ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 جمال الدين الأفغاني و طريق النهوض و الاستنارة بالإسلام \ الدكتور محمد عمارة

جمال الدين الأفغاني (١٢٥٤ - ١٣١٤ هـ ١٨٧٩ - ١٩٢٨ م) هو جمال الدين بن صفتر بن علي بن مير رضي الدين محمد الحسيني.

أعظم رواد اليقظة الإسلاميّة الحديثة، وأبو الصحوة الإسلاميّة المعاصرة، وأبرز قادة الحركة الإصلاحية الإسلاميّة، ومن طلائع المجددين للفكر الإسلامي في العصر الحديث…

عربي الأصل، هاشمي النسب، يرتفع نسبه إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.

ولد في «أسعد أباد» بخطة «كنر» من أعمال «كابل» ببلاد الأفغان [١] في أسرة ذات نفوذ سياسي وأداري وفي الثامنة من عمره انتقل - مع الأسرة - إلى العاصمة

* - باحث ومفكر مصري، من بحوث مؤتمر الذكرى المئوية للسيد جمال الدين الأسد آبادي المعروف بالأفغاني - شوّال ١٣١٧ هـ.

١ - اختلف الباحثون في مولد السيد جمال الدين ونشأته وأصل أسرته وظهر هذا الخلاف في الأوراق المقدمة إلى مؤتمر طهران الذي انعقد بمناسبة ذكراه المئوية. ونعتقد أن التركيز على هذه المسألة لا جدوى فيه، خاصة وأن حياته ارتبطت بكل العالم الإسلامي من شرقه في الهند إلى غربه في الشمال الأفريقي. كثير من الأوراق استدلت على أنّه إيراني من أسرة إيرانية سكنت في مدينة «أسد آباد» بمحافظة همدان، ولا يزال أفراد هذه العائلة موجودين في هذه المدينة (التحرير).

(١٧٠)

«كابل» عندما خشى أمير البلاد «دوست محمد خان» نفوذ أسرته في منطقتها… وفي «كابل» أشرف والده على تعليمه. وعندما بلغ الثامنة عشرة من عمره كان قد درس مباديء العلوم العربية والتاريخ وعلوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول وكلام وتصوف، والعلوم العقلية، من منطق وحكمة عملية سياسية ومنزلية وتهذيبية، وحكمة نظرية طبيعية والهية، والعلوم الرياضية من حساب وهندسة وجبر وهيئة أفلاك، وأيضا نظريات الطب والتشريح!».

وبحكم الشتات الذي فرض على أسرته، أتيحت له فرص الدراسة في «الحوزات العلمية» بالعراق، والسياحة في الهند والإقامة حيناً من الدهر في إيران - مع الأسرة المهاجرة في «أسد آباد».

ولقد أجاد من اللغات، غير العربية والفارسية والأفغانية: التركية والفرنسية، مع إلمام بالإنجليزية والروسية.

وفي ظل حكم الأمير الأفغاني الوطني «محمد أعظم خان» تولى جمال الدين منصب «الوزير الأول» - رئيس الوزراء - وقاد معارك حربية ضد الغزو الإنجليزي لبلاد الأفغان… فلما هزم «محمد اعظم خان»، وحكم خصمه، الموالي للإنجليز، «شير علي» بدأت سياحة جمال الدين في عالم الإسلام… فتنقل من الهند إلى مصر إلى الآستانة إلى الحجاز إلى العراق إلى إيران إلى روسيا إلى باريس ولندن، داعيا إلى الإحياء والتجديد للفكر الإسلامي، والى إيقاظ الأُمة الإسلاميّة من سباتها، وفك قيود الجمود والتقليد، والإقلاع من التخلف الموروث إلى النهوض الإسلامي، لمواجهة الإعصار الاستعماري الغربي الزاحف على ديار الإسلام… وكان - في سبيل ذلك - مذكيا لمنهاج الشورى والحرية في إدارة شؤون الأُمة وتدبير سياسات حكوماتها، وموقداً للثورات في وجه الاستبداد الداخلي والاستعمار الغربي الزاحف على الشرق الإسلامي…

ومع إيمانه بدور العامة والجماهير في الثورة والإصلاح، فلقد كان أبرز صناع النخبة والصفوة الإسلاميّة، التي قادت حركة الجامعة الإسلاميّة على امتداد وطن العروبة وعالم الإسلام لعدة قرون، مجدداً للفكر، وقائداً لحركات التحرر الوطني،

(١٧١)

وداعية إلى الإصلاح الاجتماعي، ومفجرا للعديد من الثورات… حتّى لقد كانت صناعته الأولى هي صناعة الرجل !

