ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مبادئ أساسية فكرية و عملية في التقريب بين المذاهب الإسلامية \ الأستاذ الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي

أدب الصحوة الإسلامية يتجه أبدا إلى التقريب. لأنه ينظر إلى الإسلام نظرة شمولية لا ناقصة… نظرة إنسان يحمل هموم الإسلام… لا هموم الارتزاق باسم الإسلام. ولقد رأينا رواد الصحوة المعاصرين يتحدثون عن التقريب بين المذاهب الإسلامية بلغة واحدة، لا تكاد تفرق في هذا المجال بين لغة حسن البنا وسيد قطب والإمام الخميني والإمام الخامنئي والإمام الصدر ومحمد الغزالي…

ينطلق القرضاوي في ورقته هذه من تجاربه الثرّة في الدعوة، ومن روحه المتوهجة المتوقدة المتطلعة إلى عزة المسلمين، كما ينطلق أيضاً من سلفية واعية منفتحة قائمة على أساس فهم معمق - لا سطحي - للقرآن والسنة. تقدم القسم الأول من هذا البحث إلى القراء ويضم ثلاثة من المباديء الأساسية الفكرية والعملية في التقريب بين المذاهب الإسلامية، وسيطالع القاريء في العدد القادم - بإذن الله - بقية هذه الأسس.

(١٤٠)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد

فهذه الورقة تتحدث عن مباديء أساسية للتقريب بين أبناء هذه الأُمة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس، وبوأها مكانة الأستاذية للبشرية، حين قال: ] وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً [ [١].

وقد وحد الله هذه الأُمة بحكم العقيدة الواحدة، والقبلة الواحدة، والوجهة الواحدة، فهي أمة ذات هدف واحد، ولهذا حذرها ربها أن تهجر صراط ربها، إلى مناهج البشر، فتتفرق بها السبل يميناً وشمالاً، ويضيع منها الطريق، بل قد يضيع منها الهدف ذاته. يقول تعالى: ] وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون [ [٢].

ولقد رأينا أعداء الأُمة قديماً وحديثاً، يكيدون لها كيداً، حتى يفرقوا شملها الملتئم، ويمزقوا وحدتها الجامعة، فتضعفها الفرقة، فيسهل عليهم الغلبة والهيمنة عليها، والتحكم في مصائرها.

ولقد لاحظنا هذه السياسة في عصرنا واضحة كالشمس في رابعة النهار، فقد كان شعار الاستعمار من قديم: «فرق تسد»، ولا يزال ورثة الاستعمار القديم، وكل القوى المعادية للإسلام في المشرق والمغرب، يجهدون جهدهم للتفريق بين أبناء القبلة الواحدة بشتى الطرق، ومنها: إحياء الخلافات القديمة، وخلق خلافات جديدة.

ومن ذلك: صب النار على الخلافات المذهبية، وقذف الوقود لها حتى تظل متأججة، ولا سيما بين السنة والشيعة، فإن لم يوجد في بلد هذا الخلاف، أوجد خلاف آخر، أو استُغل خلاف قائم، كالخلاف بين السلفية والصوفية، والخلاف بين المذهبيين واللامذهبيين، والخلاف بين المجددين والمقلدين…. الخ.

(١٤١)

والواجب على الدعاة المخلصين والمفكرين الصادقين أن يتنبهوا إلى هذه المكايد، ويسدوا الطرق إليها، ويعملوا على لم شمل الأُمة وجمع صفوفها، وتوجيه أسلحتها إلى أعدائها، لا إلى صدور بعضها لبعض، ويشدوا أزر الأخوة الإسلامية، والدعوة إلى الوحدة الإسلامية، فحرام أي حرام أن يتكتل أهل الباطل، ويتفرق أهل الحق، وأن يوالي الذين كفروا بعضهم بعضاً، ويعادي الذي آمنوا بعضهم بعضاً، وهو ما حذر منه القرى، حين قال: ] والذين كفروا بعضهم أولياء بعض، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير [ [١].

لهذا رحبت بالمشاركة في «ندوة التقريب بين المذاهب» وقدمت هذه الورقة لإرساء مباديء أساسية: فكرية وعملية للتقريب المنشود، وأرجو أن ينفع الله بها، وأن يجمع كلمة أمتنا على الهدى وقلوبها على التقى، وأنفسها على المحبة، وعزائمها على عمل الخير وخير العمل، إنه سميع مجيب.

