ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دور سيرة الرسول في إيجاد الشعور بالمسؤولية بين المسلمين \ الدكتور محمد طي

من الظواهر اللازمة للأمة الحية أن يحس أفرادها بالشخصية وبالمسؤولية وبالشعور الجماعي، وبدون ذلك لا يمكن أن نتصور وجود أمة متكافلة متعاضدة. فما هي السبل التي اتبعها الرسول - صلى الله عليه وآله - لخلق هذا الإحساس في الجيل المسلم الأول؟ هذا المقال يحاول الإجابة عن هذا السؤال.

شكل الإسلام الخاتمة للأديان السماوية فكان النظام الأشمل والمؤهل للاستمرار إلى آخر الزمان. وقد أتت الأديان السماوية أول ما أتت بالتوحيد، ثم بحدود صلاحيات الحاكم تجاه المحكوم، وذلك على الصعيد الاجتماعي والسياسي، لتقيم بذلك نظاماً يعتمد على تكريم بني آدم [١] بإعطائهم حرياتهم وحقوقهم وتحميلهم مسؤولياتهم في جوّ من الوحدة والتكافل والإحساس بالهم الجماعي، وذلك عن طريق تكوين جماعة قيادية تتمثل تعاليم الله إلى أبعد درجة، وتعليمها للآخرين تحت قيادة إمام أو خليفة متقدم على الجميع في عمله وعدله وقوة إرادته.

وفي كل هذا كان الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله - هو المهندس والمنفذ والملهم، سواء في تطبيق أحكام القرآن أو شرحها وتوضيحها وإكمالها بالأحاديث القدسية والأحاديث

* - أستاذ الفلسفة في جامعة لبنان.

١ - ﴿ولقد كرمنا بني آدم…. ﴾ الإسراء: ٧٠.

(٣١)

الشريفة أو بالسلوك العملي. وهذا ما سنوضحه في الصفحات التالية:

عمل الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله - على خلق روح المسؤولية الإنسانية بين أفراد الجماعة الإسلاميّة، بحيث تتحول إلى جسم واحد متكافل يهم كل عضو فيه مايهم المجموع ويهم المجموع ما يهم كل عضو، فما هي أهم مظاهر نشاط الرسول - صلى الله عليه وآله - في هذا المجال؟

لقد أكد الرسول - تنفيذاً للتعاليم الإلهية - تنمية الشخصية الفردية الإسلاميّة، وتعزيز روح المسؤولية، وترسيخ الشعور الجماعي، كل ذلك في ظل تعميق الوعي؛ وتمثل الأحكام الإلهية:

أ - تنمية الشخصية الفردية الإسلاميّة

يتمثل هذا الأمر بمستويين؛ مستوى تأكيد بعض الخصائص والملكات، ومستوى التمرين على التمرس بالعمل العام.

المستوى الأول:

يقوم على تكريس الشعور بالحرية واحترامها والتمسك بالحق والاعتراف به، إضافة إلى تنمية روح الأخوة والمساواة.

١ - الشعور بالحرية: وأساسه أن الإنسان يولد عادة حراً؛ إذا يقول علي - عليه السلام ـ: «لاتكن عبد غيرك وقد خلقك الله حرا» [١]. ويقول عمر بن الخطاب: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً» [٢].

ولكن هذه الحرية يمكن أن تزول إذا حارب الإنسان الله ورسوله؛ وقد حرم الإسلام الاسترقاق إلاّ لأسرى الحرب من غير المسلمين [٣]، كما أمر بمعاملتهم معاملة الإنسانية محرماً تعذيبهم وحاضّاً على تحريرهم ومعطياً إياهم حق افتكاك

١ - نهج البلاغة، شرح ابن أبي الحديد ٣ - ٤٨٥.

٢ - محمد حسين هيكل، الفاروق عمر / ١٩٨، دار المعارف القاهرة، ط ٧.

٣ - الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية، الشهيد الثاني، دار العالم الإسلامي، بيروت م ٦ / ٢٢٦.

(٣٢)

أنفسهم عن طريق المكاتبة.

على أن الحرية لا تقتصر على هذا بل تتمثل بإمكانية الإنسان على أن يأتي بأي عمل ويقوم بأي تصرف مما لم يمنعه الشرع المقدس، من مثل الأمور التي عملت الإنسانية قروناً متطاولة حتّى حصلت على بعضها، من حرية الذهاب والإياب والعمل والنشاط السياسي، ضمن إطار الإسلام، ورحية المعتقد وغيرها.

٢ - الحق: والحقوق الفردية: تعتبر اليوم صنو الحريات العامة، وهذه الحقوق تتمثل بحق الملكية، بحيث لا يجوز انتزاع أملاك الناس إلاّ بحقها، سواء كان هؤلاء الناس من المسلمين أو من أهل الكتاب، وهذا أمر كرسه الرسول الأكرم لاسيما في مجال أملاك اليهود بعد فتح خيبر [١]، كما كرسه الخلفاء وخاصة الإمام علي - عليه السلام ـ، الذي كان يوصي قادته بأن لا يسخّروا حماراً ولا بعيراً وأن لا يستأثروا بماء قوم دون رضاهم.