ولقد كانت السنوات التي عاشها الأفغاني بمصر (١٢٨٨ - ١٢٩٦ هـ ١٨٧١ - ١٨٧٩ م) - هي أخصب السنوات في تاريخ إنجازاته الفكرية والسياسية…ففيها ربي نخبة من العقول التي جددت فكر الإسلام وحياة المسلمين - وفي مقدمتهم الإمام محمد عبده (١٢٦٥ - ١٣٢٣ هـ ١٨٤٩ - ١٩٠٥ م) - وشرح من كتب الفلسفة والكلام والمنطق ما أعاد للحياة الفكرية قسمة العقلانية الإسلاميّة، التي غابت عنها منذ عصر التراجع الحضاري للمسلمين… ونشأت على يده مدرسة في الصحافة الأهلية الحرة - غير الحكومية - وتيار شعبي لمعارضة الاستبداد الداخلي، وللثورة على النفوذ الأجنبي - الاقتصادي والسياسي والعسكري - الزاحف على ديار الإسلام… بل لقد عرفت مصر - على يديه وبقيادته - طلائع التنظيمات السياسية ـ (الحزب الوطني الحر) - في تلك الفترة المبكرة من نشأة الأحزاب….

وبضغوط من الدول الاستعمارية - وخاصة إنجلترا، التي كانت تحضر لاحتلال مصر - خضع الخديو توفيق (١٢٦٨ - ١٣٠٩ هـ ١٨٥٢ - ١٨٩٢ م) فنفى جمال الدين من مصر (١٢٩٦ هـ ١٨٧٩ م) - زاعماً أن الأفغاني يقود جماعة من ذوي الطيش، مجتمعة على فساد الدين والدنيا !!…. فذهب جمال الدين - منفيا - إلى الهند - وهي مستعمرة إنجليزية - فمكث فيها، محددة قامته من قبل حكومتها الإنجليزية، حتّى تمت هزيمة الثورة العرابية، واحتلال الإنجليز لمصر (١٢٩٩ هـ ١٨٨٢ م) … وعندئذ سمح له الإنجليز بمغادرة الهند، فسافر إلى باريس - العاصمة المنافسة لإنجلترا - وهناك لحق به الشيخ محمد عبده - وكان منفيا بيروت، بعد هزيمة العرابيين ومحاكمتهم… ومن باريس أصدرا مجلة (العروة الوثقى) لتعبر عن فكر وسياسة التنظيم السري الذي أقامه الأفغاني، لمواجهة الاستعمار الإنجليزي، وإنهاض المسلمين… وهو التنظيم الذي امتدت «عقوده - خلاياه» إلى أغلب بلاد المسلمين - وخاصة مصر والهند - والذي استقطب صفوة العلماء المجددين والأمراء والساسة المجاهدين - تنظيم (جمعية العروة الوثقى) - فكان هذا التنظيم ومجلته أهم مدارس

(١٧٢)

الوطنية الإسلاميّة والبحث الحضاري الإسلامي، التي تربى فيها وتعلم منها واستضاء بمنهاجها دعاة اليقظة والتجديد والإصلاح والثورة على امتداد عالم الإسلام…

ولقد انتهى المطاف بالأفغاني - بعد أن زرع التجديد والإحياء والثورة في أرجاء العالم الإسلامي… وبعد أن صنع على عينه جيلا من القادة والعلماء والثوار والمجددين - انتهى به المطاف إلى «القفص السلطاني الذهبي» إلى «الآستانة» !… لكنه، وهو النسر المستعصي على قيود السلاطين، وأسوار المدن، وجغرافية الأوطان، حاول تحرير إرادة السلطان عبد الحميد (١٢٥٨ - ١٢٢٦ هـ ١٨٤٢ - ١٩١٨م) من قبضة حاشيته الغارقة في الرجعية والفساد… وسعى إلى بعث الروح في الحركة الجامعة الإسلاميّة، لمناهضة الزحف الاستعماري على ولايات الدولة العثمانية… وتطلع إلى سد ثغرة الشقاق المذهبي والسياسي بين إيران ودولة الخلافة الإسلاميّة، لقطع الطريق على الاستعمار، الذي يخترق الوجود الإسلامي من مثل هذه الثغرات !….

