ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تجمع العلماء المسلمين في لبنان تجربة و نموذج \ الأستاذ الشيخ علي حازم

مقدمة

…. إن تجربة مثل تجربتنا في تجمع العلماء المسلمين في لبنان، تستحق أن تدرس بتأنٍ من قبل المسلمين في أنحاء العالم لتصان وتتسع، خاصة وأنها قد أثمرت بتأثير مباشر في موقعين مهمين هما نيجيريا وباكستان، مع اختلاف في واقعهما يجعل تجربة الباكستان أقرب إلى تجربتنا بملاحظة خصوصية وجود واسع للطائفتين السنية والشيعية فيه، واقتصار التجربة في نيجيريا على توحيد جهود العلماء ومشايخ الطرق الصوفية [٢].

مع سقوط الخلافة بسقوط السلطنة العثمانية وتراجع السلطة الإسلامية لصالح سلطة الانتداب الفرنسي، وتراجع الوحدة لصالح التفتيت والتجزئة، بدأ في لبنان - وهو الكيان المرسوم بفعل خرائط التقسيم على أساس اتفاقية (سايكس - بيكو) - تطور في دور علماء الدين ينبغي الإطلال عليه تمهيداً لإمكانية تلمس أهمية تأسيس هذه الهيئة الدينية المشتركة، لتقود عملاً انطلق بهدف الحفاظ على الوجود الإسلامي وحضوره الفاعل ضمن الحدود الدولية المرسومة، وليتكامل مع أبناء محيطه وأمته.

(١٧٦)

الهيئات العلمائية الرسمية والأهلية

بعد معارضة قوية من المسلمين لتشكيل الكيان وفق الحدود المرسومة، والذي يؤدي إلى تقسيم سورية، وفي ظروف لا يتسع المقام لبحثها، تشكلت دولة لبنان الكبيرة لتضم - على مضض - [١] إلى جانب المسيحيين بطوائفهم واليهود، الوجود الإسلامي كما تركته السلطنة سنة وشيعة ودروز وعلوية وإسماعيلية [٢].

وبعد غياب الدور السياسي المستقل للعلماء في ظل السلطنة، إلا ما كان تأييدا وتسديداً، وجد العلماء أنفسهم أمام مسؤوليتين: زمنية وروحية، مقابلة السلطة التي كانت لرجال الكنيسة وأحبارها، وفي حين كانت الكنيسة الكاثوليكية، المارونية خاصة، تعيش حالة تنظيمية عالية عززت من حضورها وفعاليتها في حياة الأقلية المسيحية مع الترتيبات القانونية التي فرضتها الدول الأجنبية لصالحها على حساب السلطنة العثمانية، فإن الطوائف الإسلامية الثلاث لم تعرف تنظيماً خاصاً، حيث كانت حتى ذلك الحين جزءاً من المؤسسة الدينية المركزية، واقتصرت وظائف العلماء في لبنان على «القضاء والإفتاء» المرتبطين بشيخ الإسلام في استانبول، مع هامش للحرية بسيطة في إمامة القرى والبلدات.

وهكذا «كان للتبني الكامل للمبدأ الطائفي في لبنان الانتداب والاستقلال تأثيره على التنظيمات الدينية التابعة للطوائف الإسلامية الثلاث. فبعدما كان رجال الدين المسلمون جماعات ضعيفة التنظيم وغير واضحة المعالم، أصبحوا يملكون الآن تنظيمات تسلسلية لها مناصب، ووظائف محدده وموظفون دائميون» [٣].