٣ - المساواة: وهي من أهم ما جاء به الإسلام على الصعيد الاجتماعي، فقد كان الرسول الأكرم يعامل المسلمين بالعدل والقسطاس دونما تمييز أو محاباة في العطاء أو في النظرة أو البسمة، وكان يواسيهم بنفسه سواء في أيام الحرب أو أيام السلم، بل كان أكثرهم تضحية، وهذا ما يؤكده علي - عليه السلام - حين يقول: «كنا إذا أحمر البأس اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وآله ـ، فلم يكن أحد منا أقرب إلى العدو منه».

كما أن الرسول - صلى الله عليه وآله - يؤكد هذا المعنى في أحاديثه فيقول: «كلكم لآدم وآدم من تراب» [٢]. ويقول: «كلكم سواسية كأسنان المشط». و «لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود ولا لأسود على أبيض إلاّ بالتقوى» [٣]. كل هذا مصداق لقوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم…. ﴾ [٤].

١ - الواقدي، المغازي، تحقيق د. ماسدن جونسون، ط دار المعارف المصرية: ٦٩.

٢ - مسند أبي داود: ١١١، مسند احمد ٢ / ٢٦١ - ٥٢٤.

٣ - مسند أحمد ٥ / ٤١١.

٤ - الحجرات: ١٣.

(٣٣)

٤ - الاخوّة: اعتبر رسول الله - صلى الله عليه وآله - أن المسلم أخو المسلم، وقد فرض هذا الأمر بشكل مباشر عندما آخى بين المهاجرين والأنصار، حيث أخذ الأنصار ﴿…ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة…. ﴾ [١].

ولكن تلك لم تكن الحالة الوحيدة للتآخي، بل كانت إحدى تطبيقات المبدأ القرآني العام الذي يقول: ﴿إنّما المؤمنون إخوة…. ﴾ [٢] وقد حضّ رسول الله - صلى الله عليه وآله - على التآخي وأوصى بتطبيق مستلزمات هذا التآخي، من مثل قوله - صلى الله عليه وآله ـ: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» أو «لا يخذله» [٣] وقوله: «المؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه» [٤].

٥ - التكريم: ولعل كل هذا من مظاهر تكريم الله للإنسان كما ورد في سورة الإسراء، ذلك التكريم الذي يرفع به درجة ابن آدم ويسخّر له ما في الأرض، ويمنع إهانته وإذلاله بالانتقاص من أي من حقوقه المذكورة، ولعل هذا ما يؤهل الإنسان ويمكنه من ممارسة خلافة الله في الأرض، فإذا فرّط الحاكم في هذه المستلزمات فهو ظالم، وإذا تخلى عنها المحكوم فهو أيضاً ظالم لنفسه، أما إذا جرى احترام هذه الشروط فهي تؤهل الإنسان للقيام برسالته.

المستوى الثاني:

١ - تنمية الشخصية الفردية: عمل الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله - على تنمية شخصية الفرد، وإطلاق طاقاته لاسيما المكبوتة منها، وإذا به يكشف عن قادة أبطال كان من المرجح أن يبقوا مغمورين طيلة حياتهم، كما اهتم الرسول - صلى الله عليه وآله - بالعمل على إعادة التوازن إلى الشخصيات النقيضة، أي التي كانت تشعر بشيء من التعالي يعود إلى النسب أو الشهرة أو المال، وذلك عن طريق إخضاعهم لقيادة من تعتبرهم أدنى مستوى كما اهتم الرسول - صلى الله عليه وآله - بتعليم أصحابه وتمرينهم على التفاعل والاهتمام

١ - الحشر: ٩.

٢ - الحجرات: ١٠.

٣ - راجع صحيح البخاري م ٢٢ كتاب المظالم ٢ / ٣، وصحيح مسلم م ٤، ح ٨: ١١، ح ٣٢.

٤ - سنن أبي داود، دار الفكر ٤ / ٢٨٠، ح ٤٩١٨.

(٣٤)

بالقضايا العامة، وأسهم في إطلاق ملكة التفكير السياسي عند الجميع عن طريق الشورى التي تتطلب من كل فرد أن يُعمِل عقله ويحلل ويستنتج، وقد ظهر من جراء هذا قادة سياسيون ومفكرون وأصحاب رأي ومشورة، أسهموا بحدود معينة، بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وآله - وكان من الممكن أن يسهموا بشكل أفضل لو أن الحكم الإسلامي استمر على النهج النبوي، لاسيما بعد الخلفاء الراشدين.

٢ - قيادة السرايا: إن من يراجع سجل الغزوات والسرايا في زمن الرسول - صلى الله عليه وآله - يكتشف أن من بين أهم من كان يكلفهم أناساً كانوا مغمورين قبل الإسلام، وكثيراً ما يكلف زيد بن حارثة [١] وهو مولاه وهبته له خديجة التي كانت اشترته في سوق عكاظ، وكذلك أسامة ابنه، كما كان يكلف المستضعفين من مهاجري الحبشة أو غيرهم، كأبي عبيدة الجراح وسعد بن أبي وقاص وأبي سلمة بن عبد الأسد وعبد الرحمن بن عوف وشجاع بن وهب الأسدي وعمر بن الخطاب وأبي بكر، ممن كانوا ينتمون إلى البطون الضعيفة من قريش أو أحلافها أو ممن كانوا ينتمون إلى الأفخاذ الضعيفة من البطون القوية.

أما في الحوادث الخطيرة فقد كان الرسول يكلف أقرباءه كحمزة وعبيدة بن الحارث اللذين قاما بأول سريتين وكذلك علي بن أبي طالب - عليه السلام - وأخوه جعفر، وقد قتل ثلاثة منهم في غزوات وسرايا الرسول - صلى الله عليه وآله ـ.

