ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مبادئ أساسية فكرية و عملية في التقريب بين المذاهب - ٢ - \ الدكتور يوسف القرضاوي

أدب الصحوة الإسلاميّة يتجه أبدا إلى التقريب. لأنه ينظر إلى الإسلام نظرة شمولية لا ناقصة… نظرة إنسان يحمل هموم الإسلام… لا هموم الارتزاق باسم الإسلام. ولقد رأينا رواد الصحوة المعاصرين يتحدثون عن التقريب بين المذاهب الإسلاميّة بلغة واحدة، لاتكاد تفرق في هذا المجال بين لغة حسن البنا وسيد قطب والإمام الخميني والإمام الخامنئي والإمام الصدر ومحمد الغزالي…

ينطلق القرضاوي في ورقته هذه من تجاربه الثرّة في الدعوة، ومن روحه المتوهجة المتوقدة المتطلعة إلى عزة المسلمين، كما ينطلق أيضاً من سلفية واعية منفتحة قائمة على أساس فهم معمق - لا سطحي - للقرآن والسنة. في القسم الأول ذُكرت ثلاثة مبادئ أساسية في التقريب وفي هذا القسم الثاني والأخير ذِكرٌ لمبدئين آخرين.

٤ - التسامح في المختلف فيه

وإذا كان التعاون في المتفق عليه واجباً، فأوجب منه هو التسامح في المختلف فيه.

(٩١)

وبهذا تكتمل القاعدة الذهبية بشقيها، وهي القاعدة التي صاغها العلامة المجدد السيد محمد رشيد رضا رحمه الله صاحب «مجلة المنار» و «تفسير المنار»: نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضناً فيما اختلفنا فيه.

وكان الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله متمسكاً بهذه القاعدة وحريصاً على الالتزام بها فكراً، وعملاً، حتّى حسب كثير من تلامذته وأتباعه أنّه واضعها.

والمقصود بالتسامح هنا: ألا نتعصب لرأي ضد رأي آخر في المسائل الخلافية، ولا لمذهب ضد مذهب، ولا لإمام ضد إمام، بل نرفع شعار التسامح الذي عبر عنه صاحب المنار رحمه الله بقوله: «يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه».

وهذا التسامح المنشود يقوم على جملة مبادئ، نذكر منها:

أ) احترام الرأي الآخر:

ومن الدعائم المهمة هنا لتقريب الشقة وتقليل حدة الخلاف، احترام الرأي المخالف، وتقدير وجهات نظر الآخرين، وإعطاء آرائهم الاجتهادية حقها من الاعتبار والاهتمام.

وذلك مبني على أصل مهم وهو: أن كل ما ليس قطعياً من الأحكام هو أمر قابل للاجتهاد، وإذا كان يقبل الاجتهاد، فهو يقبل الاختلاف.

الذي لا يقبل الاجتهاد هو «القطعيات» التي قلنا في غير موضع إنها تجسم الوحدة الفكرية والشعورية والعملية للأمة. وهي التي لا ينبغي أن نسمح بتحويلها إلى ظنيات يجادل فيها المجادلون، ويشكك المشككون، ومن المعروف أن هذه القطعيات تمثل مساحة قليلة جداً من الأحكام العملية وجل الأحكام تقع في منطقة «الظنيات» القابلة للاجتهاد.

ولا ريب أن هذه رحمة من الله تعالى بعباده، وتوسعة عليهم، ولو شاء سبحانه لأغلق علينا باب الاجتهاد كله بالنص على كل حكم نصاً قطعياً لا يتحمل إلاّ وجهاً واحداً.

ولكنه سبحانه، رحمنا ووسع علينا، فسكت عن أشياء كثيرة لم ينص على حكمها في كتاب ولا سنة، رحمة بنا غير نسيان، فما كان ربنا نسيا، وما نص عليه جعل

(٩٢)

معظمه قابلاً لتعدد الأفهام، واختلاف التفسيرات والاستنباطات، حتّى يتسع للأصناف المتباينة من الناس، ما بين آخذ بظاهر النص وحرفيته، وآخذ بروحه وفحواه، وما بين مضيق متشدد وموسع مترخص.

وإذا كان من حقي أن أجتهد في فهم النصوص، أو فيما لا نص فيه، فلابد أن أعطي غيري الحق الذي لي، وإلا فما الذي يميزني عن غيري؟

وما دام من حق غيري أن يجتهد، فمن شأن الأمور الاجتهادية أن تختلف فيها الآراء والأفهام، وإلا لم تكن اجتهادية.

سواء رأينا أن الصواب مع أحد الرأيين أو الآراء وإن لم يُعرف هو بعينه، فإن حكم الله واحد في المسألة، وفق إليه بعضهم، وإن لم نتيقن من هو، وأخطأه غيره، وإن لم نتأكد من هو أيضاً. إلا أن الإثم مرفوع عن الجميع، بل المخطئ مأجور أيضاً على اجتهاده أجراً واحداً، كما صح في الحديث، فإن فاته أجر الإصابة فلم يفته أجر الاجتهاد.

