ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مقدمة فكرية لحركة المشروطة - ٥ - \ الدكتور علي اكبر ولايتي

الحديث عن الغزو الاستعماري وعن تجارب الأُمة في مواجهة هذا الغزو محور هام من محاور تقريب أمتنا الإسلاميّة. فهي واجهت ولاتزال تواجه نفس التحديات، وتتحمل أمام هذه التحديات مسؤوليات تنسيق الخطى لاتخاذ مواقف مشتركة تصون هويتها وتحافظ على شخصيتها وكرامتها. في الحلقات السابقة استعرض الكاتب مواقف أصحاب الأصالة ومواقف المتغربين تجاه قضايا الأُمة، وفي هذه الحلقة الأخيرة عرض للخطط التي استهدفت تفتيت صفوف المسلمين وافتعال الفرق فيها. بين الشاه ناصر الدين والعلماء

طفق الشاه ناصر الدين القاجاري يبحث عن وسيلة للتخلص من ورطته. لم يكن يتصور أن الموقف يتأزم إلى هذا الحدّ. دعا العلماء لعقد اجتماع في البلاط لتدارس المسألة على أمل أن يسترضيهم. حضر في هذا المجلس الميرزا حسن الآشتياني، والسيد علي اكبر التفريشي، والشيخ فضل الله النوري، وإمام الجمعة، والسيد محمد رضا الطباطبائي، والسيد عبدالله البهبهاني، والآخوند ملا محمد تقي الكاشاني. ومن جانب الدولة حضره: نائب السلطنة كامران ميرزا، والصدر الأعظم أمين السلطان، والميرزا علي خان أمين الدولة، ومشير الدولة، ومخبر الدولة، وقوام الدولة.

بدأت الجلسة بقراءة نص اتفاقية الامتياز، وقال متحدث الدولة مخاطبا العلماء:

(١١٠)

لقد أمر الشاه أن تقرأ عليكم نصوص اتفاقية الامتياز، وأنتم باعتباركم علماء الشريعة وقادة الملة، تستطيعون تغيير ما وجدتموه في هذا الاتفاق معارضا لمصلحة الشعب وأحكام الشريعة.

ثم بدأت قراءة النص. وكان عنوان الاتفاقية يحمل كلمة «منوپل»، سألة العلماء عن معنى هذه الكلمة. فقالوا بمعنى «الامتياز، والانحصار»، و «منوپل شراء وبيع التنباك» يعني انحصار التعامل بالتبغ والتنباك في البلد بشخص صاحب الامتياز (وهو مثلا الميجر تالبوت). وليس لأحدٍ حق في البلد أن يتعامل بهذه المادة إلاّ بإذنه.

بعد إعطاء هذه التوضيحات للعلماء (الذين يسميهم صاحب كتاب «تاريخ يقظة الإيرانيين»: أولياء الشعب) قالوا: هذا أول التزام في الاتفاقية يتعارض وأحكام الشريعة والمبادئ الوطنية. وأصروا على حذف هذه الكلمة. بذل رجال الدولة جهداً كثيرا لاقناع العلماء في ذلك المجلس بالعدول عن موقفهم، وحاولوا أن يميّعوا المسألة ويقللوا من أهميتها، وأن يدخلوها في مجالات المصالح والتأويلات و «الخدع الشرعية» ! ولكنهم واجهوا مقاومة صلبة. وكان جواب العلماء: نحن لسنا مشرّعين، وحلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة. ونحن علماء الشريعة نتحمل مسؤولية بيان الحلال والحرام لا غير، والحكم الذي تقرر في هذا المجال لا يقبل التغيير.

وهكذا سد العلماء الطريق أمام رجال الحكومة، فضاقت عليهم الحيلة، «عندئذ عمد أمين السلطان إلى طريقة أخرى، قال للعلماء: أقول لكم بصراحة إن الشاه قال: أي تغيير أو تبديل في هذه الاتفاقية متعذر على الدولة، وهو في حكم المحال والممتنع، فلا تفكروا في ذلك أبدا، وفكروا في حل آخر. فأجابه العلماء بكل بساطة: نحن أيضاً نقول كل بكل صراحة، لا نستطيع أن نحلل ما حرمته الشريعة، والتعاون مع الحكومة في هذه الاتفاقية محال وممتنع أيضاً أضف إلى ذلك، ما دورنا نحن في حكم تحريم التدخين؟ ! لقد صدر الحكم - كما تعلمون - من حضرة حجة الإسلام ونائب الإمام والمجتهد المقلد الواجب الاتباع الساكن في سرّ من رأى (سامراء)، وهذا الحكم ما إن صدر حتّى عم البلاد في أقل من نصف نهار، وأطاعه الجميع،

(١١١)

ونحن أيضاً ممن أطاعه» [١].

حين يئس رجال الحكومة من التفاوض لجأوا إلى التهديد، فقال مشير الدولة مخاطبا العلماء: «أيها السادة فكروا في عواقب هذا الإصرار». ثار السيد علي أكبر التفرشي أمام هذا التهديد وقال: «ما هذا الهُراء؟ ما معناه؟ ماذا تريدون أن تفعلوا بنا؟ ». فتحدث قوام الدولة وقال: إلغاء هذه الاتفاقية محال وممتنع. عاد السيد علي أكبر وقال: «يبدو أنك أنت رئيس دائرة التدخين واتفاقية رجي» ! فقال أمين السلطان: «لا هذا قوام الدولة وزير الخارجية». فقال السيد محمد رضا الطباطبائي: «إذا كان هذا الحكم قد صدر عن الدولة فلابد أن توقع عليه الأُمة، وإذا كان قد صدر عن شخص الشاه فلم يكن ذلك من حقه أبداً».

