ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 القصص القرآني - القسم الثاني \ الأستاذ السيد محمد باقر الحكيم

على الساحة القرآنية الرحبة تلتقي كل الأفكار والآراء والمشاعر الخالصة لربها والمخلصة لدينها ورسالتها… وما أجدر برسالة التقريب وهي تركز على مساحات الالتقاء أن تقف طويلا عند مائدة القرآن الكريم لتقدم الزاد الذي لا يختلف فيه جميع أبناء المذاهب الإسلاميّة.

الاهتمام بالدراسات القرآنية يجمع العقول والقلوب ويشدها نحو هدف واحد سام رفيع يسمو على الصغائر والاختلافات الجانبية… خاصة إذا كانت هذه الدراسات تنطلق من فهم معمق منفتح لأهداف رسالة القرآن في مجالاتها البناءة المعطاءة. في الحلقة الأولى تحدث الباحث عن الفرق بين القصص القرآني وغيره، وأغراض القصة في القرآن الكريم، وفي هذه الحلقة يدور الحديث عن بعض ظواهر القصة القرآنية.

[١٥]

ظواهر عامة في القصة القرآنية

على ضوء هذه الأهداف للقصة يحسن بنا أن ندرس ظواهر أساسية برزت في عرض القصة القرآنية:

تكرار القصة في القرآن الكريم

من ظواهر القصة في القرآن الكريم تكرار الحديث عن القصة الواحدة في مواضع مختلفة. وقد أثيرت بعض الشبهات حول هذه الظاهرة فقيل: إن القصة بعد أن تذكر في القرآن مرة واحد تستنفد أغراضها الدينية والتربوية والتاريخية فلماذا يتحدث عنها القرآن الكريم مرة أخرى. وقد أثيرت هذه المشكلة في زمن مقدم من البحث العلمي في القرآن الكريم، لذا نجد الإشارة إلى ذلك في مفردات الراغب الأصفهاني، وفي مقدمة تفسير التبيان للشيخ الطوسي [١]، قال: والوجه في تكرير القصة بعد القصة في القرآن: أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم تكن الانباء والقصص متكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم وقصة نوح إلى قوم آخرين، فأراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع، ويثبتها في كل قلب ويزيد الحاضرين في الافهام.

فالشيخ الطوسي يفسر التكرار بعاملين:

الأول، معالجة التفرق في القطع القرآنية ليكون تكرار القصة موجباً لوصولها إلى الجميع.

والثاني، زيادة إفهام الحاضرين الذين يصلهم القرآن الكريم بكامله.

وعبارة الشيخ الطوسي قد لا تعالج المسألة بشكل أساسي، غير أنها تدل على أن الموضوع طرح في الدراسات القرآنية عند القدماء أيضاً.

١ - التبيان، مقدمة المؤلف ١ / ١٤.

[١٦]

ونحن هنا نذكر بعض الوجوه التي يمكن أن تكون تفسيراً لتكرار القصة الواحدة في القرآن الكريم:

الأول: أن التكرار إنّما يكون بسبب تعدد الغرض الديني الذي يترتب على القصة الواحدة، وقد عرفنا في بحثنا السابق لأغراض القصة [١] أن أهداف القصة متعددة، فقد تأتي القصة في موضع لأداء غرض معين، وتأتي في موضع آخر لأداء غرض آخر وهكذا.

الثاني: أن القرآن الكريم اتخذ من القصة أسلوباً لتأكيد بعض المفاهيم الإسلامية لدى الأُمة المسلمة، وذلك عن طريق ملاحظة الوقائع الخارجية التي كانت تعيشها الأُمة وربطها بواقع القصة من حيث وحدة الهدف والمضمون.

وهذا الربط بين المفهوم الإسلامي في القصة والواقعة الخارجية المعاشة للمسلمين قد يؤدي إلى فهم خاطئ للمفهوم المراد إعطاؤه للأمة، فيفهم انحصاره في نطاق الواقعة التي عاشتها القصة وظروفها الخاصة، فتأتي القصة الواحدة في القرآن الكريم مكررة من أجل تفادي هذا الحصر والتضييق في المفهوم، وتأكيد شموله واتساعه لكل الوقائع والأحداث المشابهة، ليتخذ صفة القانون الأخلاقي أو التاريخي الذي ينطبق على كل الوقائع والأحداث.