وظل الأفغاني قائما بفريضة الجهاد على هذه الجبهات - التجديد الفكري… واليقظة العلمية…. والتصدي للاستعمار…. وكسر قيود الاستبداد - حتّى وافاه الأجل، فلقى ربه - في الساعة السابعة والدقيقة الثالثة عشرة، من صبيحة يوم الثلاثاء ٥ شوال ١٣١٤ هـ ٩ مارس ١٨٩٧ م ـ… ودفن في الآستانة…. نقل جثمانه - بعد سنوات - إلى بلاده الأفغان.

* * *

ولقد ترجم له، وتحدث عنه أعرف الناس به، وأقربهم إليه: الإمام محمد عبده، فقال، ضمن ما قال:

«هو السيد محمد جمال الدين، بن السيد صفتر، من بيت عظيم من بلاد الأفغان….

حنفي حنيفي، وهو وإن لم يكن في عقيدته مقلدا، لكنه لم يفارق السنة الصحيحة، مع ميل إلى مذهب السادة الصوفية… يمثل لناظره عربيا محضا من أهالي الحرمين، فكأنما قد حفظت له صورة آبائه الأولية سكنة الحجاز….

(١٧٣)

وكان مقصده السياسي، مدة حياته: انهاض دولة إسلامية من ضعفها، حتّى تلحق الأُمة بالأمم العزيزة والدولة بالدول القوية، فيعود للإسلام شأنه وللدين الحنيفي مجده…

أما أخلاقه، فسلامة في القلب سائدة في صفاته، وحلم عظيم يسع ما شاء الله أن يسع، إلى أن يدنو منه أحد ليمس شرفه أو دينه فينقلب الحلم إلى غضب تنقص منه الشهب ! فبينما هو حليم أوّاب إذا هو أسد وثاب! وهو كريم، يبذل ما بيده، قوي الاعتماد على الله، لا يبالي ما تأتي به صروف الدهر. عظيم الأمانة ِ، سهل لمن لاينه، صعب على من خاشنه. طموح إلى مقصده السياسي… إذا لاحت له بارقة منه تعجل السير للوصول إليه - وكثيرا ما كان التعجل علة الحرمان!.

وهو قليل الحرص على الدنيا، بعيد من الغرور بزخارفها، ولوع بعظائم الأمور، عزوف عن صغارها، شجاع مقدام، لا يهاب الموت، كأنه لا يعرفه!.

إلاّ أنّه حديد المزاج - وكثيرا ما هدمت الحدة ما رفعته الفطنة!…. إلاّ أنّه صار في رسوّ الأطواد وثبات الأوتاد! فخور بنسبه إلى سيد المرسلين - صلى الله عليه وآله - لا يعد لنفسه مزية أرفع ولا عزا أمنع من كونه سلالة ذلك البيت الطاهر…

ولو قلت: إن ما آتاه الله من قوه الذهن وسعة العقل ونفوذ البصيرة هو أقصى ما قدر لغير الأنبياء، لكنت غير مبالغ!… فكأنه حقيقة كلية، تجلت في كل ذهن بما يلائمه، أو قوة روحية، قامت لكل نظر بشكل يشاكله!.

لقد أُتيت من لدنه حكمة أقلب بها القلوب وأعقل العقول…! وأعطاني حياة أشارك بها محمداً وإبراهيم والأولياء والقديسين!!…» [١].

وإذا كانت هذه الكلمات - للإمام محمد عبده… عن جمال الدين الأفغاني - هي سطور من الصفحات التي كتبها أخبر الناس بالأفغاني، وأقربهم إليه، وأعرفهم به وأنضج الثمرات لأطيب البذور والتي غرسها هذا الفيلسوف العظيم… فلقد كانت رؤية

١ - الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ٢: ٣٣٦ - ٣٤٥. دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة. طبعة القاهرة ١٩٩٣م.

