ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 من مشاهد التقريب بين المذاهب الإسلاميّة في التاريخ \ الأستاذ الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني

من مشاهد التقريب بين المذاهب

أريد في هذا العرض السريع أن أبيّن حقيقة هامة هي أن التقريب ليس ظاهرة مرتبطة بعصرنا، ولا هي وليدة ظروف سياسية خاصة كما يحلو لبعض أن يَسِمَها، ولا هي بعيدة المنال كما يسعى بعض إلى تصويرها. بل هي حركة انطلقت من روح الإسلام وأهدافه وتشريعاته، وتبلورت عبر مالا حصر له من المشاهد والمواقف على يد المستوعبين لأهداف الرسالة، والساعين إلى حملها على مستوى متطلبات زمانهم ومستقبلهم.

سيرة الأئمة

نبدأ من عصر الاختلاف على الخلافة. لقد كان أمير المؤمنين علي - عليه السلام - يرى أنّه أحق الناس بخلافة رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ، وأتباعه من الصحابة والتابعين في عصره كانوا يرون ذلك أيضاً، ولذلك أدلتهم المعروفة التي تتمسك بها مدرسة أهل البيت إلى يومنا هذا. ولكنه لم يستلم زمام أمور الخلافة إلاّ بعد سنوات حين بايعه الناس من المهاجرين والأنصار والتابعين. لم يكن الذين بايعوه جميعا من شيعته، بل كانت الأكثرية الساحقة ترى فيه خليفة رابعا للمسلمين، ومع ذلك كان الإمام يحتج على خصومه بهذه البيعة. فيقول في كتاب له إلى معاوية: «انه بايعني القوم الذين بايعوا

[٧]

أبا بكر وعمر وعثمان». ثم إن العلاقة بين الإمام ومبايعيه… مبايعيه الذين يرون أنّه الخليفة الرابع… كانت علاقة حميمة. أو كل الإمام إليهم المسؤوليات القيادية العسكرية والإدارية، وهؤلاء شاركوا في حروب الإمام بالجمل والنهروان وصفين.

لم يتعامل الإمام مع هؤلاء تعامل ساخط غاضب بسبب تنحيته عن الخلافة بعد الرسول، بل عاملهم بما يستحقونه من احترام باعتبارهم مسلمين، وباعتبارهم من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ، ولم يتخذ من شخص منهم موقفا سلبيا قبل أن يجابه ذلك الشخص عليا بصورة معلنة.

وبعد أمير المؤمنين عليّ بايع نفس هؤلاء الصحابة والتابعين ولده الإمام الحسن - عليه السلام ـ، غير أن الظروف المتوالية ثبطّت عزيمة المبايعين، وسرت بين أكثرهم حالة الإحساس بالتعب والرخوة، مما أدى إلى هدنته مع معاوية.

والحسين - عليه السلام - حين ثار في عصره، إنّما ثار ليواجه ظلم الظالمين من الحكام المنحرفين عن مسيرة الإسلام في عصر الخلفاء، وشاركه في هذه الثورة قلبا ولسانا وسيفا المهاجرون والأنصار والتابعون، واستشهد بعضهم معه في كربلاء.

ومرّ القرن الأول دون أن تظهر فيه خلافات فقهية وعقائدية تذكر، بل كانت المجابهات سياسية، وكان أئمة آل البيت يسعون فيه إلى تثبيت مفهوم الحكومة الصالحة التي قررتها شريعة خاتم الأنبياء - صلى الله عليه وآله ـ.

وفي القرن الثاني ظهرت بالتدريج المذاهب الفقهية. وأول شخصية فقهية برزت خارج إطار مدرسة أهل البيت هو أبو حنيفة (٨٠ - ١٥٠ هـ) وكان معاصرا للإمام الصادق (٨٠ - ١٤٨ هـ)، وتلاه مالك بن أنس (٩٣ - ١٧٩ هـ) كان أبو حنيفة إمام أهل العراق ومدرسته تقوم على القياس والاجتهاد، ومالك إمام المدينة ومدرسته تعتمد الرواية والحديث، والاثنان كانا على علاقة وطيدة بالإمام الصادق، كلاهما تتلمذا عليه وأفادا منه، نجد أثر ذلك فيما قاله الاثنان عن الإمام، وما نقلاه من روايات عن مدرسة أهل البيت [١].

