ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دراسة مقارنة في المصطلحات \ الشيخ أحمد المبلغي

إمتثال

التعريف:

١ - الامتثال في اللغة:

يقال: امتثلت مثال فلان: احتذيت حذوه وسلكت طريقه [١].

وأما في الاصطلاح: فقد عرف بتعاريف، منها: الامتثال هو الطاعة. وهذا التعريف لجمع من الأصوليين منهم المرتضى والتوني [٢].

وقد ورد في كثير من كتب الأصوليين ذكر الطاعة والامتثال مترادفين [٣].

ومنها: الامتثال هو الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب [٤].

ومنها: الامتثال: قصد الطاعة بفعل المأمور وترك المنهي [٥].

ويمتاز هذا التعريف عن سابقه بأنه يعم امتثال الأمر والنهي بينما التعريف الثاني يختص بامتثال الأمر.

٢ - مقومات الامتثال:

* - أعدت هذه الدراسة بإشراف مركز البحوث والدراسات العلمية التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة.

١ - لسان العرب ١١: ٦١٤.

٢ - الذريعة، للسيد المرتضى ١ / ٦٣، الوافية، للتوني: ٧١، وأنظر: المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه، للشعراني: ٢٨٤، إشارات الأصول، للكرباسي: ١١٣.

٣ - المستصفى، للغزالي ٢ / ١٢، نزهة الخاطر العاطر في شرح روضة الناظر ١: ١٥٠، شرح مختصر الروضة، للطوفي ١ / ٢٢٢.

٤ - تقريرات المجدد الشيرازي ٢ / ٨٨.

٥ - شرح مختصر الروضة، للطوفي ١ / ١٨٠.

(١٥٠)

ئاعتبر الأصوليون أن تحقق الامتثال يتوقف على توفر أمور وإن ناقش بعضهم في البعض منها، وهي:

أولاً - القصد: ويوجد هنا اتجاهان:

الاتجاه الأول: يرى أن الامتثال لا يتحقق إلاّ بأن يتم فعل المكلف عن قصد [١]. وقد انقسم أصحاب هذا الاتجاه على رأيين:

أ - إن مقومية القصد للامتثال استفيدت من قوله - صلى الله عليه وآله ـ: «إنّما الأعمال بالنيات». ويبدو أن هذا رأي مَن تطرق من أهل السنة إلى هذه المسألة ومن بينهم: الاسنوي، والقرافي [٢].

ب - إن مقومية القصد للامتثال يحكم بها العرف. وهذا رأي الأصوليين من الإمامية، ومن بينهم الأنصاري والقمي [٣]. وحمل بعضهم الرواية الآنفة على كونها ناظرة إلى اشتراط النية في العبادات فقط [٤]، وإن جعلها البعض الآخر - مثل القمي - دليلاً آخر على مقومية القصد [٥].

وهذه النظرة العرفية دفعتهم - أي: الإمامية - إلى أن يبحثوا حول نوعية القصد الذي يراه العرف مقوماً للامتثال فبرز هنا قولان:

القول الأول: إن القصد المعتبر هنا هو قصد الامتثال بمعنى أن يكون غرض المكلف في فعله امتثال التكليف الصادر عن الشارع. وهذا القول يبدو من المحقق القمي [٦].

١ - شرح روضة الناظر ١ - ١٥٠، شرح مختصر الروضة، للطوفي ١ - ١٨٠، مطارح الأنظار، للأنصاري ٦٠ - ٦٤، القوامين المحكمة، للقمي: ٧٤، المدخل إلى عذب المنهل، للشعراني / ٢٨٥ و ٢٨٦، إشارات الأصول: ١١٣.

٢ - نهاية السؤل ١ / ٣١٨ و ٣١٩، انظر الفروق، للقرافي ١ / ١٧٨.

٣ - انظر: مطارح الأنظار: ٦٥ القوانين المحكمة: ٣٣١، المدخل إلى عذب المنهل: ٢٨٦.

٤ - انظر مطارح الأنظار: ٦٤ - ٦٥، القواعد والفوائد، للشهيد الأول ١ / ٧٥.

٥ - القوانين المحكمة: ٣٣١.

٦ - القوانين المحكمة: ٣٣١.

(١٥١)

القول الثاني: إنه يكفي في تحقق الامتثال رجاء حصول الامتثال. بمعنى أن يكون قصد المكلف في فعله التوصل به إلى ما يتحمل كونه تكليفاً [١]. وهذا قول المشهور عند الإمامية [٢].

