ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مدخل إلى عالم «النورسي» الفكري \ الأستاذ أديب إبراهيم الدباغ

المقال يدور حول مفاهيم «رسائل النور» التي تركها «النورسي» في تركيا، فكانت رغم كل ما فرض عليها من حصار ورغم بساطة أفكارها بذرة تحدّت كل ظروف محاربة الدين واستئصال شأفة الإسلام في هذا البلد المسلم، وخرجت جيلا قرآنيا مستوعبا لحاجات عصره، ومتطلعا إلى مستقبل إسلامي زاهر لبلده.

الآثار المدهشة التي تركها النورسي في تركيا لم تكن نتيجة عبقرية فكرية خاصة كما يتضح من حياته ورسائله، بل من إخلاص تام لله، وذوبان كامل في المبدأ، فتفتحت أمامه أبواب «المعرفة» الحقيقية، فتحدث إلى الناس حديث الروح إلى الروح. ولتتضح صورة الرجل كاملة ألحقنا المقال بموجز عن جماعة النور التركية.

ترك «النورسي» للأجيال من بعده إرثاً فكرياً متشعب الجوانب، وأنشأ عالماً تتلاطم فيه الأفكار والأحاسيس والمشاعر، في وحدة معرفية متشابكة الجذور، وتوحُّدٍ ذاتي لا يعرف الانقسام بين نوازع الذات المختلفة.

فأفكاره وأحاسيسه ومشاعره يموج بعضها ببعض، ويندرج بعضها ببعض،

* - باحث ومترجم من تركيا.

(١٢٧)

ويشد بعضها أزر بعض.

ولأنه قد أوتي نفساً تواقةً إلى حقائق الحياة والوجود، ومنح عقلاً طموحاً، فقد عزف عن الخوض في الضحضاح من المفاهيم والأكفار الإيمانية التقليدية الجاهزة. ودفعه شغفه بالحقيقة إلى الكشف عنها بنفسه، فانكب على القرآن يتأمل في أسراره، ويوغل في هذا التأمل بتفتح عقل، وصفاء وجدان، ورهافة حس، فدرب عقله على طريقة القرآن ومنهجه في عرض حقائقه، وخبر أسلوبه في ضرب الأمثال بالملموس على المعقول، وبالمشهود على المغيب، وبالمرئي على غير المرئي، فرصد بهذا المنهج ذلك التداخل الخفي الذي يشير إليه القرآن بين الوجود المتناهي المحيط بالإنسان، والوجود في غير المتناهي الذي بشرت به الأديان. ودعا إلى تفتح الوعي الإنساني على أبعاد الوجودين معاً، لأن هذا الوعي قمين بإشعال ضوء البصيرة في الإنسان، وحقيق أن يضعه في موضع الاختيار الحرّ بين خطر التناهي والتلاشي والعدم، وبين السعي للحصول على موقع قدم في عالم اللاتناهي والبقاء الأبدي.

فبالتوق الملتهب في نفسه إلى الوجود المشفق من العدم، وبالشوق المضيء في ذرات دمه إلى حياة الأبد، وبالروح الجائع إلى قوت الخلود والبقاء، أنشأ «النورسي» عالم فكره، وأقام صروح روحه، وفتح المنافذ والأبواب لكل التواقين أمثاله ليدلفوا إلى عالمه الغريب، ويلمسوا عن كتب جلال الفكر اللهيف، وجمال الشعور الملتهب، وأسى الروح العطش الذي لا تخمد ناره مادام له قلب يخفق، ووجدان ينبض.

فالتوق هو مفتاح هذا العالم لمن يريد الدخول فيه، والإفادة منه، والاقتباس من سر تماسكه وقوته، وأما أولئك الذين يطرقون أبوابه بنفوس جاسية، وقلوب ميتة، وعقول منطفئة، فلن تفتح لهم الأبواب لأنهم ليسوا من أهله، ولأنهم لا يحتملون لهب التوق المندفع كالشلال من روحه رافعاً معه من يلتقيه إلى حيث الآفاق الإيمانية العالية ومظانها في خفايا النفس والحياة والوجود.

فلو شئنا أن نطلق عليه إسماً يدل عليه، ونعطيه عنواناً لا يخطئه لأسميناه دون تردد «عالَم التوق والتواقين» الذين يرون في هذا التوق المعنى الذي يزيد وجودهم

(١٢٨)

الإيماني امتداداً، ويمنحه أبعاده العقلية والحسية والشعورية الجديرة بأن تكون موضع خطاب القرآن من الإنسان.

وهذا التوق الذي تفيض به كتاباته قد فجره في قلمه زلزال عقلي مرعب تعرض له في صباه، فهز عقله، وشحذ فكره، وشدّ أوتار حسّه، وأرهف حدّة بصره وبصيرته، وألهب روحه ووجدانه، فغدا إنساناً محترقاً بتوقه، همه الملحّ الكشف عن عالم الخلود والعثور على الأسباب التي تؤهل إليه، وتوصل به.

وقد بلغ هذا التوق عنده أعظم وتائره إثر هذه التجربة الفريدة التي ذكرنا تعرضه لها في صباه.

ففي بيت متواضع في قرية «نورس» الأناضولية مسقط رأسه، وفي ليالي الشتاء الطويلة كان يجلس منزوياً في غرفة الضيوف يتسمع بجد واهتمام إلى أحاديث الكبار من شيوخ القرية وهم يديرون حواراً بينهم وبين والده الزاهد الصوفي في قضايا الموت والحياة، والوجود والعدم، والبقاء والفناء، فيرتعش منه الروح، ويتفطر منه القلب، ويتجسم أمام ناظريه شبحا البلى والفناء وكأنهما يدبان نحوه، ويشرعان بامتصاص وجوده، وبالتهام حياته ثم يدفعان به شيئاً فشيئاً نحو هاوية العدم المخيف، فينتفض بكل نزوعه الفطري إلى البقاء والخلود، وخوفه من الفناء والعدم.

وغدا هذا النزوع هاجسه الملحّ، وشغل فكره الشاغل، إلى الحدّ الذي جعله يشعر بأنه ملزم أمام نفسه وأمام الحقيقة بالبرهنة على وجود عالم البقاء. وبالانتهاء في هذه القضية إلى الحق المبين الملزم للإنسان بالاطمئنان والتسليم.

وبهذا وحده يبدد خوفه وخوف الخائفين، ويذيب وجله ووجل المشفقين الذين يرون في صيرورتهم إلى العدم في خاتمة المطاف عبثاً يتعالى الخالق الحكيم أن يقبل به، بل هو منزه عنه، لأن خلق الإنسان، وإلباسه لباس الوجود كرم إلهي، وعطاء رحماني لا يمكن عقلاً وحدساً أن يسترد الكريم هباته، أو يسترجع عطاياه.

فطالما أعطانا الوجود - جل شأنه - فلن يسلبه منه، لكنه يمكن أن يجمد فاعلية الحياة فينا موقتاً عند انتهاء آجالنا والى حين انتقالنا إلى الآخرة عالم الحياة الذي لا موت معه، وعالم الوجود الذي لا عدم معه.