وهنا أقصى ما يقوله المجتهد عن نفسه في الأحكام الجزئية، والفروع العملية ما روي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه، أنّه قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

وهذا الاحتمال من الجانبين - احتمال الخطأ في رأي المجتهد، واحتمال الصواب في رأي غيره - هو الذي يقرب المسافة بين الطرفين.

وهذا من إنصاف الشافعي رضى الله عنه، وسعة علمه ورحابة أفقه.

أم أخذنا بالقول الذي يرى أن الآراء الاجتهادية - مادامت صادرة عن أهل الاجتهاد - كلها صواب، وأن حكم الله في المسألة يمكن أن يتعدد، فيكون الصواب فيها هو ما انتهى إليه اجتهاد كل مجتهد، وهو ما نتحدث عنه في الفقرة التالية.

ب) إمكان تعدد الصواب:

مما يعين على التسامح في الخلافيات واحترام الرأي الآخر، الاعتقاد بإمكان تعدد الصواب.

وهنا سؤال يطرح ويحتاج إلى إجابة، وهو: هل يمكن أن يتعدد الصواب في الأمر

(٩٣)

الواحد، أم أن الصواب لا يكون إلاّ وجهاً واحداً دائماً وأبداً، لا يحتمل التعدد بحال؟

والجواب: أن في الأصوليين من يرى أن الصواب يتعدد في أحكام الفروع، وأن الصواب في كل مسألة ما انتهى إليه حكم المجتهد فيها، وإن اختلفت الاجتهادات ونتائجها اختلاف تضاد، لا مجرد اختلاف تنوع، بأن رأى أحدهم حِلَّ هذا الشيء والآخر حرمته، أو رأى أحدهم وجوبه، ورأى غيرهم عدمه.

وهؤلاء هم المعروفون في علم الأصول باسم «المُصوِّبة» ولهم أدلتهم واعتباراتم ولمخالفيهم أدلتهم وردودهم عليهم.

بل نقل عن بعض علماء السلف من طرد ذلك في المسائل الاعتقادية غير الأساسية التي اختلفت فيها طوائف الأُمة، لعدم وجود نصوص قطعية الثبوت والأدلة فيها، مثل أفعال العباد، وإرادة المعاصي، ونحوها، فقد نقل عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنّه قال عن المختلفين في هذه الأمور: هؤلاء قوم عظموا الله، وهؤلاء قوم نزهوا الله!

وهذا مقبول في المسائل الدقيقة التي حار فيها البشر من قديم، والمجتهد فيها مأجور إن شاء الله، وإن أخطأ، كما قرره ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.

وأما من لا يرى تصويب كل المجتهدين بإطلاق، وهم جمهور علماء الأُمة، وأن المجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وهو ما تشهد له ظواهر النصوص من القرآن والسنة، وتؤيده الأدلة، فعندهم يمكن أن يتعدد الصواب أيضاً في حالات معينة.

فهناك أشياء أراد الشارع نفسه أن تكون على أوجه مختلفة، وأقرها كلها ولم يقصر الصواب على وجه واحد منها.

ومن أوضح الأمثلة على ذلك تعدد أوجه القراءة للقرآن الكريم، الذي ثبت عن النبي - صلى الله عليه وآله - من طرق بلغت حد التواتر القطعي، وغدونا نرى أثره في القراءات السبع أو العشر المعروفة، والتي يسمعها المسلمون في كل مكان ويرون اختلافها، ولا يجدون فيه أي حرج في دينهم، ومن آثارها طبع مصاحف تختلف باختلاف هذه القراءات، مثل مصاحف المشارقة المطبوعة على أساس رواية حفص عن عاصم، ومصاحف المغاربة المطبوعة على أساس رواية ورش عن نافع

(٩٤)

وأصل هذا ما أقرأه النبي - صلى الله عليه وآله - لأصحابه، فأقرأهم على أكثر من وجه أو أكثر من حرف، حتّى إن بعضهم في أول الأمر أنكر على بعض قراءاته المخالفة لما تلقاه، ثم عرفوا أنهم جميعاً مصيبون، وأن هذا أمر مقصود من النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا قال لابن مسعود ومن خالفه: «كلاكما محسن» كما تقدم.

وهناك قضايا يمكن أن يتعدد فيها الصواب بقيود معينة.

كأن يكون الصواب مع هذا المجتهد في زمان، ومع مخالفه في زمان آخر.

أو أن يكون صواب المجتهد في قضية إذا نظر إلى المكان والبيئة، وإن لم يكن صواباً بالنسبة لغيره، فدار الإسلام غير دار الكفر، ودار السنة غير دار البدعة، والبادية غير الحضر.

وكذلك يكون الصواب مع المجتهد في حال معينة، ويكون مع غيره في حال أخرى. فحال الضعف غير حال القوة، وحال الاستضعاف غير حال التمكين، وحال السعة غير حال الضرورة، وحال حديث العهد بالإسلام، غير حال العريق في الإسلام الناشئ في أحضانه.

وهذا هو ما اعتمده المحققون في القول بتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال والعرف، وغير ذلك من موجبات التغيير.

