ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 من آثار التقريب بين المذاهب الفقهية على المجتمع و الثقافة والاقتصاد و السياسة \ الأستاذ الدكتور الشيخ أحمد كفتارو

خلق اللّه الإنسان اجتماعياً بطبعه، وأنزل شرائعه في مجتمعات إنسانية، ثم جاء بالرسالة الخاتمة على سيدنا محمد صلى الله عليه وآله، فقررت بصريح العبارة وجوب إقامة مجتمع الإيمان، على أساس حاجة الإنسان لأخيه الإنسان، ] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم إن اللّه عليم خبير [ [٢].

ومن ثم فقد حرّمت الشريعة الخاتمة الرهبنة والعزلة والانتباذ، إذ قال رسول الله صلى الله عليه وآله «لا رهبانية في الإسلام» [٣].

وإذا كان التعاون الإنساني حاجة وضرورة دلت عليها نصوص الشريعة فإن تحقيق الإخاء الإسلامي أشد تأكيداً، وهو مقصد رئيس من مقاصد الشريعة

١ - من مقالات ندوة التقريب بين المذاهب الإسلامية - الرباط ١٢ - ١٤ ربيع الثاني ١٤١٧هـ.

* - المفتي العام للجمهورية العربية السورية رئيس مجلس الإفتاء الأعلى ومجمع أبي النور الإسلامي.

٢ - الحجرات: ١٣.

٣ - رواه الطبراني كما أخرجه أحمد بصيغة: «عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي» …

(١٦٣)

السمحة. ] إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون [ [١].

والدعوة إلى الوحدة الإسلامية مطلب عظيم، ينبغي أن نسعى إلى تحقيقه على أسس علمية موضوعية، وأن نجرد هذه الدعوة الصادقة من الصيغ الخطابية والعاطفية التي تتردد بين الحين والآخر، وتخلط بين تحقيق الوحدة الإسلامية، وبين إلغاء المدارس الاجتهادية الفكرية التي هي مظهر ثراء هذه الأُمة في الفقه والتشريع وحرية الفكر.

إن بعض الناس يتصور أن الوحدة الإسلامية لن تقوم إلا إذا ضربنا بمعاول الهدم جهود أئمة الفقه الإسلامي، وأعلنا البراءة من مذاهبهم، وأحرقنا فكرهم واجتهادهم، ولاشك أن ذلك يؤدي إلى ضياع الشريعة أكثر مما يؤدي إلى وحدة الأُمة.

فهل من الخير أن نعلن في بلد كالرباط مثلاً عن توحيد المعرفة، فنحشر سائر طلبة الجامعات في قاعة واحدة، ونتفق على مدرّسٍ واحد، يلقي محاضرات المعرفة - ولو كان أكفأ مدرسينا -، ثم نتنكر لسائر المدرسين والمعلمين، ونغلق أبواب الجامعات والكليات، بدعوى تحقيق الوحدة المنشودة.

إن ذلك - لو حصل - سيكون بلا ريب لوناً من العبث، يتنزه عنه العقلاء، وسيكون مدعاة إلى الأسف والرثاء، وخنقاً للطاقات المبدعة في الناس.

وأين نذهب كذلك بالتنوع الطبيعي الذي خلقه اللّه عزوجل في الناس، والذي نلمسه أول ما نلمسه في رقة أبي بكر وشدة عمر وحياء عثمان وإقدام علي، وهو تنوع يكشف لنا عن اتساع الفردوس الإسلامي، ليشمل أهل الإيمان كافة، على تنوع طبائعهم واختياراتهم.

ومن هنا كان لا مندوحة من الحديث عن التقريب، التقريب الذي يتضمن احترام التراث الفقهي الذي أنتجته عقول أئمة كل مذهب، ثم البحث عن الخيوط الجامعة التي تؤلف بين تلك الحبائب، بسبب متين، يجعل اجتهادها وفكرها فقهاً متكاملاً، يكسب

١ - الأنبياء: ٩٢.

