ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مناهج الدراسات الفقهية و المباحث الإسلامية \ دكتور طالب الحمداني

تعتبر المراكز الدينية التقليدية، في الأزهر، المدينة المنورة، النجف، قم، الزيتونة وغيرها من المدارس، المعاقل التي حافظت على التراث الديني لعدة قرون، حيث مثلت مرجعية الفقه الإسلامي في فترات ساد فيها الإسلام العالم السياسي ثم انحسر عنه في القرن الحالي وعاد مجددا للظهور في المسرح السياسي والدولي. إلا أن هذه المدارس الدينية، بقدر ما كان لها من الأهمية في العطاء والإمداد والمحافظة على تراث الأُمة، أصبحت من العوامل التي تؤخر تجديد مناهج الدراسة والبحث نتيجة اعتمادها مصادر ثقافية ومناهج بحث متخلفة عن هذا العصر. كما لم ينجح المسلمون بعد في تكوين بدائل ومؤسسات ثقافية ترفد الأُمة بالدراسات والمباحث الإسلامية لمواجهة متطلبات هذا العصر. ومع ذلك تأثرت الدراسات الفقهية بمتطلبات الواقع الراهن، وبأساليب الدراسة الحديثة بدرجة وأخرى ونشأ عن ذلك تعدد مناهج الدراسات الفقهية، ونلخص هذه المناهج بما يلي:

أولا: المناهج النقلية السلفية والأخبارية

تتوقف هذه المناهج في فهمها أحكام الإسلام على ما هو منقول في الأحاديث ‏

_____________________________

عن نشرة إسلام ٢١ العدد الثالث، مع شيء من التعديل في العبادة.

* - عضو المنبر الدولي للحوار الإسلامي - لوس انجليس ـ

(١٩٧)

وتأخذ بظاهر الروايات، وهي المناهج التي سادت في العصور الإسلامية الأولى، إلا إنها انحسرت وتراجعت بسبب كثرة المستجدات في بنية الدولة وتطور المجتمعات الإسلامية وظهور الحاجة إلى الاجتهاد في العصور المتعاقبة.

والغرض العام لهذه المناهج هو التحقيق والتدقيق في الأحاديث والروايات المنقولة، وبيان مدى صحة ورودها عما يعتبره المسلمون من مصادر الفقه والمعرفة بالشريعة. إلا أن اتفاق المسلمين على القرآن والسنة في العصر الأول لم يمنع اختلافهم في رواية الأحاديث أولا. واختلافهم في تعيين مصادر توضيح القرآن والسنة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله.

ثانيا: لقد اختلفت المذاهب واختلف الفقهاء من نفس المذهب في تشخيص ما هو الأصيل والمعتمد عمّا مشكوك فيه أو مدسوس من الروايات، واختلفوا أيضا في درجة قبولهم للأحاديث غير الموثوقة. فبعضهم اضطر إلى قبول أعلى درجة من النصوص ليتسنى له حرية أكبر في خيارات الإفتاء المعتمد على نص، بينما ركز البعض الآخر على أصالة الحديث ووثاقته واعتمدوا الأحاديث الموثوقة فقط أساسا في الإفتاء. فدور الفقيه في المناهج النقلية مشابه لدور المحامي الخبير بنصوص القانون المدني والذي يحاول أن يجد المصدر القانوني للحالة التي يتعرض لها أو يدافع عنها.