(١٢٩)

فوجود الإنسان هو نقطة المركز من دائرة عالم «النورسي» الفكري، وعقله موضع نقاشه وقلبه وروحه متلمس بصيرته وإنه لا يني يشعل في الإنسان نوراً إيمانياً يبصر به مواقع الزلل والخطأ في الفكر والسلوك. ويضع يده على مفاتيح الحق والعدل والجمال في النفس والحياة، ويزيح الأستار عن طهر الحياة وقداستها، ويبرهن له أنها أصل الخلق والوجود، بينما الموت خلق عارضا ليس له قوة إلغاء الحياة أو إيقاف مدّها الزخّار إلى بحر الأبدية والخلود.

لقد سبر «النورسي» غور الإنسان بمسبار القرآن، وجال في آفاق نفسه، وأوغل في مجاهيل ذاته، وعاد من رحلته الاستكشافية هذه ليقرر أن «الإنسان» حجة القرآن على الإنسان نفسه، وأنه العالم الأصغر الذي ينطوي على ما ينطوي عليه العالم الأكبر من المناقضات والأضداد؛ ففي وجوده عدم وفي عدمه وجود، وفي حياته موت وفي موته حياة، وفي شهوده غيب، وفي غيبه شهود، وبكلمة جامعة يتجاور فيه سلبه وإيجابه، إلاّ أنّه ترك له الخيار، ومنح الإرادة ليربط أسبابه بأسباب أيّ من السلب أو الإيجاب.

ويرى «النورسي» أن ما أُودع في الإنسان من غيوب إنّما هي رموز ترمز وتوميء إلى غيوب ما وراء هذا العالم، وتؤكد حقيقة وجودها، وأن ما نتخيله من حدود وسدود بين عالمي الغيب والشهادة إنّما هو وهم من جملة أوهامنا الكثيرة، فالحقيقة انهما متجاوران ومتلامسان ومندرج أحدهما بالآخر، ومتفاعلان فيما بينهما في هدوء وخفاء غير منظور كما يحدث ذلك في الإنسان نفسه.

فالإنسان - في الحقيقة - غيب في هيكل شهودي، فروحه غيب، وضميره غيب، وذاكرته غيب، وخياله غيب، وحدسه غيب، وأحلامه غيب، و «أناه» غيب، فالكشف عن الصلة القوية بين غيوب الإنسان وغيوب ما وراء هذا العالم يشكل جانباً مهماً من جوانب المعرفة الإيمانية التي كرس لها «النورسي» صفحات كثيرة من رسائله.

فواحد من غيوب الإنسان هو «أناه» المودع في عمق أعماقه، ففيه مفتاح العالم، وفيه العقل الذي يعقل به الوجود، والحسّ الذي يقتحم به عالم الممكنات.

فإن أدار هذا المفتاح في أقفال السماوات والأرض انفتحت له، وكشفت عن

(١٣٠)

أسرارها، وأشارت إلى موجدها، وعينت له موقعه من العالم، وحجمه الذري إزاء كبرياء الله وعظمته وجبروته.

ولكن «أنا» كثيراً ما ينسى حجمه، ويغفل من موقعه، فيتيه عجباً ويختال افتخاراً على السماوات والأرض والجبال بتحمله سرّ أمانة التكليف، وبمنحه الإرادة والقدرة على الاختيار والتنقيح.

«فالنورسي» يحذر الإنسان من السقوط في مهاوي «أنا» ويحثه على الارتقاء إلى مرتبة «الإنسان الصعب» الذي يستعصي على الابتلاء والسقوط بين شدقيه عندما يملأه الغرور. ويتوهم أن ما يملكه من صفات إنّما هي صفات ذاتية الوجود فيه، وليست اعتبارية ومنحة ربانية، فينقلب بتنكره وجحوده إلى طاغوت مخف يستعبد صاحبه، ويستعبد الآخرين من حلوه، فيتضخم ويستغلظ ويتورم ويصرخ بلسان فرعون: ﴿أنا ربكم الأعلى﴾ [١] وبلسان النمرود: ﴿أنا أحيي وأميت﴾ [٢].

ولهذا السبب كثيراً ما يتحرج الأتقياء الصالحون والأولياء المقربون من الإشارة إلى أنفسهم بكلمة «أنا» تورعاً من أن يتحرك في أنفسهم - بتكرار هذه الكلمة - عِرق «أناهم» في العجب والكبر الماحق لكل حسنات التقوى والصلاح.

وكما حذر «النورسي» الإنسان من السقوط في مهاوي «أنا» داخل النفس، حذره كذلك من السقوط في سجن الكون خارج النفس.

وبالرغم من أن «الكون» يمثل لدى «النورسي» الهيكل المرآتي الذي يعكس صوراً متتابعة مما ينطوي عليه من الحكمة والنظام والجمال والعلم والقدرة والإرادة والمعنى والمغزى المبطلة لكل أوهام العبثية والتصادفية في الخلق والإيجاد. إلاّ أنّه لا يسأم من تنبيه الإنسان إلى عدم الاستغراق فيه إلى الحدّ الذي يجد فيه نفسه وقد ابتلعه الكون، وحبسه في ضيق سجونه، لينسيه مكِّون الكون وخالق الكائنات كما هو الشأن عند البعض ممن استعبدتهم الطبيعة واسترقّتهم سننها ونواميسها.

١ - النازعات: ٢٤.

٢ - البقرة: ٢٥٨.

(١٣١)

«فالكونية» حين ننأى بها أن تكون سلّمنا للارتقاء إلى المعرفة الإلهية تصبح - في نظر الإيمان مهما قدمت من معارف التقدم الحضاري - هبوطاً معرفياً لا ينبغي للإنسان الوقوف عندها والاستغراق فيها، أو اعتبارها خاتمة المعارف التي لا معرفة فوقها، فهذا الهبوط المعرفي هبوط من حرية «اللاكونية» إلى سجون «الكونية» ونزول بالمعرفة من الأعلى إلى الأسفل، وانحدار في الفهم والإدراك من «اللانهائي» إلى «النهائي» وانتقال في الزمن من البقاء والخلود إلى الزوال والعدم.

فسيدنا «إبراهيم» - عليه السلام - يضيق صدره بالكون كله، ويجهد للنفاذ من بين جدرانه، والخلاص من قيوده وكسر أغلاله، والارتفاع بمعرفته نحو «اللاكونية» فأعطى للبشرية نموذج الإنسان الذي يلهبه التوق إلى المعرفة الإلهية التي هي أعلى المعارف بمقولته الخالدة التي نطق بها القرآن على لسانه وهو يدير طرفه الكسير في آفاق السماوات والأرض، فيصرخ مستغيثاً: ﴿لا أحب الآفلين﴾ [١] أي أريد خلاص نفسي من سجن الكون الذي سيأفل عاجلا أم آجلاً، وأريد الانطلاق إلى عالم البقاء والوجود الذي لا يزول ولا يحول، حيث المعرفة المطلقة التي تتهافت إزاءها كل معارف الكون بنسبيتها ومحدوديتها.