وأخير كان الرسول يشجع المؤلفة قلوبهم أو حديثي الإسلام على قيادة السرايا، موظفاً إمكاناتهم في سبيل الدين الحنيف، لعل ذلك يغير في قناعاتهم، من أمثال أبي سفيان وعيينة بن حصن الفزاري ومن أمثال عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وغيرهما، هذا إلى جانب التكليف بالمهمات والسفارات، كتكليف أبي عبيدة الجراح بحل بعض مشاكل نصارى نجران، وتكليف عثمان بن عفان بسفارة إلى مكة يوم الحديبية، وتكليف بعض أصحابه بحمل الرسائل إلى الملوك والأباطرة.

أما إذا كانت المهمة غير عادية فكان الرسول - صلى الله عليه وآله - يكلف بها أهل بيته، كتكليفه

١ - ابن سعد الطبقات الكبرى، طبعة طهران م ٢، ١ / ٦٢ - ٣٢٧.

(٣٥)

جعفر بن أبي طالب - عليه السلام - بالسفارة إلى النجاشي ورعاية مهاجري الحبشة، وتكليف علي بن أبي طالب - عليه السلام - بإبلاغ سورة براءة إلى المشركين.

٣ - الشورى: ورد في الكتاب العزيز ﴿…. وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إنّ الله يحب المتوكلين﴾ [١]، وقد مارس الرسول - صلى الله عليه وآله - هذا الحكم على أوسع نطاق، فما دهمته حادثة إلاّ استشار أصحابه بصددها، وكثيراً ما كان يطلب مشورة أصحاب العلاقة المباشرين.

فقد استشار بعض المسلمين المستضعفين في الهجرة إلى الحبشة بقوله: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عند أحد»، واستشار - صلى الله عليه وآله - الناس بشأن غزوة بدر وأشار عليه المقداد وبعض آخر بالإقدام، ثم ركز استشارته على الأنصار لكونهم لم يتعهدوا له بالجهاد الإيجابي (أو القتال الهجومي بلغة اليوم) فكان رأي السعدين إيجابياً، واستشار الرسول - صلى الله عليه وآله - أصحابه بشأن مكان التموضع في بدر، واستجاب لمشورة الحباب بن المنذر، واستشار - صلى الله عليه وآله - أصحابه بشأن فداء أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب.

وقبل معركة أحد استشار الرسول - صلى الله عليه وآله - أصحابه بشأن البقاء في المدينة أو الخروج منها واستجاب لرأي يخالف رأيه، وبعد تحزب الأحزاب قبل وقعة الخندق استشار - صلى الله عليه وآله - أصحابه فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق، وفي محاولة مصالحة غطفان في موقعة الخندق لدفعها إلى التراجع مقابل حصة من تمر المدينة، استشار الرسول - صلى الله عليه وآله - ذوي الشأن سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فأشارا بعدم الموافقة، فأخذ الرسول - صلى الله عليه وآله - بالمشورة.

٤ - روحية العفو: كان الرسول يبتعد عن روح الانتقام ويلجأ إلى العفو في كل الأمور التي لا يؤدي العفو فيها إلى مس بالدين أو بحقوق الله وحدوده، وكان هذا تمريناً لأصحابه على التخلي عن الضغائن ونسيان أحقاد الجاهلية، ليبدأوا مسيرة جديدة بعيدة عن روح التعصب القبلي، وكان هذا حثاً لمن يسلم فيما بعد؛ للتخلي

١ - آل عمران: ١٥٩.

(٣٦)

عن كل أنواع التعصب مهما يكن منشؤه، ولعل أهم موقف أظهر سمو الرسول العظيم - صلى الله عليه وآله - كان يوم فتح مكة، حيث خاطب أولئك الذين اضطهدوه واضطهدوا أصحابه وأخرجوهم من ديارهم وقتلوهم، بقوله: «يا معشر قريش ويا أهل مكة، ما ترون أني فاعل بكم؟ » قالوا: «أخ كريم وابن أخ كريم» فقال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

وكان ذلك بعد أن مكنه الله من رقابهم.

وكان رسول الله قد عهد إلى أمرائه على الجيش أثناء دخوله مكة بأن لا يقتلوا أحداً إلاّ من يقاتلهم. وسحب الراية من سعد بن عبادة حين أخذ سعد يهدد، وأعطاها علي بن أبي طالب - عليه السلام ـ.

هذا؛ وقد أعلن رسول الله - صلى الله عليه وآله - حين فتح مكة - وهو بباب الكعبة - بطلان كل الحقوق المترتبة قبل ذلك لأسباب متعلقة بالقتال وذلك بقوله: «لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له، صدق وعده ن ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده… ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلاّ سدانة البيت وسقاية الحاج».

ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وآله - يتواني عن حض أصحابه على العفو والتنازل ونسيان الحزازات تنفيذاً لأحكام الله تعالى.

ب - المسؤولية

إن المسؤولية فرع من فروع الأمانة التي حملها الله للإنسان، بقوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ [١]. وهذه المسؤولية تقوم عند الإنسان المسلم بعد تأمين مستلزماتها على ثلاثة محاور؛ المحور الأول: المسؤولية عن الدين، والمحور الثاني: المسؤولية عن المجموع، والمحور الثالث: المسؤولية عن الأفراد.