ويبدو من بعض أصحاب هذا الاتجاه القائل بمقومية القصد للامتثال بأن لا فرق في الاحتياج إلى القصد بين الواجب التعبدي والتوصلي، ومن بين هؤلاء الأنصاري [٣] والقرافي [٤]، بل صرح البعض بذلك ومن جملة هؤلاء القمي [٥]، وكذا الاسنوي كما نقل عنه الشعراني [٦].

ويبدو من كلماتهم أنهم لا يعنون بقولهم هذا وجوب قصد الامتثال في التوصلي إذ إن عدم وجوبه محل وفاق بل يعنون أن الامتثال في التوصلي - كما هو في التعبدي - لا يتحقق إلاّ بالقصد [٧]. ويبقى الفرق بين التعبدي والتوصلي في أن الامتثال في التوصلي ليس بواجب [٨]، إذ ليس غرض الشارع منه إلاّ إيجاده في الخارج بأي نحو كان - أي: وإن لم يكن فعله مقروناً بالقصد - ولكن يترتب الثواب لو قرنه به [٩].

الاتجاه الثاني: يرى أن تحقق الامتثال عرفاً لا يتوقف على أن يكون للمكلف قصد في فعله، وإنما وجب القصد في التعبدي لقيام دليل شرعي من الخارج.

وهذا الاتجاه هو للطباطبائي من الإمامية [١٠] ويستظهره من بعض استدلالات

١ - أنوار الهداية، للإمام الخميني ١ / ١٨٤، منتهى الأصول، للبجنوردي ٢ / ٢١٠.

٢ - مصباح الأصول، للسيد الخوئي ٢ / ٨٢.

٣ - انظر مطارح الأنظار / ٦٠.

٤ - الفروق ١ / ١٢٠.

٥ - القوانين المحكمة: ٧٤، المدخل إلى عذب المنهل: ٢٨٨، وانظر بحر الفوائد، للآشتياني: ٤٣.

٦ - انظر المدخل إلى عذب المنهل: ٢٨٨.

٧ - نفس المصادر.

٨ - مطارح الأنظار: ٦٠.

٩ - انظر القواعد والفوائد، للشهيد الأول ١ / ٨٩، الفروق ١ / ١٢٠، القوانين المحكمة: ٧٤، المدخل إلى عذب المنهل: ٣٩١.

١٠ - مفاتيح الأصول، للطباطبائي: ١٣٢.

(١٥٢)

علمائهم على اشتراط النية في بعض الأفعال وعدمه وكذا يستظهره من استدلال أبي حنيفة على عدم اشتراط النية في الوضوء بإطلاق دليله. وللمزيد يراجع مفاتيح الأصول.

ثانياً: العلم بالتكليف: ويوجد هنا رأيان:

الرأي الأول: يرى بأن العلم بالتكليف مقوم للامتثال، وهذا قول بعض علماء أهل السنة [١] وبعض علماء الإمامية [٢] وعللوا ذلك (أي: اعتبار العلم مقوماً) بأنه لو لم يكن للمكلف علم بصدور التكليف فكيف بإمكانه قصد امتثاله.

الرأي الثاني: يرى بأن الامتثال يصدق حتّى مع عدم العلم بالتكليف. وهذا قول أصحاب القول الثاني حول نوعية القصد المعتبر (أي: الذين ذهبوا إلى الاكتفاء بقصد التوصل إلى مطلوب الشارع) غير أنهم يعدونه امتثالاً احتمالياً يكفي في تحقق الطاعة [٣].

ثالثاً: المباشرة: وقد اعتبرها الأصوليون في موردين:

الأول: فعل المأمور به [٤].

والثاني: نيته [٥]، فلا يعدّ المكلف ممتثلاً ما لم يباشرهما بنفسه، وقد استثنوا منها موارد دل الدليل فيها على عدم المباشرة، كما في موارد جواز النيابة.

٣ - مراتب الامتثال:

اعتبر الأصوليون للامتثال مرتبتين هما:

الأولى - الامتثال العلمي: والمقصود منه إتيان المكلف بالتكليف الذي يعلم صدوره من الشارع، سواء كان بالعلم الوجداني أم الامارات والأصول المحرزة [٦]

١ - الفروق للقرافي ١ / ١٧٨، نزهة الخاطر العاطر ١ / ١٥٠.

٢ - القوانين المحكمة: ٣٣١.

٣ - مصباح الأصول، للخوئي ٢ / ٨١ و ٨٢، منتهى الأصول، للبجنوردي ٢ / ٢١٠، أنوار الهداية ١ / ١٨٢.

٤ - المدخل إلى عذب المنهل، للشعراني: ٢٨٥.

٥ - الفروق، للقرافي ١ / ١٢٩ و ١٣٠، القواعد والفوائد، للشهيد الأول ١ / ١٢٢ و١٢٣.