(١٧٧)

لكن هذا التنظيم تم عملياً عبر مؤسستين، فحيث استقلت الطائفة الدرزية بمشيخة العقل، التي تقلصت مساحة رعايتها لتقتصر على دروز الكيان اللبناني إذ بفعل التقسيم لسورية انتخب دروز فلسطين مشيختهم وكذلك دروز سورية، فإن الطائفتين السنية والشيعية خضعتا لإدارة واحدة في الإفتاء والأوقاف، وإن استقلت الطائفة الشيعية بقضاتها، لكن في بيروت مثلاً كانت المحكمتان في بناء مشترك. وحيث أن هذه الوظائف كانت - كما ذكرنا - معتمدة على مركزية استانبول في شؤونها المالية والإدارية، فإن الانتداب الفرنسي حوّل هذا الاعتماد إلى الدولة اللبنانية فصارت هذه المؤسسات مرتبطة مباشرة برئيس الوزراء المسلم السني. وهذا الارتباط أثار إلى فترة قريبة اشكالات بين المسلمين أنفسهم - من جهة - حيث اعتبر ذلك مدعاة للانتقاص من استقلالية العلماء السياسية مقابل استقلال الكنيسة المالي والذي أدى إلى استقلالها السياسي، فيما رفضت المرجعيات الدينية الإسلامية هذا الادعاء مصرة على إبقاء الرابط وإبقاء وظائفها «التابعة لملاكات الإفتاء السني والجعفري وللمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، ولمشيخة العقل والمجلس المذهبي للطائفة الدرزية من الوظائف التابعة للملاكات الإدارية في الدولة» (

١). وهذا الارتباط ظل - من جهة أخرى - والى يومنا هذا موضع انتقاد من المسيحيين حيث أن مؤسساتهم لا تملك هذا النحو من الارتباط المالي أو بالأحرى هي لا تستفيد من مالية الدولة التي تجبى منهم ومن المسلمين. وبالفعل فإن دور العلماء السياسي كان محدوداً إلى درجة كبيرة، وكان بعيداً عن الفعالية المستقلة المباشرة، خاصة في الشأن التشريعي [٢].

(١٧٨)

لم تفترق الطوائف الإسلاميّة الثلاث عن بعضها في هذه المسألة، حيث أن نفوذ الزعامات السياسية وانقساماتهم أثرت في تركيز مشيخة العقل عند الدروز، وانقسم كثير من علماء الشيعة بين زعامتي العائلتين العامليتين في الجنوب في غياب الحضور العلمائي في البقاع عموماً، وأما عند السنة فقد ساهم التباعد المكاني المناطقي وتأخر الإحساس بوحدة «الوطن» في تعزيز الزعامات السياسية لهم، ومن ثم استلحاق العلماء بهم كما بدأ ذلك في طرابلس وصيدا مثلاً.

هذه الصورة ليست قائمة على الدوام، ففي المفاصل الرئيسية للحكرة السياسية، كان دور علماء الدين فاعلاً وحاضراً، إما بحركة مباشرة، وإما بواقع الدافع الشعبي لهذه القيادات، كي تتصدر الموقف الإسلامي كما حصل في ثورة (١٩٥٨) وبعض الأحداث الأخرى السابقة لها واللاحقة [١].

تجمع العلماء المسلمين؛ البنية والموقع

انعقد «مؤتمر المستضعفين» في طهران في النصف من شعبان سنة ١٤٠٢ هـ المصادف للأسبوع الأول من حزيران سنة ١٩٨٢ بمشاركة وفد من لبنان ضم عدداً كبيراً من علماء المسلمين وقادتهم، ومجموعة مؤلفة من ممثلي الحركات الإسلاميّة، وكانت علامات حدث مهم على المستوى العسكري قد بدأت مع مغادرة الوفد الأخير، حيث قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية بالإغارة على المدينة الرياضية في بيروت، وانكشفت الأيام عن اجتياح لبنان بصورة غير معهودة، وبينما تم التعجيل في إنهاء المؤتمر، كانت أروقة فندق الاستقلال تشهد حركة غير عادية واجتماعات متلاحقة لمتابعة الموقف، فصدر بيان وتشكلت هيئة علمائية حركة استقرت بعودة سريعة إلى بيروت فتتابعت اللقاءات وتشكل تجمع العلماء المسلمين من السنة والشيعة في لبنان وبدأ عملاً ميدانياً دعم فيه الجبهة العسكرية لأبناء الحركات

(١٧٩)

واللجان الإسلاميّة التي كانت تتحضر على - المستوى الشيعي - لتوحيد نفسها في جهاز واحد، بعد مرحلة وسيطة عرفت فيها باسم «اللجان الإسلاميّة» كانت تشكل متحداً لمجموعة من اللجان في أنحاء لبنان حتّى ذلك التاريخ، وكانت الحركة الإسلاميّة السنية في ذلك الحين تتمثل بعدة اتجاهات أهمها «الجماعة الإسلاميّة» و «حزب التحرير».