مبادئ أساسية للتقريب بين المذاهب

١ - وحدة الأُمة فريضة وضرورة

أول المباديء التي يجب أن نقررها هنا: وحدة هذه الأُمة، فهي أمة واحدة: ربها واحد، وكتابها واحد، ونبيها واحد، وقبلتها واحدة، وشعائرها واحدة، وشريعتها واحدة، وآدابها ومصيرها واحد، وعدوها واحد.

وقد أمر الله تعالى الأُمة بالاتحاد والائتلاف، ونهاها عن التفرق والاختلاف، فقال تعالى:

] واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا [ [٢] ونبههم على ما يوحد كلمتهم ويجمع صفهم، وهو الاشتغال بالدعوة والأمر والنهي: ] ولتكن منكم أمة يدعو إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون [ [٣] وحذرهم من الوقوع فيما

(١٤٢)

أهلك الأمم من قبلهم، فقال: ] ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم [ [١] كما قال تعالى: ] إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم [ [٢]، ] إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون [ [٣]، ] وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون [ [٤].

كما أمر الرسول الكريم صلى الله عليه وآله الأُمة بالاتحاد والترابط والتراحم والتعاضد فيما بين بعضهم وبعض، كما في الحديث المتفق عليه: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك أصابعه [٥]. وقال: «ترى المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر» [٦]. وقال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه» [٧]. «لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً، كما أمركم الله، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» [٨]، ويقول: «المسلمون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم» [٩]. «لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» [١٠]. «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» [١١].

وهناك الأحاديث التي حثت على الارتباط بالجماعة، وأن يد الله مع الجماعة، ومن شذّ في النار، وأن الذئب إنما يأكل الغنم الشاردة.

(١٤٣)

وكل هذه النصوص تؤكد أن وحدة الأُمة فريضة لازمة، كما أنها ضرورة حاسمة، فهي فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع، وخصوصاً في عصرنا هذا.

حديث افتراق الأُمة إلى ثلاث وسبعين فرقة

قد يشوش على الوحدة المفروضة والمنشودة، حديث اشتهر في الكتب: كتب السنة، وكتب العقائد، وكتب الفرق، وتناقله الناس بعضهم عن بعض حتى اعتقدوا - لشيوعه وشهرته - أنه حديث ثابت لا مطعن فيه، مع أن الشهرة لا تلازم الثبوت والصحة. ذلكم هو حديث افتراق الأُمة إلى فرق فوق السبعين، كلها في النار إلا واحدة، وهو حديث يوحي ظاهره بأن الفرقة أبدية في الأُمة، وأنها قدر مكتوب عليها، لا فكاك منه. وينبغي أن نبحث بموضوعية وحياد في هذا الحديث، من ناحية ثبوته، ومن ناحية دلالته إن ثبت.

قيمة الحديث من ناحية سنده:

أ - فأول ما ينبغي أن يعلم هنا أن الحديث لم يرد في أي من الصحيحين، برغم أهمية موضوعه، دلالة على أنه لم يصح على شرط واحد منهما. وما يقال من أنهما لم يستوعبا الصحيح، فهذا مسلم، ولكنهما حرصا على ألا يدعا باباً مهما من أبواب العلم إلا ورويا فيه شيئاً ولو حديثاً واحداً.

ب - إن بعض روايات الحديث لم تذكر أن الفرق كلها في النار إلا واحدة، وإنّما ذكرت الافتراق وعدد الفرق فقط. وهذا هو حديث أبي هريرة الذي رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم، وفيه يقول: «افترقت اليهود على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى - أو اثنتين - وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة» [١].

(١٤٤)

والحديث - وإن قال فيه الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم - مداره على محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، ومن قرأ ترجمته في «تهذيب الكمال» وفروعه [١] علم أن الرجل متكلم فيه من قبل حفظه، وأن أحدا لم يوثقه

(١٤٥)

بإطلاق، وكل ما ذكروه أنهم رجحوه على من هو أضعف منه. ولهذا لم يزد الحافظ في التقريب على أن قال: «صدوق له أوهام. والصدق وحده في هذا المقام لا يكفي ما لم ينضم إليه الضبط، فكيف إذا كان معه أوهام؟ ».

ومعلوم أن الترمذي وابن حبان والحاكم من المتساهلين في التصحيح، وقد وصف الحاكم بأنه واسع الخطو في شرط التصحيح.