١ - في الموطأ لمالك نحو من أربعين رواية عن طريق أهل البيت، بعضها تستند مباشرة إلى الإمام الصادق.

[٨]

هذه العلاقة الوطيدة لها مدلولها الكبير، لأننا نعلم أن الإمام الصادق - عليه السلام - كان يختلف مع هذين الإمامين من أئمة أهل السنة في أمور، غير أن الإمام لم يكن يركز على هذا الاختلاف ليتحول إلى قطيعة بينه وبين من لا يرى رأيه، بل كان يرتبط ارتباطا تعاونيا - كما تقتضيه رسالة الإسلام - مع غيره من علماء عصره بما يشترك فيه معهم.

وتذكر لنا كتب المسانيد روايات كثيرة عن العلاقة الوثيقة بين الامام الصادق وأبي حنيفة ومالك، وما نقل خلاف ذلك فهو نادر وشاذ ومحدود بظروف خاصة أو ضعيف ومجعول.

هذا السلوك الرسالي من الإمام الصادق هو الذي جعل أربعة آلاف طالب يلتفون حول الإمام الصادق ينهلون من علومه فيهم كثير من أهل السنة [١]. وقبل أكثر من ثلاثين سنة شَرعتُ في جمع ما روي من أحاديث أهل البيت - عليهم السلام - في كتب أهل السنة، فبلغت ما يقرب من إثني عشر ألف حديث، يسعى بعض العلماء والفضلاء الآن في قم إلى إكمالها. وهذا يدل على العلاقة الحسنة بين علماء أهل السنة وأئمة أهل البيت - عليهم السلام ـ، ومدى ما كان بين الفريقين من ارتباط ومراودة، وإذا انقطعت هذه المراودة زمنا، فإنما يعود ذلك إلى خوف من جهاز الخلافة الحاكمة.

سيرة أتباع الأئمة

وإذا تقدمنا مع الزمن إلى القرن الثالث والرابع سنجد سيرة علماء مدرسة أهل البيت تنهج نفس طريق الأئمة في الموقف التقريبي.

الشيخ المفيد رضوان الله عليه الذي أقامت مدينة «قم» قبل سنوات الذكرى الالفية لوفاته كان له أساتذة وتلاميذ كثيرون من أهل السنة، وعلي بن عيسى

١ - يذكر ابن عقدة في رجاله أسماهم (والكتاب مفقود)، وعددت من ذكرهم الشيخ الطوسي في الفهرست فكانوا ٣٢٢٣ شخصا.

[٩]

الرماني (٢٩٦ - ٣٨٤ هـ) من علماء المعتزلة، هو الذي سماه بالمفيد في قصة يطول شرحها تبين نموذجا رائعا من الحوار الرصين والموقف المبدئي العلمي بين أهل السنة والشيعة.

وتلميذاه السيد مرتضى علم الهدى (٣٥٤ - ٤٣٦ هـ) وأخوه السيد الرضي (٣٥٩ - ٤٠٦ هـ) كانت لهما علاقات واسعة مع علماء أهل السنة، وأساتذتهما من علماء السنة بقدر أساتذتهما الشيعة. وحضر دروسهما ومجالسهما السنة والشيعة معا من العلماء والأدباء والشعراء.

والسيد الرضي في كتابه التفسيري القيم «حقائق التأويل» يروي غالبا عن علماء أهل السنة، ومتى ما ذكرهم يترحم ويترضى عليهم. والكتاب وحده لا يبين مذهب كاتبه هل هو سني أم شيعي، وحصل هذا الترديد بالفعل لبعض أصحاب التراجم. ومع أن تشيعه ثابت من خلال كتاب «خصائص الأئمة» و «نهج البلاغة» وكتبه الأخرى، غير أن سلوكه كان منسجما مع سيرة أئمة أهل البيت في التعامل مع من يختلفون معه في بعض الآراء.