كانت القيادات العلمائية تتصدى للشأن السياسي - الجهادي بشكل عام، وأحياناً وفي بعض المواقع بشكل تفصيلي. ففيما أعلن سماحة الشيخ محمد مهدي شمس الدين المقاومة المدنية الشاملة، كانت القوى الإسلاميّة تنسق مجموعاتها تحت عنوان «المقاومة الإسلاميّة» و «المقاومة السلامية - قوات الفجر» وكانت قوات حركة أمل قبل انقسامها جزءاً من هذا الجو العام.

وتصدت القوات الفلسطينية بمنظماتها المتعددة وأحزاب الحركة الوطنية اللبنانية والقوات السورية العاملة ضمن إطار قوات الردع العربية قدر استطاعتها وقد ساعدتها الظروف الإقليمية، لتنتهي العمليات بإعادة تجميع القوات السورية في البقاع والجبل، وتنسحب القوات الفلسطينية من لبنان عبر مبادرة أميركية، وتتراجع القوى الوطنية عن حضورها الحزبي إلى حضور «مقاومة وطنية» بمستوى محدود، وتبقى الساحة مشتعلة بأيدي الجماهير المسلمة وقوات المقاومة.

والى أن بدأت مفاوضات النظام اللبناني مع الإسرائيليين في إحدى ضواحي بيروت، كان علماء التجمع يقومون بأداء وظيفتهم في إرشاد المسلمين عبر خطب الجمعة ودروس المساجد، ويحضرون في محاور القتال ضد الجيش الإسرائيلي وحلفائه ويصدرون البيانات ضد إجراءات النظام اللبناني وقمعه للمسلمين واستفراده بالمخيمات الفلسطينية وأبنائها، وتقييد حركة العلماء والمصلين في المساجد عموماً وأيام الجمع منها خصوصاً، وإهانة المقامات الدينية وهدم بعض المساجد على أيدي منظمات مسيحية مدعومة من الدولة، فضلاً عن محاولة اغتيال بعض العلماء والتعرض بالدهم والتفتيش لعدد من المساجد وبيوت العلماء واعتقال

(١٨٠)

بعضهم فعلاً وعدد من الشباب المؤمن وإصدار مذكرات توقيف بحق بعض آخر.

وكان بعض بيانات التجمع يصدر مطبوعاً ويوزع جماهيرياً، ولم تكن الصحف آنئذ تقيم لهذه الهيئة اعتباراً إلى أن انكشفت مسودة الاتفاق الإسرائيلي - اللبناني على صورة مسودة مشروع شولتز، فأصدر التجمع بياناً مفصلاً من ثمانية نقاط دعا في ختامه المسلمين إلى الحذر من أعداء الله ومن توليهم، ودعا علماء المسلمين إلى إظهار علمهم والمواقف التي يمليها عليهم دورهم القيادي قبل أن يعمهم الله بعذاب [١] ثم أنجز اعتصاماً ضد الاتفاق اللبناني الإسرائيلي في مسجد الإمام الرضا في ضاحية بيروت الجنوبية تحدث فيه سماحة السيد محمد حسين فضل الله وعدد من علماء التجمع خرجوا بعدها بمسيرة جماهيرية اصطدمت بقوات السلطة وأدى ذلك إلى استشهاد الشاب محمد نجي وجرح عدد من المتظاهرين واعتقال عدد آخر وليسقط الاتفاق آخر الأمر.