وهي قاعدة مشهورة، وقد وفقني الله لإقامة الأدلة عليها من القرآن العزيز والسنة المشرفة، وهدي الصحابة، وعمل الأئمة، وذلك في دراستي عن «عوامل السعة والمرونة في الشريعة الإسلاميّة». وفي تعدد الصواب بسبب تغير الزمان، رأينا الصحابة يقرون أحكاماً لم تكن في عهد النبي - صلى الله عليه وآله - اقتضاها تغير الزمان. مثل رفض عمر تقسيم سواد العراق بين الفاتحين، خلافا لما فعله النبي - صلى الله عليه وآله - في خيبر، ومثل كتابة عثمان المصاحف وجمعه الناس عليها، وإحراقه ما عداها، خشية اختلاف الكلمة، ومثل تضمين عليّ الصناع إذا هلك ما تحت أيديهم من متاع، على خلاف ما كان من قبل، لما تغير الناس وخيف على أموالهم، ولما سئل في ذلك قال رضى الله عنه: لا يصلح الناس إلاّ ذاك. ورأينا أصحاب الأئمة يخالفون شيوخهم لاختلاف زمانهم عن زمن من قبلهم، وهذا ما سجله تاريخ الفقه بوضوح، كما قيل في بعض

(٩٥)

الخلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد: إنه اختلاف عصر وزمان وليس اختلاف حجة وبرهان.

وهو الذي جعل إماماً مثل أبي زيد القيرواني صاحب الرسالة المشهورة في المذهب المالكي يقتني كلباً للحراسة مخالفاً ما أثر عن مالك من كراهية ذلك. فلما لامه من لامه على مخالفته لإمام المذهب قال: لو كان مالك في زماننا لا تخذ أسداً ضارياً!

وكذلك يتعدد الصواب باعتبار تغير المكان وتأثيره في تكوين الرأي وتحديد الحكم، وهو ما جعل الفقهاء يقرون أحكاماً لدار الإسلام، وأخرى لدار الحرب أو دار العهد، حتّى أجاز أبو حنيفة التعامل بالعقود الفاسدة، ومنها الربا، خارج دار الإسلام، مادام ذلك بالتراضي، ودون غدر ولا خيانة.

وهو الذي جعل الفقهاء يقررون أن من أنكر الفرائض، أو المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة، يحكم عليه بالردة، إلا أن يكون ناشئاً ببادية بعيدة عن أمصار الإسلام ومواطن العلم، فيعذر لبداوته، ويعطى فرصة ليتعلم ويتفقه.

وفي تعدد الصواب، وتغير الحكم بتغير الأحوال، سواء كانت أحوال الفرد أو أحوال الجماعة، نجد أمثلة كثيرة وأحكاماً شتى.

وهو ما جعل الرسول - صلى الله عليه وآله ـ، يعطي أجوبة مختلفة للسؤال الواحد مراعياً أحوال السائلين، كالطبيب يختلف وصفه للدواء باختلاف أحوال المرضى. وهو أيضاً ما جعله يقبل من بعض الناس مالا يمكن أن يقبله من غيرهم، مثل موقعه من الأعرابي الذي بال في المسجد على مرأى من الناس، وهمّ الصحابة به ورفق به رسول الله، وأمر الصحابة أن يقدروا ظروف بداوته، وأنه لم يتأدب بعد بأدب الإسلام، فقال لهم: لا ترموه (أي لا تقطعوا عليه البول) وصبوا عليه ذنوباً من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين.

ولهذا كانت فتوى النبي - صلى الله عليه وآله - في الوقائع الشخصية لا يؤخذ منها - بالضرورة - حكم عام، لجواز أن تكون الخصوصية مراعاة فيها. ومن هنا قال الفقهاء والأصوليون: وقائع الأقوال والأعيان لا عموم لها.

(٩٦)

كما وجدنا الصحابة ينظرون إلى هذا التغير في أحوال الناس، فيعالجونه بما يناسبه من الأحكام. وهذا سر تغير أحكامهم في قضية مثل قضية عقوبة شارب الخمر، فأبو بكر يجلد أربعين، وعمر يجلد ثمانين، حين رأى الناس تمادوا في الشرب فرأى الزيادة في العقوبة ردعاً وزجراً.

وقال عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور. ورفض مبدأ الهدية له ولولاته، ولما قيل له: إن رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ، قَبِل الهدية، قال: كانت له - صلى الله عليه وآله - هدية، وهي لنا رشوة!

ومن أوضح الأمثلة التي تذكر في هذا المقام ما حكاه الإمام ابن القيم عن شيخ الإسلام ابن تيمية حين مر بقوم من التتار في دمشق، سكارى من شرب الخمر، فأنكر عليه بعض أصحابه لاقترافهم هذا المنكر، ولكن الشيخ رضي الله عنه بنور بصيرته وسعة أفقه، وعمق فقهه القائم على الموازنة بين المصالح والمفاسد، قال لهم: دعوهم في سكرهم وشربهم، فإنما حرم الله الخمر، لأنها تصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهؤلاء تصدهم الخمر عن سفك الدماء ونهب الأموال!

وهذا هو الفقه الحقيقي الذي لا يجمد بالحكم على حالة واحدة، بل ينظر إلى العلل والمقاصد، ويدير عليها الأحكام.