ولعل أعظم علماء الشيعة هو الشيخ الطوسي [١] (٣٨٥ - ٣٦٠) تلميذ الشيخ المفيد وتلميذ علم الهدى. فوّض إليه الخليفة العباسي كرسي علم الكلام وهو اكبر كرسي علمي يومئذ. وكان اكثر من يحضر درسه من أهل السنة. وهذا وحده يدلنا على أن الرجل كان في دروسه وأحاديثه متزنا لا يتحدث بما يسيء إلى أصحاب المذاهب الأخرى. نعم كان يتعرض لآراء الآخرين وينقدها، ونرى مثل هذا النقد لآراء أبي حنيفة وغيره من الأئمة في كتاب «المبسوط»، غير أنّه ما كان يطعن في أحد أبدا، ولم يسفّه أحدا أبدا، بل كان يحاورهم محاورة فقيه لفقيه على أساس الدليل والبرهان.

ويظهر اتجاهه المتزن هذا بكل وضوح في تفسيره «التبيان». يروي آراء الآخرين وينقدها بكل رصانة واتزان، دونما توجيه أية إهانة لأحد. من ذلك ما جاء

١ - احتفلت جامعة مشهد بذكراه الألفية سنة ١٩٧٠ في مؤتمر علمي كبير كنت المسؤول عن أمانته العامة.

[١٠]

في مقدمة تفسيره إذ يقول:

وحكى البلخي في كتاب التفسير فقال: «قال قوم - ليس ممن يعتبرون ولكنهم من الأُمة على حال - إن الأئمة المنصوص عليهم - بزعمهم - مفوض إليهم نسخ القرآن وتدبيره، وتجاوز بعضهم حتّى خرج من الدين بقوله: إن النسخ قد يجوز على وجه البداء، وهو أن يأمر الله عزّوجلّ عندهم بالشيء ولا يبدو له، ثم يبدو له فيغيره، ولا يريد في وقت أمره أن يغيره هو ويبدله وينسخه، لأنه عندهم لا يعلم الشيء حتّى يكون؛ إلاّ ما يقدره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا أن ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة».

ويلاحظ أن البلخي كان قاسيا في كلامه، لكن الشيخ الطوسي يجيبه بهدوء علمي تام فيقول:

«وأظن أنّه عنى بهذا أصحابنا الإمامية، لأنه ليس في الأُمة من يقول بالنص على الأئمة - عليهم السلام - سواهم. فإن كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب عليهم. لأنهم لا يجيزون النسخ على أحد من الأئمة - عليهم السلام ـ، ولا أحد منهم يقول بحدوث العلم. وإنما يحكى عن بعض من تقدم من شيوخ المعتزلة - كالنظام والجاحظ وغيرهما - وذلك باطل. وكذلك لا يقولون: إن المتأخر ينسخ المتقدم إلا بالشرط الذي يقوله جميع من أجاز النسخ، وهو أن يكون بينهما تضاد وتناف لا يمكن الجمع بينهما، وأما على خلاف ذلك فلا يقوله محصل منهم» [١].

وفي الفقه ترك لنا الشيخ الطوسي أسفارا قيمة، منها كتاب «الخلاف»، وفيه نقل آراء كل الفقهاء من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب حتّى عصره. ويعلق على هذه الآراء بقوله تارة: هذا موافق لمذهبنا، وتارة: هذا مخالف لمذهبنا… كل ذلك بالدليل والبرهان دون الهجو من القول.

كما كتب «المبسوط» ليكون دورة كاملة في الفقه الاستدلالي التفريعي. وهو أول كتاب من نوعه لدى الشيعة. فقد كانت كتب الفقه الشيعية قبل هذا الكتاب من نوع

١ - التبيان ١ / ١٣ - ١٤.