ثانيا: المدارس الاجتهادية

إضافة إلى اختلاف المسلمين في رواية الأحاديث وفي درجة اعتماد الصحابة وأهل بيت الرسول صلى الله عليه وآله في بيان الأحاديث والأحكام، فقد اختلف المسلمون في العصور المتأخرة أيضا في تعيين قواعد الفقه وطرق الاجتهاد وكيفية استنباط الأحكام من النصوص الموثوق بصحتها. ولذا فقد اعتمدت مذاهب أهل السنة تجربة الرعيل الأول من الصحابة ودورهم في الإفتاء والعمل بالرأي على ما فهموه من الرسول صلى الله عليه وآله وتبلورت هذه المدارس في القرن الثاني من التاريخ الإسلامي بالمذاهب الأربعة، والتي توقفت عندها حركة الاجتهاد وبقت دور الإفتاء والتعليم

(١٩٨)

تعتمد المدارس النقلية أولا والقواعد الاجتهادية للمذاهب الأربعة. أما المسلمون الشيعة فقد اعتمدوا أقوال الأئمة من ذرية الرسول صلى الله عليه وآله وخالفوا العمل بالرأي وقواعد القياس والاستحسان وغيرها من قواعد الاجتهاد وطوّر علماؤهم عبر القرون منظومة اجتهادية تعتمد استنباط القواعد الفقهية العامة من النصوص واستبعدوا فيها الإفتاء في الحالات المستجدة فيما هو خارج النصوص إلا ضمن قواعدهم الفقهية وتركوا أمر تحديد أوجه تطبيق هذه القواعد والفتاوى العامة للمسلمين. وفي كلتا الحالتين، نجد أن دور الفقيه هو دور القاضي الذي يفتش عن أصل دستوري أو قانوني في القضية التي سيفتي بها دون أن يعطي لنفسه الحق في صياغة القانون أو الدستور.

من الواضح أن المدارس النقلية أو الاجتهادية أعلاه تشترك في منهج البحث التشريعي وتصب في مهمة تحديد النص لأصل الشرعية القانونية للقضايا المستجدة وإن اختلفت هذه المدارس فيما بينها في تعيين النص أو طرق التعامل معه. وأهم ما أنجزته المدارس أعلاه هو المحافظة على النصوص وعلى سلامة الصلة بالتشريع بسبب إرجاع كل القضايا إلى النصوص. إلا أنه بمرور الزمن فَقَدَ علماء هذه المدارس رؤية الإسلام في الشؤون العامة حيث اقتصر النقاش والبحث عندهم على النصوص وملابساتها وطرق الاستدلال والاستنباط التي اعتمدها الفقهاء في إيجاد الحلول التشريعية للمواضيع المطروحة عليهم. فكانت النتيجة بقاء دائرة واسعة من المسائل المعاصرة خارجة عن دائرة النصوص واقتصرت صلة المناهج الاجتهادية بهذه المسائل المستجدة على القواعد والعناوين العامة دون أن تقدم أحكاما محددة.

ثالثا: مناهج الفكر الإسلامي العام

ظهرت عبر التاريخ مجموعة أبحاث لا تتعلق بالأمور الفقهية ولا تهدف إلى صياغة تشريع أو تحديد موقف الشريعة من الأحداث وتكتفي ببيان الموقف

(١٩٩)

الإسلامي العام. وأساليب البحث في هذا المجالات متنوعة لا تخضع إلى شكل محدد واضح المعالم. ونجد هذه المناهج في كتب التفسير والخطب والمؤلفات حيث يستشهد الباحثون بالآيات والأحاديث والحوادث التاريخية لإقامة الرأي والحجة في مواضيع الدولة والمجتمع والإنسان، وظهرت الآراء الإسلامية في الفلسفة والاجتماع والتربية والسياسة والاقتصاد. وشكّلت الكتابات العامة المعاصرة الأساس للكثير من الحركات الإسلامية وروجت لشعارات ومواقف واُطروحات متضاربة فيما بينها، رغم صلتها العامة بالتراث الديني واعتمادها نصوص القرآن والسنة. ومصدر هذه التناقضات في الفكر الإسلامي المعاصر هو أنها نابعة من اختلاف الباحثين في آرائهم الخاصة أولا، واعتمادهم نصوص التراث لإضفاء المسحة الشرعية والدينية على أطروحاتهم ثانيا. فيؤول الإسلام على أنه رأسمالي أو اشتراكي، أو ديمقراطي أو استبدادي، شمولي أو ليبرالي. وتختلف هذه التناقضات في الفكر الإسلامي العام جوهريا عن الاختلافات والتناقضات عند المدارس الاجتهادية والتي تحوي قدرا عاليا من الاتفاق والانسجام في قواعد البحث والاستدلال باستثناء مساحة ضيقة من التناقضات والتي يمكن اعتبارها شذوذا على قاعدة الانسجام عندهم.