هكذا يفسر «النورسي» كلمة «إبراهيم» - عليه السلام - وينشيء في معناها كلاماً يذوب شوقاً وحنيناً إلى عالم «اللاكونية» الخالد الذي يتوق إليه كل إنسان.

فالمعرفة الكونية هي حصيلة بحث الإنسان وتجربته ومعاناته، لكنها تبقى مع ذلك معرفة تحتية يهبط إليها الإنسان من سماء التكريم الذي حظي به من رب العالمين، لأنه خُلق بالأصل ليكون حجة الله على الإنسان، وليكون في الوقت نفسه في خدمة الإنسان. فكلما اتسعت معرفته به اتسعت قدرته على تسخيره لمنافعه ومصالحه الدنيوية وليس العكس.

أما المعرفة الإلهية فهي معرفة فوقية مرتبطة بعرش الرحمن، ولا يرقى إليها الإنسان إلاّ إذا استجمع كل طاقاته، واستنفر قوى «العقل والحس والشعور والخيال

١ - الأنعام: ٧٦.

(١٣٢)

والحدس» لتفتح له الطريق إليها، ولتكون رديفته في الفهم عنها ودرك مراميها ومقاصدها.

فما من لطيفة من لطائف «النفس الإنسانية» كما يرى «النورسي» إلاّ وقد أودعها الله تعالى في الإنسان لإعانته في الكشف عن حقائق عالمي الغيب والشهادة.

ورغم أهمية «العقل» في هدي الإنسان إلى الحق والحقيقة إلاّ أن «الحس والشعور والحدس والخيال» هذه القوى النفسية لا تقلُّ أهمية عن العقل، بل هي من جنود العقل الذين يستعين بهم في مهامه، ربما فتح «الحدس والخيال» الطريق أمام العقل للكشف عن حقيقة ما حار العقل وحده بالكشف عنها.

وحقائق القرآن تقع من نفس المسلم موقع الإيمان والتصديق، وتنزل من وجدانه منزلة اليقين الذي لاريب فيه. غير أن الحاجة كانت وما تزال قائمة إلى تجلية هذه الحقائق، والغيبية منها بشكل خاص، ونقل صورها من الإطار الذهني غير المرئي إلى الإطار الحسي المشهود، عبر أسلاك الخيال، ومجسّات الحدس والشعور.

فالميزة التي يكاد ينفرد بها «النورسي» وهو يعالج حقائق القرآن في رسائله، تكمن في قدرته العجيبة على إدراج الذهني منها بالحسي، وإفراغ الحسي منها بالذهني، وربط الزمان الدنيوي الفاني بالزمان الأخروي الأبدي، وكسر الحاجز الوهمي بين الدنيا المدبرة، والآخرة المقبلة. فيحس قاريء رسائله وكأنّ الآخرة أقرب إليه من دنياه، وإنه يتنفس أريجها، ويستجلي جمال جناتها.

فالمعرفة الإيمانية إذن ليس سواء لدى المسلمين جميعاً، بل هي متفاوتة الدرجات ومتباينة في عمق الفهم وسعة الإدراك. فكما أن معرفة «القمر» من خلال رؤيته بالعين المجردة ليست كمن يعرفه من خلال مرصد فلكي، ومعرفة هذا الأخير ليس كمعرفة من يراه وهو على متن سفينة فضائية. وأوسع الجميع معرفة به هم الذين نزلوا فوقه، ومشوا على أديمه، فهكذا القرآن - ولامشاحة في المثال - فالمسلمون كلهم يؤمنون بحقائقه، إذا لا يصح إسلامهم من دون هذا الإيمان، ولكن ثمة تفاوتاً في درجات المعرفة بهذه الحقائق، فمنهم من يكتفي برؤاه وحدها، ومنهم من يستعين بعين غيره، وأعظمهم معرفة هم الذين يهبهم الله تعالى من سعة الفهم

(١٣٣)

والإدراك ما يجعلهم قادرين على النزول على معانيه والهبوط على كنوزه، واكتشاف درره وجواهره.

والذي يبلغ هذا الشأن العظيم من الفهم والإدراك، هو وحده الجدير بالنظر إلى حقائق القرآن ومعاني الإيمان من خلال بصره وبصيرته. وهو مجدّد عصره الذي تتوجه إليه الأجيال، وتشرئب له عقول الفحول من الرجال لتقتات بفكره، وتحيا على إرثه، إلى أن يقيض الله تعالى مجدداً آخر يتسلم منه الأمانة ويمضي بها مقاوماً كل من يريد قذف الإيمان خارج الزمن، وإبعاده إلى المكان الذي ينعدم فيه ثقله الفكري ويفقد وزنه المؤثر في التاريخ.

وهكذا قُدّر «للنورسي» أن يتسلم راية الإيمان في بلده وهي تترنح وتكاد تتهاوى تحت أقدام الأعداء، فغدت مهمته الأولى الأكثر إلحاحاً إنّما هي إنقاذ الإيمان، ومقاومة التآمر على الدين، وإحباط المحاولات المسعورة لقذفه خارج الزمن بالكلية، وإسقاطه بالتمام في يمّ النسيان، وتجريده من محتواه الحركي، ومن ثقله في ميزان التاريخ البشري بعامة والتاريخ الإسلامي بخاصة.

ورغم أنّه نذر وجوده كله لإنقاذ الإيمان، والدفاع عنه، ورد نصال أعدائه إلى نحورهم، والبرهنة على أنّه الحق الذي هو فوق كل حق، وأنه الحياة الذي لا حياة دونه، إلاّ أنّه لم ينس دعوة المسلمين - إلى جانب ذلك - بالانفتاح إلى روح العصر، وتحذيرهم من الانكفاء والتشرنق داخل الذات بحجة المحافظة على إيمان المؤمنين من التيارات العصرية المناوئة للإيمان، ودعا المسلمين إلى الجمع في حياتهم بين «إيمانية العلم» و «علمية الإيمان».

فالانفتاح على معطيات العصر وتفهم منعطفات سيره، ورصد أبعاده الفكرية والمذهبية، ليس بالضرورة من أجل الوقوع في تياره، أو السقوط في مذهبياته، بل من أجل المزيد من الفهم لما يدور حولنا. فنكون على تماس مباشر بعصرنا، فلا يعاب علينا سقوطنا في اغتراب زماني عنه، فنصبح في هذا الاغتراب وقد انقطع ما بيننا وبينه من حبال التواصل. فلا هو يفهمنا ولا نحن نفهمه.

وينبغي لمن يتصدى للعمل التجديدي من أخذ ذلك بنظر الاعتبار. وواجب عليه

(١٣٤)

أن يتعلم درساً بليغاً من «فتية الكهف» الذين حكى لنا القرآن قصتهم، فقد أووا إلى الكهف حفاظاً على إيمانهم من كفر زمانهم، فمكثوا نائمين ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعاً، وعندما انتبهوا من نومهم وجدوا أنفسهم خارج الزمن في المكان الذي ينعدم فيه الوزن التاريخي للإنسان، فحاروا في أمرهم، فلا هم يستطيعون القهقرى إلى الزمن الماضي الذي انسلخوا عنه، ولا هم يستطيعون اللحاق بالزمن الذي سبقهم بتسع وثلاثمائة سنة، فحل القدر هذه المعادلة الصعبة بإسدال ستار الموت بينهم وبين الدنيا، وسحبهم نهائياً فوق مسرح الحياة.