٦ - انظر فرائد الأصول ١ / ٢٠٩، فوائد الأصول ٢ / ٧٠، أنوار الهداية، للإمام الخميني ١ / ١٧٧.

(١٥٣)

وفيه مرتبتان:

أولاً - الامتثال العلمي التفصيلي: وهو إتيان المكلف بعمل يعلم أنّه المكلف به، كإتيانه بصلاة الظهر المعلوم أنها المكلف بها.

ثانياً - الامتثال العلمي الإجمالي: وهو إتيان المكلف بجميع الأطراف التي يتردد التكليف بينها كإتيانه صلاتي الظهر والجمعة فيما لو تردد الواجب يوم الجمعة بينهما [١].

المرتبة الثانية - الامتثال غير العلمي: والمقصود منه إتيان المكلف بالتكليف الذي لا يعلم صدوره من الشارع. وفيه مرتبتان:

أولاً - الامتثال الظني: وهو الإتيان بالتكليف الذي حصل الظن غير المعتبر أنّه صادر من الشارع [٢].

ثانياً - الامتثال الاحتمالي: وهو الإتيان بالتكليف الذي يحتمل صدوره من الشارع، وقد ذكروا أن الامتثال الاحتمالي يمكن حصوله في موردين [٣]:

المورد الأول - الشبهة البدوية: كما لو احتمل وجوب الدعاء عند رؤية الهلال فأتى به.

المورد الثاني - العلم الإجمالي وإتيان المكلف بطرف من الأطراف فحسب.

٤ - حكم الامتثال:

هناك أحكام تخص الامتثال أهمها ما يلي:

أولا: وجوب امتثال التكليف الشرعي، وهذا موضع اتفاق الجميع. وقد صرح الكثير من اُُصوليي الإمامية وصاحب فواتح الرحموت من أهل السنة بأن الحاكم بوجوب الامتثال هو العقل [٤]. وذكر بعضهم أن أمر الشارع بوجوبه يحمل على كونه

١ - نفس المصادر السابقة.

٢ - أيضاً نفس المصادر السابقة.

٣ - مصباح الأصول ٢ - ٧٩، فوائد الأُصول ٣ / ٧٤.

٤ - المدخل إلى عذب المنهل، للشعراني: ٢٨٥، أنوار الهداية ١ / ١٧٤، فواتح الرحموت ١ / ٦٨، أوثق الوسائل، للتبريزي: ٤٠.

(١٥٤)

إرشادا لحكم العقل [١]. كما صرح جملة من أُصوليي الإمامية بأن للشارع أن يتدخل في كيفية الامتثال [٢] بمعنى أن يقيد الامتثال بشروط معينة زائداً على ما يحكم به العقل، كاعتبار الشارع لزوم خلو العبادة عن أدنى شائبة الرياء [٣].

ثانياً: إن الرأي السائد لدى الأصوليين من الإمامية أنّه لا يصل الدور إلى الامتثال غير العلمي ما دام الامتثال العلمي ممكناً. كما إنه لا يصل الدور في الامتثال غير العلمي إلى الاحتمالي ما دام الظني ممكناً [٤].

وجرى البحث بينهم في أنّه هل يصح الامتثال الإجمالي فيما لو كان التفصيلي ممكناً. وهنا أقوال أهمها ما يلي:

القول الأول: أنّه لا يصح ذلك فيما إذا توقف الامتثال الإجمالي على تكرار العمل، كإتيان المكلف بصلاتي الظهر والجمعة اللتين يتردد الواجب بينهما. وهذا قول جمع من الأُصوليين منهم صاحب الحدائق والأنصاري والنائيني [٥].

القول الثاني: إنه لا يصح مطلقاً، أي حتّى لو لم يتوقف على التكرار، كأن شك المكلف في جزئية شيءٍ في الصلاة فأتى بها معه، مع إمكان تحصيل العلم في ذلك وامتثاله تفصيلياً. وهذا قول السيّدين الرضي والمرتضى [٦].

القول الثالث: أنّه يصح مطلقاً وإن توقف على التكرار وهو القول السائد لدى متأخري الإمامية [٧].

١ - المدخل إلى عذب المنهل، للشعراني: ٢٨٥، أوثق الوسائل، في شرح الرسائل: ٤٠.

٢ - فوائد الأُصول، للنائيني ٣ / ٦٨، أوثق الوسائل، في شرح الرسائل، ٤١.

٣ - فوائد الأُصول، للنائيني ٣ - ٦٨.

٤ - فوائد الأُصول ٣: ٧٢، فرائد الأصول للأنصاري١: ٢١٠.