لقد وفرت أدبيات الفكر الإسلامي العام الأرضية لقيام توجهات إسلامية تنظر بواقعية إلى الوضع الإنساني أولا، ومن ثم تصوغ مواقفها العملية من خلال التوجهات العامة في الفكر والقيم الإسلامية، وتتمتع بدرجة عالية من المرونة في مواقفها العملية. ومن الواضح أن هذا التوجه يبدأ بالواقع أولا ثم يتقيد عمليا بأعلى درجة ممكنة من الالتزام بالقيم والتوجهات العامة. فإذا كانت الدعوات الأصولية تعتمد المعيار المبدئي المطلق، فإن الدعوات العامة تعتمد المعيار الواقعي النسبي. ونتج عن هذا الاختلاف في المنهجين مجموعة أدبيات، تنادي الأولى منها بالشرعية والأصالة أولا ومن ثم الاستثناء والاضطرار، بينما تنادي الثانية بالواقعية والقيم أولا، ومن ثم بمراعاة التراث الفقهي ما أمكن.

(٢٠٠)

رابعا: المنهج الاكتشافي

لمّا كان غرض التشريع السماوي هو سعادة الإنسان وحل التناقضات الناشئة مع نمو المجتمع الإنساني والتي هي علة النزول وحكمة التشريع، فإن معرفة هذه التناقضات هي أساس اكتشاف المنهج الإسلامي. فلم يكن هدف التشريع هو قولبة الإنسان وتجميده ولا تحديد تجربته التاريخية في شكل محدد، الأمر الذي يتنافى مع سنن الحياة وقيم الإسلام العامة. فالأصل في هذا المنهج هو فهم الحالة الإنسانية أولا، ومن ثم فهم فلسفة التشريع السماوي والتي تمثلت في الأسس والقيم العامة والتي تجسدت عمليا في التجربة الإسلامية الأولى. وقد يتفق المنهج الاكتشافي مع المدارس النقلية والاجتهادية في الرجوع إلى النص إلا أنه يختلف عنها في مقدماته لفهم النصوص ودورها ومساحتها، ولا يعاني المنهج الاكتشافي من عقدة التوفيق بين النصوص والواقع المتغير. كما يتميز عن الفكر الإسلامي العام بأنه لا يعاني من إشكاليات التوفيق بين الواقع والإسلام ولا يتلبس نصوص التراث الإسلامي بحثا عن الشرعية.

كتب السيد محمد باقر الصدر في كتابه «اقتصادنا» عن منهج اكتشاف المذهب الإسلامي ليفرقه عن المنهج المتبع عند المفكرين الغربيين الذين ينشئون المذهب الوضعي من نتاج فكرهم البشري. فالمفكر الإسلامي يجتهد ليكتشف الأسس العامة للمفاهيم الإسلامية من النصوص الشرعية بينما يجتهد الآخرون بابتداع طريقة مثلى للوضع الإنساني. يقول الصدر عن الفكر الإسلامي في صياغته للنظرية الإسلامية «هو مدعو إلى تميزه بوجهه الحقيقي وتحديده بهيكله العام والكشف عن القواعد الفكرية وإبراز ملامحه الأصيلة ونفض غبار التاريخ عنها والتغلب على كثافة الزمن المتراكم والمسافات التاريخية الطويلة وإيحاءات التجارب غير الأمينة التي مارست اسميا عملية تطبيق الإسلام، والتحرر من أطر الثقافات غير الإسلامية التي تتحكم في فهم الأشياء».



[ Web design by Abadis ]