أولا: المسؤولية عن الدين وهي تقوم على الانصياع لأحكام الله المتعلقة بنشر الدعوة وبمقاومة الانحرافات

١ - الأحزاب: ٧٢.

(٣٧)

الصغيرة منها والكبيرة.

١ - نشر الدعوة: ففي مجال نشر الدعوة حضّ الله تعالى على التبشير بالأفكار الإسلاميّة وبثها بين الناس، وحيثما تعذّر ذلك أمر الله تعالى بالقتال، فقد قال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير…﴾ [١]. وقال: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني…﴾ [٢]، وقال أيضاً: ﴿ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة…﴾ [٣] كما قال: ﴿وادع إلى ربك انك لعلى هدى مستقيم﴾ [٤]. كما قال تعالى: ﴿…. وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين﴾ [٥]، وقال: ﴿ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين﴾ [٦].

أما طريقة الجدال التي أمر الله بها بداية فهي أن يجري الجدال بالحسنى، لا سيما مع أهل الكتاب إذا لم يظلموا، إذا يقول تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن إلاّ الذين ظلموا منهم… ﴾ [٧] يقول: ﴿… وجادلهم بالتي هي أحسن…. ﴾ [٨] وقد أكد الرسول - صلى الله عليه وآله - هذه الأحكام، فأمر أولاً بدعوة المشركين إلى الإسلام فإن أبوا فعند ذلك يحل قتالهم، فقد قال - صلى الله عليه وآله ـ: «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله» [٩]، كما قال جواباً عن سؤال علي - عليه السلام - في معركة خيبر: «قاتلهم حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها وحسابهم على الله» [١٠].

٢ - مقاومة الانحراف: وهي تقوم على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،

١ - آل عمران: ١٠٤.

٢ - يوسف: ١٠٨.

٣ - النحل: ١٢٥.

٤ - الحج: ٦٧.

٥ - القصص: ٨٧.

٦ - فصلت: ٣٣.

٧ - العنكبوت: ٤٦.

٨ - النحل: ١٢٥.

٩ - صحيح البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت ط ١، ١٩٩٢، ج ١، ب ١٧، ح ٢٥.

١٠ - صحيح مسلم، دار الفكر لبنان، فضائل الصحابة ٤ / ١٢١.

(٣٨)

الذي ورد في عدد من الآيات القرآنية [١]، وقد أكد الرسول - صلى الله عليه وآله - هذا المبدأ في سيرته، حيث يقول في موضوع الجلوس في الأسواق في تفسير إعطاء حق الطريق: «غض البصر وكف الأذى ورد السلام وأمر بالمعروف وأنه عن المنكر» [٢] وفي حديث أبي ذر: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وآله - أن لا يغلبونا على ثلاث: أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونعلم الناس…. » [٣]. وفي مجال حث المسلمين على التميز عن بني إسرائيل يقول - صلى الله عليه وآله ـ: «والله لتأمرن بالمعروف ولتنهين عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنّه على الحق أطراً ولتقصرنّه على الحق قصراً» [٤]، وفي مجال التهديد في حال التخلي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقول - صلى الله عليه وآله ـ: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهن عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم» [٥].

ولعل أهم ما في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقاومة أئمة الجور، حيث يقول رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ: «من رأى سلطاناً جائراً مستحلاً لحرم الله، ناكثاً لعهد الله، مخالفاً لسنة رسول الله، يعمل في عباده بالإثم والعدوان فلم يغير عليه بفعل ولا قول، كان حقا على الله أن يدخله مدخله» [٦].

وقد جاء عن علي - عليه السلام - في تفسير الآية الكريمة: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله…. ﴾ [٧]: «إن المراد بها الرجل يقتل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» [٨].

١ - آل عمران: ١٠٤ - ١١٠ - ١١٤ - الأعراف: ١٥٧، التوبة: ٦٧ - ٧١ـ ١١٢، الحج: ٤١، لقمان: ١٧.

٢ - صحيح البخاري: ٣ - ١٤٤، ملاحم: ١٢٢.

٣ - سنن الدارمي، دار الفكر، بيروت ١: ١٣٦.

٤ - سنن أبي داود، دار الفكر، بيروت ٤: ١٢٢.

٥ - سنن الترمذي، دار الكتب العلمية ٤: ٤٠٦.

٦ - راجع الفتوح، دار الندوة الجديدة، بيروت، ٤ / ١٢، والطبري تاريخ الأمم والملوك مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت ٤: ٣٠٤.

٧ - البقرة: ٢٠٧.

٨ - الحر العاملي، وسائل الشيعة، كتاب الجهاد، ٦١ - ١٤٣ ح ٢، ط ١، ١٩٩٢.

(٣٩)

ثانيا: المسؤولية عن المجموع:

كل مسلم مسؤول عن مجموع المسلمين، في مجال الدفاع عن الدين والذب عن بيضة الإسلام، وفي مجال العمل والجد لرفعة دولة الإسلام وقوتها، وقد خاطب الله تعالى جميع أفراد الأُمة الإسلاميّة وحمّلهم هذه المسؤولية، فإذ يحثهم تعالى على القتال يقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا…. ﴾ [١] ﴿…خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً﴾ [٢] ﴿إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار﴾ [٣].