الثالث: أن التكرار يكون سبباً في فاعلية القصة كمنبّه للأمة على علاقة القضية الخارجية التي تواجهها - في عصر النزول أو بعده - بالمفهوم الإسلامي لتستمد منه روحه ومنهجه. فيكون تكرار القصة بياناً للمنبه عند الحاجة إليه.

ولعلّ هذا السبب والسبب الذي قبله هو ما يمكن أن نلاحظه في تكرار قصة موسى والفرق بين روحها العامة في القصص المكي وروحها في القصص المدني، فإنها تؤكد في القصص المكي منها على العلاقة العامة بين موسى من جانب وفرعون وملائه من جانب آخر، دون أن تذكر أوضاع بني إسرائيل تجاه موسى نفسه، إلا في موردين يذكر فيهما انحراف بني إسرائيل عن العقيدة الإلهية بشكل

١ - لزيادة الإيضاح أنظر: سيد قطب، التصوير الفني في القرآن / ١٢٨ - ١٣٤.

[١٧]

عام، وهذا بخلاف الروح العامة لقصة موسى في السور المدنية فإنها تتحدث عن علاقة موسى مع بني إسرائيل وتتحدث عن هذه العلاقة وارتباطها بالمشاكل الاجتماعية والسياسية.

وهذا قد يدلنا على أن هذا التكرار للقصة في السورة المكية إنّما كان لمعالجة روحية تتعلق بحوادث مختلفة واجهت النبي والمسلمين، ومن أهداف هذه المعالجة توسعة نطاق المفهوم العام الذي تعطيه قصة موسى في العلاقة بين النبي والجبارين من قومه، أو القوانين التي تحكم هذه العلاقة، وأن هذه العلاقة مع نهايتها لا تختلف فيها حادثة عن حادثة أو موقف عن موقف.

ولعل إلى هذا التفسير تشير الآيات الكريمة التي جاءت في سورة الفرقان:

﴿وقال الذين كفروا لو لا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا. ولا يأتونك بمثل إلاّ جئناك بالحق وأحسن تفسيرا. الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلاً ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيراً﴾ [١].

الملاحظ في هذه الآيات أن القرآن يذكر أنّ سبب التدرج والترتيب في القرآن الكريم هو التثبيت للنبي من ناحية والإتيان بالحق والتفسير الأفضل للوقائع والأحداث والأمثال من ناحية أخرى، ثم يأتي بهذا التفسير الأحسن من قصة موسى - عليه السلام ـ.

الرابع: أن الدعوة الإسلاميّة مرت بمراحل متعددة في سيرها الطولى، وقد كان القرآن الكريم يواكب هذه المراحل ويماشيها في عطائه وطبيعة أسلوبه، وهذا كان يفرض أن تعرض القصة الواحدة بأساليب متفاوتة في الطول والقصر… نظراً لطبيعة الدعوة وطريقة بيان المفاهيم والعبر فيها، كما نجد ذلك في قصص الأنبياء حين تعرض في السورة القصيرة المكية ثم يتطور العرض بعد ذلك إلى شكل أكثر تفصيلاً في السور المكية المتأخرة أو السور المدنية.

١ - الفرقان / ٣٢ - ٣٥.

[١٨]

الخامس: أن تكرار القصة لم يأت في القرآن الكريم بشكل يتطابق فيه نص القصة مع نص آخر لها، بل كان فيها شيء من الزيادة والنقيصة. وإنّما تختلف الموارد في بعض التفاصيل وطريقة العرض، لأن طريقة عرض القصة القرآنية قد تستبطن مفهوماً دينياً يختلف عن المفهوم الديني الآخر الذي تستبطنه طريقة عرض أخرى. هذا الأمر، الذي نسميه بالسياق القرآني، يقتضي التكرار أيضاً، لتحقيق هذا الغرض السياقي الذي يختلف عن الغرض السياقي الآخر لنفس القصة، وسوف تتضح معالم هذه النقاط بشكل أكثر عند دراستنا التطبيقية التالية لقصة موسى في القرآن الكريم.