وهذا كما يقال في القضايا الفقهية، يقال في القضايا السياسية والاجتماعية أيضاً، وقضايا الإصلاح والتغيير، وما يتخذ له من وسائل وأدوات.

فقد يحسن في بلد ما المشاركة في الانتخابات، والدخول إلى المجالس النيابية محاولة للتأثير في السلطة التي أصبح بيدها التشريع والتقنين في الدول الديمقراطية، أو على الأقل، لإسماع صوت الإسلام عالياً، وإقامة الحجة وقطع الأعذار.

على حين يكون ذلك في بلد آخر عبثاً لا طائل تحته، ولا جدوى منه، وربما كان مشاركة في تضليل الأُمة عن الاستبداد الذي يحكمها ويتسلط عليها.

ج) حتمية الاختلاف في تكييف الواقع (تحقيق المناط):

ربما يعين على التسامح فيما يختلف فيه العاملون للإسلام اليوم: أن كثيراً من

(٩٧)

ألوان الخلاف الذي نشهده على الساحة الإسلاميّة، ليس خلافاً على الحكم الشرعي من حيث هو، ولكنه خلاف على تكييف الواقع الذي يترتب عليه الحكم الشرعي، وهو ما يسميه الفقهاء «تحقيق المناط».

فالجميع متفقون على أن الحاكم الذي يدع الحكم بما أنزل الله، إنكاراً ورفضاً له، أو استخفافاً به، وتفضيلاً لحكم البشر عليه، هو كافر بلا نزاع، ولا يستحق أن يكون في زمرة المسلمين، وينطبق عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [١] دون أي حاجة إلى تأويل بخلاف من يتركه ضعفاً، أو خضوعاً أمام القوى الأجنبية، أو حرصاً على الكرسي…. الخ.

ولكن يأتي الخلاف في أن حكام البلد الفلاني هؤلاء: هل هم من الصنف الأول أو من الصنف الآخر؟

هنا يقول البعض: إن هؤلاء رافضون جاحدون، مستخفون، فهم كفرة مرتدون مارقون.

ويقول آخرون: بل هم قوم ضفعاء مهازيل، عبيد للمناصب، ليس لديهم من قوة الدين، ولا قوة النفس، ما يجعلهم يقولون بملء أفواههم: لا.

وغيرهم يحاول أن يبرر موقفهم بأنه إملاء الضرورة، لأن الأجنبي مازال يتحكم في مقدراتهم، ونفوذه لم يبرح قائماً، وإن جلت جيوشه، ورحلت عساكره، فهو الذي يمد بالسلاح والقوت، ويعطي القروض ويمنح المعونات.

ومثل ذلك: الموقف من تغيير المنكر بالقوة، فلا خلاف أن من ملك القدرة والاستطاعة، ولم يخش أذى ولا ضرر أحد، يعجز عن احتماله هو ومن يحمل تبعته، ولم يخف من وقوع منكر أكبر من المنكر الذي يريد تغييره، فإن له - بل عليه - أن يغير المنكر بيده، وإلا انتقل من اليد إلى اللسان، ثم إلى القلب وذلك أضعف الإيمان.

ولكن الخلاف يظهر هنا في تحقيق هذا المناط، أعني هل بمقدور فلان، أو هذه الفئة من الناس، إزالة المنكر باليد بالشروط التي ذكرناها أم لا؟

١ - المائدة: ٤٤.

(٩٨)

هنا تختلف الأنظار، وتتفاوت الأفكار.

فمن الناس من يبالغون في تقدير قوتهم الذاتية بحيث يحسبون أنهم على تغيير المنكر قادرون، لمجرد أنهم يستطيعون أن يحرقوا حانة، أو يحطموا زجاجة خمر، أو يفضّوا حفلاً ماجناً بالعنف، غافلين عما قد يسببه ذلك من آثار وأضرار قد تكون أضعاف المنكر نفسه الذي أريد تغييره.

وفي مقابل هؤلاء قوم يغالون في تقليل حجمهم، وإظهار أنفسهم بمظهر الضعف، حتّى إنهم لا ينكرون المنكر بمجرد القول واللسان.

وآخرون متوسطون بين هؤلاء وأولئك، ينظرون إلى الأمر من جميع جوانبه، ناظرين إلى ما يصيب إخوانهم وأهلهم، وما يصيب سمعة الإسلام ودعاته، موازنين بين المصالح والمفاسد، مقدمين درء المفسدة على جلب المصلحة، يفوّتون أدنى المصلحتين، ويقبلون أهون الشرين.

شبهات:

ويقول بعض المخلصين المتحمسين: كيف نتعاون أو نتجمع مع المبتدعين ونغض الطرف عن بدعتهم، وقد أمرنا أن نهجرهم ولا نسلم عليهم؟

ونقول: إن البدع مراتب وأنواع، فمنها ما يصل بصاحبه إلى درجة الكفر البواح، ومنها ما دون ذلك. ومنها ما هو متفق على بدعيته، ومنها ما هو مختلف فيه. وما يدخل في نطاق الاجتهاد، فيعذر فيه المخطئ المتأول، وقد يؤجر أجراً واحداً، إن كان من أهل الاجتهاد.