أنظر إلى جذور الديمقراطية والمشروطة في الفكر الديني وبين علماء المسلمين، وانظر إلى درجة شهامة المرحوم السيد محمد رضا الطباطبائي في موقفه من سلطة الشاه المطلقة وتصريحه برفضها أمام كبار رجال الدولة. وافهم من ذلك دور الدين في تحرير الأُمة من السيطرة الاستعمارية ومن الحكم الديكتاتوري في هذا البلد المسلم.

على أي حال، لم يستطع رجال الدولة أن يتجاوزوا العبارة الأولى من اتفاقية التنباك، ووجدوا أن الطريق أمامهم مسدود تماما، فصرفوا النظر عن قراءة بقية الاتفاقية، وانتهى المجلس بأن يتعهد أمين السلطان من جانب علماء الشعب أن يسعى إلى فسخ الاتفاقية شرط أن يعلن العلماء بعد إلغاء الاتفاقية إباحة التدخين ونفي فتوى الجهاد.

وتواصلت انتفاضة الشعب المسلم بقيادة علمائه الكبار يتزعمهم المرحوم الميرزا الشيرازي، وحققت انتصارها، واضطر الشاه ناصر الدين إلى إلغاء الاتفاقية، واقترض مبلغ٥٠٠ ألف ليرة من البنك الشاهنشاهي الذي أسسه البريطانيون

١ - ناظم الإسلام كرماني، مصدر سابق: ٣٧.

(١١٢)

أنفسهم، ودفعه غرامة إلى الشركة البريطانية [١].

هذا التحرك الشعبي الناجح كان مكسبا كبيرا ألفت إليه أنظار المراقبين في الداخل والخارج، ولا بأس أن نعرض بعض ما قيل في هذه الواقعة.

تقول «نيكي كدي» مؤلفة كتاب «مقاطعة التنباك»: «الاعتراض على امتياز التنباك أول حركة شعبية ناجحة في تاريخ إيران الحديث، انتهت بتراجع الحكومة وانتصار المعترضين في مطالبتهم بالغاء الامتياز إلغاء تاما. هذا النجاح فتح أعين المعارضة لأول مرة على إمكان الوقوف بوجه الدولة، حتّى حين يكون ذلك الوقوف مضرا بالقوى الأوربية. هذه الحركة تنطوي على أول اتحاد مظفر بين العلماء والاصلاحيين والساخطين الإيرانيين خاصة التجار… هذا الاتحاد الذي سيظهر في المواقف الاعتراضية التالية ويؤتي أكله في حركة المشروطة» [٢].

السيد جمال الدين الأسد آبادي (المعروف بالأفغاني) يذكر في رسالته إلى كبار العلماء ما يلي: «الشعوب الأخرى تعجبوا أيضاً مما في هذه الفتوى (فتوى تحريم التنباك) من قدرة ونفوذ كلمة وسرعة تأثير، وبهت الكفار» [٣].

ويقول: «كل هذا الخبط والخطأ سببه غرور الحاكمين. كل ما بذلته سلطنتهم (رأس جهازهم الحاكم) من جهود لإضعاف قدرة رجال الدين قد تبدد بسبب جهل مسؤولي الجهاز المالي، الذين وفروا فرصة إظهار هذه القدرة بشكل لم يسبق له نظير في عالم التشيع منذ صدر الإسلام حتّى يومنا هذا. إنهم مثل طبيب يجهل الطب ويزيد العلة» [٤].

ويروي اعتماد السلطنة: «أن السفير البريطاني قال للحكيم (طولوزان) لم أكن

١ - كسروى التبريزي، مصدر سابق: ٢٣.

٢ - نيكي ريتشارد كدي، مقاطعة التنباط في إيران: ١ من الترجمة الفارسية، طهران، ١٣٥٦ هـ. ش.

٣ - صدر واثقي، سيد جمال الدين حسيني پايه گذار نهضتهاى اسلامى = السيد جمال الدين الحسيني مؤسس النهضات الإسلاميّة: ٢٢٠، طهران، ١٣٤٨ هـ. ش.

٤ - نفس المصدر.

(١١٣)

أعلم أن الإيرانيين يتحلون بهذه الدرجة من الغيرة! ما أعظمه من شعب! لقد جعلوا البريطانيين قاطبة يشعرون بالخوف على أنفسهم» [١].

ويقول محمد رضا الزنجاني: «نقل عن مصدر موثوق أن الحكيم الفرنسي طولوزان الذي كان من الأطباء الأوربيين المعروفين وطبيب الشاه الخاص قال: لم أكن أعرف معنى طلب الفرج في أدعية المسلمين، حتّى حدثت هذه الواقعة (انتفاضة التنباك) ففهمت معنى الفرج وفهمت كيف يمكن أن تحدث واقعة لا يتصور وقوعها أبداً» [٢].