وقد ذكر السيوطي في الإتقان عدة أسباب أخرى ينسبها إلى «البدر بن جماعة» في كتابه (المقتنص في فوائد تكرار القصص).

منها: ما ذكره الشيخ الطوسي آنفاً.

ومنها: أن ذلك كان من وسائل التحدي بالقرآن لاختلاف القصة بالنظم، ومع ذلك عجز العرب عن الإتيان بمثله.

وذكر أسباباً أخرى فيها تكرار لهذه الأسباب [١].

اختصاص القصة بأنبياء الشرق الأوسط

وثمة ظاهرة أخرى هي أن القرآن الكريم تحدث عن مجموعة من الأنبياء كانوا يعيشون جميعاً في منطقة الشرق الأوسط، أي المنطقة التي كان يتفاعل معها العرب الذين نزل القرآن في محيطهم ومجتمعهم. وقد تفسر هذه الظاهرة بأن النبوات كانت بالأصل في هذه المنطقة، ومن خلالها انتشر الهدى في جميع أنحاء العالم، ويؤيد ذلك الاستعراض التاريخي للنبوات وتاريخ الإنسان في التوراة، وبعض الأبحاث الآثارية والروايات الدينية خصوصاً الواردة عن أهل البيت - عليهم السلام ـ، وحينئذ يصبح تفسير هذه الظاهرة واضحاً، وهو أن الواقع التاريخي للحياة الإنسانية فرض

١ - الإتقان في علوم القرآن ٣ / ٢٣٠ - ٢٣١ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم.

[١٩]

هذه الظاهرة.

ولكن توجد شواهد في القرآن الكريم تنفي هذا التفسير لهذه الظاهرة، فالقرآن يشير في بعض آياته إلى أن هناك مجموعة أخرى من الأنبياء لم يتحدث عنهم القرآن الكريم، مع أن حياتهم لابد وأنها كانت زاخرة بالأحداث، شأنهم في ذلك شأن الأنبياء الآخرين:

﴿انّا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبوراً ورسلاً قد قصصناهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما﴾ [١].

كما أنّ هذا المضمون جاء أيضاً في سورة (غافر / ٧٨)، علماً بأن سورة النساء من السورة المدنية المتأخرة، ومن هنا فلا مجال لاحتمال أن هذه الآية نزلت في فترة زمنية لم يكن القرآن قد تعرض فيها إلى جميع قصص الأنبياء التي وردت في القرآن الكريم.

وهناك مجموعة من الآيات تدل على أن الأنبياء والرسل كانوا يبعثون إلى كل قرية ومدينة لإقامة الحجة من الله على الناس، كما نفهم من الآية (١٦٥) من سورة النساء، التي جاءت في سياق الآيتين السابقتين. ﴿رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيما﴾ [٢].

بالإضافة إلى موارد أخرى لها هذه الدلالة:

﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ [٣].

﴿وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم حتّى يبين لهم ما يتقون…﴾ [٤].

﴿ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون﴾ [٥].

١ - النساء: ١٦٣ - ١٦٤.

٢ - النساء: ١٦٥.

٣ - النحل: ٣٦.

٤ - التوبة: ١١٥.

٥ - يونس: ٤٧.

[٢٠]

﴿إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً وإن من أمة إلاّ خلا فيها نذير﴾ [١].

وجاء التعبير في بعض الآيات عن ذلك بوجود الشهيد في كل أمة (النساء: ٤١ - النحل: ٨٤ - القصص: ٧٥).