ومن المبتدعين من هو تابع، ومن هو متبوع داعية لبدعته، ومنهم السهل القريب، ومنهم الحاد والعنيف.

فلا ينبغي أن يعامل الجميع معاملة واحدة، وقد يكون الاقتراب من هؤلاء والتعامل معهم بالحسنى سبيلاً إلى إقناعهم بخطئهم، وتقريبهم من الصراط المستقيم.

وقد رأينا مثل الإمام البخاري يخرج في صحيحه لبعض أهل البدع، ومنهم من كان داعية لبدعته، وذلك لأنه رآهم من أهل الصدق والضبط، حتّى إنه أخرج لعمران

(٩٩)

بن حطان أحد دعاة الخوارج وشعرائهم، على ما روي عنه من شعر مدح فيه ابن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه وكرم الله وجهه.

على أن من القواعد المقررة شرعاً: ارتكاب أخف الضررين، وأهون الشرين.

ولهذا يجوز التعاون مع مبتدع ضد مبتدع أغلظ منه إبداعاً.

بل يجوز التعاون أو التحالف مع كافر ضد من هو أكفر منه، أو التعاون مع كافر حسن الرأي والمودة للمسلمين، ضد كافر ظاهر العداوة والكيد للمسلمين.

وقد حالف النبي - صلى الله عليه وآله - بعد صلح الحديبية قبيلة خزاعة، ضد قريش الذين ناصبوه العداء، وشنوا عليه الغارات.

وفي قصة الحرب بين الفرس والروم التي انتصر فيها الفرس المجوس على الروم النصارى في أول الأمر، وما وقع من جدال بين المسلمين والمشركين من قريش في مكة، حول نتيجة هذا الصراع وعاقبته، إلى حد أن راهن أبو بكر على أن الروم سينتصرون، دليل على أن الكفر بعضه أهون من بعض، وأن بعض الكفار أقرب إلى المسلمين من بعض.

وهذا ما أدركه كل من المسلمين والمشركين في مكة، فقد اعتبر المشركون انتصار الفرس على الروم أمراً يغيظ المسلمين، لأن الفرس يعبدون النار، ويقولون بإلهين اثنين: للخير والشر، بخلاف الروم فهم أهل الكتاب وأصحاب دين سماوي….

ولا غرو أن نزل القرآن يبشر المسلمين أن الدائرة ستدور على الفرس وأن الدولة ستكون للروم.

يقول تعالى: ﴿الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو

(١٠٠)

العزيز الرحيم﴾ [١].

٥ - الكف عمن قال لا إله إلاّ الله

ولا يخفى على دارس أن أخطر أدوات التدمير لبنيان الاتحاد أو التقارب بين العاملين للإسلام خاصة، والمسلمين عامة، بل أشدها خطراً على الإطلاق، هو التكفير: أن تخرج مسلماً من الملة، ومن دائرة أهل القبلة، وتحكم عليه بالكفر والردة.

فهذا لا ريب يقطع ما بينك وبينه من حبال، فلا لقاء بين مسلم ومرتد فهما خطان متوازيان لا يلتقيان.

وقد ذكرت في رسالتي «ظاهرة الغلو في التكفير» أخطاء هذا الاتجاه وأخطاره، فهو خطيئة دينية، وخطيئة علمية، وخطيئة حركية وسياسية.

والسنة النبوية تحذر أبلغ التحذير من اتهام المسلم بالكفر، في أحاديث صحيحة مستفيضة.

ومن ذلك: حديث ابن عمر مرفوعاً: «إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، فإن كان كما قال، وإلا رجعت عليه» [٢].

وحديث أبي ذر: «من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: يا عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه» [٣] أي رجع عليه.

وحديث أبي قلابة: «من رمى مؤمناً بكفر فهو كمن قتله» [٤].

ومن هنا كان الواجب على أبناء الصحوة الإسلاميّة، الكف عن كل من قال: «لا إله إلاّ الله» فقد صحت الأحاديث أن من قالها فقد عصم دمه وماله، وحسابه على الله.

ومعنى أن حسابه على الله، أننا لم نؤمر بأن نشق عن قلبه، بل نعامله وفق الظواهر، والله يتولى السرائر.

وقصة أسامة بن زيد مع الرجل الذي قتله في المعركة بعد ما قال «لا إله إلاّ الله»

١ - الروم: ١ - ٥.

٢ - رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.

٣ - رواه البخاري ومسلم في حديث.

٤ - رواه البخاري ومسلم في حديث.

(١٠١)

واضحة كل الوضوح، فقد أنكر عليه الرسول الكريم قتله بعد قوله، ولم يقبل منه دعواه أنّه قالها تعوذاً من السيف، قائلاً: هلا شققت عن قلبه؟ !

ولهذا لا يجوز افتحام هذا الحمى، وتكفير أهل الإسلام، لذنوب ارتكبوها أو بدع اقترفوها وإن أخطؤوا الصواب فيها.