(١٦٤)

المشترعين في دوائر القرار في العالم الإسلامي غنى فقهياً وعلمياً يكفل إيجاد الحلول لأكثر المشاكل استعصاءً في المجتمع، ولا يحول دون الاحترام والإجلال لاختيارات سائر أئمة الفقه الإسلامي، سواء اعتمدت آراؤهم في التشريع أم لم تعتمد، وسواء اتفقنا على الأخذ برأي بعينه أم لم نتفق.

وقد مضى العمل خلال التاريخ الإسلامي على هذا السبيل، وكان الاتفاق دوماً وفق قاعدة: «المجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد» [١].

أهم مباديء وأسس التقريب بين المذاهب

إذا أردنا أن نتحدث عن التقريب بين المذاهب الإسلامية فلابد، حتى تكون كلماتنا ودعوتنا علمية وموضوعية، بعيدة عن الإطار العاطفي، لابد من وضع أسس وقواعد تُبنى عليها هذه الدعوة، لتكون منهاج عمل لكل الدعاة والمخلصين، الساعين إلى رأب الصدع، وجمع الشمل في سبيل وحدة الأُمة.

وخير منهج لوضع هذه الأسس باعتبارها الدواء، النظر إلى موضع العلة والداء… إلى أسبابه، ومقدماته، ونتائجه.

فالاختلاف والتفرق هما الداء، ولا تتعدى أسبابهما أحد إطارين هما الأسباب الفكرية المتمثلة في الاختلاف في المنهج والاجتهاد بين كل مذهب من المذاهب.

أما الإطار الثاني فهو الأسباب الأخلاقية التي لا يمكن إغفال تأثيرها في نشر بذور الاختلاف والفرقة، وتتمثل هذه الأسباب عموماً في الغرور وسوء الظن بالآخرين، مما يجعل الإنسان يظن بأنه على الحق وما سواه على باطل، وأمر آخر وهو حب الذات والزعامة… وينبثق عن هذه الأمراض الأخلاقية مرض أخطر، وهو التعصب المقيت لشخص أو مذهب أو بلد، وطبعاً فإن التعصب هو انحياز أعمى لا يستند إلى أسس صحيحة ولا إلى أسباب موضوعية.

١ - قاعدة أصولية مشهورة، وقد رواها البخاري حديثاً بصيغة: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران». انظر صحيح البخاري، كتاب الاعتصام، باب ٢١.

(١٦٥)

هذا عن الداء، فماذا عن الدواء؟

إن الدواء وسيلة ذات شقين أحدهما وقائي والآخر علاجي، ولعلهما يندمجان في بعض الأحيان، فيصبحان وقاية وعلاجاً في آن معاً، وهذا ما يمكن أن نعبر عنه بالأسس والمباديء التي ينبغي أن تقوم عليها دعوة التقريب بين المذاهب، ونبدأ بأهم الأسس الفكرية:

١ - إبقاء الاجتهادات في إطارها الفكري

إن اجتهادات الفقهاء كما قدمنا هي مظهر ثراء هذه الأُمة في الفقه والتشريع وحرية الفكر، والاختلاف الفكري بحد ذاته أمر يريده اللّه تعالى، يقول جلَّ من قائل: ] ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولايزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم [ [١].

فالنصوص الظنية الدلالة التي جعلت الفقهاء والعلماء يجتهدون في فهم المعاني المظنونة لها، كل معانيها مقصودة مرادة من قِبَل اللّه تعالى، وإلا لجعل اللّه هذه النصوص قطعية الدلالة، وجمع الناس على فهم واحد لها، فأراد تعالى بذلك أن يُطلق المجتهدون عقولهم ليتوصلوا إلى الحق والحقيقة «ولكل مجتهد نصيب».

لكن ينبغي أن يبقى الاختلاف في إطار الفكرة والاجتهاد، وذاك هو الاختلاف الرحمة، ولا يتعدى إلى التعصب والعداوة والبغضاء، فيكون كاختلاف الذين من قبلنا] وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم [ [٢].