تحريف الحقائق

من كل الوثائق والنصوص السابقة اتضحت لنا عظمة حركة التنباك، والدافع الديني ودور القيادة الدينية فيها. لقد حدثت هذه الحركة في وقت تظافرت فيه جهود الأجانب وعملائهم لإضعاف الدين وفصل رجاله عن المجتمع. لكن فتوى الميرزا الشيرازي قد أحبطت كل هذه الجهود، وبلورت الروح الدينية بأروع أشكالها.

ولابد من الإشارة هنا إلى بعض الأقلام التي حاولت أن تحرف الحقائق وتبعد دور الدين في هذه الحركة. وأصحابها إما حاقدون على الإسلام أو جاهلون بقدرته أو واقعون في أسر القوالب الماركسية. هؤلاء حاولوا بأساليب ملتوية غير منصفة أن يتجاهلوا الدافع الديني في هذه النهضة، وأن يعطوا العلماء فيها دورا هامشيا تابعا (لا قياديا). بل يصوروا وقوفهم بوجه الحركة أحيانا!!

على سبيل المثال حاول فريدون آدميت أن يحرف معنى العبارات الواردة في كتاب الشيخ حسن الكربلائي. وأينما وجد نصاً يتحدث عن توجه الناس الساخطين على اتفاقية التنباك إلى بيوت العلماء، يفسره بأن الناس هم الذين أجبروا العلماء على التحرك، والعلماء تحركوا على أثر هذا الضغط الشعبي كي لا يفقدوا مكانتهم!! وهذا تحريف واضح للوقائع والأحداث. فالمعروف أن الشعب الإيراني يرى في العلماء

١ - نفس المصدر.

٢ - نفس المصدر.

(١١٤)

وبيوت العلماء ملجأ وملاذا يتجه إليه متى ما اعتراه خطب. وكانت بيوت العلماء آنئذ تمثل رمز المعارضة ضد التنباك، لأن هذه المعارضة قد اتخذت منذ خطواتها الأولى طابعا دينيا يقوم على أساس رفض تدخل الأجانب الكفار في شؤون البلاد، ومنع سيطرتهم على مقدرات الشعب بحكم الشريعة الإسلاميّة المقدسة. وهذا ما تؤيده كل الأحداث والوقائع والنصوص التي ذكرناها، بل يؤيدها حتّى الذين لا يحملون ولاء للدين ولا لأهله وعلمائه من أمثال أحمد كسروي [١].

وفريدون آدميت مثل كثير من المثقفين الإيرانيين المتغربين لا هم لهم سوى إبعاد الدين عن الساحة الاجتماعية، ووقعوا جراء ذلك دائما في مغالطات وتحريف لأوضح الحقائق، بل وقعوا في مستنقع الماسونية والعمالة وتقديم مقدرات الأُمة قربانا على مذبح مصالح القوى الأوربية المستكبرة.

الحاج زين العابدين المراغي

لابد لنا ونحن نتقصى جذور نهضة المشروطة أن نقف عند هذا الرجل الذي كان له تأثير بارز على نمو التيار الدستوري. حاول في صباه كسب العلم ولم يحالفه التوفيق. في العشرين من عمره دخل التجارة وفشل فيها، فهاجر إلى القفقاس وعمل كاسبا هناك، ثم هاجر إلى تفليس، وعمل هناك في التجارة وفي القنصلية الإيرانية. وأفلس ثانية في تجارته فهاجر إلى «كريمة»، وطلب منه أن يحمل الجنسية الروسية فواق على ذلك، ثم ذهب إلى اسطنبول وتزوج هناك وعاد إلى روسيا حيث أقام خمسة عشر عاماً. ثم تواجهه ظروف تثير فيه روح حب وطنه، فيصفى أمواله، ويذهب إلى اسطنبول ومنها إلى مكة المكرمة للحج، ولدى عودته إلى اسطنبول يحثه سفير إيران هناك على ترك جنسيته الروسية والعودة إلى الجنسية الإيرانية، فيكتب رسالة إلى إمبراطور روسيا جاء فيها:

«كل إنسان له مشاعره الخاصة، وطبائع الأفراد مختلفة، وإني أشعر بالعار أن

١ - كسروي تبريزي، مصدر سابق: ٢٣.

(١١٥)

أكون مسلما ولا أنضوي تحت لواء سلطان مسلم. إيرانيتي التي هي في رأيك ذلة أفضل ألف مرة من عزة روسيتي». يوافق الإمبراطور على إلغاء جنسيته الروسية، وتطول المراحل الإدارية لهذا الإلغاء ثلاث سنوات كان خلالها المراغي يعدّ الثواني للحصول على وثيقة الإلغاء، وحصل عليها سنة ١٩٠٤، وبقي المراغي حتّى آخر حياته في تركيا، وخلال هذه المدة ترك كتابات كان لها دور مهم في نشر الكفر الدستوري.

أهم آثاره «رحلة إبراهيم بيك» أو «سياحتنامه إبراهيم بيك» ومقالات في صحيفة «حبل المتن» وصحيفة «شمس» في اسطنبول. يقول في السياحتنامه:

«كما ذكرت في المقدمة، ليس هدفي من نشر هذا الكتاب نفعا شخصيا، بل إني رأيت في عملي هذا أداء لما علي من دين تجاه وطني، لذلك تحملت كل نفقاته عن طيب نفس علّي أستطيع أن استثير الهمم المخلصة وأحفزها للنهوض بأعباء إصلاح ما فسد في هذا الوطن. لا يجوز أن يدفع هذا الوضع المزري إلى اليأس، فكل المشاكل تتضاءل أمام سعي الشعب وهمته، ولقد قيل: «همة الرجال تقلع الجبال».