فقطار الزمن لا ينتظر من يتخلف عنه، بل يمضي في طريقه لا يلوي على شيء، ويترك من ورائه من المتخلفين في عماء من الغبار والدخان.

لقد هزّ «النورسي» بدعوته إلى امتلاك ناصية العلوم الحديثة جدران الكهف الكبير المطبق بظلامه على عقول المسلمين، وأهاب بهم إلى تقويض هذا الكهف والخروج إلى النور والهواء والحياة، وناشدهم الاجتهاد في علوم العصر اجتهادهم في علوم الدين، لأن كليهما - أي الدين والعلم - وجهان لعملة إلهية واحدة، أوهما نصفان لا تتجلى الحقيقة الإلهية بكامل حكمتها إلاّ باجتماعهما معاً.

لقد عاش «النورسي» إلى جانب حياته الشهودية وزمانه الدنيوي المحسوب بالأيام والسنين زماناً قرآنياً آخر يتلاطم موجه في روحه وعقله وكيانه، مندفعاً إليه من روح القرآن ومن زمانه الأبدي المهيمن على حبات وجوده، والساري في خلايا سمعه وبصره ومخه وعظمه وعصبه. ومن هنا جاءت هذه القوة الغامضة التي يملأ بها نفوس جلسائه وعقول قرائه. فالكلمة الواحدة من كلامه بعفويتها تنطوي على ما في نفسه من قوى القرآن كلها، وعلى سر أزليته وأبديته.

وكما يضع الكون سرّ بعض قواه في النواة من جسم الذرة، هكذا يضع «النورسي» في الكلمة الصغيرة من كلامه، كل ما صبه القرآن من قوى في نفسه، وأفرغه في وجدانه. فلا غرابة - والأمر كذلك - أن يحس قارئه أو سامعه وكأن شيئاً ينفجر في داخله، فيسمع له دوراً إيمانياً يسري صوته في الزمن ولا يقف حتّى يغيب في قلب الأبدية.

(١٣٥)

فلحظة إيمان واحدة من إنسان تتسع وتستطيل وتتحول - بفاعلية الإيمان - إلى زمان أبدي من النعيم المقيد - كما يقول النورسي - والعكس كذلك صحيح، فلحظة كفر واحدة تتضخم وتتسع وتمتد لتتحول إلى زمان أبدي من الجحيم.

فإذا كان «الكون» على سعته وامتداده، يمكن أن يختزل بعض أسراره في ذرة من ذرات جسمه، فإن الزمن الكوني - مهما طال واستطال - يمكن كذلك أن يتضام وينكفيء في لحظة زمنية قصيرة المدى. فالمسافات الزمنية الموغلة في أمدائها قد تطويها لحظة زمنية خاطفة أو لحظات أو دقائق أو ساعات.

فعلى ضوء هذه الحقيقة تصبح معجزة الإسراء والمعراج «على صاحبهما أفضل الصلاة والسلام». كما يعرضها «النورسي» في رسالة «المعراج» في متناول أفهامنا.

وكذلك يصبح مفهوماً لدينا إحضار «عرش بلقيس» إلى مجلس سليمان - عليه السلام - في طرفة عين.

فطي الزمان والمكان لأصحاب القوى الإيمانية الخارقة أمر ثابت من الدين بالضرورة. وقد أشار إليه الصوفية في كتبهم قبل أن يراود خيال القصاصين من أدباء الخيال العلمي في الغرب بزمن بعيد.

إن إحساس «النورسي» بالزمن يبلغ درجة عالية من الانشداد والتوتر يجعله يشعر وكأنه يتدفق بتياره العظيم الهادر عبر عقله وروحه قبل كل شيء، وإنه ليرقب عمله الدؤوب في المحو والإثبات، والسلب والإيجاب، فيمضي فوق كل شيء في هذا العالم فيمحو ما حقه المحو، ويثبت ما حقه الإثبات، ويقذف بالسلب إلى هاوية العدم، وبالإيجاب إلى عالم الوجود. غير أن الخطورة كل الخطورة عندما يتوقف الزمن عند نقطة معينة من عقل المسلم ووجدانه ويعجز بكل قوته واندفاعه وهديره عن اجتياز حواجزه العقلية والنفسية، لأن إحساساً بالتوقف عن الحياة سينتابه ويشلّ قدرته على الابتكار والتجديد، ويعطّل إرادته عن التخطيط لكي يكون الآن وفي المستقبل غير ما كان عليه بالامس، وعندئذ يأسن نهر الزمن في قعر وجوده، وتبدأ رائحة العفن تفوح من أفكاره ويشرع الانحلال والتشتت يغزوه وينخره من الداخل، ويصبح مهيأ للسقوط في دوامة الحياة اليومية وفي رتابتها المملة، بينما يتوقف

(١٣٦)

جهاز الاستقبال عنده عن تلقي ما يرسله إليه العالم من رسائل، ويبثه من شفرات ورموز، ويجمد لديه حس الانشداد الإيماني الذي يرى البكارة والجدة في كل شيء، وينحسر عنه الزمن مهما بدأ مألوفاً وعادياً.

ولهذا السبب ربط الإسلام بين عبادات المسلم وبين الزمن، في اليوم والليلة وفي الأسبوع والشهر والسنّة. فلكل وقت عبادته الخاصة به، ولكل عبادة - جسدية أو نفسية - لونها وطعمها الخاصان بها، دفعاً للملل، وتجديداً لقوى النفس، وتحفيزاً لأعصاب الروح كما يرى «النورسي».

فالأذان - مثلاً - من فوق منائر المساجد المنتشرة في كل مدن العالم الإسلامي، ما هو إلاّ صوت الزمن الهادر يقرع أذن المسلم خمس أوقات في اليوم والليلة، منبهاً إلى أنّه يمر ويمضي سريعاً، وأن عليه أن يظل يقظاً ويبقي على انشداده الروحي والتعبدي ولا يسمح لنفسه بالوقوع فريسة العوائد التي تأخذه في دوامتها لتنسيه الزمن وتصم أذنيه عن ندائه وهتافه.

فما من أحد يمكن أن يرتقي إلى خارقة الفهم عن الزمن إلاّ إذا خرق عوائده أولاً، واخترق مألوفاته، وانسل من دوامة السطحية التي لا ترى جديداً تحت الشمس، ليرى كل شيء - في الحقيقة - جديداً تحتها مهما بدا عتيقاً أو مألوفاً

إن القرآن نفسه يدعو المسلم إلى عدم التوقف عند درجة معينة في ارتقائه الإيماني، بل يطلب منه أن يمضي صعداً في هذا الارتقاء الذي لا نهاية له، وأن يبقي روحه وعقله معلقين بالقرآن ليكشف له كل يوم جديد عن معنى قرآني جديد، يزيد معارفه وعلومه، ويغني أفكاره ويجددها.