٢ - اتباع المنهج الوسط وترك التطرف

يقول اللّه تعالى: ] وكذلك جعلناكم أمة وسطاً [ [٣].

إن الوسطية والاعتدال هما الركن الركين في بناء الوحدة، وفي دعوة التقارب والتعاضد، فالتطرف لا يأتي بخير، وما وجد تطرف إلا ووجد مقابله تطرف آخر،

١ - هود: ١١٩ - ١٢٠.

٢ - آل عمران: ١٩.

٣ - البقرة: ١٤٣.

(١٦٦)

وأمثلة ذلك كثيرة ما بين السنة والشيعة، والسلفية والصوفية….

وكما أن الفضيلة وسط بين رذيلتين، ما بين الإفراط والتفريط، فكذلك الإسلام وسط، يجمع الدنيا والآخرة، العقل والقلب، المادة والروح… فلو توسطنا لتقاربنا، ولزالت الحواجز فيما بيننا.

وصلى اللّه على القائل: «إن هذا الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا واستعينوا بالغدوة والروحة وشي‏ء من الدلجة» [١].

٣ - التركيز على المحكمات دون المتشابهات

إن المحكمات المتفق عليها في الإسلام كثيرة كثيرة، وهي المجال الرحب للتعاون والتعاضد، فاللّه واحد والقبلة واحدة، والقرآن متفق عليه، أما المتشابهات فهي قليلة يمكن التحرز عنها، والبعد عن الخوض فيها.

ورحم اللّه القائل: «نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه».

يقول اللّه تعالى: ] هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [.

إن التركيز على المحكمات دون المتشابهات دعامة أساسية للتقريب بين المذاهب.

٤ - ضرورة الاطلاع على الرأي الآخر

قديماً قالوا: الإنسان عدو ما يجهل. وكثيراً ما تصادف مسلماً يحمل فكرة عن أخيه دون أن يعلم عنه شيئاً، وإنما هي ميراث حمله كابراً عن كابر.

إن زمن الجهل ولّى، وعهد الحواجز ولّى، وانطلق العقل الحر ليبحث عن الحقيقة

١ - أخرجه البخاري.

٢ - آل عمران: ٧.

(١٦٧)

أينما كانت، والتقى المسلمون بعد طول فراق، جمعهم العلم بعد أن فرقهم الجهل.

إن الاطلاع على الرأي الآخر ضرورة حتمية لأجل أن نتقارب، وننبذ ميراث السنين، ونعود معاً إلى قول اللّه تعالى: ] واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا [ [١].

وإلى مفهوم نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله للوحدة، فهي الإيمان، والفرقة والتقاتل هما الكفر، هكذا كان يقول لأصحابه: «ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض» [٢]. ٥ - الانشغال بهموم الأُمة الكبرى

إن التفات المسلمين لخصوماتهم الداخلية، ونزاعاتهم، واختلافاتهم، حجبتهم عن الانشغال بأعدائهم والأخطار التي تحيق بهم من كل جانب، أخطار سياسية، عسكرية، اقتصادية…. فصاروا بذلك في أواخر الأمم.

والمسلم الواعي المثقف يعلم حق العلم أن الجهد كل الجهد ينبغي أن ينفق في سبيل حل مشكلات الأُمة، والقضاء على الأخطار المحيقة بها.

ولا يغيب هذا المعنى الدقيق إلا عن الدهماء والجهلاء، ويتعامى عنه المغرضون، ذلك لأنهم - بقصد أو بدون قصد - يجهلون فقه الأولويات الغائب عن ساحة الفكر الإسلامي المعاصر، هذا الفقه الذي جعل المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يركز على الإيمان في دعوته المكية إلى جانب الصبر وتحمل الأذى، ويؤخر الجهاد إلى المرحلة المدنية بعد تأسيس الدولة وبناء المجتمع.