آمل أن لا يرضخ رجال الشعب لحالةٍ تذلهم وتذل أمتهم، وأن يعتبروا من الماضي لإصلاح المستقبل ولتوفير العيش الكريم لعامة الناس، كي يتمتع وطننا العزيز بدفء أشعة المدنية الحقيقية اللائقة بديننا وإنسانيتنا… ولكي يرفرف على كل مدننا وقرانا بيرق العدالة وعليه شعار الدولة في جانب وآية «الفتح» في جانب آخر. ولتنتشر في مدننا أبنية محاكم العدالة فاتحة أبوابها للجميع ويتساوى أمامها الغني والفقير والأسير والأمير، وتحفظ فيها حقوق عباد الله من العدوان، ويضع القضاة نصب أعينهم نهج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه…» [١].

«… شمس المدنية قد سطعت اليوم من جانب الغرب، وعم نورها الخافقين، وتستطيع كل أمة أن تستثمر أشعتها، ولي لنا عذر في تقصيرنا.

في الواقع لا يوجد بلد يتعرض فيه تاجر محترم لاستخفاف فرّاش وقح سوى

١ - زين العابدين المراغي، سياحتنامه إبراهيم بيك، القاهرة ١٣٣٤ هـ. ص ٣٣٦.

(١١٦)

إيران. في كل مكان حق ومحاسبة إلاّ إيران. واجبات الحكام والمحكومين معينة إلاّ إيران. في كل البلدان ضرائب الدولة مقسمة بالتساوي إلاّ إيران. شعوب البلدان تقدم طواعية ما عليها من ضرائب إلى الدولة إلاّ شعبنا. في كل بلد تشترك الحكومة والشعب في صيانة الوطن إلاّ إيران. في كل بقاع الأرض زعماء الدين لا يتدخلون في شؤون السياسة إلاّ إيران (!) … آه، لم يذق رجال بلدنا بعد طعم حرية الفكر وحرية القلم، ولا يعلمون ما تؤدي إليه هذه النعمة الكبرى من عمار البلاد وعز الدولة والشعب. مع أنهم جميعا يعترفون بهذه الحقيقة، لكنهم لا يهمون أن يجربوا تحقق هذه اللذة. من المؤسف أن نرى كلمة «الأمر لا يعنيني» تتكرر على الالسن باستمرار.

الجماعة البشرية مكلفة بأن تطوي مراحل الترقي والتمدن، وأن توفر أسباب حرية الفكر والقلم بأي نحو كان شريطة أن لا تخرج عن دائرة الأدب والإنسانية، لتعيش مرفوعة الهام بين الأمم. وإن لم تنهض بهذا التكليف تبقى مهانة محتقرة في أنظار الشعوب. ولقد أضحى تقدم الشعوب الغربية حقيقة اوضح من الشمس. لقد حققوا من المفاخر شيئا كثيرا، وهم لا يعدوننا ضمن الموجودات (!) وإذا أمعنا النظر في أسباب هذا الرقي وجدناها حرية الكفر والقلم لا غير» [١].

يظهر من هذا النص وما كتبه في صفحات «سياحتنامه» أن الرجل متألم جدا مما يعانيه بلده في العهد القاجاري من أوضاع مزرية على جميع الأصعدة. ويبدو أنّه مخلص في دعوته إلى إصلاح الأوضاع والقضاء على المفاسد الاجتماعية والسياسية والثقافية. ولكن نظرته الإصلاحية يشوبها الشيء الكثير من روح الهزيمة التي سيطرت على المسلمين في عصر الضعف والانحطاط. يرى أن الطريق الوحيد لخلاص بلاده هو انتهاج السبيل الذي سلكه الغرب، وهو رأي أكثر التقدميين الإصلاحيين في ذلك الزمان. هؤلاء لم يعرفوا ما ينطوي عليه الغرب من روح استكبار وسيطرة وهيمنة، لم يفهموا السياسة الميكيافيلية التي ينهجها الغرب، ولم يدركوا الروح التوسعية التي يفرزها النظام الاقتصادي والسياسي الغربي.

١ - نفس المصدر: ٢٣٧.

(١١٧)

لقد مارست الشعوب الإسلاميّة عامة تجربة العلاقة مع الغرب، وإيران أيضاً ذاقت مرارة هذه التجربة. أعطوا إيران ما تريد، أعطوها قروضا مالية، ومصارف، ومدّوا لها سكك الحديد، وخرجوا لها جامعيين، لكنهم فعلوا ذلك لا لإيران بل لمصالحهم. مدّوا سك الحديد ليتوغلوا إلى داخل القرى والأرياف وينهبوا ثرواتها، ويمسخوا ثقافتها. وحين احتدمت الحرب اتخذوا من هذا البلد «جسرا للنصر».