(١٧٤)

الأفغاني لنفسه من البساطة بحيث تفتح البصائر على حقيقة الحياة التي عاشها والآثار التي تركها هذا الإنسان العظيم… لقد رأى نفسه «درويشا فقيرا، عابرا في هذه الحياة» ! وكان يناجي نفسه فيقول: «أنت أيها الدرويش الفاني! مم تخشى؟ !… اذهب وشأنك، ولا تخف من السلطان، ولا تخش الشيطان!! إنه سيان عندي طال العمر أو قصر… فإن هدفي أن أبلغ الغاية، وحينئذ أقول: فزت ورب الكعبة !…» [١].

تلك سطور موجزة في سيرة العظيم جمال الدين!.

الاستنارة بالإسلام… لا بالغرب

وإذا كانت الحديث عن ميادين الإصلاح، الذي دعا إليه جمال الدين الأفغاني، إنّما يحتاج إليه مجلدات - وهو قد كتب فيه الكثير - فإن مقاصد هذه الصفحات هي الإشارة إلى المنطلقات التي انطلق منها الأفغاني إليه هذا الإصلاح.

فقبل عصره، لم تكن هناك مرجعية للاصلاح والاجتهاد والتجديد والتغيير سوى الاسلام في سائر بلاد المسلمين… فكل المذاهب كانت إسلامية، وكذلك كان سائر المصلحين والمجددين… لكن الأفغاني عاش وجاهد وسعى إلى الإصلاح في عصر اقتحمت فيه المرجعية الحضارية الغربية - الوضعية… المادية… اللادينية - أي العلمانية - ساحات ديار الإسلام… وأصبح لهذه المرجعية الغربية - كما تمثلت في «فلسفة التنوير الغربي العلماني» دعاة وأنصار ومبشرون، يدعون إلى استبدالها - في النهضة - بالإسلام، ويفضلون الاستنارة بأنوارها على الاستنارة بالإسلام.

لقد وجد الأفغاني نفسه أمام خيارين في «المرجعية النهضوية»، وإزاء «نموذجين للتنوير»:

ألف - التنوير الغربي - الوضعي… وأحيانا المادي - الذي أقام قطيعة معرفية مع الموروث الديني، وذلك عندما أحل فلاسفته العقل والعلم والفلسفة محل الله

١ - الأعمال الكاملة لجمال الدين الأفغاني، ١: ٤٨ دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة. طبعة بيروت ١٩٧٩ م.

(١٧٥)

والكنيسة واللاهوت… وأعلنوا أنّه لا سلطان على العقل إلاّ للعقل وحده…. وجاهروا بأن استخدام المصطلحات الدينية لا يعني التخلي عن هذه القطيعة المعرفية مع الدين… «فبعد أن كان المسيحي حريصا على طاعة الله وكتابه، ولم يعد الإنسان يخضع إلاّ لعقله… فأيديولوجية التنوير قد أقامت القطيعة الابستمولوجية (المعرفية) الكبرى التي تفصل بين عصرين من الروح البشرية: عصر الخلاصة اللاهوتية للقديس (توما الأكويني)، وعصر الموسوعة لفلاسفة التنوير… فمند الآن فصاعدا راح الأمل بمملكة الله ينزاح لكي يخلى المكان لتقدم عصر العقل وهيمنته. وهكذا راح نظام النعمة الإلهية يتمحي ويتلاشى أمام نظام الطبيعة… لقد أصبح الإنسان وحده مقياسا للإنسان… وأصبح حكم الله خاضعا لحكم الوعي البشري، الذي يطلق الحكم الأخير باسم الحرية… ويمكن للمعجم اللاهوتي القديم أن يستمر ولكنه لم يعد يوهم أحدا، فنفس الكلمات لم يعد لها نفس المعاني»؟ ! [١].

وجدت أمتنا - وهي تتحسس طريقها لليقظة والنهوض - نفسها أمام هذا الخيار للتنوير الغربي - الوضعي… العلماني - الذي يقيم قطيعة معرفية مع الدين، ويفرغ مصطلحات المعجم الديني - إذا هو استخدمها - مما لها من مضامين !‍‍!…

ب - وبين «التنوير الإسلامي»، الجامع بين الشرع والعقل… بين الحكمة والشريعة… بين آيات الله المنزلة وآياته المبثوثة في الأنفس والآفاق…

ولقد اختارت مدرسة الإحياء والتجديد التي تبلورت من حول موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام جمال الدين الأفغاني (١٢٥٤ - ١٣١٤ هـ ١٨٢٨ - ١٩٩٧ م) - اختارت لأمتنا هذا الطريق… طريق الاستنارة والتنوير بالإسلام، وليس بالقطيعة المعرفية مع الإسلام. فهي قد رفضت غلو الجمود والتقليد، حتّى ولو كان أصحابه قد امتازوا بتنقية العقيدة من البدع والإضافات والخرافات، لأنهم بمعاداة العقلانية

١ - أميل بولا (الحرية، العلمنة: حرب شطري فرنسا ومبدأ الحداثة) منشورات سيرف. باريس ١٩٨٧ م - نقلا عن هاشم صالح - مجلة الوحدة - الرباط - عدد فبراير - مارس ١٩٩٢م - ص ٢٠، ٢١.