[١١]

الفقه المنصوص، أو الفقه المجرد، حيث تُدرج مضامين آيات الأحكام والأحاديث على شكل كتاب فقه يضم أصول المسائل الفقهية. أما المبسوط فقد سلك فيه المؤلف مسلكا اجتهاديا فرع فيه المسائل وبيّن رأيه فيما هو كائن من أمور وما سيكون. وكان مثل هذا اللون من كتب الفقه رائجا عند أهل السنة، وخاصة في إطار مذهب أبي حنيفة الذي فسح المجال للقياس واتسعت على أساسه مدرسته الفقهية. والشيخ الطوسي سلك نفس هذا السبيل معتمدا على اجتهاده في تأليف المبسوط.

فيذكر في بدايته أن الشيعة لم يجرأوا حتّى عصره على الإفتاء بغير ما ورد في نص الرواية. ويستوحشون من إصدار حكم بلفظ غير اللفظ المنصوص. ثم يذكر أنّه أراد أن يكسر هذا الحاجز وأن يبين كل الأحكام التي بينها أهل السنة عن طريق القياس، استنادا إلى أصول مذهب أهل البيت دون أدنى اعتماد على القياس.

والشيخ أمين الإسلام الطبرسي (توفي ٥٤٨ هـ) علم من أعلام التقريب في مدرسة أهل البيت - عليهم السلام ـ. وكتابه «مجمع البيان» آية تَوجّهه التقريبي. ينقل فيه مختلف الروايات، ثم يقول تارة: هذا القول مروي عن أئمتنا أيضاً. وأحيانا يرجح قول غير الأئمة على القول المنسوب للأئمة لانطباقه أكثر على ظاهر القرآن، لاردّا لكلام الإمام بل ترديدا في صحة نسبته للإمام.

وللشيخ محمود شلتوت وهو من مؤسسي دار التقريب مقدمة رائعة على الطبعة المصرية لكتاب مجمع البيان يقول فيها:

«وأريد أن أقول إن صاحب كتاب «مجمع البيان» قد استطاع إلى حد بعيد أن يغلب إخلاصه للفكرة العلمية على عاطفته المذهبية، فهو وإن كان يهتم ببيان وجهة نظر الشيعة فيما ينفردون به من الأحكام والنظريات الخلافية اهتماما يبدو منه أحيانا أثر العاطفة المذهبية؛ فإننا لا نراه مسرفا في مجاراة هذه العاطفة، ولا حاملا على مخالفيه ومخالفي مذهبه، والواقع أنّه ينبغي لنا أن ننظر إلى هذا المسلك فيما يتصل بأصول المذاهب ومسائلها الجوهرية نظرة هادئة متسامحة ترمي إلى التماس المعذرة، وتقدير ما يوجبه حق المخالف في أن يدافع عما آمن به، وركن إليه، فليس من الإنصاف أن نلكف عالما مؤلفاً بحاثة دراكة، أن يقف من مذهبه وفكرته التي آمن بها موقف الفتور، كأنها لا تهمه، ولا تسيطر على عقله وقلبه، وكل ما نطلبه ممن

[١٢]

تجرد للبحث والتأليف وعرض آراء المذاهب وأصحاب الأفكار أن يكون منصفاً مهذب اللفظ، أميناً على التراث الإسلامي، حريصا على أخوة الإيمان والعلم، فإذا جادل ففي ظل تلك القاعدة المذهبية التي تمثل روح الاجتهاد المنصف البصير: «مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب».

على أننا نجد الإمام الطبرسي في بعض المواضع يمر على ما هو من روايات مذهبه، ويرجع أو يرتضى سواه.

ومن ذلك أنّه يقول في تفسير قوله تعالى: «أهدنا الصراط المستقيم».

«وقيل في معنى الصراط المستقيم وجوه:

أحدهما: أنّه كتاب الله - وهو المروي عن النبي - صلى الله عليه وآله ـ، وعن علي - عليه السلام - وابن مسعود.

وثانيها: أنّه الإسلام - وهو المروي عن جابر وابن عباس.

وثالثها: أنّه دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره - عن محمد بن الحنفية.

والرابع: أنّه النبي - صلى الله عليه وآله - والأئمة القائمون مقامه - وهو المروي في أخبارنا.

والأولى حمل الآية على العموم حتّى يدخل جميع ذلك فيه، لأن الصراط المستقيم هو الدين الذي أمر الله به من التوحيد والعدل، وولاية من أوجب الله طاعته».