وهو هنا صحح الحديث على شرط مسلم، باعتبار أن محمد بن عمرو احتج به مسلم، ورده الذهبي بأنه لم يحتج به منفرداً، بل بانضمامه إلى غيره [١].

على أن هذا الحديث من رواية أبي هريرة ليس فيه زيادة: أن الفرق «كلها في النار إلا واحدة» وهي التي تدور حولها المعركة.

وقد روي الحديث بهذه الزيادة من طرق عدد من الصحابة: عبد الله بن عمر، ومعاوية، وعوف بن مالك، وأنس، وكلها ضعيفة الإسناد، وإنّما قووها بانضمام بعضها إلى بعض.

والذي أراه أن التقوية بكثرة الطرق ليست على إطلاقها، فكم من حديث له طرق عدة ضعفوه، وخصوصاً المتقدمين، كما يبدو ذلك في كتب التخريج، والعلل، وغيرها ! وإنما قد يؤخذ بها فيما لا معارض له، ولا إشكال في معناه.

وهنا إشكال أي إشكال: في الحكم بأن التفرق قدر حتمي مكتوب على الأُمة لا فكاك لها منه، وكذلك الحكم بافتراق الأُمة أكثر مما افترق اليهود والنصارى من قبل، وبأن هذه الفرق كلها هالكة في النار إلا واحدة منها ! وهو يفتح باباً لأن تدعي كل فرقة أنها الناجية، وأن غيرها هو الهالك، وفي هذا ما فيه من تمزيق للأمة وطعن بعضها في بعض، مما يضعفها جميعاً، ويقوي عدوها عليها ويغريه بها.

ولهذا طعن العلامة ابن الوزير في الحديث عامة، وفي هذه الزيادة خاصة، لما

(١٤٦)

تؤدي إليه من تضليل الأُمة بعضها لبعض، بل تكفيرها بعضها لبعض.

قال رحمه الله في العواصم وهو يتحدث عن فضل هذه الأُمة، والحذر من التورط في تكفير أحد منها، قال: «وإياك والاغترار بـ «كلها هالكة إلا واحدة» فإنها زيادة فاسدة، غير صحيحة القاعدة، ولا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة».

قال: «وعن ابن حزم: أنها موضوعة، غير موقوفة ولا مرفرعة. وكذلك جميع ما ورد في ذم القدرية والمرجئة والأشعرية، فإنها أحاديث ضعيفة غير قوية» [١].

ج - إن من العلماء قديماً وحديثاً من رد الحديث من ناحية سنده، ومنهم من رده من ناحية متنه ومعناه [٢].

فهذا أبو محمد بن حزم، يرد على من يكفر الآخرين بسبب الخلاف في

٢ - وفي متن هذا الحديث إشكال من حيث إنه جعل هذه الأُمة التي بوأها الله منصب الشهادة على الناس، ووصفها بأنها خير أمة أخرجت للناس، أسوأ من اليهود والنصارى في مجال التفرق والاختلاف، حتى إنها زادت في فرقها على كل من اليهود والنصارى. هذا مع أن القرآن قال في شأن اليهود: ] وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة [(المائدة: ٦٤). وقال في شأن النصارى: ] ومن الذين قالوا: إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به، فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون [(المائدة: ١٤). ولم يجيء في القرآن عن أمة الإسلام شيء يشبه هذا، بل فيه التحذير أن يتفرقوا ويختلفوا كما اختلف الذين من قبلهم. (١٤٧)

الاعتقاديات بأشياء يوردونها.

وذكر من هذه الأشياء التي يحتجون بها في التكفير حديثين يعزونهما إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، هما:

١ - «القدرية والمرجئة مجوس هذه الأُمة»

٢ - «تفترق هذه الأُمة على بضع وسبعين فرقة، كلها في النار حاشا واحدة، فهي في الجنة».

قال أبو محمد: هذان حديثان لا يصحان أصلاً من طريق الإسناد، وما كان هكذا فليس حجة عند من يقول بخبر الواحد، فكيف من لا يقول به؟ [١].