(١٧٦)

الإسلاميّة لم يتجاوزوا مواقع التقليد، الذي جنى على حضارتنا العربية الإسلاميّة «فهذا الدين يطالب المتدينين أن يأخذوا بالبرهان في أصول دينهم، وكلما خاطب، خاطب العقل، وكلما حاكم، حاكم إلى العقل، تنطق نصوصه بأن السعادة من نتائج العقل والبصيرة، وأن الشقاء والضلالة من لواحق الغفلة وإهمال العقل وانطفاء نور البصيرة… فالعقل مشرق الإيمان، ومن تحول عنه فقد دابر الإيمان» [١].

وفي نفس الوقت، رفضت هذه المدرسة الإحيائية التجديدية عقلانية التنوير الغربي، تلك التي تأسست على النزعة الوضعية والمادية… فوجهت شديد النقد لفلاسفة التنوير الغربي - من مثل «فولتير» (١٦٩٤ - ١٧٧٨ م) و «رسو» (١٧١٢ - ١٧٧٨ م) - وقالت عند هذا التنوير: أنّه قد بعث مذهب اللذة… والدهرية… وبعبارة الأفغاني: فلقد ظهر «ولتير وروسو» يزعمان حماية العدل ومغالبة الظلم، والقيام بإنارة الأفكار وهداية العقول، فنبشا قبر «ابيقور» الكلبي (٣٤١ - ٢٧٠ ق. م) واحييا ما بلى من عظام الدهريين، ونبذا كل تكليف ديني، وغرسا بذور الإباحية والاشتراك، وزعما أن الآداب الإلهية جعليات خرافية، كما زعما أن الأديان مخترعات أحدثها نقص العقل الإنساني، وجهر كلاهما بإنكار الألوهية، ورفع كلّ عقيرته بالتشنيع على الأنبياء… فأخذت هذه الأباطيل من نفوس الفرنساويين… فنبذوا الديانة العيسوية… وفتحوا على أنفسهم أبواب الشريعة المقدسة (في زعمهم) شريعة الطبيعة. ولقد بذل نابليون الأول جهده في إعادة الديانة المسيحية إلى ذلك الشعب، استدراكا لشأنه، لكنه لم يستطع محو آثار تلك الأضاليل…» [٢].

ذلك هو رأي مدرسة التجديد الإسلامي في فلاسفة الأنوار الغربيين وفي تنويرهم المادي العلماني… ثم هي قد وجهت شديد النقد للمقلدين - من مثقفينا - لهذا التنوير الغربي… فالمقلدون لتمدن الأمم الأخرى - كما يقول الأفغاني ـ: «ليسوا أرباب تلك العلوم التي ينقلونها، وإنما هم حلمة، نقلة !… لا يراعون فيها النسبة بينها

١ - جمال الدين الأفغاني «الأعمال الكاملة» ص ١٧٧ - دراسة وتحقيق: د. محمد عمارة. طبعة القاهرة ١٩٦٨م.

٢ - المصدر السابق: ص ١٦١ - ١٦٢.

(١٧٧)

وبين مشارب الأُمة وطباعها…. وهم ربما لا يقصدون إلاّ خيرا، إن كانوا من المخلصين !… لكنهم يوسعون بذلك الخروق حتّى تعود أبوابا… لتداخل الأجانب فيهم… فيذهبون بأمتهم إلى الفناء والاضمحلال وبئس المصير» ! [١].