٥ - فوائد الأُصول، للنائيني ٣: ٧٣، أوثق الوسائل: ٤٢، فرائد الأصول ١: ٢٥، بحر الفوائد للآشتياني: ٤٤.

٦ فرائد الأصول ١: ٢٥، بحر الفوائد، للآشتياني: ٤٤ - ٤٥.

٧ - مصباح الأصول ٢: ٨١ و ٨٢، أنوار الهداية، للإمام الخميني ١: ١٨٢، بحوث في علم الأصول ٤ - ١٧٨.

(١٥٥)

ثالثاً: لو حصل امتثال غير علمي ثم انكشف أن ما أتي به هو التكليف المجعول بحقه فهل هو مجزٍ أم لا؟ فهنا أقوال ثلاثة:

القول الأول: صحة وإجزاء المأتي به، وهو للإمام الخميني رحمه الله [١].

القول الثاني: التفصيل بين ما إذا كان الامتثال العلمي ممكناً فعدم الصحة والإجزاء، وبين ما إذا كان غير ممكن فالصحة والإجزاء، وهذا ما ذهب إليه النائيني [٢].

القول الثالث: التفصيل بين ما إذا أدى المكلف الفعل على أساس أنّه عبادة واجبة فعدم الصحة والإجزاء وبين ما إذا أداه على أساس أنّه عبادة مستحبة فالصحة والإجزاء، وهذا للميرزا الشيرازي [٣].

انحلال

التعريف:

١ - الانحلال في اللغة: الانفكاك [٤]، وهو مصدر لفعل المطاوعة (انحل).

أما في الاصطلاح فقد ورد الانحلال في موارد عديدة من الأصول [٥]، والمورد المهم منها انحلال العلم الإجمالي.

والمقصود من انحلال العلم الإجمالي هو: انفكاك العلم بالجامع إلى العلم بفرد معين منه والشك البدوي في غيره [٦].

ومثاله: ما إذا كان هناك علم بنجاسة أحد الأواني ثم حصل العلم بأحدها المعين فهنا ينحل العلم الإجمالي إلى علم بنجاسة الطرف المعين وشكوك بدوية في

١ - أنوار الهداية ١: ١٨٥.

٢ - اُنظر: فوائد الأصول ٣ / ٧٢ و ٧٣، وأنوار الهداية ١: ١٨٥.

٣ - انظر أنوار الهداية ١: ١٨٥.

٤ - لسان العرب ١١: ١٦٩.

٥ - اصطلاحات الأصول، للمشكيني: ٨٣ - ٨٤.

٦ - انظر: أنوار الهداية ٢: ٩١، ودروس في علم الأصول الحلقة الثالثة القسم الثاني: ١٠٥.

(١٥٦)

الأطراف الأخرى بعد أن كان الشك في جميع الأطراف مقرونا بالعلم الإجمالي [١].

ونتيجة الانحلال هي جريان الأصل الترخيصي في غير ما حصل فيه العلم من الأطراف [٢] وذلك لأن الشك فيها صار - كما قلنا - بدويا وهو من قبيل الشك في التكليف الذي هو مجرى للبراءة [٣].

وتجدر الإشارة إلى أن هذا المصطلح لم يبرز إلاّ عند متأخري الأصوليين من الإمامية. وأما في الفقه فقد استعمل هذا المصطلح من قبل فقهاء المسلمين في بعض الموارد الفقهية كانحلال اليمين والنذر والعقد [٤].

أقسامه:

٢ - ينقسم الانحلال إلى أقسام ثلاثة:

أولاً: انحلال الحقيقي: والمقصود منه زوال العلم بالجامع حقيقة بسبب قيام القطع بأحد الأطراف [٥] كما في المثال السابق الذي أوردناه في التعريف.

ثانياً: الانحلال الحكمي: والمقصود منه ما لم يَزُل فيه العلم بالجامع حقيقة وإنّما تجري فيه نتيجة الانحلال والتي هي جريان الأصول الترخيصي في غير الطرف الخارج عن العلم الإجمالي [٦].

وهذا القسم إنّما يتصور فيما إذا قامت أمارة على طرف من الأطراف، كما لو قامت أمارة على وقوع النجاسة في طرف معين من الأطراف التي علم إجمالا وقوع نجاسة في أحدها.

١ - انظر مصطلح: العلم الإجمالي.

٢ - المعالم الجديدة: ١٨٥، وبحوث في علم الأصول ٥: ٢٥٢.

٣ - انظر مصطلح: اصل.