وهذا الإمام اليمني المجتهد، ناصر السنة، الذي جمع بين المعقول والمنقول، محمد إبراهيم (ت ٨٤٠ هـ) يقول في كتابه «العواصم والقواصم» أثناء سرده للأحاديث التي رواها معاوية رضي الله عنه، فكان منها (الحديث الثامن): حديث افتراق الأُمة إلى نيف وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا فرقة واحدة، قال: وفي سنده ناصبي [٢]، فلم يصح عنه، روى الترمذي مثله من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: حديث غريب. ذكره في الإيمان من طريق الإفريقي وأسمه عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عنه.

وروى ابن ماجة مثله، عن عوف بن مالك، وأنس.

قال: وليس فيها شيء على شرط الصحيح، ولذلك لم يخرج الشيخان شيئاً منها. وصحح الترمذي منها حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو بن علقمة، وليس

(١٤٨)

فيه «كلها في النار إلا فرقة واحدة». وعن ابن حزم: أن هذه الزيادة موضوعة، ذكر ذلك صاحب البدر المنير [١].

وقد قال الحافظ بن كثير في تفسير قوله تعالى في سورة الأنعام: ] أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض [ [٢]، وقد ورد في الحديث المروي من طرق عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: «وستفترق هذه الأُمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة» [٣].

ولم يزد على ذلك، فلم يصفه بصحة ولا حسن، رغم أنه أطال في تفسير الآية بذكر الأحاديث والآثار المناسبة لها.

وذكر الإمام الشوكاني قول ابن كثير في الحديث، قال: قلت: أما زيادة «كلها في النار إلا واحدة» فقد ضعفها جماعة من المحدثين، بل قال ابن حزم: إنها موضوعة [٤].

الحديث من حيث دلالته (على فرض ثبوته)

على أن الحديث - وإن حسنه بعض العلماء كالحافظ ابن حجر، أو صححه بعضهم كشيخ الإسلام ابن تيمية بتعدد طرقه - لا يدل على أن هذا الافتراق بهذه الصورة وهذا العدد، أمر مؤبد ودائم إلى أن تقوم الساعة، ويكفي لصدق الحديث أن يوجد هذا في وقت من الأوقات.

قد توجد بعض هذه الفرق، ثم يغلب الحق باطلها، فتنقرض ولا تعود أبداً. وهذا ما حدث بالفعل لكثير من الفرق المنحرفة، فقد هلك بعضها، ولم يعد له وجود. (١٤٩)

ثم إن الحديث يدل على أن هذه الفرق كلها جزء من أمته صلى الله عليه وآله أعني أمة الإجابة المنسوبة إليه، بدليل قوله: «تفترق أمتي» ومعنى هذا أنها - برغم بدعتها - لم تخرج عن الملة، ولم تفصل من جسم الأُمة المسلمة، وهذا ما ذكره الامام الخطابي في «معالم السنن»، قال: فيه دلالة على أن هذه الفرق كلها غير خارجة من الدين، إذ قد جعلهم النبي صلى الله عليه وآله كلهم من أمته. وفيه: أن المتأول لا يخرج من الملة، وإن أخطأ في تأوله أ. هـ. [١].

وكونها «في النار» لا يعني الخلود فيها كما يخلد الكفار، بل يدخلونها كما يدخلها عصاة الموحدين.

وقد يشفع لهم شفيع مطاع من الأنبياء أو الملائكة أو آحاد المؤمنين، وقد يكون لهم من الحسنات الماحية أو المحن والمصائب المكفرة، ما يدرأ عنهم العذاب.

وقد يعفو الله عنهم بفضله وكرمه، ولا سيما إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق، ولكنهم لم يوفقوا وأخطأوا الطريق، وقد وضع الله عن هذه الأُمة الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.

٢ - شغل المسلم بهموم أمته الكبرى

من أكثر ما يوقع الناس في حفرة الاختلاف، وينأى بهم عن الاجتماع والائتلاف: فراغ نفواسهم من الهموم الكبيرة، والآمال العظيمة، والأحلام الواسعة، وإذا فرغت الأنفس من الهموم الكبيرة، اعتركت على المسائل الصغيرة، واقتتلت - أحياناً - فيما بينها على غير شيء.

ولا يجمع الناس شيء كما تجمعهم الهموم والمصائب المشتركة، والوقوف في وجه عدو مشترك، وما أصدق ما قاله أحمد شوقي: إن المصائب يجمعن المصابينا».