فقه الأولويات الذي يدركه الطبيب الحاذق فيداوي مريضه المبتلى بآفات كثيرة، من الأخطر فالأقل خطراً، أمراض القلب فالمعدة فالخدوش…

إن الانشغال بهموم الأُمة الكبرى يجعل المسلمين أمة واحدة على قلب رجل واحد، أملهم واحد، وألمهم واحد، ولا مجال في مثل هذا المجتمع للترهات.

هذه أهم الأسس الفكرية للتقارب، أما الأسس الأخلاقية فأجملها فيما يلي:

١ - آل عمران: ١٠٣.

٢ - أخرجه الترمذي.

(١٦٨)

١ - الإخلاص والتجرد من الأهواء.

٢ - التحرر من التعصب سواء كان لأشخاص أم لمذاهب أم لطوائف.

٣ - إحسان الظن بالآخرين.

٤ - ترك الطعن والتجريح.

٥ - الحوار بالتي هي أحسن.

بهذه الأسس والدعائم من خلال كتاب اللّه وسنة نبيه الكريم، يمكن الرجوع إلى مجتمع الجسد الواحد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.

من آثار التقريب على الحالة الاجتماعية

إن المذاهب الإسلامية حقيقة موجودة في هذا العالم الإسلامي، لا نملك تجاهلها، وهي منذ قرون قائمة في مختلف أطراف هذا العالم الإسلامي، وليست محسومة جغرافياً، بل تتداخل في البلدان والأمصار، حتى إنه ليعسر القول بأن ثمة بلداً إسلامياً واحداً لا يوجد فيه اختلاف مذهبي، وكذلك فإنه لم يحصل أن عاش المسلمون قرناً واحداً من الزمان بدون اختلاف مذهبي، ومن هنا فإنه يمكن القول إن ما يتصوره بعضهم من اتحاد المواقف الاجتهادية إزاء سائر القضايا الفرعية هو أمر لا وجود له في الزمان ولا في المكان في هذا العالم الإسلامي.

وقد قامت تاريخياً عدة محاولات سياسية لفرض مذهب إسلامي واحد، باستخدام الوسائل العسكرية والإدارية، لعل أشهرها محاولة المعتزلة فرض آرائهم الاجتهادية في العصر العباسي [١]، ولكنها لم تؤد في النهاية إلا إلى إضافة الضغائن على الخلافات الفكرية الاجتهادية، التي كان ينبغي أن تبقى ضمن إطار الفكر لا تتعداه.

١ - انظر: مقدمة المنتقى للباجي.

(١٦٩)

إن ما نبحث عنه هنا ليس قراراً سياسياً يتبنى اتجاهاً محدداً في الفقه الإسلامي، ويحظر ما سواه، بل إن ذلك سيؤدي إلى نقيض مقاصدنا في تحقيق الوحدة الإسلامية، وقد رفضه بشدة سائر الحكماء في التاريخ الإسلامي، ونستشهد هنا بالموقف الحكيم للإمام مالك بن أنس رضي الله عنه حين قدّم للعالم الإسلامي كتابه النفيس الموطأ، الذي ضمنه عصارة فكره، ونتيجة تمحيصه في الرواية والضبط، وحين طلب إليه الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور أن يحمل عليه الناس في القضاء والفتيا، ويجعله للناس إماماً، رفض إمام أهل المدينة ذلك بشدة، في موقف حضاري فريد، يسترعي الانتباه، وقال: إن أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وآله قد تفرقوا في الأمصار فحدثوا، فعند أهل كل مصر حديث علموه، وكل مصيب، فقال المنصور: وفقك اللّه يا أبا عبد اللّه [١].

وبذلك فإن الإمام مالك، وقد أظهر ترفعاً على اقتناص هذه الفرصة، التي يتمناها كثيرون، ليدخلوا بها التاريخ، فإنه أوضح بجلاء أن الوحدة الإسلامية تتناقض مع مصادرة الرأي، وأنه لا مجال للحديث عن الوحدة إذا أردت بها هدم اجتهاد الناس، وترك الإفادة من جهدهم العلمي.