ففي إشارة القرآن إلى بعض شؤون الربوبية يقول: ﴿كل يوم هو في شأن﴾ [١] من شؤون خليقته وعبيده. فيلهم البعض أفكاراً جديدة، ويقذف في عقول آخرين علوماً مبتكرة، ويرفع بهذه العلوم والأفكار أقواماً، وينزل بآخرين، ويحيي بها موات أقوام ويحجبها عن آخرين، ويقدر مقادير الخلق ويقضي فيهم بما يشاء، فيطعي ويمنع.

١ - الرحمن: ٢٩.

(١٣٧)

ويُضحك ويُبكي، ويُمرض ويُشفي، إلى غير ذلك من الشؤون، لحكمة هو يعرفها ولا نعرفها، في أُطر من العلل والمعلولات التي تحتجب وراءها يد الله كما يقول «النورسي».

فالزمن هو ظل الكون، ونبض امتداده الدائم، وخفق حركته التي لا تتوقف، فهو إذن خارج تخوم الإرادة الإنسانية، وخارج حدود سيطرتها، إلاّ أنّه - أي الزمن - قد أباح للإنسان الحضور بإرادته ليسهم مع القدر في تشكيل التاريخ البشري، الوجه الثاني من الزمن الذي يمكن لإرادة الإنسان أن تمارس وجودها وفاعليتها فيه.

فطرف التاريخ القريب والمشهود بيد الإنسان، بينما طرفه الغيبي البعيد بيد القدر. فيد الإنسان ويد القدر تسهمان معاً في تشكيل أحداث التاريخ ووقائع أيامه كما يقول «النورسي».

وهذا لا يعني بداهة أن الإنسان واقع تحت جبرية قدرية لا يستطيع الانفكاك عنها. أو الاستقلال بإرادته من دونها، لأن «القدر» - في الحقيقة - لا يتدخل مباشرة ولا يمارس ضغوطاً في عملية صنع التاريخ وصياغة أحداثه ووقائعه، بل يلهم من وراء الغيب البعيد شخوص المسرح التاريخي ما ينبغي فعله إزاء واقعة معينة، وفي زمان ومكان معينين.

فحين أراد «القدر» أن يهيء «موسى» - عليه السلام - للتصدي لفرعون خطط لإنقاذ طفولته من القتل، فألهم أمه ما ينبغي أن تفعله: ﴿أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له﴾ [١].

فهذا الطفل الرضيع لم يكن ليصلب عوده، ويشتد ساعده، ويصبح مهيأ لتحمل تكاليف النبوة والرسالة، مالم يخلّ - باديء ذي بدء - بينه وبين الحياة، لتفركه وتعصره عصراً، وتجعله يتقلب في أتونها، ويتجرع حلوها ومرّها. ويخوض في سهلها وحزنها، تحت عين الله: ﴿واصنع الفلك بأعيننا﴾ [٢].

والقدر بعد هذا لا يفعل اكثر من أن يستفز - في غمرة الأحداث عرق البطولة في

١ - طه: ٣٩.

٢ - هود: ٣٧.

(١٣٨)

النفوس، ويثير بلسان الوقائع الحس البطولي في الوجدان، ويهيج شعور الرجولة في الذات، ثم يمضي ويترك للإنسان صاحب الشأن الحركة كاملة في الاستجابة لهذه المحفزات والارتفاع إلى مستوى المسؤولية التاريخية، أو عدم الاستجابة لها.

فأصحاب النفوس العظيمة هم وحدهم القادرون على أن يستوحوا القدر. ويستبطنوا إرادته، ويصغوا لهتافه، ويستوعبوا إشاراته، ويفهموا عنه، فيسارعوا بالاستجابة، ويحظوا بشرف الإمساك بطرف التاريخ المحدود إليهم من القدر ليسهموا معه في توجيه مساره وصنع أحداثه ووقائعه.

وأما الذين يضعون أصابعهم في آذانهم، ويستغشون ثيابهم، وينكصون على أعقابهم، فلا يعبأ بهم القدر لأنهم غير جديرين بامتلاك التاريخ من جانبه الإنساني.

فالواقعة التاريخية بيد الإنسان عمل إبداعي ينبعث وميضه من إرادة الإنسان فوق صفحة الزمن بغض النظر عن حكمنا الأخلاقي عليه.

وهذه الإرادة لاتحققق حضورها في التاريخ، إلاّ إذا بلغت من القوة والحيوية والاندفاع حدّ البطولة، لتزيح من طريقها جميع الارادات البشرية المناوئة والمضادة.

ولتمضي في الطريق نحو التشكل فعلاً تاريخياً معيناً بشرط إلاّ تصطدم بإرادة الكون المتمثلة في سننه ونواميسه لأنها غالبة لا محال، وبشرط آخر هو أن يمنحها القدر الإلهي جواز مرور نحو الهدف الذي تريد والذي لابد أن يخدم بمحصلته النهائية غايات القدر ومقاصده.

ولئن كان رجل التاريخ يعالج الواقعة التاريخية ويشكلها من طينة الحاضر وخاماته التي بين يديه، غير أن «القدر» بشموليته وإحاطته بالماضي والحاضر والمستقبل يبصر خارطة التاريخ البشري بأبعاده الثلاثة. ويحدد مواقع الأحداث فوقها، فتأتي أحكامه على الحدث من هذا المنظور الشمولي المحيط الذي لا يأبه بقصور نظر الإنسان وخطأ حكمه على الحدث.

فالقدر هو المهندس الأعظم الذي يصمم خارطة بناء التاريخ البشري بأسره، فهو يمتلك علماً كاملاً عما سيكون عليه هذا البناء بعد الفراغ من تشييده، بينما لا يمتلك البنّاؤون البشر تصوراً متكاملاً عن الصورة التي سيتشكل فيها بناؤهم في خاتمة

(١٣٩)

المطاف. فتتوالى اعتراضاتهم واستنكاراتهم حول ما يحسبونه خطأ في التصميم ضمن جوانب جزئية من البناء. يحصرون همّهم فيها لعجزهم عن الاستيعاب الكلي والشمولي.

فقد يستنكر الإنسان وقوع حدث ما باعتباره - من وجهة نظره المحدود والقاصر - شراً ما كان ينبغي للقدر بخيريته وقدسيته أن يسمح له بالمرور والتحقق، من غير أن يستشف ما يمكن أن يؤول إليه في المستقبل القريب أو البعيد من خير، فالإنسان كثيراً ما يخطيء في الحكم على أخص شؤونه الحياتية. فيرى الشيء فيحسبه خيراً له، بينما يراه القدر شراً له. والعكس صحيح أيضاً. والى هذا الإشارة في قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم ﴾ [١].

هكذا ينظر «النورسي» إلى التاريخ البشري بعامة والإسلامي بخاصة. فهو يرى أن ما من شيء يحدثه القدر في هذا العالم إلاّ وهو جميل بذاته، أو جميل بما سيفضي إليه من الجمال في غيره.