وإن من الخيانة لأمتنا اليوم أن نغرقها في بحر من الجدل حول مسائل في فروع الفقه أو على هامش العقيدة، اختلف فيها السابقون، وتنازع فيها اللاحقون، ولا أمل

(١٥٠)

في أن يتفق عليها المعاصرون. في حين ننسى مشكلات الأُمة ومآسيها ومصائبها التي ربما كنا سبباً أو جزءاً من السبب في وقوعها.

وهذا ماحدا بابن عمر، رضي الله عنهما، حينما سأله من سأله من أهل العراق عن دم البعوض في حالة الإحرام، فأنكر على السائل هذا التنطع والتعمق في السؤال عن هذه الدقائق، على حين أو قومه خذلوا الحسين رضي الله عنه، حتى سفك دمه، ولقي ربه شهيداً مرضياً.

وهكذا قال ابن عمر: هؤلاء يسألون عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله ! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «هما ريحانتاي من الدنيا» [١]. قال الحافظ في الفتح: أورد ابن عمر هذا متعجباً من حرص أهل العراق على السؤال عن الشيء اليسير والتفريط في الشيء الجليل [٢].

من الخيانة أن يحمى الوطيس، وتنصب المجانيق، ويتقاذف الناس بكلمات أشد من الحجارة، وأنكى من السهام، من أجل مسائل تحتمل أكثر من وجه، وتقبل أكثر من تفسير، فهي من مسائل الاجتهاد، التي دلت على سعة هذا الدين ومرونته، المصيب فيها مأجور والمخطئ فيها معذور، وخطؤه فيها مغفور، بل هو - بنص الحديث - مأجور.

لهذا كان من الواجب على الدعاة والمفكرين الإسلاميين أن يشغلوا جماهير المسلمين بهموم أمتهم الكبرى، ويلفتوا أنظارهم وعقولهم وقلوبهم إلى ضرورة التركيز عليها والتنبيه لها، والسعي الجاد ليحمل كل فرد جزءاً منها، وبذلك يتوزع العبء الثقيل على العدد الكبير، فيسهل القيام به.

إن العالم يتقارب بعضه من بعض على كل صعيد، رغم الاختلاف الديني، والاختلاف الإيديولوجي، والاختلاف القومي، واللغوي، والوطني والسياسي.

لقد رأينا المذاهب المسيحية - وهي أشبه بأديان متباينة - يقترب بعضها من

(١٥١)

بعض، ويتعاون بعضها مع بعض.

بل رأينا اليهودية والنصرانية - على ما كان بينهما من عداء تاريخي - يتقاربان، ويتعاونان في مجالات شتى، حتى أصدر الفاتيكان منذ سنوات وثيقته الشهيرة بتبرئة اليهود من دم المسيح.

ورأينا على المستوى الإيديولوجي تقارب العملاقين: أمريكا والاتحاد السوفيتي - عندما كان قائماً - فيما سمي «سياسة الوفاق». وكذلك رأينا تقارب أمريكا مع الصين.

أما أوروبا التي مزقتها الحروب والصراعات والنزاعات القومية والإقليمية والسياسية والإيديولوجية، فهي اليوم تتقارب، ثم تتقارب حتى توشك أن تكون دولة واحدة تذوب بين أقطارها الفواصل والحدود.

رأينا هذا كله بأعيننا، ورأينا في مقابله المسلمين يتباعدون، ويتنكر بعضهم لبعض، بل يقاتل بعضهم بعضاً.

إن أبناء المسلمين في أقطار شتى يموتون - مادياً - من الجوع والمرض، ويموتون - معنوياً - بالجهل والأمية، وانتشار الخرافات، ويتعرضون لأخطار التنصير والتكفير والتضليل، فكيف لا نهتم لأمرهم، ونسعى لإنقاذهم، ومن لم يهتم لأمر المسلمين فليس منهم.

إن الأُمة المسلمة لا تزرع ما تأكل من الوقت الضروري، ولا تصنع ما تسخدمه من السلاح اللازم للدفاع عن الحرمان، ولا من الآلات ما يجعل لها وزناً واعتباراً.

فهي كلها ضمن العالم الثالث، ولو كان هناك عالم رابع لنسبت إليه ! وكثيراً ما اتهم الإسلام ظلماً بأنه سبب تخلفها، مع أنها يوم تمسكت به كانت سيدة الأمم وأستاذة البشرية.

ولقد كتبت دراسة صدرت في كتاب عن «الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي» وبينت فيه أن الصحوة ليست بمعزل عن هموم هذا الوطن الكبير، إنها مشغولة الفكر والقلب بهذه الهموم، معنية بالتعرف على أسبابها والطريق إلى علاجها من صيدلية الإسلام.