ومن هنا فلابد من تفسير هذه الظاهرة بتفسير آخر كأن يكون الغرض الأساس من القصة كما ذكرنا هو انتزاع العبرة واستنباط القوانين والسنن التاريخية منها، ولم يكن الغرض من القصة السرد التاريخي لحياة الأنبياء أو كتابة تاريخ الرسالات، ولذلك يتحدث القرآن عن الأمور العامة المشتركة بين هؤلاء الأنبياء، عدا بعض الموارد التي يكون هناك غرض خاص في طرح بعض القضايا فيها.

ولما كان تأثير القصة في تحقيق هذه الأغراض يرتبط بمدى إيمان الجماعة بواقعيتها، وإدراكهم لحقائقها، ومدى انطباق ظروفها على ظروف الجماعة نفسها، لذا تكون القصة المنتزعة من تاريخ الأُمة نفسها، ومن واقعها وظروفها وحياتها أكثر تأكيداً وانطباقاً على السنّة التاريخية، وأكثر تأثيراً في الواقع الروحي والنفسي للجماعة، وقد أكدنا سابقاً أن صفة «الواقعية» من الصفات التي تتميز بها القصة القرآنية.

وبهذا تكون هذه القصص اكثر انسجاماً مع هذا الهدف القرآني، بلحاظ أن القاعدة التي يريد أن يحقق القرآن الكريم التغيير فيها في المرحلة الأولى هي الشعوب التي تسكن هذه المنطقة، وتتفاعل مع هذا التاريخ، وهذا لا يعني أن القرآن الكريم تختص هدايته بهذه الشعوب، بل أن أحد أغراض القرآن هو إيجاد التغيير في هذه الشعوب كقاعدة ينطلق منها التغيير ويستند إليها في مسيرته إلى بقية الشعوب كما حصل ذلك فعلاً، وأشرنا إليه في بحث الهدف من نزول القرآن.

صحيح أنّه قد تكون القصة المنتزعة من تاريخ النبوات التي كانت في الهند أو الصين - على فرض وجودها في تلك المناطق وهو فرض منطقي ومقبول جداً - مؤثرة في الشعب الهندي أو الصيني، إلاّ أن القرآن الكريم كان مهتماً بشكل خاص

١ - فاطر: ٢٤.

[٢١]

وفي مرحلة نزوله بتغيير القاعدة التي تتمثل بالشعب العربي والشعوب المتفاعلة معه فعلاً في ذلك الوقت. وضرب الأمثال وسرد القصص عن هذه الأمم التي لم تكن موجودة في المحيط الذي نزل فيه القرآن يبعد القصة بأكملها عن «الواقعية» التي حرص القرآن الكريم على تأكيدها في قصصه، ولكن تبقى النتائج العامة المشتركة بين الأنبياء ذات تأثير عام بالنسبة إلى مختلف الشعوب.

فقصة النبي الواحد لها تأثير خاص يرتبط بالوسط الذي تواجد فيه ذلك النبي، باعتبارها حالة التجسيد المعاش في ذلك الوسط، وذات التأثير الشعوري والوجداني فيه. وفي الوقت نفسه يكون للقصة تأثير عام ضمن المفاهيم العامة والسنن التاريخية التي توحي بها القصة، والعبر التي يمكن أن تستخلص منها، وهذا ما يمكن أن تستفيد منه كل الشعوب الأخرى. وبذلك يتحقق للقرآن الكريم بُعده العام الشامل، ويبقى حياً ومؤثراً في هذا الوسط وغيره من الأوساط الإنسانية.

نعم من الصحيح أن نضيف أيضاً القول بأن الأنبياء مثل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى يمثلون الأصول العامة للنبوات في كل العالم، وكان خاتمهم النبي محمد - صلى الله عليه وآله - يمثل امتداداً لتلك النبوات، ولكن نجد أن القرآن لم يتحدث عن هذه الأصول وتفرعاتها فحسب، بل تحدث عن أنبياء مثل صالح وشعيب وهود ويونس وإدريس وغيرهم ممن يمثلون نبوات ليست بهذا القدر من الأهمية على الظاهر. والله هو العالم بحقائق الأمور.

