرية، وتحركت فيهم السواكن، وهي أعظم فرصة لأهل فارس في دعوتهم للاتحاد معهم.

هذا عمل من أجل الأعمال وأجزلها فائدة، وإن من أكبر الفضل أن يقوم أهل الفضل من أهالي إيران بتحرير الفصول ونشر الرسائل في بيان فوائد الاتفاق بين الطائفتين، وإن لذلك لأثراً عظيماً في النفوس خصوصاً إن كانت من أقلام العلماء الاعلام، والمجتهدين الكرام.

العالم الإنساني عالم الفكر والكلام فأحكام الفكر الصالح ونشره في الكتب والرسائل والجرائد مما يؤثر أجمل الأثر في تهذيب الناس وتثقيف عقولهم، وإزالة الضغائن المفسدة لمعاشهم ومعادهم، فإذا قام المستبصرون وخطبوا ووعدوا، وكتبوا ونشروا، مع الوقوف عند الحدود الدينية، والأصول الشرعية، كان فضل الله كافلاً لهم النجاح.

أي فرق بين الأفغانيين وإخوانهم الإيرانيين، كل يؤمن بالله وبما جاء به محمد - صلى الله عليه وآله - عبد الرحمن خان بما أكسبته التجارب أول من يتقدم لهذا الاتفاق، ولا نشك أن شاه إيران لما اطلع عليه في سياحاته وشاهده في أسفاره لا يأبى المبادرة إليه والسعي فيه، إن الباديء بالعمل في هذا المقصد الأسمى هو صاحب الفضل الأعظم بين المسلمين خصوصاً وبين العالم عموماً ويجني ثمرته في وقت قريب.

كان الألمانيون يختلفون في الدين المسسيحي على نحو ما يختلف الإيرانيون مع الأفغانيين في مذاهب الديانة الإسلاميّة، فلما كان لهاذ الاختلاف الفرعي أثر في

(٢١٩)

الوحدة السياسية، ظهر الضعف في الأمة الألمانية، وكثرت عليها عاديات جيرانها، ولم يكن لها كلمة في سياسة أوروبا، وعندما رجعوا إلى أنفسهم وأخذوا بالأصول الجوهرية، وراعوا الوحدة الوطنية في المصالح العامة، أرجع الله إليهم من القوة والشوكة ما صاروا به حكام أوروبا وبيدهم ميزان سياستها.

ورجاؤنا في الأفاضل الكرام صاحب جريدة (فرهنگ) الاصفهانية، وصاحب جريدة «اطلاع» الطهرانية وسائر أرباب الجرائد الإيرانية أن يوجهوا أفكارهم إلى هذا المطلب الرفيع، ويجعلوا له محلاً فسيحاً في جرائدهم، وينشروها في بلادهم، وبلاد الأفغان، باللسان الفارسي، وهو لسان الطائفتين، وما هي إلاّ أيام ثم نرى علائم النجاح إن شاء الله رب العالمين [١]

١ - إن القوى المتفرعنة في العالم تدرك ما لاتحاد إيران وأفغانستان من أثر عظيم في ميزان القوى العالمية وفي شوكة المسلمين، ولذلك فإن أفغانستان تتعرض مع الأسف الشديد لغارات أجنبية على يد أبنائها بمسميّات مختلفة وتحت لافتات مختلفة، يسارية تارة، وإسلامية متطرفة!! تارة أخرى ليس المهم نوع اللافتة، بل المهم أن لا يكون هناك وفاق بين الشعب الأفغاني نفسه، ولا بينه وبين جيرانه الإيرانيين (التحرير).



[ Web design by Abadis ]