وفتحوا المصارف لادخار الأموال المستخرجة من كنوز أرض إيران على يد علماء الآثار الغربيين. ربّوا الجامعيين ليخرّجوا ملكم خان وآخوند أوف وأمثالهما من العملاء الذين يحسنون عدة لغات، ولكن لا لخدمة تطور بلدهم بل لإعلان ولائهم وإخلاصهم لأسيادهم. عارضوا الاستبداد وقدّموا وصفة الدستور، لا عن طيب في نفوسهم، بل لمعارضة منافسيهم الروس الذين يدافعون عن نظام استبداد السلطان، ولكن لا يفوتون الفرصة عليهم في تقديم نسخة مشوّهة للدستور ليس فيها لعقيدة الناس ومقدّسات الناس أثر، وكل من يعارض هذه النسخة يتعرض لأبشع أنواع التهريج والإهانة، بل ربما دفعوه إلى المشنقة كما فعلوا بالشيخ فضل الله النوري، وجعلوا ابنه يصفق تحت أعواد المشنقة مبتهجا بانتصار المشروطة!!

ومن مظاهر روح الهزيمة في فكر الرجل ورؤيته تبرّمه بتدخل زعماء الدين الإيرانيين في السياسة، ظانا أن هذا من عوامل تأخر البلد، ويشترك معه في هذه الرؤية أيضاً كل المثقفين والتقدميين المهزومين أمام الغرب ووصفاته العلاجية الممسوخة. لقد مرت أوربا بتجربة التحرر من الكنيسة كضرورة للتخلص من عوائق تقدمها، وهؤلاء يريدون تطبيق نفس التجربة في بلادهم، جاهلين أن علماء الدين في إيران هم الذين وقفوا بوجه كل عمليات إذلال هذا الشعب وإخضاعه والسيطرة على مقدراته. هم الذين خلصوا البلاد من نير اتفاقيات الذل مثل «رويتر» و «لا تارى» و «رجي». فأين الإسلام من المسيحية الأوربية؟ وأين علماء الإسلام من رجال الكنيسة الأوربية؟ هل يمكن أن تخفى هذه الحقائق على هؤلاء المثقفين؟ ! إنها عوامل التقليد والانبهار والهزيمة التي تجعل الإنسان يتنكر لأبسط الحقائق.

ومن الطريق أن هذا الرجل الذي يأسف على ظاهرة تدخل علماء الدين في

(١١٨)

السياسة، يرفع صوته في بعض فقرات «السياحتنامه» مطالبا علماء الدين بالتدخل لإزالة ما في البلد من منكرات ومحرمات، ومؤكدا على أن موقعهم من المجتمع يتطلب منهم موقفا جادا لإصلاح الأوضاع، لأن أوامرهم محترمة مطاعة، ولأنهم يحملون مسؤولية مواصلة الرسالة التي نهض بأعبائها الأنبياء والأئمة وأولياء الدين» [١].

مجموعة مشبوهة

نريد أن نقف هنا عند الميرزا آقا خان الكرماني وهو من الذين بلوروا التيار الالحادي والمشروطة الخالية من الشريعة والقومية الإيرانية المتحسسة من الإسلام [٢]. ويتهمجم بصراحة على كل المقدسات الإسلاميّة، وكان له تأثير على الجيل الذي ساهم في نشر فكرة الحركة الدستورية.

هذا الرجل يمثل حلقة من سلسلة مترابطة مشبوهة غامضة بدأت بالظهور منذ أواخر القرن الثامن عشر الميلادي هدفها زعزعة عقائد الناس بطرق شتى منها:

ـ إشاعة الغلو في الدين وخاصة فيما يرتبط بعقيدة الشيعة بآل البيت عليهم السلام.

ـ تأسيس «الفرق» الدينية المنحرفة، و «المذاهب» الهدامة.

ـ إثارة الشكوك الإلحادية في الدين وفي الرسالة الخاتمة.

ـ التركيز على القومية الإيرانية باعتبارها الأطروحة البديلة للإسلام.

الشيخ أحمد الاحسائي

ولنبدأ بأحد رؤوس هذه المجموعة وهو «الشيخ أحمد الاحسائي».

هذا الرجل ظهر بشكل مجهول، وأشاع أفكارا هي مزيج من غلو وخرافة

١ - انظر: زين العابدين المراغي، مصدر مذكور.

٢ - تعبير المؤلف وسائر الكتاب الإيرانيين عن الحركة الدستورية الرافضة للشريعة هو: «مشروطيت» ـ (مطروحا منها) «مشروعيت». وعن القومية الإيرانية الرافضة للإسلام: «إيرانيت» - اسلاميت»، ذكرناه لما فيه من دقة. (المترجم).

(١١٩)

وانحراف، ثم اختفى بشكل مجهول.

سمى نفسه بالشيخ أحمد الاحسائي وأهل الاحساء في شرق الجزيرة العربية لا يعرفون عنه ولا عن أسرته شيئاً، ولم تعرف المدارس الإسلاميّة في العالم الإسلامي عنه شيئاً.

يبدو أنّه استطاع أن يحصل في البحرين على إجازة رواية الحديث من «الشيخ حسين آل عصفور» وعلى إجازة مماثلة من «الشيخ كاشف الغطاء» في النجف. وكلاهما صرّحا في الاجازة بعدم معرفتهما بالاحسائي، بل رأيا أوراقا فيها شرح لكتاب «التبصرة» ادّعا أنّه حررها بنفسه، وأقام الشهود على ذلك، وبعد أن افتضح أمر الرجل تبين أنّه لم يكتبها وادعاها كذبا لنفسه.