يقول الإمام ابن الوزير في هذه النقطة:

من مرجحات ترك التكفير أمر رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلاّ الله، لا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل…»، رواه أبو داود في كتاب «الجهاد من السنن». ورواه أبو يعلى من طريق أخرى، وليس فيها من ضعف إلاّ يزيد الرقادي العبد الصالح، ضعف من قبل حفظه، وقد أثنى عليه الحافظ ابن عدي ووثقه، وقال: عنده أحاديث صالحة عن أنس أرجو أنّه لا بأس به، هذا مع الثناء النبوي على عموم التابعين، فأقل أحواله أن يقوي طريق أبي داود ويشهد لها.

الحديث الثاني: عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - نحو حديث أنس بمعناه. رواه أبو داود.

الحديث الثالث: عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ: «كفروا عن أهل لا إله إلاّ الله لا تكفروهم بذنب، من كفر أهل لا إله الله فهو إلى الكفر أقرب» رواه الطبراني في الكبير من حديث الضحاك بن حمرة عن علي بن يزيد، وحمرة بالحاء والراء المهملتين بينهما ميم.

قال الهيثمي: مختلف في الاحتجاج بهما. قلت: لكن حديثهما يصلح في الشواهد ويقوى بما تقدم….

وفي الباب عن علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وأبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة وجابر بن عبدالله وأبي سعيد الخدري وعائشة رضي الله عنها وعنهم، سبعتهم عن النبي - صلى الله عليه وآله ـ، بمثل ذلك، لكن في أسانيدها مجاريح، لكن بمجموعها - مع ما تقدم - قوة، ولحديث علي - عليه السلام - شواهد عنه وهو ما تقدم من عدم تكفيره الخوارج من طرق، ومن رده لأموالهم من طرق، ويعضد ذلك عمل الصحابة، فعن جابر أنّه قيل له: هل كنتم تدعون أحداً من أهل القبلة مشركاً؟ قال: معاذ الله! ففزع لذلك، قال:

(١٠٢)

هل كنتم تدعون أحداً منهم كافراً؟ قال: لا. رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، والحديث إذا اشتهر العمل به في الصحابة دل على قوته.

وهذه الشواهد السبعة والحديث الذي قبلها كلها في مجمع الزوائد في أوائله.

ثم يذكر وجهاً آخر فيقول: قد تكاثرت الآيات والأحاديث في العفو عن الخطأ، والظاهر أن أهل التأويل أخطؤوا، ولا سبيل إلى العلم بعمدهم، لانه من علم الباطن الذي لا يعلمه إلاّ الله تعالى في خطاب أهل الإسلام خاصة: ﴿وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم﴾ [١]. قال تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ [٢] وصح في تفسيرها أن الله تعالى قال: قد فعلت، في حديثين صحيحين: أحدهما عن ابن عباس، والآخر عن أبي هريرة. وقال تعالى: ﴿ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ [٣]، فقيل ذمهم بعلمهم، وقال في قتل المؤمن مع التغليظ العظيم فيه: ﴿ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم﴾ [٤]. فقيل الوعيد فيه بالتعمد، وقال في الصيد: ﴿ومن قتله منكم متعمداً﴾ [٥].

وجاءت الأحاديث الكثيرة بهذا المعنى، كحديث سعد وأبي ذر وأبي بكرة - متفق على صحتها - فيمن ادعى أباً غير أبيه، وهم يعلم أنّه غير أبيه، فشرط العلم في الوعيد.

ومن أوضحها حجة: حديث الذي أوصى لإسرافه - أن يحرق ثم يذرى في يوم شديد الرياح، نصفه في البر، ونصفه في البحر، حتّى لا يقدر الله عليه، ثم يعذبه! ثم أدركته الرحمة لخوفه، وهو حديث متفق على صحته عن جماعة من الصحابة، منهم حذيفة وأبو سعيد وأبو هريرة، بل رواته منهم قد بلغوا عدد التواتر، كما في جامع الأصول، ومجمع الزوائد، وفي حديث حذيفة: أنّه كان نباشاً، وإنما أدركته الوحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد، ولذلك خاف العقاب، وأما جهله بقدر الله تعالى على ما ظنه محالاً فلا يكون كفراً إلاّ لو علم أن الأنبياء جاؤوا بذلك، وأنه ممكن مقدور، ثم

١ - الأحزاب: ٥.

٢ - البقرة: ٢٨٦.

٣ - آل عمران: ١٣٥.

٤ - النساء: ٩٣.

٥ - المائدة: ٩٥.

(١٠٣)

كذبهم أو أحداً منهم، لقوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتّى نبعث رسولاً﴾ [١].

وهذا أرجى حديث لأهل الخطأ في التأويل.

ويعضد ما تقدم أحاديث: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ماشاء». وهي ثلاثة أحاديث صحاح.

ولهذا قال جماعة جلّة من علماء الإسلام: إنه لا يكفر المسلم بما يبدر منه من ألفاظ الكفر إلا أن يعلم المتلفظ بها أنها كفر. قال صاحب المحيط: وهو قول أبي علي الجبائي ومحمد والشافعي.

ولعل هذا الحديث الصحيح بل المتواتر حجتهم على ذلك. أ. هـ. [٢].

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية:

ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا واليك المصير، لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا أصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فأنصرنا على القوم الكافرين﴾ [٣]. وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم.