بل إن الاستعارة والتقليد للنموذج الأجنبي - إذا كان الأجنبي غازيا مستعمرا - قد تتحول إلى ثغرات اختراق للأمن الوطني والقومي والحضاري «فمتى طرق الأجانب أرضّا لأية أمة، ترى هؤلاء المتعلمين المقلدين فيها أول من يقبلون عليهم ويعرضون أنفسهم لخدمتهم…. كأنما هم منهم، ويعدون الغلبة الأجنبية في بلادهم أعظم بركة عليهم… ولقد علمتنا التجارب أن المقلدين من كل أمة، المنتحلين أطوار غيرها، يكونون فيها منافذ لتطرق الأعداء إليها… وطلائع لجيوش الغالبين وأرباب الغارات، ويمهدون لهم السبيل، ويفتحون الأبواب، ثم يلبون أوامرهم…» ! [٢].

وبع النقد والنقص والرفض لفلسفة الأنوار الغربية… والإدانة لتقليدها واستعارتها سبيلا لنهضتنا… قدمت مدرسة الإحياء والتجديد المذهبَ الإسلامي في النهضة، المستنير بالتنوير الإسلامي، بديلا عن غلوى الإفراط والتفريط (جمود المتنكرين للعقل والمنكرين للعقلانية… وأنصار التأليه للعقل، الذين استبدلوه بالدين).

* فالإسلام هو الحافز على النهوض… وليس عقبة في سبيله، ذلك «أن الدين قد أكسب عقول البشر ثلاث عقائد، وأودع نفوسهم ثلاث خصال، كل منها ركن لوجود الأمم وعماد لبناء هيئتها الاجتماعية وأساس محكم لمدنيتها، وفي كل منها سائق يحث الشعوب والقبائل على التقدم لغايات الكمال والرقي إلى ذرى السعادة:

العقيدة الأولى: التصديق بأن الإنسان مَلَك ارضي، وهو أشرف المخلوقات…

والثانية: يقين كل ذي دين بأن أمته أشرف الأمم…

والثالثة: جزمة بأن الإنسان إنما ورد هذه الحياة الدنيا لاستحصال كمال يهيئه للعروج إلى عالم أرفع وأوسع من هذا العالم الدنيوي…» [٣]

١ - المصدر السابق: ص ١٩١ - ١٩٧.

٢ - المصدر السابق: ص ١٩٥ - ١٩٧.

٣ - المصدر السابق: ص ١٤١.

(١٧٨)

فعقائد الدين هي الحافز على التقدم والنهوض والتدافع والتسابق والارتقاء.

* وهذا التقدم، الذي يحث عليه الدين - بسبب من توازنه وموازنته بين غرائز وملكات ومكونات الإنسان - هو وحده الكافل تحقيق السعادة لهذا الإنسان «فلم تبق ريبة أن الدين هو السبب المفرد لسعادة الإنسان - السعادة التامة، يذهب بمعتقديه في جواد الكمال الصوري والمعنوي، ويصعد بهم إلى ذروة الفضل الظاهري والباطني، ويرفع أعلام المدنية لطلابها، بل يفيض على التمدن من ديم الكمال العقلي والنفسي ما يظفرهم بسعادة الدارين…. » [١].

* وإذا كانت الأُمة العربية قد نهضت وعزت وسادت - قديما - بالتنوير الإسلامي… فإنه وحده، دون سواه، السبيل إلى إصلاح الخلل الحضاري الذي طرأ على مسيرتها… «أرسل فكري إلى نشأة الأُمة التي خملت بعد نباهة… وأطلب أسباب نهوضها الأول… إنه دين قويم الأصول، محكم القواعد، شامل لأنواع الحكم، باعث على الإلفة، داع إلى المحبة، مزين للنفوس، مطهر للقلوب من أدران الخسائس، منور للعقول بإشراق الحق من مطالع قضاياه، كافل لكل ما يحتاج إليه الإنسان من مباني الاجتماعات البشرية، وحافظ وجودها، ويتأدى بمعتقديه إلى جميع فروع المدنية… فإن كانت هذه شرعة تلك الأُمة، ولها وردت وعنها صدرت، فما تراه من عارض خللها، وهبوط عن مكانتها، إنّما يكون من طرح تلك الأصول ونبذها ظهريا ففلاحها الناجع ! إنّما يكون برجوعها إلى قواعد دينها، والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته».

* وحق بمنطق «المنفعة - والمصلحة… والجدوى… وفعالية النهضة… وسرعة الإقلاع الحضاري» … فإن طريق التنوير الإسلامي أقرب وأفعل - لأنه الموروث… والمألوف… والحاضر - من ذلك «التنوير الغربي» - الغريب… والذي يستريب منه الجمهور.