٤ - حاشية رد المحتار لابن عابدين ٣: ٢٢٦، الأشباه والنظائر لابن نجم: ٣٣٨، مستمسك العروة الوثقى للسيد الحكيم ١٠: ٣١١، القواعد والفوائد للشهيد الأول ٢: ٢٠٨.

٥ - دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة القسم الثاني: ١٠٥، وأنوار الهداية ٢: ٩١.

٦ - بحوث في علم الأصول ٥: ٢٥١.

(١٥٧)

ثالثا: الانحلال التعبدي: والمقصود منه ما إذا حصل الانحلال حقيقة بسبب قيام طريق تعبدي بالنسبة إلى طرف من أطراف العلم الإجمالي [١] وقد يطلق على هذا القسم الانحلال الحكمي [٢].

وبهذا يعلم إن التعبدي وإن كان كالحقيقي في حصوله حقيقة ولكنه يمتاز عنه بأن سببه قيام أمارة أو اصل على أحد الأطراف فيما يكون سبب الانحلال الحقيقي قيام القطع بأحد الأطراف.

كما يعلم أن الفرق بينه وبين الانحلال الحكمي هو أن التعبدي انحلال حقيقة، بينما الحكمي ليس هو انحلالا وإنّما تجري فيه نتيجة الانحلال الحقيقي [٣]، وإن كانا يشتركان في قيام الأمارة أو الأصل على أحد الأطراف، وهذه التفرقة ناجمة من أننا لو اعتبرنا أن للأمارة آثار العلم والتي منها الانحلال، فبسبب قيامها يحصل الانحلال التعبدي، وحينئذ لا حاجة في إجراء الأصل الترخيصي إلى الإلجاء إلى الانحلال الحكمي، أما لو نفينا هذا الأثر للأمارة فينفتح المجال حينئذ للأخذ بالحكمي. بمعنى أن قيام الأمارة في طرف يؤدي إلى إمكان إجراء الأصل الترخيصي في الأطراف الأخرى، وأما إنه كيف يؤدي إلى إمكان إجراء الترخيص فللقائلين بالانحلال الحكمي مباحث فنية في ذلك [٤].

حكم الانحلال:

٣ - وفيما يلي نذكر حكم الأقسام:

أ - الانحلال الحقيقي: لاخلاف في حصول الانحلال في حالة العلم بانطباق المعلوم بالتفصيل على المعلوم الإجمالي [٥] كما لو علمنا إجمالا بسقوط قطرة في أحد

١ - انظر: أنوار الهداية ٢: ٩١.

٢ - فرائد الأصول ٤: ٤٤.

٣ - انظر المصادر السابقة.

٤ - دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة: القسم الثاني: ١٢٢ - ١٢٣.

٥ - المصدر السابق الحلقة الثالثة القسم الثاني: ١٠٦، وتهذيب الأصول ٢: ٢٠٥، بحوث في علم الأصول ٥: ٢٣٩ - ٢٤٠.

(١٥٨)

الأواني ثم علمنا تفصيلا بأن تلك القطرة - والتي تعلق بها العلم الإجمالي - قد سقطت في هذا الطرف المعين، كما إنه لا خلاف في عدم حصول الانحلال لو علمنا بأنهما غير منطبقين [١] كا لو علمنا بأن قطرة أخرى - غير الأولى - من النجاسة قد سقطت في طرف معين.

وإنّما الخلاف فيما لو احتمل الانطباق وعدمه [٢] فهنا أقوال:

الأول: أن احتمال الانطباق يكفي في حصول الانحلال وممن ذهب إلى هذا القول النائيني [٣]، والإمام الخميني [٤]، كما أنّه هو الظاهر من الكفاية [٥].

القول الثاني: أن احتمال الانطباق لا يكفي في حصول الانحلال. وقد ذهب إلى هذا القول المحقق العراقي [٦].

القول الثالث: التفصيل بين صورتي إحراز المعلوم التفصيلي مصداقا للمعلوم الإجمالي وعدم إحراز ذلك، فيحصل الانحلال في الأول ولا يحصل في الثاني [٧].

وهذا التفصيل يعني أن مجرد احتمال الانطباق غير كاف في حصول الانحلال، بل يجب معه إحراز مصداقية المعلوم التفصيلي للمعلوم الإجمالي، فمثلاً لو علمنا بسقوط قطرة في أحد الأواني، ثم علمنا بوقوع قطرة لا ندري هي نفس الأولى أم غيرها في إناء معين، فهنا وإن كان احتمال الانطباق موجوداً إلاّ أن المصداقية غير محرزة بل محتملة، والمصداقية تُحرز فيما إذا كانت نسبة المعلوم الإجمالي إلى الأطراف متساوية، كما إذا حصل علم إجمالي بنجاسة أحد الأواني الذي هو في

١ - المصادر السابقة.