الأعضاء المؤسسون

ضم التجمع منذ تأسيسه حتّى انطلاقته بعد موقفه من اتفاق ١٧ - آيار ـ١٩٨٣ ما يزيد على عشرين عالماً من الطائفتين السنية والشيعية، يمثلون جيلاً من العلماء الشباب الذين مارسوا العمل الحركي في تنظيمات إسلامية وأطلوا على الساحة السياسية بخلفية عقائدية وتنظيمية لا تستشعر حساسية تجاه بعضهم، فقد ذكرنا في الفصل الأول شيئاً عن علاقات الحركات الإسلاميّة ببعضها؛ ونزيد هنا أن بعض الشباب الشيعة كانوا قد التزموا صفوف حزب التحرير وحركة الاخوان المسلمين المعروفة في لبنان بالجماعة الإسلاميّة، وكان ثمة تنسيق عملي بين حركات أخرى سنية وشيعية [٢].

(١٨١)

وكان لوجود هؤلاء العلماء في إطار مشترك يمارس نشاطاً شبه يومي - عدا اجتماعه الأسبوعي والذي لم ينقطع حتّى الآن - الأثر الكبير في إزالة أية شائبة أو شبهة تعترض مسار وحدة الحركات الإسلاميّة على ساحة الجهاد والمقاومة.

ولظروف استمرار الاحتلال في بعض المناطق، والقيود التي فرضها نظام أمين الجميل آنذاك لم يكن عدد العلماء في بيروت أكثر مما ذكرنا فيما توزع عدد آخر على مناطقه، دون أن يحصل انقطاع عن العلاقة بالتجمع في اتجاهه العملي، بل كان الاتصال يجري من حين لآخر لتركيز خطط العمل وتنسيقها في البقاع والجنوب والشمال.

التنظيم والتقنين

بعد ما يقارب السنة على انطلاقته وفي شعبان ١٤٠٣ - اواخر ايار ١٩٨٣، اجتمع أعضاء التجمع في خلية أحد المساجد في بيروت وأقروا ميثاقاً يستهدون به في عملهم، ويكون الأساس في عملية الانتساب التي شهدت إقبالاً لوضوح الخط والمسار، وأجروا تقويماً لعملهم خلال سنة، ونظموا شؤونهم الإدارية على أساس نظام داخلي خاص.

وقد اعتمد التجمع ميثاقاً ضمّن مقدمته خلاصة مركزة لفكر الأعضاء المؤسسين حول قيمة الإنسان في الإسلام ودور الأنبياء والعلماء، والغرض الأقصى من عملهم وهو إقامة حكم الإسلام على الأرض، واعتبار الوحدة واتفاق الكلمة المنقذ الوحيد، وأنه المقدمة التي عليهم أداؤها ليستحقوا توفيق الله إلى ذلك [١].

(١٨٢)

هذه المقدمة مما ذكرناه عنها لم يطرأ عليها أي تعديل نهائياً رغم خضوع الميثاق نفسه للتعديل ثلاث مرات.

وبالنظر لخصوصية الوضع اللبناني، لاحظنا أن أطراف الوحدة الإسلاميّة المعنون بها قد عبّر عنهم بالسنة والشيعة، والعارف بالشأن اللبناني يدرك أنّه - حتّى الآن - انحصر عنوان الطوائف الإسلاميّة في ما ذكرناه في الفصل الأول أعني: السنة على مذاهبهم والغالب عندنا مذهبا الشافعي والحنفي خصوصاً أن القضاء الشرعي السني يعتمد الأخير متابعة لما كان قائماً اثناء الحكم العثماني، وليس من وجود للحنابلة رغم وجود مسجد أثري معروف باسمهم في مدينة بعلبك، ولا يوجد أتباع للمذهب المالكي، أما الحركات الصوفية فعلى وجودها إلاّ أنها وبرغم بعض النزاعات الحاصلة لم ترتفع لتشكل طائفة بالمعنى التقليدي للكلمة.