وحين نقلب صفحات التاريخ يطالعنا من خلالها جسد البشرية الشبحي مثخناً بالجراح والآلام، وتتراءى لنا رؤاها الدموية والعدوانية. وتتماثل أمامنا صور أحلامها الحمراء، وتفجئنا أفكارها المتقاتلة، وحضاراتها المتصارعة.

لأن الإنسان - الذي يمسك بأحد طرفي التاريخ - هو معضلة الكون الكبرى التي أعياه حلها، ورغم أنّه كائن كوني، إلاّ أنّه الكائن الوحيد المتمرد على قانون «التعاون والتساند» المهيمن على الكون كما يرى «النورسي».

هذا القانون هو الذي منح الكون جماله ونظامه، وأشاع فيه الأمن والأمان، ورسم لكل جزء من أجزائه عمله ووظيفته، فلا صدام ولا صراع، بل تعاون وتساند: ﴿لا الشمس ينبغي لها أن تدرل القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون﴾ [٢] يعاون بعضها بعضاً ويؤازر بعضها بعضاً، كلّ ضمن سيره وعمله.

١ - البقرة: ٢١٦.

٢ - يس: ٤٠.

(١٤٠)

غير أن الصراع هو القانون الأشد هيمنة على بني الإنسان، فكثيراً ما يخفت فيه صوت العقل، ويرتفع صوت غرائزه البدائية المتوحشة. فتدفع به إلى الاستذئاب ضد أخيه الإنسان، فلا يفلته حتّى ينشب مخالبه وأنيابه فيه، إشباعاً لرغبته في التملك والاستحواذ على الآخرين والتفوق عليهم. وقد نبه «النورسي» إلى خطورة ذلك على البشرية، وبيّن أن شقاءها راجع إلى تمردها على «قانون التعاون والتساند» الكوني، ودعا المسلمين إلى الالتزام بهذا القانون واحترامه والخضوع له، لا سيما في هذا العصر، عصر الجماعات وليس عصر الأفراد، فيجب أن يكون - كما هو الكون - المسلم الواحد في خدمة كل المسلمين، كل المسلمين في خدمة المسلم الواحد.

فعصرنا الذي نحياه يبلغ بثقل حضارته - وضغوط أفكاره ومذاهبه، وكثرة ما يطرحه من إشكاليات فكرية وحضارية - مالم يبلغه عصر قبله.

فالإنسان وحده - مهما كانت إمكاناته غير قادر على تحمل ضغوط العصر. ومواجهة تحدياته مالم يجد في الآخرين السند الذي يستند إليه، والعون الذي يعينه ويقويه ويغريه بقبول التحديات وحل العقد والإشكاليات.

«فالإنسان الكامل» الذي يرد ذكره على ألسنة الصوفية في كتبهم، أو «الإنسان المتفوق» كما يطلق عليه الغربيون. والذي يحلم هؤلاء وهؤلاء بالوصول إليه عن طريق الذاتية الفردية والانكباب على «الذات» وتزكيتها صوفياً أو فلسفياً، يمكن للجماعة المؤمنة - بشخصيتها المعنوية أن تقوم مقامه، وتشكل وجوده، لأن ما ينقص أي فرد منها من خصائص الكمال يمكن أن يجده عند إخوانه من الجماعة المؤمنة فـ (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدُّ بعضه بعضاً) كما قال عليه الصلاة والسلام، وشّبك بين أصابع يديه الشريفتين.

فالفرد - كما يقول النورسي - مهما بلغ من العبقرية، فهو يفكر بعقل واحد، وينظر بعينين ويسمع بأذنين، ويعمل بيدين، وينطق بلسان واحد، ولكنه عندما يكون واحداً من عشرة، فأنه يفكر بعشرة عقول، وينظر بعشرين عيناً، ويسمع بعشرين أذناً، ويعمل بعشرين يداً، وينطق بعشرة ألسن.

(١٤١)

فالكل هنا يندغم في «الواحد» و «الواحد» يندغم في «الكل» فلا عجب إذا ما كونت شخصية الجماعة المعنوية مثال الإنسان الكامل المنشود.

فرسائل النور الثلاثون والمئة التي كتبها «النورسي» وأملاها على طلبته، تشكل كل رسالة منها جزءاً من فكرها العام الذي يحتوبها جميعاً، وتبين عن شخصيتها المعنوية المستقلة بذاتها عن كاتبها، حتّى أن «النورسي» لينظر فيها، ويستشهد بها، ويحيل عليها، وكأنها ليست من بنات أفكاره، أو من نتاج عقله، أو كان كاتبها شخص آخر غير شخصه.

فهذه الرسائل ترسم ملامح «الإنسان الكامل الجمعي» كما ينبغي أن يكون وتحاول أن تبعثه مثالاً حياً بشموخه ونبله وعمق إيمانه، وسعة عقله، وطهر سلوكه، ونقاء روحه وضميره، ليصبح المحور الذي يدور حوله طلبته، ويجتمعون عليه كما يجتمعون على إنسان حي من لحم ودم. مكونين بذلك الجماعة المؤمنة بذات معنوية واحدة، هي الإنسان الكامل الذي يسعى إليه فلاسفة الصوفية، وصوفية الفلاسفة.

فإذا كان الإنسان الفرد هو البشرية كلها مختزلة فيه، والبشرية هي الإنسان الفرد مضخماً ومكبراً: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلاّ كنفس واحدة﴾ [١].

﴿من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً﴾ [٢].

فكذلك الجماعة المؤمنة هي كل فرد من أفرادها، وكل فرد من أفرادها هو الجماعة المؤمنة بأسرها.

وهذا هو المجتمع الإيماني الذي يؤشر بعض ملامح «عصر النبوة السعيد» الذي يذكره «النورسي» في رسائله ويستشهد به، باعتباره المجتمع النموذجي الذي تتطلع إليه الأنظار وتهفو إليه الأفئدة.

وإنه - أي النورسي - ليأمل أن ضمير الغيب سينفتح يوماً ما عن الشاب المؤمن الطاهر وسيقذف بهم الزمن إلى عالم الشهادة ليبنوا مجتمع الإيمان ويعملوا على إحياء العلوم الإيمانية بكل أبعادها الحياتية، والالتزام بها طواعية لأنها التزام بالحياة

١ - لقمان: ٢٨.

٢ - المائدة: ٣٢.

(١٤٢)

نفسها: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ [١].

والبشرية نفسها وهي تعاني اليوم فقراً روحياً مدقعاً، وبؤساً إيمانياً مخيفاً تنتظر انبثاق الفجر الإيماني المرتقب ليجدد روحها الذي شاخ وهرم ويغذيه بالنور والحياة ويعيد إليه شبابه ورواءه.

فإحياء العلوم الإيمانية عندما توشك على الموت والاندثار يعجل - بلا شك - بقدح زناد الانفجار الإيماني الكبير في قلب الأُمة ووجدانها. فالناظر بدقة إلى ما كتبه «الغزالي» رحمه الله في كتابه «إحياء علوم الدين» وما كتبه «النورسي» رحمه الله في «رسائل النور» يلمح أكثر من آصرة وسبب يصل بين المؤلفين وبين صاحبيهما.