٢ - أنوار الهداية ٢ / ٨٩ - ٩٠، ودرر الفوائد ٢: ٢٦٦ ودروس في علم الأصول الحلقة الثالثة القسم الثاني: ١٠٦، تهذيب الأصول ٢: ٢٠٥.

٣ - بحوث في علم الأصول ٥: ٢٠٤.

٤ - أنوار الهداية ٢: ٨٩ - ٩١ وتهذيب الأصول ٢: ٢٠٦.

٥ - حقائق الأصول ٣: ٢٤٢.

٦ - نهاية الأفكار ٣: ٢٥٠.

٧ - دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة القسم الثاني: ١٢٠ - ١٢٢، وبحوث في علم الأصول ٥: ٢٤٧.

(١٥٩)

معرض استعمال الكافر لمجرد استبعاد أن يمر زمان طويل بدون أن يستعمل بعضها، ثم يحصل علم تفصيلي بنجاسة إناء معين فهنا يكون المعلوم التفصيلي (أي نجاسة إناء معين باستعمال الكافر) مصداقا يقينيا للمعلوم الإجمالي، غير أن ما تعلق به العلم الإجمالي لم يكن خصوص هذا الاستعمال، فالانطباق سعة وضيقا غير محرز لأن شرط الانطباق هو أن لا يكون له إلاّ هذا المصداق كما في مثال العلم بالانطباق، وهذا لا يحرز كون المعلوم التفصيل مصداقا وحيداً له، وهذا القول (أي التفصيل) هو للسيد الصدر (ره) [١].

ب - الانحلال التعبدي والحكمي: اختلفت الأقوال هنا. فمن يرى أن دليل حجية الأمارة يرتب جميع آثار العلم على الأمارة، والتي من جملتها الانحلال، فهو يقول بالانحلال التعبدي، ومن لا يرى ذلك لم يقل بالانحلال التعبدي، بل قال بالانحلال الحكمي [٢].

كما أن من لم يقل بالانحلال الحقيقي في مورده قال بالانحلال الحكمي [٣].

ومن هذا يظهر أن للأخذ بالانحلال الحكمي موردين:

أحدهما: فيما لو لم يؤخذ الانحلال الحقيقي في مورد حصول العلم بأحد الأطراف.

والثاني: فيما لو لم يؤخذ بالانحلال التعبدي في مورد قيام أمارة أو أصل.

احتياط

التعريف:

الاحتياط في اللغة هو: الأخذ في الأمور بالأحزم والأوثق، وكذلك هو: المحاذرة

١ - المصادر السابقة.

٢ - انظر: دروس في علم الأصول الحلقة الثالثة القسم الثاني: ١٠٧، بحوث في علم الأصول٥: ٢٥١ - ٢٥٢، فوائد الأصول ٤ - ٤٢ - ٤٤، أنوار الهداية ٢ - ٩١.

٣ - نهاية الأفكار ٣: ٢٥٠، حقائق الأصول ٢: ٢٤٤، بحوث في علم الأصول ٥: ٢٤٩ - ٢٥٠.

(١٦٠)

والاحتراز من الخطأ واتقاؤه [١].

وأما اصطلاحاً: فقد قسم الأصوليون من الإمامية الاحتياط إلى: شرعي وعقلي. وعرّفوا الأول بأنه: حكم الشارع بلزوم الإتيان بجميع محتملات التكليف، أو اجتنابها عند الشك بها، والعجز عن تحصيل واقعها مع إمكان الآتيان بها جميعاً أو اجتنابها [٢].

وأما الثاني - أي: الاحتياط العقلي - والذي قد يسمى بأصالة الاشتغال، فقد عرفوه بأنه: حكم العقل بلزوم الخروج عن عهدة التكليف المنجز إذا كان ممكناً [٣].

ومن التعريفين يبدو أن كلاً منهما أصل عملي [٤] يحدد الوظيفة العملية في حالة الشك وعدم الوصول إلى الحكم الشرعي.

الفرق بين الاحتياط العقلي والشرعي:

هناك فرقان بين الاحتياط العقلي والشرعي، وهما:

أولاً: إن الاحتياط الشرعي وظيفة عملية يعيّنها الشرع، بينما الاحتياط العقلي وظيفة عملية من جانب العقل.

ثانياً: إن متعلق الاحتياط الشرعي أعم مطلقا من متعلق الاحتياط العقلي. فالأول يشمل جميع حالات التكليف المحتمل. فيما يقتصر الثاني على الشبهة البدوية قبل الفحص، وحالات الشك المقرون بالعلم بالتكليف، والذي له شقان: العلم التفصيلي بالتكليف، والشك هنا في الامتثال، والعلم الإجمالي بتكاليف الزامية، والشك هنا ناتج من التردد بين اكثر من طرف.