ظاهرة تأكيد إبراهيم وموسى

من الملاحظ أن القرآن الكريم أكد في قصصه على بعض الأنبياء وذكر تفاصيل حياتهم وظروفهم أكثر من بعضهم الآخر، ونجد ذلك في خصوص النبي إبراهيم وموسى عليهما السلام مع أنّه قد يقال بأن الخصائص العامة لحركة الأنبياء والدعوة الإلهية التي يراد منها بالأصل استنباط «العبرة» و «الموعظة» أو استخلاص القانون والسنة التاريخية، أو تحقيق الأغراض الأخرى متشابهة، ويؤكد ذلك ما نجده في القرآن الكريم في بعض الموارد من الإشارة إلى قصص مجموعة من الأنبياء في سياق

[٢٢]

واحد.

فهل إن هذا «التأكيد» يعني أهمية شخصية هذا النبي وفضله بالمقارنة مع بقية الأنبياء فقط؟ أو يمكن أن يكون وراء ذلك - مضافاً إلى هذه الأهمية - مقاصد وأهداف أخرى اقتضت هذا اللون من التأكيد؟

والجواب عن هذا السؤال، أن بعض هؤلاء الأنبياء قد يكون أفضل من بعض آخر، ويظهر من القرآن الكريم أن هذا الأفضل هو نوح وإبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام - باعتبارهم أنبياء أولي العزم. ولكن لا يعني ذلك ارتباط تأكيد القرآن على هؤلاء الأنبياء بأفضليتهم. لأن القرآن بالأصل ليس بصدد تقويم عمل هؤلاء الأنبياء والحديث عن التفاضل بينهم، وإنّما الأهداف الأصلية للقصة التي أشرنا إليها وذكرها القرآن هي العبرة والموعظة وتصديق النبوات والتثبيت وإقامة الحجة والبرهان على صدق نبوة محمد - صلى الله عليه وآله - ومضمون رسالته، كما تشير إليه الآيات القرآنية.

﴿وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾ [١].

﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ [٢].

﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً﴾ [٣].

ولذلك يمكن أن نقول بأن السبب في تأكيد القرآن لشخصية هؤلاء الأنبياء في حديثه عنهم لأسباب أخرى يأتي في مقدمتها: أن لهؤلاء الأنبياء أتباعاً وأقوماً يرتبطون بهم - روحياً وعقائدياً - في المجتمع الذي كان يتفاعل القرآن معه عند نزوله من العرب والأقوام الأخرى المحيطة بهم، وهذا الأمر كان يفرض - من أجل إيجاد القاعدة الرسالية - أن يتحدث عنهم القرآن بإسهاب.

١ - هود: ١٢٠.

٢ - يوسف: ١١١.

٣ - النساء: ١٦٥.

[٢٣]

مضافاً إلى أسباب أخرى ذات علاقة بالهدف العام للقرآن الكريم الذي أشرنا إليه سابقاً.

بالنسبة للنبي إبراهيم - عليه السلام - يمكن أن نجد الأسباب التالية لتوسع القرآن في الحديث عنه:

١ - كان إبراهيم - عليه السلام - يعتبر لدى كل القاعدة التي نزل فيها القرآن الكريم (المشركين، واليهود، والنصارى) أبا لجميع الأنبياء ويحظى باحترام الجميع له.

٢ - إن تأكيد القرآن ارتباط الإسلام وشعائره بإبراهيم له أهمية خاصة في إعطاء الرسالة الإسلاميّة جذراً تاريخياً ممتداً إلى ما هو أبعد من الديانتين اليهودية والنصرانية، ويحقق لها الاستقلال عنهما من ناحية، والوحدة مع هذه الديانات في المصدر التشريعي لها وهو الله تعالى من ناحية أخرى.

٣ - إعطاء فكرة «التوحيد» التي طرحها القرآن على المشركين أصلاً وانتماءاً يرتبط به هؤلاء المشركون في تاريخهم بحيث يكون الشرك والوثنية انحرافاً عن هذا الأصل الصحيح، وبذلك يعالج القرآن الكريم الحاجز النفسي الذي كان يعيشه المشركون في موضوع العدول عن دين الآباء والأجداد.