﴿…. أطيعوا الله ورسوله ولاتولوا عنه…﴾ [٤] ﴿…. إذا لقيتم فئة فاثبتوا…. ﴾ [٥] ﴿…. ما لكم إذا قيل كل انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض ﴾ [٦] ﴿. قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة…. ﴾ [٧].

وإذ ينهاهم عن موادّة الكافرين يقول تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين…. ﴾ [٨] ﴿…. لاتتخذوا اليهود والنصارى أولياء…. ﴾ [٩]، ﴿…. لاتتخذوا عدوي وعدوكم أولياء…. ﴾ [١٠] ﴿…. كونوا أنصار الله…. ﴾ [١١].

وإذ يريد منهم أن يطيعوه ورسوله ويستقيموا يقول تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول…. ﴾ [١٢] ﴿… كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا…. ﴾ [١٣] ﴿…. كونوا قوامين بالقسط شهداء لله…﴾ [١٤] ­﴿…. استجيبوا لله

١ - آل عمران: ٢٠٠.

٢ - النساء: ٧١.

٣ - الأنفال: ١٥.

٤ - الأنفال: ٢٠.

٥ - الأنفال: ٤٥.

٦ - التوبة: ٣٨.

٧ - التوبة: ١٢٣.

٨ - النساء: ١٤٤.

٩ - المائدة: ٥١.

١٠ - الممتحنة: ١.

١١ - الصف: ١٤.

١٢ - النساء: ٥٩.

١٣ - المائدة: ٨.

١٤ - النساء: ١٣٥.

(٤٠)

وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم…﴾ [١] ﴿… اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ﴾ [٢].

وإذ يرشدهم إلى محاسن الأخلاق واحترام الآخرين يقول تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل…. ﴾ [٣] ﴿… أوفوا بالعقود…﴾ [٤] ﴿…. لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ [٥] ﴿…. لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتّى تستأنسوا وتسلّموا على أهلها…﴾ [٦] ﴿…. إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة…﴾ [٧] ﴿…. لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيراً منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب…. ﴾ [٨] ﴿…. اجتنبوا كثيراً من الظن…. ﴾ [٩]، ﴿…. إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع…. ﴾ [١٠] ﴿…. لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله… وأنفقوا مما رزقناكم…. ﴾ [١١].

وهكذا فإن الخطاب القرآني موجه إلى مجموع المؤمنين وليس إلى السلطة أو إلى فريق خاص، ومن هنا تكون المسؤولية جماعية تجاه ما يعترض الجماعة الإسلاميّة من مشاكل أو ما يقع على عاتقها من واجبات، على أن هذا لا يتعارض مع كون بعض هذه الواجبات فروض عين يجب أن يقوم بها كل أفراد الجماعة، وكون بعضها فروض كفاية لا تستدعي تدخل جميع الأفراد، بل قسم منهم فيجزي عن الآخرين.

ثالثاً: المسؤولية عن الأفراد:

وهذه المسؤولية قد تقوم للدفاع عن مجموعة من الأفراد أو حتّى عن فرد واحد، ذلك أن هناك - إلى جانب الدفاع عن النفس - الدفاع عن الآخرين، وهناك سد

١ - الأنفال: ٢٤.

٢ - الأحزاب: ٧٠.

٣ - البقرة: ١٨٨.

٤ - المائدة: ١.

٥ - الأنفال: ٢٧.

٦ - النور: ٢٧.

٧ - الحجرات: ٦.

٨ - الحجرات: ١١.

٩ - الحجرات: ١٢.

١٠ - الجمعة: ٩.

١١ - المنافقون: ٩ - ١٠.

(٤١)

حاجات المحتاجين ومواساة المنكوبين وما إليها، إضافة إلى إنقاذ المجموعة العاجزة عن حماية نفسها، إذ يقول تعالى: ﴿ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً﴾ [١].

الشعور الجماعي: لقد ألح الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله - على زرع هذا الشعور وتنميته، فبعد عمليات المؤاخاة بين المسلمين، كان القتال الجماعي وتنامي روح التضحية عند كل فرد، ثم كانت عوامل التلاحم الاجتماعي، في جو من التوحيد الروحي، بحيث يكون هدف كل فرد الآخرة؛ فينصرف عن الصغائر الدنيوية.

١ - الوحدة في القتال: جاء في الكتاب العزيز ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾ [٢]. وفي هذا الجو تولد وحدة المصير بحيث يشعر كل مقاتل بأنه جزء من المجموع الذي يقاتل من أجل القضية الواحدة، وبأن قوة المجموع قوة لكل فرد وقوة كل فرد قوة للمجموع، وبعدها لايهم أن يستشهد الفرد أو أن يبقى حياً ما دام قد انصهر في الوحدة الكبرى، ولعل هذا ما أعطى ذلك الزخم للقتال الذي فتح به المسلمون الأوائل البلاد الواسعة، عندما كانوا يتسابقون لتحقيق المعجزات، لا لتوفير السلامة الفردية، ولم يكن جائزاً أن ينكص المقاتل، إذ يقول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً فلا تولوهم الأدبار. ومن يولّهم يومئذ دبره إلاّ متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير﴾ [٣] فقد كان الواجب أن يواسي كل أخاه بنفسه فلا يدع الأعداء يستفردونه، وهذا ما يؤكده تلميذ الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله - علي بن أبي طالب - عليه السلام - بقوله: «رحم الله امرءاً واسى أخاه بنفسه ولم يكل قرنه إلى أخيه فيجتمع قرنه وقرن أخيه، فيكتسب بذلك اللائمة ويأتي بدناءة» [٤].