هذا عند الإمامية.

وأما عند جمهور المسلمين فالذي يبدو من خلال تتبع أدلتهم على الاحتياط أن بحثهم فيه ناظر إلى الاحتياط العقلي فقط.

حجية الاحتياط الشرعي:

يرى الأصوليون أن الاحتياط الشرعي ليس بواجب، وذهب الاخباريون - أو

١ - المصباح، للفيومي (مادة حوط).

٢ - الأصول العامة للفقه المقارن، للحكيم: ٤٩٥.

٣ - المصدر السابق: ٥٢١.

٤ - راجع مصطلح: الأصل.

(١٦١)

معظمهم [١] - إلى وجوب الاحتياط في بعض المواضع [٢].

ففي الشبهات التحريمية الحكمية قالوا بالوجوب، وقد وقع الخلاف بينهم في غيرها، مثل أن كانت الشبهة حكمية وجوبية أو كانت موضوعية، سواء كانت تحريمية أو وجوبية [٣].

واستدل المثبتون لوجوبه بأدلة من الكتاب والسنة، وقد حمل الأصوليون تلك الأدلة إمام على الاحتياط في مجال العقائد [٤]، أو وجوب الاحتياط قبل الفحص [٥]، أو استحباب الاحتياط [٦] أو أنها إرشاد إلى ما يحكم به العقل من الاحتياط في الشك المقرون بالعلم الإجمالي [٧].

حجية الاحتياط العقلي:

إن الرأي السائد عند الأصوليين من الإمامية، وعند من طرق باب هذا البحث من جمهور المسلمين أن الاحتياط العقلي حجة.

وقد ذهب الإمامية إلى أن مقتضى هذه الحجية في مورد العلم الإجمالي حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية.

وقد استُدل على حجيته بالقاعدة التي تطابق عليها العقلاء من أن «الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني» [٨].

وذهب الإمامية إلى أن تطبيق هذه القاعدة يتم بضميمة منجزية العلم الإجمالي في موارده، وعلى رأي البعض أن الشبهة البدوية ملحقة بالعلم الإجمالي باعتبار العلم بوجود مجموعة من التكليف الإلزامية [٩].

١ - عناية الأصول ٤: ٦٨.

٢ - الحدائق الناضرة ١: ٦٥.

٣ - عناية الأصول ٤: ٧٠.

٤ - فرائد الأصول ١: ٣٤٢.

٥ - عناية الأصول ٤: ٧٨.

٦ - القوانين المحكمة للأصول: ٢٦١، والوافية: ١٩٣.

٧ - كفاية الأصول: ٣٩٣، وفرائد الأصول ١: ٣٤٣.

٨ - فواتح الرحموت ٢: ١٨٢، الأصول العامة للفقه المقارن: ٣٧.

٩ - يرى البعض أن الاحتياط في الشبهة البدوية قبل الفحص لا يتم فيه دليل منجزية العلم الإجمالي، فالمصير إذا إلى قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل.

(١٦٢)

بينما تطبق القاعدة مباشرة في موارد العلم التفصيلي المقرون بالشك في الامتثال من دون حاجة إلى ضميمة شيء.

وقد يستند لإثبات حجية الاحتياط العقلي إلى قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل [١].

الإعادة

التعريف:

١ - الإعادة في اللغة: فعل الشيء مرة ثانية [٢].

وفي الاصطلاح: فعل الواجب في قوت الأداء ثانيا لخلل [٣] أو لعذر [٤] أو مطلقا [٥].

وسيأتي توضيح الفرق بينها.

والمراد من الخلل هو الخلل السهوي، وإلا (أي: لو تعمد الخلل) فلا تسمى إعادة ولا أثر لما فعل أولاً [٦].

مسوغات الإعادة:

٢ - لقد حصل الاختلاف في القيد المذكور في التعريف نتيجة للاختلاف في مسوغات الإعادة، ويمكن حصر الآراء في ذلك في قولين رئيسين:

١ - الأصول العامة للفقه المقارن: ٥٢٢، وانظر: روضة الناظر، لابن قدامة: ٢٢، وهداية الأبرار، للكركي: ٢٢٤، ومنتهى الأصول، للبجنوردي ٢: ١٩٥.

٢ - لسان العرب ٣: ٣١٥ مادة عود.