وإذا كانت أمتنا قد جربت - عبر القرنين الماضيين - كل تجليات التنوير الغربي

١ - المصدر السابق: ص ١٧٢.

(١٧٩)

ـ من الليبرالية الرأسمالية… إلى الشمولية الشيوعية… إلى القومية الشوفينية، والى الأخلاط التي اصطنعت المزج بين هذه التجليات - فإننا مدعوون إلى تأمل هذا الذي بشرت به مدرسة الإحياء الإسلامي - قبل هذه التجارب الفاشلة - من «أن جراثيم الدين متأصلة في النفوس… والقلوب مطمئنة إليه، وفي زواياها نور خفي من محبته، فلا يحتاج القائم بإحياء الأمة إلا إلى نفخة واحدة يسري نفسها في جميع الأرواح لأقرب وقت. فإذا قاموا، وجعلوا أصول دينهم الحقة نصب أعينهم، فلا يعجزهم أن يبلغوا في سيرهم منتهى الكمال الإنساني…»

* بل لقد بلغ الاعتقاد - عند مدرسة الإحياء والتجديد - بأن التنوير الإسلامي هو السبيل المفرد والطريق الاوحد لنهوض هذه الأُمة… بلغ هذا الاعتقاد حد اليقين… فقال الأفغاني: «… ومن طلب إصلاح أمة شأنها ما ذكرنا بوسيلة سوى هذه، فقد ركب بها شططا، وجعل النهاية بداية، وانعكست التربية، وانعكس فيها نظام الوجود، فينعكس عليه القصد، ولا يزيد الأُمة إلاّ نحسا ولا يكسبها إلاّ تعسا…. » !

ـ فهل كان الرجل يقرأ الحال الذي وصلنا إليه… بعد التجارب الفاشلة التي انزلقنا إليها؟ ! ـ…

إنه يواصل حديثه - متعجبا من هؤلاء الذين سلكوا كل الطرق، سوى طريق التنوير الإسلامي، والنهوض بالإسلام - فيقول: «… ومن يعجب من قولي: - إن الأصول الدينية الحقة تنشيء للأمم قوة الاتحاد، وائتلاف الشمل، وتفضيل الشرف على لذة الحياة، وتبعثها على اقتناء الفضائل، وتوسيع دائرة المعارف، وتنتهي بها إلى أقصى غاية في المدينة - فإن عجبي من عجبه أشد!… ودونك تاريخ الأُمة العربية… وما كانت عليه قبل الإسلام من الهمجية… حتّى جاءها الدين فوحدها، وقواها، ونور عقلها، وقوم أخلاقها، وسدد أحكامها، فسادت على العالم !…» [١].

فهو طريق التنوير الإسلامي… السبيل الطبيعي - والوحيد - لنهوض هذه الأُمة… ولا طريق سواه…

* * *

١ - المصدر السابق: ص ١٩٧ - ١٩٩.

(١٨٠)

وإذا كان لنا - في ختام هذه الدراسة - أن نعقد المقارنة بين «التنوير الإسلامي» - الذي دعا إليه جمال الدين الأفغاني وأعلام الإحياء والتجديد بالإسلام - وبين «التنوير الغربي» - الوضعي… والمادي… والعلماني - الذي قامت على قواعده النهضة الغربية الحديثة… وبشر به في بلادنا المتغربون من مثقفينا - فيكفي أن نستعيد ما سبقت إشارتنا إليه، من أن مقومات «التنوير الإسلامي» هي:

١ - تحرير الإرادة والضمير من العبودية لكل الطواغيت، بافراد الله، سبحانه وتعالى، بالعبودية، وفي ذلك قمة التحرير للإنسان…

٢ - واعتبار القرآن - أي «النقل» - والدين والشرع نورا للبصر والبصيرة - أي «العقل» الإنساني - الأمر الذي ينفي التناقض بينهما… حتّى ليصبح لاغناء ولا استغناء لأحدهما عن الآخر…

٣ - والاستدلال والبرهنة والاعتبار على الحقائق الإيمانية والعقائد الدينية بالآيات الكونية - المبثوثة في الآفاق (الكون) وبآيات الأنفس (الخلق والأحياء والأمانة والبعث) وليس بآيات النقل والغيبيات…