قال تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير﴾ [١].

٤ - ويتجلى هذا الربط التاريخي بشكل أوضح عندما يصبح إبراهيم - عليه السلام - هو المبشر بالنبي العربي الأمي، حيث يكون هذا الرسول هو الأمل المنقذ، وتكون بعثة الرسول محمد - صلى الله عليه وآله - استجابة لدعاء إبراهيم - عليه السلام - وذلك في مثل قوله تعالى:

﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم. ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة

١ - الحج: ٧٨.

[٢٤]

ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم﴾.

٥ - إعطاء الرسالة الإسلاميّة شيئاً من الاستقلال عن اليهودية والنصرانية يحرر القاعدة التي يتفاعل معها القرآن من الشعور بالتبعية روحياً ومعنوياً ودينياً لعلماء اليهود والنصارى، لأنها كانت تنظر إلى علماء اليهود والنصارى بأنهم أهل الذكر والكتاب والمعرفة بالأديان والرسالات السماوية، أو ترى أن الأصل في الديانات هو اليهودية والنصرانية كما سوف نشير إلى ذلك.

﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين. إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين﴾ [١].

﴿وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾ [٢].

ومن هنا نفهم أهمية تأكيد القرآن قصة بناء إبراهيم للكعبة، وندائه بالحج، لأن هذه الشعائر الدينية ليس لها وجود في الديانة اليهودية والمسيحية من ناحية، وللموقع الخاص الذي كانت تحتله الكعبة بين العرب عامة من ناحية أخرى، وللقرار الذي كان القرآن قد اتخذه بجعل الكعبة قبلة للمسلمين، تأكيداً لاستقلالية الرسالة في كل معالمها من ناحية ثالثة. صرف الأنظار عن الأرض المقدسة وبيت المقدس - الذي يحظى بالقدسية الخاصة بسبب نشوء الديانات المختلفة فيه - ووجود إبراهيم وأنبياء بني إسرائيل كلهم في هذه الأرض، يحتاج إلى إعطاء هذه الأهمية للبيت والكعبة المشرفة وهذا الانتساب الأصيل إلى إبراهيم.

وأما النبي موسى - عليه السلام - فإننا يمكن أن نجد الأمور التالية أيضاً في تأكيد قصته:

١ - موقعه من الديانة اليهودية والشعب الإسرائيلي والانجاز السياسي والاجتماعي الذي حققه لهم، وكذلك ما تحقق من خلال التوراة من تشريع وحكمة وقانون.

٢ - إن المعانات الطويلة التي مر بها موسى - عليه السلام - كانت تشبه معاناة رسول

١ - آل عمران: ٦٧ - ٦٨.

٢ - البقرة: ١٣٥.

[٢٥]

الله - صلى الله عليه وآله - سواء تجاه الطغاة الفراعنة أم المنافقين من الإسرائيليين، أم في توطيد دعائم الحكم الإلهي في الأرض.

٣ - إن موقع موسى - عليه السلام - من الديانتين اليهودية والنصرانية كان موقعاً متميزاً، لأن النصرانية أيضا كانت ترى أن الأصل في الدين هو موسى - عليه السلام - وما جاء به من نور أو تشريعات وقوانين وأن النصرانية هي عملية تصحيح للانحرافات اليهودية وأيضا كانت تعترف بالتوراة القائمة (العهد القديم).

٤ - إننا نجد ملامح الظروف الموضوعية القائمة التي كانت تحيط بالرسالة الإسلاميّة والقرآن الكريم في موطن نزوله، وبالمجتمع الذي يعمل على تغييره موجودة في كل هذه الأمور المرتبطة بهذين النبيين العظيمين. لأن القرآن كان يعايش ويتفاعل باستمرار مع أهل الكتاب وعلمائهم وأقوامهم، وكان بحاجة إلى هذا التفصيل، والحديث - أحياناً - حتّى عن الحياة الشخصية لموسى - عليه السلام - لما في ذلك من التأثير في أوساطهم.