نشط هذا المتشيخ في بث أفكاره وكان لها أثرها في إيران وملخصها:

«أن المعصومين الأربعة عشر [١] هم (الحقيقة المحمدية)، وهذه الحقيقة هي نفسها الحقيقة الإلهية!! ثم إنه هو (الشيخ أحمد) جزء من الحقيقة المحمدية، ومعرفته تشكل (الركن الرابع) من الدين. ومن عرف هذا الركن الرابع حق معرفته فقد أمن من عذاب النار ولو ارتكب المعاصي والمحرمات، وترك الواجبات».

ويذكر الشيخ الخالصي [٢] أن هذا الرجل كان له الدور الكبير في إشاعة المنكرات والمعاصي بين الناس. وأصدر علماء النجف وإيران على أثر ذلك الحكم بتكفيره، ثم اختفى فجأة ولم يعلم له أثر. وشاع في إيران آنئذ أنّه راهب مسيحي هدفه زلزلة وحدة المسلمين وزعزعة استقلال إيران.

السيد كاظم الرشتي

والحلقة التالية من هذه المجموعة المشبوهة رجل ظهر في كربلاء (من مدن

١ - وهم الرسول - صلى الله عليه وآله - وابنته فاطمة وعلي والحسن والحسين والأئمة التسعة من أولاد الحسين - عليهم السلام ـ.

٢ - انظر: الشيخ محمد الخالصي الكاظمي، مقدمة في أسرار ظهور الشيخية والبابية والبهائية.

(١٢٠)

العراق) فجأة، وسمى نفسه «السيد كاظم الرشتي» ولم يعرف أهالي رشت آنئذ عنه ولا عن أسرته شيئاً أبدا. كان ينفق الأموال الطائلة التي لا يستطيع أن ينفقها أكبر الاثرياء. وكانت له علاقات وثيقة مع الحكام والولاة العثمانيين في بغداد، ومع أن هؤلاء الحكام والولاة كانوا من السنة المتعصبين، فقد تظاهر السيد بأنه من غلاة الشيعة !!

كان هذا الرجل نشطا في إشاعة أفكار الشيخ أحمد الاحسائي، وكان الولاة العثمانيون يغدقون عليه المساعدات الكثيرة!

ومما يذكر أن والي بغداد «علي رضا باشا» كان متعصبا ضد الشيعة، وارتكب بحق الشيعة في خوزستان مجزرة رهيبة، ومع ذلك كانت له اتصالات مع «السيد كاظم الرشتي» وأعطاه مرة قصيدة «عبد الباقي العمري» ليشرحها، فشرحها شرحا مليئا بالغلو، وبقي كتاب «شرح القصيدة» من الكتب الدينية الأساسية للفرقة «الشيخية».

كان للسيد كاظم هذا ثلاثة تلاميذ جاؤوا إلى إيران وكل واحد منهم أسس فرقا دينية تسببت في تفريق الناس وتمزيق وحدة المسلمين، ونقف قليلاً عند هؤلاء التلاميذ.

الميرزا علي محمد الباب

أحد هؤلاء الثلاثة «الميرزا علي محمد الباب» وهو أشبه بالمجانين. ألف كتبا بالعربية يخبط فيها خبط عشواء، ولم يراع قاعدة عقلية بل ولا نحوية أيضاً فيما كتب. وحين سئل عن سبب هذا اللحن في كتابته قال:

«كانت اللغة العربية مذنبة فقيدها الرب بقيود النحو، وأنا شفعت لها عند الرب فتحررت من قيودها!! فلا ضير بعد اليوم أن تجروا المنصوب، وترفعوا المجرور!!».

وكان يقول: «لقد اكتمل الدين بظهوري، وأنا صورة تجمع عليا ومحمدا. وقد كانا منفردين فاجتمعا بشخصي» ولذلك سمى نفسه «علي محمد».

وقال له أحدهم يوما ساخرا لماذا تدعي أنك «الباب» مع أن أرقام حروف اسمك

(١٢١)

(علي محمد) هي نفس أرقام كلمة «رب» فصدق الرجل ما قيل له وأدعى الربوبية (تعالى الرب العزيز) وقال: حين خلق محمد وعلي بايعاني، وأنا الذي تنتظرونه منذ ألف عام [١] !!

القي القبض عليه مرات في شيراز وتبريز، ولم يجر عليه حد «الارتداد» بل بسبب «الجنون» كان يلقى في السجون. غير أن الفتنة التي أثارها أتباعه في إيران دفعت بالمرحوم «ميرزا تقي خان أمير كبير» أن يعدمه، ويذكر أن السفارة الروسية، وسفير روسيا القيصرية في طهران «البرنس دالكوركى» كان وراء هذه الفتنة أيضاً.

بعد إعدام الباب تنازع على خلافته أخوان من أتباعه هما: «الميرزا حسين علي البهاء»، والآخر «الميرزا يحيى صبح أزل». وانقسم الاتباع أيضاً بين هذين المدعيين. ثم ظهر الميرزا آقاخان الكرماني، فتزوج - كما سيأتي - من ابنة الميرزا يحيى صبح أزل، وأثنى على هذا الميرزا وعلى الميرزا علي محمد الباب والسيد كاظم الرشتي، والشيخ أحمد الاحسائي، واتخذ موقفا مناهضا لحسين علي البهاء وأتباعه البهائية.