فعصر «الغزالي» «٤٥٠ - ٥٠٥ هـ» عصر ضاعت فيه العلوم الإيمانية، وفقدت جدّتها وحيويتها بين عشرات الفرق والمذاهب المتصارعة.

فجفاف الفقهاء ويبس أرواحهم كاد يطفيء نور القلب في الإنسان المسلم، والفلسفة اليونانية بقالبها الإسلامي المزعوم وبتجريداتها وصلت بالألوهية إلى حد الضبابية والشبحية والتهريم في «اللاوجود». أما الظاهريون والحرفيون فقد أوشكوا على الوقوع في التجسيم. والباطنيون فسروا النصوص تفسيراً باطنياً رمزياً موغلاً في التمحل والبعد عما يتسع له النص وأساليب العربية في البلاغة والبيان. أضف إلى هذا كله مجموعة كبيرة من الزنادقة والملاحدة المتسترين وراء شتى المذاهب والجماعات والفرق. فأخذ «الغزالي» على عاتقه مهمة التصدي لانحرافات بعض الفرق، وتفنيد أباطيل البعض الآخر، وآل على نفسه أن يعيد ماء الحياة إلى علوم الدين من جديد، فصنف كتابه العظيم «إحياء علوم الدين» هذا الكتاب الذي أعاد لعلوم الدين النقاء والصفاء فكان السبب في إذكاء شعلة التوق إلى الله تعالى في قلب الأُمة بعدما كادت تختنق وتنطفيء تحت ركام الدمار الروحي الذي أصابها.

وعصر «النورسي» «١٢٩٤ - ١٣٧٩هـ» يشبه في أباطيله عصر «الغزالي» مع

١ - الأنفال: ٢٤.

(١٤٣)

الأخذ بنظر الاعتبار ما أضافه فارق الزمن بين العصرين من إضافات وتعقيدات فهو عصر زلزالي خطير، هز كل ما توارثته البشرية من قيم ومثل وأفكار. وأشاع فيها الفوضى والاضطراب والشك والقلق، وهو زمن التفجرات الفكرية والنفسية للبشرية قاطبة. وهو عصر الثورة والتمرد على الدين والإيمان والفضيلة.

وهو أيضاً عصر «تأليه العلم» وعبادة «العقل والطبيعة» وهيمنة الشك حتّى على مسلمات الإنسان وبدهياته المنطقية وأصوله العقلية.

فبادر «النورسي» كالغزالي إلى التصدي لهذا الطوفان اللاديني المخيف، وشرع في كتابة «رسائل النور» وفي محاولته لإنقاذ الإيمان مما يتهدده من مخاطر الزندقة والإلحاد كان لابد له من العمل بقلمه على إذكاء شعلة التوق إلى الله من جديد في قلب الأُمة وضميرها، فكان «النور» وكانت «رسائل النور».

تعريف موجز عن جماعة النور التركية

التحرير

مؤسس هذه الجماعة «سعيد» الملقب بـ «بديع الزمان» و «النورسي» نسبة إلى قرية «نورس» وهي إحدى قرى قضاء «خيزان» التابع لولاية «بتليس» شرق الاناضول [١].

ولد النورسي سنة ١٢٩٣ هـ - ١٨٧٣ م، أي في عهد السلطان العثماني «عبد الحميد الثاني»، وكانت الدولة العثمانية آنئذ تُشرف على السقوط، بسبب تكالب الأعداء وتزاحمهم للقضاء عليها، يحدوهم الحقد الأسود على الإسلام.

كان والده «الصوفي ميرزاً» تقياً ورعاً، فأرسل ابنه «سعيداً» إلى الكتاب ليتلقى علوم الدين. فظهرت على الصبي علامات النبوغ، واكتشف معلموه ذاكرته العجيبة،

١ - اعتمدت في هذا العرض على كتاب «بديع الزمان سعيد النورسي» نظرة عامة عن حياته وآثاره، الأستاذ إحسان قاسم الصالحي، مطبعة «قُشاق» للطباعة، اسطنبول، ١٩٨٧.

(١٤٤)

فقد قرأ - على سبيل المثال - كتاب «جمع الجوامع» في أصول الفقه لابن السبكي بمعدل ساعة أو ساعتين في اليوم لمدة أسبوع، وكانت هذه القراءة كافية لحفظ الكتاب عن ظهر قلب!

ولم يكتف «سعيد» الشاب بدراسة علوم الدين، بل دفعه طموحه لأن يلم بالرياضيات والفلك والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا والفلسفة والتاريخ والجغرافية.

الشرارة الأولى

حين كان «سعيد» في «وان» [١] قرأ في الصحف المحلية خبراً هزه من الأعماق، وكانت الشرارة التي صيرت منه رمزاً كبيراً من رموز الصحوة الإسلاميّة في تركيا.

نشرت الصحف ما قاله وزير المستعمرات البريطاني «غلادستون» في مجلس العموم البريطاني وهو يخاطب النواب وبيده نسخة من القرآن الكريم: «ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نستطيع أن نحكمهم، لذلك لا مناص لنا من إزالته من الوجود، أو نقطع صلة المسلمين به…. ». فما كان من هذا المسلم الأبي إلا أن انتفض وقال: «لأبرهننّ للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها».

عزم على إنشاء جامعة إسلامية في شرق الأناضول باسم «مدرسة الزهراء» لخدمة القرآن… واسم المدرسة يثير الاهتمام. فالفاطميون حين أرادوا خدمة القرآن وعلوم الدين في القاهرة أسسوا «الأزهر» بإسم الزهراء عليها السلام… وهذا المسلم التركي المتربي في البيئة الصوفية الموالية لآل البيت يخطط لإنشاء جامعة باسم «مدرسة الزهراء» … الزهراء… الاسم الذي يخفق له قلب كل

١ - مدينة تقع في جنوب شرقي تركيا، ويقطنها أترك تركيا عادة. وتقع جانبها بحيرة وان المعروفة.

(١٤٥)

مسلم موال لآل بيت رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ، ويعيد إلى ذهنه عظمة هذه المرأة التي عاشت سنوات عمرها القليلة في ظلال القرآن والدعوة وألوان الجهاد.

موقفه من «المشروطة»

ظهرت في زمانه حركة تطالب بالدستور والحريات، وكانت هذه الدعوة في تركيا - كما هي في جميع أرجاء العالم الإسلامي - ظاهرها فيه الرحمة وباطنها فيه العذاب.

وكما ظهر في إيران المرحوم الشهيد «آية الله فضل الله النوري» [١] يحذر من مغبة هذه القوانين الأوربية المستوردة، فقد ظهر هذا الرجل في تركيا يعلن موقفه من «المشروطية الثانية» (١٩٠٨م) قائلاً: «بني وطني لا تسيئوا تفسير الحرية كي لا تذهب من أيديكم، لا تصبوا العبودية العفنة في قوالب برّاقة وتسقونا من علقمها. إن الحرية لا تتحقق ولا تنمو إلاّ بتطبيق أحكام الشريعة ومراعاة آدابها».