٥ - إن العرب المشركين كانوا ينظرون إلى علماء اليهود - الذين يتصلون بهم أحياناً - أنهم أهل الذكر والكتاب والوحي الإلهي والمعرفة بالرسالات الإلهية كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك.

قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [١].

وقال تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً﴾ [٢].

ولاشك أن القرآن يكون أكثر تأثيراً في هذه الأوساط أيضاً عندما يتحدث عن النبي موسى - عليه السلام - حديث العارف بكل الخصوصيات والأمور بحيث يفوق كتب العهدين بذلك.

٦ - القرآن يسعى جادا لإعطاء فكرة أن هذه الرسالات إنّما تمثل امتداداً واحداً في

١ - النحل: ٤٣.

٢ - النساء: ٥١.

[٢٦]

الوحي الإلهي، وانتساباً واحداً إلى السماء، في الوقت نفسه يؤكد على استقلالية الرسالة الإسلاميّة، بمعنى أنها ليست تابعة ومتشعبة عن التحرك الرسالي أو السياسي للرسالات الأخرى، كما أنها ليست عملاً إصلاحياً في إطار تلك الرسالات، بل هي من جانب مصدقة لها، لأنها تمثل امتداداً للرسالات الإلهية في التاريخ البشري، ولكنها من جانب آخر وفي الوقت نفسه مهيمنة عليها أو مستقلة عنها.

قال تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فأحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ [١].

ويتضح ذلك بشكل أفضل بملاحظة سياق الآيات السابقة عليها، والتي يشير فيها القرآن الكريم إلى نزول التوراة والإنجيل والنسبة بينهما، والتي تختلف عن نسبة القرآن إليهما.

وحديث القرآن عن عيسى - عليه السلام - يأتي لإزالة ما علق في أذهان الجماعة التي نزل فيها القرآن من أفكار وتصورات منحرفة عن الأنبياء تنافي مع عصمتهم أو علاقتهم بالله أو طبيعة شخصيتهم، من هنا تحدث القرآن الكريم عن شخصيته وظروفها أكثر مما تحدث عن أعماله ونشاطاته. وهذا يمثل غرضاً وهدفاً آخر بالإضافة إلى الأغراض السابقة التي أشرنا إليها في الفصل السابق.

قال تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون. الحق من ربك فلا تكن من الممترين. فمن حاجك فيه من بعد ماجاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلاّ الله وإن الله لهو العزيز الحكيم﴾ [٢].

وكذلك ما جاء من الحديث في القرآن عن حياة مريم وولادة عيسى في سورة آل عمران، أو في سورة مريم، أو الاهتمام بمناقشة فكرة ألوهية عيسى التي جاءت في

١ - المائدة: ٤٨.

٢ - آل عمران: ٥٩ - ٦٢.

[٢٧]

عدة موارد، منها ما جاء في سورة المائدة:

­﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ قال: سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب…﴾ [١].

ظاهر أسلوب القصة

لاشك أن أسلوب القصة في القرآن الكريم جاء متميزاً عن الأسلوب المعروف للقصة في التراث الأدبي والإنساني، حيث يكتفي القرآن الكريم بذكر الأحداث بشكل إجمالي أحياناً وبدون ترتيبها الزماني أحياناً أخرى، أو الانتقال فيها من حدث إلى آخر باقتطاع جانب من الأحداث ثالثة. مضافاً إلى الاستطراد في التعرض إلى المفاهيم والحقائق والموضوعات العقائدية أو الأخلاقية أو الكونية أو الشرعية. وغير ذلك من الامتيازات والخصوصيات التي قد تثير ملاحظة كبيرة حول أسلوب القصة في القرآن الكريم، تخرج القصة فيه عن كونها عملاً فنياً مستقلاً له أهدافه الخاصة. وتفقد بذلك القصة في القرآن الكريم هويتها الخاصة.

والحديث حول هذا الموضوع له جانبان:

أحدهما: الجانب الفني لأسلوب القصة الذي يمكن من خلاله أن يتبين أن القصة القرآنية تشتمل على جميع العناصر الأساسية في هذا العمل الأدبي الفني.