وثاني تلاميذ السيد كاظم هو «كريم خان الكرماني» وأتباعه يسمون «الشيخية الركنية» والثالث هو «الميرزا شفيع» الذي توجه إلى تبريز وعمل على إشاعة أفكار أستاذه في الغلو».

وعلى العموم ظهرت على يد تلاميذ السيد كاظم فرق عديدة هي: الشيخية، والكشفية، والركنية، والأولادية، والباقرية، والبابية، والبهائية، والازلية، والشفيعية. وكلها استهدفت سلب عقيدة الإيرانيين ودفعهم نحو ارتكاب المحرمات والانغماس في الشهوات والمنكرات وترك العبادات والواجبات، والقضاء على الروح الوطنية فيهم وإعدادهم للتجسس واستخدام الأجنبي.

وقفة عند البابية

نقف قليلا عند ارتباط البابية بالأجنبي لما لها من علاقة بالميرزا آقا خان

١ - اعتضاد السلطنة، فتنه باب (فارسي)، شرح عبد الحسين نوائي، طهران.

(١٢٢)

الكرماني كما سنذكر.

١ - «منوجهرگرجي» أسير أرمني اصطحبه آقا محمد خان القاجاري سنة ١٢٠٩ هـ. ق. من تفليس، وأصبح من الخدم الخصيان في بيت حريم الشاه، ثم خادما خاصا للشاه… ولما أبداه من ذكاء وحنكة ولما حصل عليه من دعم روسي أصبح ذا مكانة في بلاط الشاه فتح علي… في زمن الشاه محمد القاجاري عين حاكما لأصفهان، وكان لهذا التعيين أثره السيّء على علماء الدين في إصفهان، فعارضوه بشدة… عند ظهور فتنة البابية، نُقل علي محمد الباب من شيراز إلى إصفهان فلقي من هذا الحاكم الارمني كل حماية وساعده كثيرا على نشر آرائه. ولم يكن ذلك عن موقف إنساني من هذا الحاكم، لأن منوجهر كَرجي - كما يقول اللورد كرزن - من الحكام القتلة الدمويين في إيران. ففي سنة ١٨٤١ م قبر ثلاثمائة شخص وهم أحياء [١].

٢ - يذكر «عبد الحسين آواره» وهو من أتباع الباب في كتابه «كواكب الدريّة» (فارسي): أن الباب حين كان في مازندران كان حراس الحدود الروس يحترمونه أشد الاحترام، وهموا أن يخلصوه من يد المأمورين الإيرانيين أو أن يهربوه إلى روسيا…. [٢]

٣ - يذكر صاحب كتاب «نقطة الكاف» (فارسي) وهو من كتب البابية الهامة:

«أن جناب «الحجة» (من رؤوس البابية) حين يئس من «الأمير» (يقصد الميرزا تقي خان أمير كبير) وعلم أنّه غير قادر على استعطافه، كتب عدة رسائل إلى وزراء خارجية الدول الأجنبية وذكر فيها الحالة… وهؤلاء تدخلوا للشفاعة عند الأمير، فلم يقبل شفاعتهم… سمعت أن أحد أسباب سخط قيصر روسيا على «أمير كبير» وعزله هو قتل هذه السلسلة المظلومة (يقصد الباب ومن لفّ لفه). سفير روسيا وسفير الدولة العثمانية أنحيا باللائمة على «الأمير» بشأن قتل الحضرات… وقيصر روسيا كان قد طلب في تبريز أن يكتب له بشأن حضرته (يقصد بشأن علي محمد الباب).

١ - تاريخ رجال إيران، نقلا عن السيد محمد باقر النجفي، بهائيان (فارسي)، طهران، ١٣٥٧، ص ٦١٦.

٢ - نفس المصدر: ٦١٧.

(١٢٣)

وحين وصلت هذه الرسالة كان حضرته قد استشهد…. !» [١]

٤ - ورد في أحد تقارير دالگوركي سفير قيصر روسيا لدى إيران إلى وزير خارجية بلاده:

«إنه لشيء جيد جدا أن تنهض فرقة البابية لمعارضة علماء الإسلام، وأن تبدأ ضدهم بنضال شديد وأن تتهمهم بالانحراف و…. » [٢].

الدلائل على ارتباط هذه الفرقة الضالة بالأجنبي كثيرة، وما عرضناه نموذج لذلك، وينبئ عن سعي الأجانب لزلزلة عقيدة الأُمة المسلمة ولتمزيق صفوفها.

الميرزا آقا خان الكرماني

نعود إلى الميرزا آقاخان الكرماني فهو مقصودنا الأول من هذه المجموعة المشبوهة. درس في كرمان مبادئ العلوم، وأبرز أساتذته «الحاج سيد جواد الشيرازي» فقد درس عنده أفكار «الملا صدرا الشيرازي» و «الشيخ أحمد الاحسائي» !.

تعلم شيئا من اللغة الفرنسية والإنجليزية، وحاول كثيرا أن يتعلم لغة الفرس القدماء.

من زملائه في كرمان «الشيخ أحمد روحي» (١٢٦٣ - ١٣١٤)، وسافر في العقد الرابع من عمره مع هذا الزميل إلى طهران، ثم إلى مشهد، ومنها إلى رشت، ثم تبريز، ثم بادكوبه، ثم اسلامبول، ثم توجه إلى قبرص لمقابلة «صبح أزل»، وهناك تزوج وزميله اثنتين من بنات «صبح أزل»، وعاد إلى اسلامبول وبعدها توجه إلى تبريز حيث قتل هناك، هو والشيخ أحمد روحي وشخص ثالث معهما هو «الميرزا حسن خبير الملك».