ثم يلتفت من جهة أخرى للسلطان العثماني يطالبه بإصلاح الأمور كي لا يفتح لأعداء الإسلام ثغرة ينفذون من خلالها للفتك بجسم السلطنة، ويقدم عريضة إلى السلطان عبد الحميد الثاني يطالبه بفتح مدارس لتدريس العلوم الحديثة، ثم يقابل السلطان وينتقده على تصرفات قصره الاستبدادية الإرهابية [٢].

سجن وأسر

بعد سيطرة جمعية الاتحاد والترقي على الأمور، حدث إحساس عام بين الشعب

١ - حاكمه أنصار المشروطة الإيرانية وأعدموه بتهمة مناصرته للاستبداد فيما كان يقول نريدها «مشروعة» أي قائمة على شريعة الإسلام.

٢ - كل الحادبين على الدولة العثمانية كانوا يتمنون على السلطان العثماني أن يقوم بنهضة علمية في الإمبراطورية كي تواكب التطور الحضاري في العالم.

(١٤٦)

التركي أن هذه الجمعية تحاول أن تبعد تركيا عن الدين وتشدها بالدوائر الماسونية والصهيونية. فظهرت عدة انتفاضات اعتقل على أثرها الكثيرون وقتل الكثيرون، وكان ممن اعتقل «سعيد النورسي». وأمام مواقفه الرسالية الصامدة وشهرته الذائعة ما كان للمحكمة التي شنقت العشرات إلاّ أن تصدر حكم برائته.

وحدثت حروب البلقان في العقد الثاني من هذا القرن بين روسيا والدولة العثمانية، وكانت روسيا تستهدف الإطاحة بالسلطنة العثمانية بالتعاون مع بريطانيا وفرنسا، وكثر المتطوعون للجهاد من أجل دفع الاجتياح الروسي، فعُيّن سعيد النورسي قائداً للقوات الفدائية التي تشكلت من المتطوعين المسلمين القادمين من شرقي الأناضول.

وخلال إحدى المعارك جرح سعيد النورسي جرحاً بليغاً، وأسر وأرسل إلى إحدى معسكرات الأسر.

ويطلق سراحه من الأسر، ويعود إلى اسطنبول. وتتوالى المصائب والهزائم على الدولة العثمانية. وتدخل جيوش الدول الاستعمارية تركيا، وتعقد معاهدة «سيفر» فيحس سعيد النورسي بهذه الطعنات وكأنها توجه إلى قلبه فيقول: «لقد كنت أحس بأن هذه الضربات التي وجهت إلى العالم الإسلامي كأنها وجهت إلى قلبي».

وبعد انهيار الدولة العثمانية وسيطرة كمال أتاتورك على السلطة، أخذ أتاتورك يتوجس خيفة من كل المسلمين الرساليين، فاعتقل النورسي سنة ١٩٢٥ م، ونفي إلى طرابزون، ثم نقل من منفى لآخر، وأبقوه أخيراً في «بارلا» من أعمال أسبارطة غرب الأناضول.

النور في بارلا

في منفاه بمدينة «بارلا» قضى سعيد النورسي ثماني سنوات ونصف السنة ألف فيها معظم «رسائل النور»، لذلك قدر لهذه المدينة أن تكون منطلق النور، تجمع حوله أهل المدينة أولاً، ثم شع بتناقل هذه الرسائل عن طريق الاستنساخ (لأن الطباعة

(١٤٧)

بالحروف العربية أصبحت محظورة في تركيا آنذاك)، وأصبحت حلقات الطلاب تعقد لقراءتها وتدارسها، وعلمت الحكومة بذلك فأخذت تطارد (طلاب النور) رجالاً ونساءً. وبقيت رسائل النور عشرين سنة تنشر بهذه الطريقة، ولم يقدر لها أن تطبع في المطابع الاعتيادية إلاّ سنة ١٩٥٦م.

ربع قرن من الإرهاب

من سنة ١٩٢٥ - ١٩٥٠ م أقدم «حزب الشعب الجمهوري» بزعامة كمال اتاتورك على أبشع الجرائم البشرية من أجل سلخ تركيا عن الإسلام. فمنعوا تدريس الدين في المدارس، وبدلوا حروف الكتابة العربية إلى الحروف اللاتينية، وأعلنوا علمانية الدولة، وشكلوا محاكم زرعت الخوف والإرهاب في طول البلاد وعرضها، ونصبت المشانق للعلماء المسلمين، ولكل من تحدثه نفسه بالاعتراض على السلطة الحاكمة. وفي سنة ١٩٣٢ م صدرت الاوامر بمنع الاذان الشرعي للصلاة في تركيا، واصبح الاذان يردد باللغة التركية.

وكان بديع الزمان النورسي خلال كل هذه المدة يتنقل بين المنفى والسجن. ولكن رسائله أخذت في الانتشار وجماعة النور في الاتساع. وهكذا فرضت «حركة النور» نفسها على واقع المجتمع التركي، فمل يعد بوسع أحد أن يتجاهلها، رغم كل هذا الاضطهاد.

عشر سنوات من الحرية النسبية

سنة ١٩٥٠ م استبشر المسلمون بمجيء «الحزب الديمقراطي» بزعامة عدنان مندرس إلى الحكم، لا لإسلامية هذا الحزب بل لأنه أزاح من الحكم حزب الشعب الجمهوري الحاقد على الإسلام، ولأنه أعطى بعض الحرية للنشاط الإسلامي، وأرجع الأذان الشرعي.

لذلك فقد أرسل الأستاذ بديع الزمان برقية تهنئة لرئيس الجمهورية الجديد تمنى

(١٤٨)

فيها أن يوفقه الله لخدمة الإسلام، وقد رد عليه رئيس الجمهورية ببرقية شكر.

ورغم تعرض الأستاذ خلال هذه السنوات إلى عدة محاكمات، لكنه حظي بحرية نسبية، استعاد خلالها حريته في اللقاء بتلاميذه، وفي بثّ روح جديدة في جماعته، وأخذ يتجول في المدن إلى أن توفاه الله سنة ١٣٧٩ هـ (١٩٦٠م) في مدينة (أورفه) ودفن فيها.

والغريب أن الانقلاب العسكري الذي أطاح سنة ١٩٦٠ م بالحزب الديمقراطي لم يطق أن يرى قبر النورسي واضح المعالم ومهوى قلوب جماعته. فنقل رفاته إلى جهة مجهولة، ولا يعرف مكان قبره حتّى الآن !! [١].

١ - لمزيد من الاطلاع على حياة بديع الزمان النوسي يراجع:

ـ رائد الشباب، بديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة عاصم الحسيني وخليل عبد الكريم ِ، ببيروت، ١٩٧٤.

ـ سيرة إمام مجّدد، مؤسسة الخدمات الطباعية، بيروت، ١٩٧٢.

ـ من الفكر والقلب، الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي، بيروت، ١٩٧٢.

ـ سعيد النورسي، حياته وبعض أفكاره، الدكتور البوطي، مطبعة دار الجزائر، دمشق.



[ Web design by Abadis ]