فظاهر أن الرواية الأخيرة هي أقرب الروايات تناسباً مع مذهب الشيعة في «الأئمة» وهي المروية في أخبارهم، ولكن المؤلف مع هذا لا يعطيها منزلة الأولوية في الذكر، ولا الأولوية في الترجيح، بل يعرضها عرضاً روائياً مع غيرها، ثم يحمل الآية على ما حملها عليه من العموم، وما أبرعه إذ يقول: «وولاية من أوجب الله طاعته» ! إن الشيعي والسني كليهما لا ينبوان عن هذه العبارة، فكل مؤمن يعتقد أن هناك من أوجب الله طاعته، وفي مقدمتهم الرسول وأولو الأمر، ووجه البراعة في ذلك أنّه لم يعرض للفصل في مسألة «الولاية» و «الإمامة» هنا، لا، المقام لا يقتضي هذا الأمر، ولكنه مع ذلك أتى بعبارة يرتضيها الجميع، ولا ينبو عنها أي فكر» [١].

١ - مجلة «رسالة الإسلام»، السنة العاشرة، العدد الثاني، ص ٢٣٢ - ٢٣٤.

[١٣]

والشيخ الطبرسي بعد تأليفه «مجمع البيان» يقف على تفسير الكشاف للزمخشري (ت ٣٥٨ هـ)، ويرى فيه لطائف لم يحتوها مجمع البيان، فيجمع تلك اللطائف في كتاب «الكافي الشافي» (وهو مفقود)، ثم يعمد بطلب من ولده إلى الجمع بين كتابي الكافي والمجمع في كتاب «جوامع الجامع».

والطبرسي في الفقه له عمل تقريبي عظيم، فقد هذّب كتاب الخلاف للشيخ الطوسي وسمّاه «المؤتلف من المختلف بين أئمة السلف». والعنوان يحكي ما كان يتحلى به المؤلف من روح سامية واتجاه وحدوي تقريبي، وهو في ذلك ينهج نفس طريق الشيخ الطوسي.

ويتواصل هذا التوجه التقريبي عبر القرون فيلقانا في القرن السابع المحقق الحلي، والعلامة الحلي. وأقف عند العلامة الحلي فهو من أكبر العلماء في تاريخ الإسلام. وأذكر كتابيه: «المنتهى» و «التذكرة». وفي الكتابين يعرض المسائل استنادا إلى المصادر الفقهية في العالم الإسلامي. يطرح المسألة ويذكر دليلها من علماء أهل السنة، ثم يذكر دليلها من روايات الشيعة. ويعترض أحيانا على الدليل بأسلوب علمي هادئ رصين. ويذكر أن العلامة الحلي كان بين أساتذته وتلاميذه علماء من أهل السنة.

وفي العصر الحديث أيضاً حمل راية البعث الإسلامي رجل تقريبي هو السيد جمال الدين الأسدآبادي المعروف بالأفغاني.

هذا الرجل رغم نشأته الشيعية ودراساته الشيعية يسلك ما يوهم أنّه «كان حنفيا حنيفا ومجتهدا» كما يقول عنه تلميذه الإمام محمد عبده.

دعا المسلمين سنة وشيعة إلى الحركة واليقظة والوحدة ونبذ التفرقة، فكانت دعوته بداية عصر جديد دخل فيه العالم الإسلامي بعد سباته الطويل.

أخلص إلى القول أن التقريب كان نهج كل المخلصين لدينهم وأمتهم، وما شهده التاريخ في العهود الإسلاميّة الغابرة والعصر الحديث من اختلاف وتفرق وتمزق إنّما كان بسبب مصالح الحكم والسياسة، وبسبب انحراف الحاكمين عن النهج الإسلامي.

إن عصر الصحوة الإسلاميّة يحمل بطبيعته بشائر وحدة الأُمة بجميع مذاهبها في إطار رسالي متطلع إلى مستقبل إسلامي أفضل لأمتنا. وما ذلك على الله بعزيز



[ Web design by Abadis ]