١ - نفس المصدر: ٦١٨.

٢ - شورش بابيان در إيران = تمرد البابيين في إيران، (١٨٤٨ - ١٨٥٢)، موسكو، المجمع العلمي للاتحاد السوفيتي، ج ٣٠، ص ١٤٣ - ١٥٩؛ نقلا عن النجفي، مصدر مذكور، ص ٦١٩.

(١٢٤)

أما عقائد الميرزا آقاخان فيمكن تلخيصها فيما يلي:

١ - يظهر من دراسته لأفكار الشيخ أحمد الأحسائي في كرمان، وزواجه من ابنة صبح أزل في قبرص ارتباطه الفكري والعملي بهذه المجموعة المشبوهة.

٢ - دعا إلى فكرة وجود تعارض بين الدين والعقل والى وجود تناسب عكسي بينهما. وشرح بالتفصيل فكرته هذه مؤكدا أن الإيمان بالغيب والملائكة إنّما هو نتيجة لتخلف الإنسان في مضمار العقل [١] !

٣ - حاول ميرزا آقا خان أن يضفي على إيران ما قبل الإسلام صفة الجلال والعظمة والرقي، ودافع بشكل مبتذل عن كورش وداريوش (من ملوك الاخمينيين) والاخمينيين والساسانيين، وكانت تلك بداية الطريق الذي تواصل عبر المثقفين القوميين الإيرانيين، وتوجه ! الشاه الأخير المقبور حين أعلن إقامة إحتفالات مرور خمسة وعشرين قرنا على قيام الإمبراطورية الإيرانية، ووقف على قبر كورش قائلا: «نم هنيئا فإننا يقظون» !!

٤ - هاجم الفتح الإسلامي لإيران، واعتبره تخريبا للحضارة الفارسية القديمة، وحاول أن يخلق في النفوس عداء تجاه العرب، وعزا كل المفاسد الموجودة في إيران إلى تسرب العادات العربية ! ومن أقواله: «كل غصن من شجرة الأخلاق الدنيئة في إيران له جذور فيما غرسه العرب في هذا البلد» [٢] !!

٥ - هاجم الحجاب، زاعما أن المرأة في إيران كانت قبل الإسلام متحررة، وأصبحت بعد الإسلام في سجن الحجاب معزولة مهجورة [٣].

٦ - هاجم الخط العربي الذي تكتب به اللغة الفارسية، واعتبره من مظاهر تخلف الإيرانيين [٤].

١ - فريدون آدميت، انديشه هاى ميرزا آقا خان كرماني (فارسي)، طهران ١٣٤٦، ص ١١٩.

٢ - نفس المصدر: ١٨٠، وانظر ما يقوله بشأن الفتح العربي من كلام بذيء نعف عن نقله في نفس المصدر: ٢٥٦.

٣ - نفس المصدر: ١٩٤ - ١٩٦.

٤ - نفس المصدر: ١٥٢.

(١٢٥)

لقد خلق الميرزا آقاخان بأفكاره هذه تيارا تواصل عبر «الميرزا جهانگير صور اسرافيل» و «أحمد كسروي»، وتبناه كل أدعياء التقدمية في إيران. والاسرة البهلوية المقبورة استفادت كثيرا من هذا التيار لتشويه صورة الإسلام ولتثبيت حكمها على أساس من الأفكار القومية الإيرانية.

غير أن هذا التيار واجه أقلام المفكرين الملتزمين الاحرار، الذين أماطوا اللثام عن حقيقة النظام الاجتماعي في إيران قبل الإسلام، وبينوا ما كان عليه من ظلم وتمييز طبقي وتخلف اجتماعي. وأوضحوا انحطاط المرأة ومكانتها الهابطة في تلك العصور، وذكروا ما قدمه الإسلام من خدمة عظيمة للإيرانيين حين حررهم من سلطة الطاغوت، وفجر طاقاتهم الخلاقة في شتى الميادين، ومنهم الأستاذ الشهيد مرتضى مطهري في كتابه «الخدمات المتقابلة بين إيران والإسلام» [١].

والواقع أن الأمة في إيران حطمت بإيمانها الإسلامي وبجذورها الثقافية الدينية كل هذه الخطط والمؤامرات، وأقامت بحمد الله وفضله دولة الإسلام، غير أن كل هذه الخطط تبقى عبرة للتاريخ، وتبقى تطرح هذا السؤال دائما على المسلمين: إذا كان الطامعون في القرونين الثامن عشر والتاسع عشر يخططون بهذه الدقة لزعزعة إيمان المسلمين ولتمزيق صفوفهم تمهيدا للسيطرة على مقدراتهم، فما بالك اليوم ونحن على مشارف القرن الحادي والعشرين؟ !

١ - ينقل الأستاذ المؤلف فقرات من هذا الكتاب ترد على مزاعم القوميين الإيرانيين آثرنا عدم نقلها للاختصار، محيلين القارئ الكريم إلى ترجمة هذا الكتاب القيم بالعربية.



[ Web design by Abadis ]