أما الشيعة في لبنان فهم اثنا عشرية أصولية ليس بينهم أي اختلاف على المستوى المذهبي، يخضعون للمرجعيات الشيعية المعروفة وما يذكر عن وجود إسماعيلي هو نادر، وكذلك لا وجود للمذهب الزيدي ولا الاباضي.

عضوية التجمع وموقعه من المؤسسات العلمائية الرسمية

إن أعضاء التجمع المنتسبين هم إلى الآن من علماء المسلمين السنة والشيعة، ويدرس التجمع إمكانية ضم عدد من علماء الدروز بناء لطلبهم، والأعضاء الفعليون الآن هم من خيرة علماء لبنان، فيهم القضاة الشرعيون وأئمة الجمعة والجماعة والمدرّسون والكتّاب وأساتذة الكليات والمعاهد الدينية. ولا يشترك النظام الداخلي

(١٨٣)

لقبول العضوية في نصوصه المعدّلة مذهباً معيناً ولا يستبعد مذهباً، بل إنه في شروطه الستة الأصلية أو الخمسة المعدلة لم يلحظ عنده المسألة إطلاقاً، واكتفى من ذلك في الميثاق بالقول «إنه تجمع لعلماء الدين المسلمين» وفي الشروط: «أن يكون قد بلغ من العلم مرحلة تؤهله ممارسة التوجيه الديني بجدارة» و «أن يكون ملتزماً بالزي الديني».

ويمكن القول إن غالبية العلماء السنة هم على علاقة رسمية بدار الإفتاء والقضاء الشرعي السني، وإن عدداً من أعضاء التجمع أهم أعضاء في المحاكم الشرعية الشيعية وأعضاء في الهيئة العلمية في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وهكذا يكون التجمع مؤسسة إسلامية علمائية وهو «مستقل عن كل العاملين للإسلام سواء الأشخاص أو التجمعات أو الأحزاب في الوقت الذي يريد فيه التعاون مع كل المخلصين منهم على أساس التقوى والنفع لعباد الله».

والتجمعكان قريباً من المؤسسات الرسمية، وقام بدور في كثير من المسائل المتعلقة بشؤون المسلمين الدينية في لبنان، فساهم مثلاً بدور فعال في التحضير لصلاة عيد الفطر الجامعة التي أمّها مفتي الجمهورية اللبنانية الراحل الشيخ حسن خالد في ساحة الملعب البلدي والتي جمعت علماء المسلمين وإفرادهم سنة ١٩٨٣ في صور أفرحت القلوب، كانت هي المرة الأولى التي تحصل على هذا الشكل في لبنان، كما أنّه سعى مع دار الإفتاء والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في الشؤون المتعلقة بحرب المخيمات ومدارس بيروت الغربية وغيرها من المناسبات والأحداث.

ولم يكن التجمع كهيئة علمائية أو أفراد بعيداً عن هذه المؤسسات إلاّ بما تقتضيه الظروف، والواقع أن العلاقة ظلت على وتيرة حسنة في غالب الأحوال ولم يتدخل التجمع في الشؤون التنظيمية للمؤسسات الرسمية الإسلاميّة إلاّ أن يكون ذلك بصورة فردية لا تمثل موقفاً باسم التجمع.

(١٨٤)