والخوارج المارقون الذين أمر النبي - صلى الله عليه وآله - بقتالهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتّى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم ليدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار. ولهذا لم يسلب حريمهم ولم يغنم أموالهم.

١ - الإسراء: ١٥.

٢ - إيثار الحق على الخلق: ٣٩٢ - ٣٩٤.

٣ - البقرة: ٢٨٥ - ٢٨٦.

(١٠٤)

وإذا كان هؤلاء الذين في ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا، مع أمر الله ورسوله - صلى الله عليه وآله - بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منها؟ فلا يحل لإحدى هذه الطوائف أن تكفر الأخرى، ولا تستحل دمها ومالها، وإن كانت فيها بدعة محققة، فكيف إذا كانت المكفرة لها مبتدعة أيضاً؟ وقد تكون بدعة هؤلاء أغلظ، والغالب أنهم جميعاً جهال بحقائق ما يختلفون فيه.

والأصل أن دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلاّ بإذن الله ورسوله، قال النبي - صلى الله عليه وآله - لما خطبهم في حجة الوداع: «إن دماءكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا». وقال - صلى الله عليه وآله ـ: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه». وقال «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ذمة الله ورسوله». وقال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». قبل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «إنه أراد قتل صاحبه». وقال: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض». وقال: «إذا قال المسلم لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما». وهذه الأحاديث كلها في الصحاح.

وإذا كان المسلم متأولا في القتال أو التكفير بذلك، كما قال عمر بن الخطاب لحاطب بن أبي بلتعة: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي - صلى الله عليه وآله - «إنه قد شهد بدراً، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟ ». وهذا في الصحيحين. وفيهما أيضاً من حديث الإفك: أن أسيد بن الحضير، قال لسعد بن عبادة: إنك منافق تجادل عن المنافقين، واختصم الفريقان، فأصلح النبي - صلى الله عليه وآله - بينهم، فهؤلاء البدريون فيهم من قال للآخر منهم: إنك منافق، ولم يكفر النبي - صلى الله عليه وآله - لا هذا ولا هذا، بل شهد للجميع بالجنة.

وكذلك ثبت في الصحيحين عن أسامة بن زيد أنّه قتل رجلاً بعد ما قال لا إله إلاّ الله، وعظم على النبي - صلى الله عليه وآله - ذلك لما أخبره وقال: «يا أسامة أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ »، وكرر ذلك عليه حتّى قال أسامة: ما تمنيت أني لم أكن أسلمت إلاّ يومئذ! ومع

(١٠٥)

هذا لم يوجب عليه دية ولا كفارة، لأنه كان متأولاً، ظن جواز قتل ذلك القائل، لظنه أنّه قالها تعوذا.

وهكذا السلف قاتل بعضهم بعضاً من أهل الجمل وصفين ونحوهم، وكلهم مسلمون مؤمنون، كما قال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [١] فقد بين الله تعالى أنهم مع اقتتالهم، وبغي بعضهم على بعض إخوة مؤمنون، وأمر بالإصلاح بينهم بالعدل.

ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضاً موالاة الدين، لا يعادون بعضهم كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم عن بعض ويتوارثون ويتناكحون ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، مع ما كان بينهم من القتال والتلاعن وغير ذلك.

هذا مع أن الله أمر بالجماعة والائتلاف، ونهى عن البدعة والاختلاف، وقال: ﴿إن الذين فرقوا دينهم، وكانوا شيعاً لست منهم في شيء﴾ وقال النبي - صلى الله عليه وآله ـ: «عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة»، وقال: «الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد»، قال: «الشيطان ذئب الغنم والذئب إنّما يأخذ القاصية والنائية من الغنم».

فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالا أو غاوياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا فلا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها، وإذا كان قادراً على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه، وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه والأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي - صلى الله عليه وآله - في الحديث الصحيح: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً»

١ - الحجرات: ٩.

(١٠٦)

وإن كان في هجره لمظهر البدعة والفجور مصلحة راجحة هجره، كما هجر النبي - صلى الله عليه وآله - الثلاثة الذين خلفوا حتّى تاب الله عليهم، وأما إذا ولي غيره بغير إذنه وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذه الجمعة والجماعة جهلاً وضلالاً، وكان قد رد بدعة ببدعة.

حتّى إن مُصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادة الصلاة، وكرهها أكثرهم، حتّى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع. وهذا أظهر القولين، لأن الصحابة لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ولم يأمر الله تعالى قط أحداً إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة [١].

هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية بوضوح، منكراً أشد الإنكار على من يكفرون الناس بذنب أو خطأ، داعياً إلى التزام الجماعة وعدم الشذوذ عنها، ومجوزاً الصلاة وراء المبتدع.

ومع هذا نجد فيمن ينسبون أنفسهم إلى ابن تيمية من يجهل هذه الحقائق كلها، ومن يشهر سيف التكفير في وجه كل من يخالفه في رأي يرى أنه الحق، حتّى إن من هؤلاء من كفروا طوائف كبيرة تتبعها جماهير غفيرة من الأُمة، كالأشاعرة ومنهم من تطاول على كبار العلماء والدعاة، وحكم بكفرهم، غير خائف أن يبوء هو بذلك، كما أنذر بذلك الحديث الشريف.