٤ - والحوار والمناجاة - حتّى مع الذات الإلهية - وذلك طلبا لليقين الديني، الذي يطمئن به واليه القلب، وذلك بواسطة التجربة الحسية - كما في حوار الخليل إبراهيم - عليه السلام - مع الله سبحانه وتعالى…

فهو استنارة الإنسان بالعقل والنقل، ليكون له - بالعقل والشرع - نور على نور!…

بينما مقومات ومقولات «التنوير الغربي العلماني» هي - كما صاغها واحد من أبرز الدعاة إليه:

١ - «أن الإنسان (حيوان طبيعي) - اجتماعي، جزء من الطبيعة، وأقرب إلى الحيوان منه إلى الله» … أي ليس مخلوقا لله، نفخ فيه من روحه ثم جعله خليفة له.

٢ - وحصر الاهتمامات الإنسانية بقضايا العالم والطبيعة، لا العالم الآخر وما وراء الطبيعة.

٣ - وتبني «الدين الطبيعي» الذي اخترعه العقل، لا «الدين السماوي». ورد الشعور الديني إلى الخوف الخرافي !…

(١٨١)

٤ - وتحرير العقل من سلطان الدين، ليكون سلطانه مطلقا !

٥ - وإحلال العلم محل الميتافيزيقا، وإحلال التجربة الحسية محل المعرفة النقلية والوجدانية !…

٦ - واعتبار الكفر وظيفة الدماغ، فالمادة مصدر الفكر، وليس هناك نفس في الإنسان !.

٧ - وجعل الإنسان هو «المطلق» بدلا من الله والدين !.

٨ - واستنباط الأخلاق من الطبيعة الإنسانية لا من الدين… وجعل السعادة واللذة، وليس الفضائل الروحية، هي معيارها!.

٩ - وإحلال «الاجتماعية» محل «الدينية» سبيلا للسعادة الدنيوية!…

١٠ - ورد القوانين إلى أصول فزيقية وتاريخية، لا إلى الشريعة الدينية… وتحرير التاريخ من السنن الإلهية [١].

إن المقارنة بين هذين اللونين من التنوير، يضع يدنا على جذر الخلاف وأصل التباين بينهما… فالتنوير الغربي يرى الإنسان حيوانا طبيعيا… بينما يراه الإسلام إنسانا ربانيا، ولذلك تقدم إليه الوضعية الغربية تنويرا يحل فيه العقل محل الله والوحي والدين، بينما يقدم له الإسلام تنويرا يجتمع فيه نور العقل ونور النقل والشرع والدين… فالتنوير الغربي «تنوير طبيعي حيواني» بينما التنوير الإسلامي «تنوير إنساني رباني» !… ومن هنا اختلفت المقومات والمنطلقات والمقاصد والمقولات بين تنوير يستنير فيه الإنسان بالإسلام، وبين تنوير يستغني فيه الإنسان عن الدين ويتجاوز شرائع الله !…

* * *

إن اختلاف المناهج، ومن ثم الحضارات، سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل… ولقد اختار الله سبحانه وتعالى لهذه الأُمة هذا المنهاج في النهضة والإحياء والتجديد، وذلك منذ اللحظة التاريخية والقدسية التي انفرجت فيها السماء عن «النور

١ - د. مراء وهبة، مدخل إلى التنوير: ٢٥ - ٧٠، ط القاهرة ١٩٩٤ م.

(١٨٢)

الملائكي» الحامل لوحي «النور القرآني» إلى «النور النبوي» والذي اكتمل في «نور الإسلام» … فمنذ هذه اللحظة القدسية، في مطلع فجر الليلة المباركة - ليلة القدر - من رمضان ١٣ ق. هـ ٦١٠ م… كان ميلاد «التنوير الإسلامي»، الذي يستنير به كل المستنيرين بنور الإسلام… وانطلاقا من المرجعية الإسلاميّة في «الخيار النهضوي» … واستنارة «بالتنوير الإسلامي»، كانت السنّة الحسنة التي سنّها ودعا إليها جمال الدين الأفغاني… حتّى لقد أصبح إماما ورائدا للعلماء والأعلام والمجاهدين، وللدعوات والحركات التي رفضت التغريب والتبعية الحضارية للغرب، وانطلقت على طريق الإصلاح الإسلامي، تجدد دين الإسلام لتجد به دنيا المسلمين!



[ Web design by Abadis ]