وهكذا فقد رسم لنا الإمام مالك مذهب الوحدة الإسلامية الذي نبتغي، وهو الذي يضمن التكامل بين حركة الاجتهاد ووحدة الجماعة.

وهذا الفهم للوحدة المنشودة، ليس بدعاً في التاريخ الإسلامي، فقد عاش علماء هذه الأُمة عاملين متجاورين متزاورين، شافعية وحنفية ومالكية وحنابلة، وكان التعصب المذهبي خافتاً ضعيفاً في الجملة، توقظه السياسة بين الحين والآخر، ولكنه لا يلبث أن يختفي في ساحة الفكر والعلم، وأياً كان، فإن من المؤكد أن هذا التعصب اليوم قد آل إلى زوال، وأصبح في حكم المتفق عليه أن سيرة الاجتهاد اليوم، منوطة بالمصادر المتفق عليها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس،

١ - انظر: العواصم من القواصم / . ٢٥١

(١٧٠)

ومصالح المسلمين، دون التقيد باختيارات أئمة بعينهم في أصول الاستنباط من المصادر.

وهكذا فإننا قد حققنا بحمد اللّه التقريب المنشود على مستوى المذاهب الأربعة، ولكن هذا ليس إلا نصف الطريق، إذ علينا أن ننظر إلى التعصب الذي لا يزال موجوداً بين الصوفية والسلفية، وبين السنة والشيعة، وبين أهل التأويل وأهل التفويض، وكذلك غربة بعض الطوائف وعزلتها رغم سعي أجيالها الجديدة للاندماج بالعالم الإسلامي، والعودة إلى الأصول التي انبعثت منها، ومشاركتها الأُمة الإسلامية في قضاياها الكبرى.

ويجب الاعتراف أن نصف الطريق الباقي الذي نتحدث عنه هو هّم إسلامي حاضر في كل مدينة في العالم الإسلامي، وفي الأقليات الإسلامية المنتشرة في العالم، إذ تجد مشكلة صوفية سلفية، أو سنية شيعية، في أكثر البلدان الإسلامية، كما تجدها بشكل واضح في المراكز الإسلامية في أوروبا وأمريكا، بشكل أصبح يعكس أسوأ ظاهرة تصد عن الإسلام في العالم الغربي.

ويتحدث سائر أطراف هذه العصبيات عن الوحدة الإسلامية، كغاية وهدف وأمل، وهو أمل لن يروه أبداً، إذا بقيت تصوراتهم لهذه الوحدة تقوم على أساس إلغاء الآخر ومصادرة رأيه، وهو أمر يحول باستمرار دون تحقيق الاندماج الاجتماعي بين أبناء الأُمة الإسلامية.

إن التقريب والتوحيد سيقودان بالنتيجة إلى تذويب الكيانات المصطنعة غير الطبيعية والقائمة على قواعد التعصب والتفريق، وسيؤدي هذا إلى حالة من التمازج الاجتماعي ينمو ويكثر فيها الزواج بين كافة الأطراف، وتزدهر العلاقات الاجتماعية وتتشابك، فيظهر تبادل المنافع والزيارات، وحضور المناسبات المختلفة لدى كل طرف، وبالإرادة والصبر والتوجيه والتعليم المستمر يمكن أن نصل إلى مرحلة متقدمة من الاندماج الاجتماعي التدريجي بين أبناء الأُمة.

(١٧١)

من آثار التقريب على الحالة الثقافية

وعلى هدي ما قدمناه من حتمية السعي إلى التقريب، فإن انبعاثاً ثقافياً كبيراً ينتظرنا في العالم الإسلامي، إذ ستتضاعف الأعمال المعرفية، حين يكسر كل جانب عقدة الوهم من الجانب الاخر، ويتلمس الفائدة الحقيقية من مؤدى اجتهاداته فيما أصاب فيه، وسنجد برامج كثيرة للتعاون الثقافي والفكري، تبدد صورة الشقاق الدائم التي يلاحظها من يرصد النشاط الإسلامي في العالم.