ثانيهما: تفسير وجود هذا الخلاف وهذه الظاهرة في أسلوب القصة في القرآن الكريم.

أما الحديث في الجانب الأول فهو حديث واسع ذو طبيعة أدبية وفنية، وقد تناولته بعض الدراسات القرآنية الأدبية الخاصة أو أشارت إليه بعض الدراسات القرآنية العامة قديماً وحديثاً [٢] وهو خارج عن حدود هذا البحث القرآني وأهدافه المحدودة.

١ - المائدة: ١١٦ - ١١٩.

٢ - انظر كتاب التصوير الفني في القرآن الكريم لسيد قطب، وكتاب الإسلام والفن، للدكتور محمود البستاني.

[٢٨]

وأما الحديث عن الجانب الثاني فإن الملاحظة الرئيسية التي يمكن أن نذكرها ونؤكدها هنا هي أن أسلوب القصة في القرآن الكريم جاء منسجماً - بطبيعة الحال - مع الأسلوب العام للقرآن الكريم والذي يمكن التعرف على ميزاته من خلال الدراسات التي تناولت الجانب الفني والأدبي في أسلوب القرآن الكريم. ومنها الدراسات التي تناولت هذا الجانب في إعجاز القرآن وهي أكثر الدراسات القديمة في الإعجاز. ويأتي في مقدمة هذه الميزات والخصائص:

١ - أسلوب مزج الموضوعات والمفاهيم المتعددة بعضها مع بعضها الآخر في مقطع واحد وذلك من أجل الخروج بصورة متكاملة لهذه المضامين مرة واحدة لما ذكرنا من أن القرآن ليس كتاباً علمياً، بل هو كتاب تغيير وهداية ورحمة فهو يمزج الحقائق الكونية بالمعارف العقائدية وبالأحكام الشرعية السلوكية وبالموعظة والإرشاد والتبشير والتحذير، والعواطف والمشاعر والأحاسيس بالعقل والإدراك من أجل أن يزكي ويعلم ليعمل الإنسان ويلتزم طريق الحق ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً وهو العزيز الغفور﴾.

٢ - تكرار الموضوعات والمفاهيم بصيغ متعددة وفي سياقات مختلفة لتأكيدها أو لتحقيق مزيد من الأغراض والأهداف المتعددة، كما لاحظنا ذلك في بحث أغراض القصة وفي تفسير ظاهرة تكرار القصة.

وسوف نتبين مزيداً من ذلك عند دراسة قصة موسى - عليه السلام - بحسب مواضعها في القرآن الكريم في الفصل الآتي:

٣ - اختلاف أسلوب القرآن في عرض الموضوعات بحسب الإيجاز والقصر والإطناب والتفصيل وكذلك بحسب الإيقاع الصوتي والتركيب اللفظي للآيات الكريمة. وذلك مراعاة للمراحل التي مرت بها الرسالة الإسلاميّة أو في محاولة للتأثير النفسي والروحي في المخاطبين، مما جعل أسلوب القرآن الكريم أسلوباً يختلف فيه عن كل من النثر والشعر العربي.

٤ - إن أسلوب القرآن الكريم تأثر بالهدف العام لنزول القرآن الكريم، فإن هذا

[٢٩]

الهدف كما كان له تأثير على المضمون القرآني كما أشرنا إليه سابقاً كان له تأثير على أسلوب القرآن الكريم أيضاً. وجاء الأسلوب أداة موظفة لتحقيق هذا الهدف العام.

٥ - نلاحظ دائماً بأن ذكر القصة في القرآن الكريم يأتي دائماً مرتبطاً بسياقها والآيات السابقة أو اللاحقة لها أو كليهما، وهذا يعني أن القصة ترتبط بشكل مباشر وتفصيلي بالقرآن الكريم أسلوباً ومضموناً. فالارتباط هنا والتفاعل ليس على المستوى العام للهدف فحسب، بل هو ارتباط على مستوى التفاصيل في تطبيقات هذا الهدف أيضاً.



[ Web design by Abadis ]