١ - النساء: ٧٥.

٢ - الصف: ٤.

٣ - الأنفال: ١٥ - ١٦.

٤ - فروع الكافي، دار الأضواء، ١٩٨٥، م ٥ / ٣٨، كتاب الجهاد، باب وصية أمير المؤمنين - عليه السلام - عند القتال، ح ١.

(٤٢)

والى جانب هذا كان المسلمون مطالبين بإظهار الشجاعة والبطولة، بحيث لا يكتفون في القتال بالتصدي لأمثالهم، بل لأضعافهم، فقد كان مطلوباً أن تتصدى المجموعة لعشرة أضعافها بناء على قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [١]، ولكن الله مالبث أن هون على المؤمنين الأمر، فأنزل الخمسة أضعاف إلى الضعفين بقوله تعالى: ﴿الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ [٢].

كل هذا في جو من المساواة والكرامة المحفوظة للجميع ولكل فرد، حتّى أن ما يريده المقاتل - حتّى ولو كان من أقل المقاتلين من إنقاذ فرد من أفراد العدو - يلزم الجميع، بقوله - صلى الله عليه وآله ـ: «المؤمنون إخوة تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم» [٣]، وتفسير ذلك أنّه «أيما رجل من أدنى المسلمين أو أفضلهم نظر إلى رجل من المشركين فهو جار حتّى يسمع كلام الله، فإن تبعكم فأخوكم في الدين، وإن أبى فأبلغوه مأمنه واستعينوا بالله عليه» [٤].

إن كل هذه الأحكام، من شأنها إذا ما نفذت أن تصهر المقاتلين جميعاً في بوتقة واحدة فيصبحوا كأنهم أعضاء في جسم واحد، ولكلٍ وظيفة يؤديها في المجموع والأفراد.

٢ - بث روح التضحية: وذلك عن طريق ترسيخ حب الهجرة مع ما تحمله من تضحية ومشاق، وزرع روح الشهادة على أساس قوله تعالى: ﴿…. فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم

١ - الأنفال: ٦٥.

٢ - الأنفال: ٦٦.

٣ - فروع الكافي، باب إعطاء الأمان: ٣٠.

٤ - المرجع نفسه، باب وصية رسول الله - صلى الله عليه وآله - لأمير المؤمنين - عليه السلام - في السرايا: ٢٧ ح ١.

(٤٣)

جنات تجري من تحتها الأنهار ثواباً من عند الله والله عنده حسن الثواب﴾ [١].

ذلك أن الشهادة بنحو خاص هي حياة، إذ يقول تعالى: ﴿ولاتقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾ [٢]، فهم استبدلوا الحياة الآخرة بالحياة الدنيا، لذلك يأمرهم الله تعالى بالقتال فيقول: ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يُقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً﴾ [٣] ذلك لأنهم وهبوا الله أنفسهم وأموالهم مقابل دخولهم الجنة ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون…. ﴾ [٤] ومن هنا يصبح عند المؤمن سيان أن يقتل أو ينتصر، فكل هي الحسنى: ﴿قل هل تربصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين﴾

[٥].

هذا وقد مارس رسول الله - صلى الله عليه وآله - الجهاد وحض عليه، فقال كناية عن ذلك: «الخير كله في السيف وتحت ظل السيف ولا يقيم إلاّ السيف، والسيوف مقاليد الجنة والنار» [٦]. ورأى أن الجهاد مفخرة تتجاوز من قام به إلى أعقابه، فيقول - صلى الله عليه وآله ـ: «اغزوا تورثوا أبناءكم مجداً» [٧].

وبناء على ذلك فإن حرمة المجاهد تزداد عند الله ما دام في جهاده فمن «اغتاب مؤمناً غازياً أو آذاه أو خلفه في أهله بسوء نصب له يوم القيامة فيستغرق حسناته ثم يُركس في النار، إذا كان الغازي في طاعة الله عزّوجلّ» [٨].

على أن التضحية لا تقتصر على هذا النوع من الجهاد، بل هي مطلوبة للدفاع عن أفراد المسلمين لدفع الشر عنهم فـ «من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يجبه

١ - آل عمران: ١٩٥. وكذلك قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وان الله لهو خير الرازقين﴾ الحج: ٥٨.

٢ - البقرة: ١٥٤.

٣ - النساء: ٧٤.

٤ - التوبة: ١١١.

٥ - التوبة: ٥٢.

٦ - فروع الكافي، م ٥ كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد: ٢، ح ١.

٧ - المصدر نفسه: ٨، ح ١٢.

٨ - المصدر نفسه / ح ١٠.

(٤٤)

فليس بمسلم» ولعل أهم أوجه دفع الشر، هو دفع الشرور التي تطال أعداداً متزايدة من المسلمين كالفيضان والنار أو سائر الأعداء، يقول - صلى الله عليه وآله ـ: «من رد عن المسلمين عادية ماء أو نار أو عادية عدو مكابر للمسلمين غفر الله له ذنبه» [١].

التحابب بين المؤمنين

أمر رسول الله بالاهتمام بأمور المسلمين، فـ «من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم» [٢].