٣ - فواتح الرحموت ١: ٨٥، شرح البدخشي ١: ٨٥، مفاتيح الأصول: ٢٩٧، المحصول ١: ٢٧. منتهى السؤل والأمل: ٣٤.

٤ - حاشية البناني ١: ١١٨، منتهى السؤل والأمل: ٣٤.

٥ - سلم الوصول للعبجي: ١٠. الكوكب المنير: ١١٥.

٦ - سلم الوصول، للعبجي: ١١، حاشية البناني ١: ١١٨.

(١٦٣)

أولا: عدم صدق الإعادة إلاّ مع وجود خلل في الفعل الأول، ولذا قيد أصحاب هذا القول التعريف بالخلل، وقد انقسم هؤلاء على ثلاثة آراء:

الرأي الأول: التقييد بأن لا يكون الخلل مفسداً، وإلا فلا تصدق الإعادة، لأن الفعل الأول مع حصول الخلل المفسد كالمعدوم. وهذا قول الأحناف، ومثلوا له بترك الفاتحة في الصلاة [١].

الرأي الثاني: التقييد بأن يكون الخلل مفسداً، وهذا قول البيضاوي ومن تبعه [٢].

الرأي الثالث: إطلاق الخلل، أي: عدم تقييده بالفساد أو عدمه، وهذا قول كثير من الأصوليين منهم الرازي [٣] وابن الحاجب [٤].

ثانياً: صدق الإعادة في حالة الخلل وغيره، وقد انقسم أصحاب هذا القول على اتجاهات ثلاثة:

الاتجاه الأول: يسوّغ الإعادة في دائرة أوسع من الخلل بما يعم طلب حصول الافضلية، كما لو صلى جماعة بعد أن صلاها منفردا، وهذا ما يطلق عليه: العذر [٥] وقد ذهب إلى هذا القول صاحب جمع الجوامع ومن تبعه [٦].

الاتجاه الثاني: يسوّغ الإعادة في دائرة أوسع من الخلل وطلب حصول الفضيلة، فيشمل مثل ما لو صلى جماعة ثانية تساوي الأولى [٧] بل ولو زادت الأولى بفضيلة [٨] وهذا ما عبروا عنه في التعريف بقولهم: «مطلقاً».

الاتجاه الثالث: يسوّغ الإعادة في دائرة أوسع من الخلل بما يشمل ما إذا تعلق بالفعل ثانيا أمر استحبابي وقد ذهب إلى هذا الرأي أكثر المتأخرين من الإمامية [٩].

١ - فواتح الرحموت ١: ٨٥، نهاية السؤل ١: ١١٠ - ١١١.

٢ - نهاية السؤل: ١: ١١١.

٣ - حاشية اللبناني ١: ١١٨، المحصول ١: ٢٧.

٤ - شرح القاضي: ٨٥، حاشية البناني ١: ١١٨.

٥ - حاشية البناني ١: ١١٨، شرح القاضي: ٨٥.

٦ - نهاية السؤال ١: ١١١.

٧ - حاشية البناني ١ / ١١٩.

٨ - سلم الوصول، للعبجي: ١٠.

٩ - مناهج الوصول ١: ٣٠٧، بحوث في علم الأصول ٢: ١٢٩، محاضرات في أصول الفقه ٢: ٢٢٧.

(١٦٤)

والذي دعاهم لذلك هو ذهابهم إلى أنّه لا معنى للامتثال بعد الامتثال باعتبار أن الأمر يسقط بالامتثال الأول، فلا تعاد الصلاة في جماعة إلاّ لوجود أمر استحبابي تعلق بالإعادة.

وهم بهذا لا يرون الأفضلية لوحدها مسوغا للإعادة.

النسبة بين الإعادة والأداء:

٣ - يوجد رأيان في تعيين النسبة بين الإعادة والأداء:

الأول: أن بينهما تباينا، وبالتالي يكون كل منهما قسيما للآخر [١].

الثاني: أن بينهما عموم مطلق فتكون الإعادة قسما من الأداء [٢].

وقد حصل هذا الاختلاف في تعيين النسبة تبعاً للاختلاف في تعريف الأداء، من حيث أنّه هل يكون صدق اسم الأداء مشروطا بأن لا يكون مسبوقا بفعل أم لا؟ فالذين اشترطوا عدم السبق ذهبوا إلى التباين والذين لم يشترطوه ذهبوا إلى العموم المطلق [٣].

١ - حاشية البناني ١: ١١٩ تيسير التحرير ١: ١٩٩، اشارات الأصول: ١٣٠.

٢ - شرح الجلال ١: ١١٨، شرح القاضي: ٨٤.

٣ - انظر: مفاتيح الأصول: ٢٩٧.



[ Web design by Abadis ]