يجب أن نتذكر دوماً أن «الأزهر» نفسه إنما وجد النور على أيدي الفاطميين، وكذلك فإن أكبر مدارس السنة في الحديث إنما هي مدرسة نيسابور قرب مشهد، ومن إيران وأطرافها انبعث أئمة الحديث الستة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجة.

كذلك فإن ابن تيمية خص جزءاً كبيراً من فتاويه للحديث عن أئمة التصوف ونفائس أقوالهم، وفي فتاويه الآن مجلدان كبيران الأول بعنوان التصوف والثاني بعنوان السلوك، كما استأنف تلميذه الكبير ابن القيم منهج شيخه فصنف كتابه الجليل: مدارج السالكين، الذي يعتبر درة ما صنف في التصوف في القرن الثامن الهجري.

وهذا التمازج يكشف لك أن الأُمة الإسلامية في سعي مستمر إلى غاية واحدة، هي التعريف بوحدانية اللّه، وأن جهودها، وإن تناقضت في الظاهر، فإنها تجد مع الأيام سبيل تكاملها وتواصلها.

من آثار التقريب على الحالة الاقتصادية

ولاشك أن الدعوة إلى التقريب، ستعاني كثيراً من المصاعب الاقتصادية في العالم الإسلامي، فإنه حين تبلغ دعوة التقريب مبلغها في نفوس الناس، فإن من الطبيعي أن تتوقف تلك المشاريع التي تهدف إلى «تشييع» المسلمين أو «تسنينهم»، وكذلك إلى قمع السلفية أو محاربة التصوف، وهي مشاريع تستنزف من خيرات

(١٧٢)

العالم الإسلامي وموارده جانباً كبيراً، وقد تورطت للأسف دول إسلامية بحالها في مثل هذه المشاريع الهائجة، والتي لا تعود في النهاية إلا بتكريس العداوة والأحقاد بين المسلمين.

وتبلغ نفقات مثل هذه المشاريع مبالغ كبيرة، إذ تشتمل على مبانٍ وإدارات، وكتب وإصدارات، وأجور دعاة، ومصاريف سفر، وتكاليف إذاعات ومحطات، وربما بناء مساجد تكرس لخدمة طوائف بعينها، وهذا كله في النهاية من الهدر البغيض، الذي يسير في عكس المصلحة الإسلامية، ويزيد في فرقة المسلمين وشتاتهم.

وإني أقدّر أن ربع هذه التكاليف كافية لتنشيط الدعوة الإسلامية على مستوى العالم كله، فيما توجه بقية تلك النفقات لجهة معالجة مشاكل العالم الإسلامي الاقتصادية المتفاقمة، في جانب تحقيق الحياة الكريمة للشعوب الإسلامية الفقيرة.

كما أن التقريب سيزيل كثيراً من الحواجز النفسية التي تحول دون تعميق التبادل التجاري بين أبناء المذاهب في إطار الأُمة الإسلامية الواحدة، وهذا ينعكس إيجاباً على التنمية الصناعية والزراعية، وكذلك على التكامل اقتصادياً في المحصلة.

من آثار التقريب على الحالة السياسية

إنه لا يمكننا أن ننكر أثر الخلاف المذهبي في صناعة خصومات العالم الإسلامي وإذكائها بكل أسف، ولا نجانب الحقيقة إن قلنا إن بعض المتحاربين في البلدان التي شهدت صراعاً إسلامياً إسلامياً، إنما وظفوا هذه المشاعر المذهبية في إضفاء جانب اعتقادي على حروبهم المختلفة، رغم أنني أجزم بأن أسباب اشتعال هذه الحروب إنما هي سياسية بحتة، ولكن كان من الممكن أن تكون أقصر أعماراً، وأقل أضراراً، لو أننا أفلحنا في بناء جسر التقريب الإسلامي، الذي يقوم على أساس احترام أهل التوحيد وعصمة دمائهم رغم الخلاف في كثير من الآراء.