كما أمر بأن يكون الموقف من الله هو المعيار، لا الموقف الشخصي ولا المنفعة الشخصية، ذلك أن «أوثق عرى الإيمان الحب في الله، والبغض في الله، وتولي أولياء الله، والتبري من أعداء الله» [٣]. ومن هنا تصبح معاملة المسلم كمعاملة النفس سواء في الأنصاف منها أو في مواساة الآخرين، فـ «سيد الأعمال إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الأخ في الله، وذكر الله على كل حال» [٤].

كما يأمر - صلى الله عليه وآله - بإسداء المعروف إلى جميع الناس، سواء منهم المستحقون أم المستحقين، فهو يقول: «اصنع المعروف إلى من هو أهله والى من ليس من أهله، فإن لم تصب من هو أهله فأنت أهله» [٥].

ومن المعروف إغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج، فـ «الخلق عيال الله، وأحب

١ - وسائل الشيعة، مؤسسة أهل البيت لأحياء التراث، ١٩٩٢، م ١٥، كتاب الجهاد: ١٤٠، ح ١.

٢ - المصدر نفسه، الباب ٦ / ١٤٢، ح ٢، راجع كذلك المصدر نفسه ح ١ حيث يقول - صلى الله عليه وآله ـ: «من رد عن قوم من المسلمين عادية ماء أو نار وجبت له الجنة».

٣ - وسائل الشيعة ١٦ - ٣٣٦، أبواب فعل المعروف ح ٢.

٤ - المصدر نفسه كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، باب ١٧ - ١٧٧، ح ٤.

٥ - المصدر نفسه، أبواب جهاد النفس م ١٥، باب ٣٤ - ٢٨٣، ح ٢، راجع كذلك المصدر نفسه ٢٨٤ ح ٥، حيث يقول - صلى الله عليه وآله ـ: «من واسى من ماله وأنصف الناس من نفسه فذلك المؤمن حقاً».

(٤٥)

الخلق إلى الله من نفع عيال الله» [١]، ولعل أجر المساعدة يزداد مع ازدياد الشدة والحرج، فـ «من أغاث أخاه المسلم حتّى يخرجه من هم وكربة وورطة كتب الله له عشر حسنات، ورفع له عشر درجات، وأعطاه ثواب عتق عشر نسمات، ودفع عنه عشر نقمات، وأعد له يوم القيامة عشر شفاعات» [٢].

والى جانب هذا فإن من أمسّ واجبات المسلم تجاه المسلم النصيحة له في المشهد والمغيب، فـ «إن أعظم الناس منزلة عند الله يوم القيامة أمشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه» [٣]، هذا ويبث الإسلام في المؤمنين إلى جانب الشدة مع الأعداء المعاندين أخلاق التراحم والتواصل، يقول تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم…﴾ [٤]. على أن هذا الواجب ليس مفروضاً على كل مسلم يمارسه بمفرده، بل مطلوب من كل مسلم أن يمارسه وأن يوصي إخوانه بممارسته بحيث تعم الرحمة بين الجميع، يقول تعالى: ﴿ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة﴾ [٥].

وقد أثبت الرسول - صلى الله عليه وآله - هذه الأحكام فحضّ على الرحمة بقوله - صلى الله عليه وآله ـ: «من لا يرحم لا يُرحم» [٦]، كما حض على صلة الرحم فقال في حديث قدسي: إن الله تعالى خاطب الرحم قائلاً: «أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك» [٧]، وشدد الرسول - صلى الله عليه وآله - على التزاور في الصحة والمرض فقال - صلى الله عليه وآله ـ: «من عاد مريضاً أو زار

١ - المصدر نفسه، أبواب فعل المعروف م ١٦، باب ٣ / ٥٩٣، ح ٤، راجع كذلك المرجع نفسه: ٢٩٥، ح ١٦، حيث يقول - صلى الله عليه وآله ـ: «رأس العقل بعد الإيمان التودد إلى الناس واصطناع الخير إلى كل بر وفاجر».

٢ - المصدر نفسه: ٣٤٤، ح ٨.

٣ - المصدر نفسه، باب ٢٩ - ٣٧٣، ح ٨، وباب ٣٥، ص ٣٨٢، ح ٥، وح ٤، إذ يقول - صلى الله عليه وآله ـ: «لينصح الرجل منكم أخاه كنصيحته لنفسه».

٤ - الفتح: ٢٩.

٥ - البلد: ١٧.

٦ - صحيح البخاري م ٤، ج ٧، باب ١٨ / ٩٩، ح ٥٩٩٧.

٧ - المصدر نفسه، باب ١٣ / ٩٦.

(٤٦)

أخاً له في الله ناداه مناد أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً» [١].

وهكذا يصبح المؤمنون جسماً واحداً يهم الفرد فيه ما يهم الجميع ويهم الجميع ما يهم الفرد، وهذا ما يؤكده الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله - بقوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [٢].

الثواب الأخروي: إن ما يزيد في التعلق بالإيثار والتضحية، الثواب الأخروي، فالمؤمن الذي يضحي لا يقيم حساباً للأرباح والخسائر في الدنيا، وإلا فإن الكثيرين ممن يقومون بالأعمال الكبيرة كانوا يدعونها مالم تجر لهم نفعاً بقدرها، ولكن الدين الإسلامي بتركيزه على الجزاء الأخروي، دفع أتباعه المؤمنين بمبادئه إلى التعلق بالآخرة والتضحية بالدنيا، يقول تعالى مفضّلاً الآخرة على الدنيا: ﴿…. قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا﴾ [٣]. و﴿وما هذه الحياة الدنيا إلاّ لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كان يعلمون﴾ [٤].