رد حديث الآحاد لشبهة لا يكفر به:

ومن الخطأ البالغ الذي يقع فيه بعض الناشئين في العلم، أو الحدثاء في الدعوة، أو المتعجلين في الفتوى: تكفير من ينكر بعض الأحاديث الصحاح من أحاديث الآحاد، التي ربما أخرجها الشيخان: البخاري ومسلم، أو أحدهما لشبهات لاحت لهم، قد تكون قوية معتبرة، وقد تكون واهية لا اعتبار لها ولكنها - في نظر أنفسهم - شبهات جعلوها عللاً قادحة في ثبوت متن الحديث.

١ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية، ٣ / ٢٨٢ - ٢٨٧.

(١٠٧)

فهم يردون الحديث، لأنهم يرونه مخالفاً لدلالة الحس أو العقل، أو غير ذلك - مما جعله علماء الحديث أنفسهم من دلائل الوضع في الحديث - وإن كان غيرهم لا علم لهم بذلك.

ولا وجه للحكم بالكفر في هذه المسألة إذ العلماء لا يكفرون إلا من أنكر السنة مطلقاً، ولم يعتبرها مصدراً للأحكام الشرعية بعد القرآن، لأن من فعل ذلك يلزمه أن ينكر الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي لم تثبت إلاّ بالسنة، مثل كون الصلوات خمساً، وأن لكل منها وقتها المعلوم، وركعاتها المحددة، وهيئاتها المعينة المفتتحة بالتكبير، المختتمة بالتسليم، وهذا كله مما ثبت بالسنة.

أما من أنكر حديثاً أو جملة من أحاديث الآحاد، فلا يذهب فقيه واحد ولا عالم معتبر إلى كفره.

وهؤلاء أئمة أهل السنة لم يكفروا الخوارج ولا المعتزلة، رغم إنكارهم لأحاديث كثيرة من أحاديث الصحاح، كأحاديث رؤية الله تعالى (في المنام) وحديث سحر النبي - صلى الله عليه وآله - وغيرها، مما ذكره ابن قتيبة ورد عليه في كتابه الشهير «مختلف الحديث».

وكم من إمام رد حديثاً يراه غيره صحيحاً، ولا يراه هو كذلك.

بل من المحدثين أنفسهم من يرد من الأحاديث ما يصححه غيره، ولهذا ترك البخاري أحاديث أخرجها غيره.

وهذا إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين رد أحاديث «فرائض الصدقة» التي أخرجها الشيخان.

ولقد كان لأم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - آراء خاصة في شأن بعض الأحاديث التي تراها مخالفة لظاهر القرآن، فتردها، وتتهم الصحابة الذين رووها بأنهم أخطؤوا ولم يحسنوا السماع والتلقي من النبي - صلى الله عليه وآله ـ.

وهذا مثل موقفها من حديث «إن الميّت ليعذب ببكاء أهله عليه». إذ تراه معارضاً لقوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ وقد رواه اكثر من صحابي.

وحديث: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها» إذ ترى أن المؤمن أكرم على الله

(١٠٨)

من أن يعذبه في هرة، وأن المرأة كانت كافرة [١]

وحديث وقوفه - صلى الله عليه وآله - على قليب بدر، ومناداته لصناديد قريش بأسمائهم بعد دفنهم: «هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً».

وقول عمر وبعض الصحابة: أتكلم قوماً قد جُيِّفُو؟ !

يقول العلامة ابن كثير بعد أن ذكر هذا الحديث في كتابه «البداية والنهاية»: وهذا مما كانت عائشة رضي الله عنها تتأوله من الأحاديث (كما قد جمع ما كانت تتأوله في جزء) وتعتقد أنّه معارض لبعض الآيات، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه قوله تعالى: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور﴾ [٢].

قال: وليس هو بمعارض له. والصواب قول الجمهور من الصحابة ومن بعدهم، للأحاديث الدالة نصاً على خلاف ما ذهبت إليه رضي الله عنها وأرضاها [٣].

ولم يتهم أحد من الصحابة ولا من بعدهم أم المؤمنين، رضي الله عنها، برقة دينها، أو ضعف يقينها، أو تنكرها لسنة زوجها رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ.

لقد خالفوها جميعاً، وبينوا الخطأ في وجهة نظرها، ولكن أحدا لم يسمها بكلمة بسبب آرائها هذه، بل جمعوا آراءها في كتب مفردة وتحدثوا عنها بكل إجلال وتوقير، لأنها صادرة عن اجتهاد، فهي معذورة فيه، بل مأجورة عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

١ - بينا خطأ أم المؤمنين في ذلك حيث أنكرت على أبي هريرة روايته لهذا الحديث، وذلك في كتابنا: كيف نتعامل مع السنة النبوية؟ .

٢ - فاطر: ٢٢.

٣ - البداية والنهاية: ٣: ٢٩٢ - ٢٩٣، ط، بيروت.



[ Web design by Abadis ]