كذلك فإن كثيراً من الخلافات السياسية في العالم الإسلامي اليوم تعود إلى

(١٧٣)

أسباب مذهبية، ويقوم بعض الفقهاء فيها - بكل أسف - بإذكاء نار هذه القطيعة، وتوفير المبررات والحجج التي تكرس القطيعة وتحول دون الوفاق، وتنقل الخلاف السياسي إلى خلاف شعبي، يجعل أمر الوفاق في غاية الصعوبة، وهو بالتأكيد ما يسعى إليه أعداء الإسلام والمسلمين.

وكلنا يمكن أن يتصور قوة الموقف السياسي الإسلامي على مستوى الأحداث العالمية لو أن التقريب والتوحيد أخذا الأبعاد المطلوبة على الساحة الإسلامية.

إن البحث عن الخطوط الجامعة بين مذاهب الأُمة الإسلامية ليس عسيراً، فثمة كتاب واحد يتفق المسلمون على أنه منزل من اللّه عزوجل، وثمة قبلة واحدة يتفق سائر مسلمي الأرض أنها جهة صلاتهم وقلوبهم، وثمة أحكام متطابقة في العبادات والمعاملات ونظام الأسرة، فيها بعض الهوامش الاجتهادية، ولكنها لا تفقد معنى الروح الواحدة والمصدر التشريعي الواحد.

إن المغول حين اجتاحوا العالم الإسلامي لم يقسموا عدوهم إلى سني وشيعي، بل كانوا يسعون إلى هدف واحد، هو القضاء على العالم الإسلامي بمختلف شعوبه، وكذلك كانت سهام الصليبيين لا تفرق بين طائفة وأخرى من المسلمين، واليوم فإن العدوان الصهيوني على جنوب لبنان لم يفرق بين سني وشيعي، وصوفي وسلفي، لقد كان أوضح تطبيق لكلمة تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية سابقاً التي سمعتها بأذني تقول: «لقد كان الغرب في صراع مع الشيوعية، وبعد أن انهارت الشيوعية في الاتحاد السوفياتي فإن العدو الوحيد للغرب هو الإسلام!…».

وفي ختام كلمتي، أشكر الإخوة المجتمعين في هذا المؤتمر الكريم، لإتاحة هذه الفرصة التاريخية لإعلان أذان الوحدة الإسلامية.

وأرفع هنا توصياتي إلى هذا المؤتمر الكريم، وكلي أمل أن تواتي الفرصة المناسبة لترى هذه التوصيات طريق النور:

أولاً: عقد مؤتمر إسلامي عالمي يكون شعاره: ] ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام

(١٧٤)

لست مؤمناً [ [١].

ثانياً: دعوة مندوبين من كافة المذاهب الإسلامية للمشاركة فيه، من الذين يرغبون في الدخول في رسالة التقريب، وإزالة ما بينهم من حواجز.

ثالثاً: يقوم هذا المؤتمر بوضع ميثاق للتقريب والتوحيد يتضمن المباديء والوسائل، ومن هذه الوسائل:

١ - تأليف الكتب المشتركة في التفسير والسيرة والفقه المقارن وغيرها، على غرار تفسير «مجمع البيان» للطبرسي الذي أقرّته لجنة من علماء الأزهر.

٢ - إصدار مجلة تشرف عليها لجنة متخصصة منبثقة عن ندوة التقريب والمنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، تعتني بموضوعات التقريب والتوحيد.

٣ - تشكيل لجان فرعية لتمحيص جميع الكتب الإسلامية القديمة والجديدة وحذف كل ما يسي‏ء إلى المذاهب الأخرى.

٤ - إقامة مؤتمرات تخصصية وندوات جماهيرية إعلامية لمعالجة التفريق، ودعم التقريب والتوحيد.

٥ - إقامة المخيمات السنوية لطلبة الجامعات الإسلامية تحت إشراف العلماء والمفكرين المتنورين للتعارف وإزالة حواجز الوهم بين أبناء الأُمة الإسلامية الواحدة….

١ - النساء: . ٩٤



[ Web design by Abadis ]