ومن هنا وجبت التضحية بالدنيا في سبيل الآخرة، حيث يقول تعالى: ﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة﴾ [٥].

ويؤكد الرسول الأكرم هذه الأمور فيقارن بين حب الدنيا وحب الآخرة فيقول: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله ولم يأته من

١ - سنن الترمذي، كتاب البر، باب ٦٤ / ٣٢٠، ح ٢٠٠٨.

٢ - صحيح البخاري م ٤، ج ٧، كتاب الأدب، باب ٧ / ١٠٢، ح ٦٠١١، وصحيح مسلم ج ١٦، باب البر / ١١٥، ح ١٦.

٣ - النساء: ٧٧، وكذلك الأعراف: ١٦٩ حيث يقول تعالى: ﴿… والدار الآخرة خير للذين يتقون…. ﴾.

٤ - العنكبوت: ٦٤، وكذلك ﴿يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار﴾ غافر: ٣٩.

٥ - النساء: ٧٤.

(٤٧)

الدنيا إلا ما قدره له» [١]. حتّى المجاهد، إن كان جهاده يحتمل غرضاً دنيوياً فجهاده باطل، فقد سئل رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ: «رجل يريد الجهاد في سبيل الله وهو يبغي عرضاً من عرض الدنيا؟ »، فقال - صلى الله عليه وآله ـ. «لا أجر له» [٢].

الضمانات الاجتماعية

تشكل هذه الضمانات صيغة من صيغ التلاحم والاندماج الاجتماعي، بحيث يشعر كل فرد أن الجماعة مسؤولة عنه فيطمئن إلى غده وغد عياله من الناحية المادية، فقد كلف الإسلام الأغنياء بإعالة الفقراء على قدر الاستطاعة، ولم يترك الأمر للعفوية والاستحباب، بل هو فرض حقوقاً للفقراء في أرباح الأغنياء، وهذه الحقوق يمكن أن تصل إلى درجة الكفاية إذا سمحت الأحوال الاقتصادية.

وإذا شعر الإنسان بالتحرر من العبء المعيشي على هذا الوجه، فإنه يندفع إلى الجهاد والتضحية دون أن يشغله هم من يعولهم.

ولعلنا ندرك أهمية أمر الضمانات الاجتماعية إذا نظرنا إلى آثارها في أيامنا الحاضرة، علما بأن الإسلام يتجاوز ما توفره الأنظمة القائمة اليوم، والتي لم توفر ما توفره إلاّ بعد المعاناة والصراع وتهديد سلطة الحاكمين.

وهكذا؛ فإلى جانب الاعتقاد بالتكفل الإلهي بالأرزاق في كل حال، يرى المؤمن بأم عينه - ومن بين مصاديق هذا التكفل - مسألة الحقوق المفروضة للفقراء في أرباح الإغناء فيطمئن قلبه، حتّى لو كان ممن يساورهم شيء من الشكوك.

تمثل تعاليم الإسلام

إن الالتزام بأحكام الدين الحنيف ومحاولة تمثلها والتعلم من الرسول

١ - سنن الترمذي، دار الكتب العلمية ١٩٨٧، م ٤، كتاب القيامة، باب ٣٠ / ٥٥٤، وقد جاء في سنن ابن ماجة، م ١، المقدمة باب ٢٣ / ٩٥، ح ٢٥٧، : «من جعل الهموم هماً واحداً، هم آخرته، كفاه الله هم دنياه، ومن تشعبت به الهموم في أحوال الدنيا لم يبال الله في أي واد هلك».

٢ - صحيح البخاري ٧، كتاب الرقاق: ٢١٩، مسند احمد بن حنبل ٤ / ٢٢٩ - ٢٣٠.

(٤٨)

الأكرم - صلى الله عليه وآله - باستمرار كان قميناً بأن يخلق إنساناً جديداً متميزاً لا تهمه مطامع الدنيا ولا بهارجها، إنساناً خلق للآخرة، يذوب شوقاً إلى الله وتعلقاً بالآخرة، يتجافي جنباه عن المضاجع قياماً لله تعالى، ويعتاد البكاء خشية من الله تعالى، فميا يكون أسداً هصوراً في المعارك لا يبالي إن قتل أو عاش، بل يفضل الشهادة على الحياة الفانية.

على أن كل هذا لم يكن ليحصل بين ليلة وضحاها، بل هو امتد على مدة طويلة، وجعل المسلمين متمايزين بداية بالفضل ليعلم السابق اللاحق فيتكامل الجميع وينتهي؛ إذا ما سارت الأمور حسب ما خطط الله تعالى وعمل الرسول الأكرم، إلى التوحيد في الله.

لقد جعل الله ورسوله آل بيت محمد - صلى الله عليه وآله - في المقدمة ليقودوا الناس ويعلموهم، وجعل السابقين إلى الإسلام قبل غيرهم في الفضل المعنوي، ولكن في عملية تفاعلية تجعل الأفضل يرتقي بالمفضول فيتكامل الجميع…. [١].

١ - يتحدث الكاتب في بقية المقال عن دور آل البيت في وحدة المجتمع الإسلامي، حذفناه للاختصار.



[ Web design by Abadis ]