طبيعة التجمع وأهدافه وموقعه الرسمي والشعبي

عند انطلاق التجمع للعمل كانت الدولة في أسوأ حالاتها، ناهيك عن الظلم الذي مارسته أجهزتها، فلم يكن طبيعياً لحركة علمائية معارضة أن ترهن نفسها بطلب ترخيص رسمي يقيدها إلى أبعد الحدود فضلاً عن الجزم برفض طلب كهذا، فاستمر التجمع بعمله دون ترخيص قانوني إلى١ / ١١ / ١٩٨٩ لكنه لم يعمل في الخفاء فكان مجاهراً بمواقفه وتحركاته واجتماعاته واعتصاماته، وقد جاء في ميثاقه النقطة رقم ٢: «إنه تجمع علني ينطلق في أعماله ومواقفه من علاقته بالناس على أساس قيادة العلماء العدول وبالأخص الفقيه العادل». فكان الامام الخميني قدس سره المرجع والفقيه وولي الأمر موضع إجماع ورضا أعضاء التجمع لتمثيل موقع الفقيه العادل؛ ولئن غاب مصطلح البيعة عن الميثاق للاعتبار العقائدي الفقهي الشيعي فإن عدداً من علماء السنة في لبنان سواء كانوا أعضاء عاملين في التجمع أم كانوا أعضاء مؤسسين وحتى من هم خارج التجمع فعلاً قد بايعوا الامام الراحل وخليفته وقد اعتمدوا في النص تعبير «يمحض الولاء إلى خليفة الامام قدس سره آية الله السيد علي خامنئي».

ومع تبني إسلامية الدولة في إيران، وإعلان دعمه لها، لم «يقر التجمع بشرعية ولا ضرورة دعم أي نظام غير إسلامي في العالم، كما أنّه يناصر كل الحركات الإسلاميّة التحررية المخلصة في العالم». وعلى هذا الأساس رحَّب التجمع بنتائج الانتخابات في الأردن والجزائر وتركيا والتي حملت الإسلاميين إلى المجالس النيابية، وأيد إقامة الدولة الإسلاميّة في السودان، وانتصر للثورة الأفغانية، عبَّر عن ذلك باحتفالات وبيانات وزيارات مختلفة…

هذا في الخارج، أما في الداخل فقد سعى التجمع «لتوحيد العمل الإسلامي، والى سد الثغرات الثقافية في برامج العاملين وثقافة المسلمين، واتخاذ المواقف المناسبة من كل مايهم الناس بما يراه التجمع مناسباً للمصلحة الإسلاميّة، والعمل على بناء شخصية العالم والعامل المجاهد والمخلص وإبراز دوره القيادي في جهاد الأُمة

(١٨٥)

وإرادة التحرر وإبلاغ كلمة الله تعالى وحث الأُمة على الانقياد لهم».

وقد قدم التجمع عام (١٩٨٧) ورقة عمل داخلية لتشكيل هيئة عليا للعمل الإسلامي في لبنان، وحضّر للمؤتمر الإسلامي الأول سنة (١٩٨٨) في قاعة مسجد الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله فحضرته الهيئات العلمائية كافة والحركات والتنظيمات الإسلاميّة على الساحة اللبنانية، في خطوة لتنسيق الجهود عملياً وبلورة موقف موحد من القضايا الوطنية والعامة.

إن التجمع فعلياً هو موقع تفهم كل الهيئات العلمائية (الأهلية) والقوى والحركات الإسلاميّة، ويقوم بدور مهم في تنسيق الجهود دائما. ويحظى بالمقبولية الشعبية حيث قاد التحركات الشعبية الإسلاميّة فترة طويلة إلى أن بدأ بمواجهة بعض الصعاب التي لم تحل بينه وبين أداء دوره، وإنما عرقلة مسيرة الوحدة الشعبية كما حصل جراء بعض المعارك العسكرية التي أخذت طابعاً مذهبياً ودعا التجمع لاستنفار كل أعضائه وطاقاته للحيلولة دون أن تؤدي إلى إعادة التشتت والنزاع في لحظات كان الوجود الإسلامي بأكلمة مستهدفاً - وما يزال - من العدو الإسرائيلي المتربص.

وبرز تأثير التجمع على التنظيمات الإسلاميّة والجماهير في الانتخابات التشريعية النيابية اللبنانية سنة ١٩٩٢ حيث ساهم في دعم مرشحي القوى الإسلاميّة للوصول إلى المجلس النيابي وهو يتدخل لدى القوى الإسلاميّة الكبيرة في لبنان لتأكيد خط الوحدة الإسلاميّة في بياناتها ونشراتها ومناسباتها.



[ Web design by Abadis ]