(١٥٢)

وعنيت - بخاصة - تيار «الوسطية الإسلامية» الذي يفهم الإسلام فهماً شمولياً إيجابياً، جامعاً بين السلفية والتجديد، موازناً بين الثوابت والمتغيرات، بين النظرة إلى التراث والتخطيط للمستقبل.

لقد تحدثت هناك بشيء من التفصيل عن هموم سبعة أساسية هي:

١ - هم التخلف العلمي التكنولوجي والحضاري.

٢ - هم النظام الاجتماعي والاقتصادي.

٣ - هم الاستبداد والتسلط السياسي.

٤ - هم التغريب والغزو الفكري والثقافي.

٥ - هم العدوان والاغتصاب الصهيوني.

٦ - هم التجزئة والتمزق العربي والإسلامي.

٧ - هم التسيب والانحلال الخلقي.

وهي - بلا ريب - هموم كبيرة وثقيلة، وتحتاج لمعالجتها إلى تكاتف العقول لتفكر، والعزائم لتصمم، والأيدي لتنفذ، وتستغرق من الجهود والأوقات والأموال الكثير والكثير.

ولو شئنا لأضفنا إليها هموماً وهموماً، مثل الحروب الأهلية والصراعات الإقليمية والمجاعات المهلكة، والهجمات التنصيرية الشرسة، وغيرها….

أفيسع مسلماً غيوراً على دينه، مهتماً لأمر أمته - عنده مسكة من العقل - أن يعرض وينأى بجانبه عن هذه الهموم الضخمة، ثم تراه يقوم ويقعد، ويبرق ويرعد، من أجل جزئيات علمية أو سلوكية، لا تدخل في دائرة الضروريات، ولا الحاجيات، وإنّما هي كلها في نطاق التحسينات والكماليات، وفي سبيل هذه الفرعيات لا يبالي أن يمزق الشمل الملتئم، ويوقظ الفتن النائمة، ويحرك العصبيات الساكنة.

هذا على حين يجد العالم من حولنا يتناسى الخلافات الجذرية بين بعضه وبعض، وهو ما أثمر التقارب العالمي الذي نشهده اليوم على أصعدة شتى.

لهذا يجب أن لا نشغل الناس بالمسائل الفرعية، ونقيم الدنيا ونقعدها من أجل قضايا جزئية أو خلافية، ونلهيهم بذلك عن الأصول الكلية والقضايا المصيرية.

(١٥٣)

ويدخل في هذا الموضوع: الإعراض عما لا ثمرة له، ولا طائل تحته من البحث في الموضوعات التي شغلت العقل الإسلامي فترة أو فترات من التاريخ، ثم لم يعد لها اليوم مكان.

وذلك مثل موضوع «خلق القرآن الذي احتل مساحة واسعة من التفكير الإسلامي في بعض العصور، وحميت المعركة فيه بين المعتزلة وغيرهم، واستطاع مفكرو المعتزلة أن يورطوا الدولة العباسية وخلفاءها في هذا الصراع، وأن يدخلوا معركة مع جمهور المسلمين وعلمائهم، وأئمتهم - وعلى رأسهم الإمام الرباني الصابر المحتسب أحمد بن حنبل - وأن يستخدموا الحديد والنار والسجن والتعذيب لإجبار المخالفين على ترك ما يعتقدون، وموافقتهم فيما إليه يدعون.

لقد كانت فتنة مظلمة، ومحنة قاسية، يحمل وزرها الذين وسموا بأنهم دعاة الحرية الفكرية.

على كل حال لهذه الفتنة ظروفها ومبرراتها في وقتها، ولكن لا يوجد أي مبرر لإحيائها اليوم بوجه من الوجوه.

لهذا عجبت ممن يتحدث عن الإمامية أو الزيدية أو الإباضية أو غيرهم من الطوائف بأنهم يقولون بخلق القرآن، فما ينبغي لهذه المشكلة أن تثار عند أي من الفريقين….

إن مشكلتنا اليوم ليست مع من يقول بأن القرآن كلام الله مخلوق، بل مع الذين يقولون: القرآن ليس من عند الله، بل هو من عند محمد، أي الذين يقولون ببشرية القرآن.

ثم مشكلتنا كذلك مع الذين يؤمنون بإلهية القرآن، ويرتضون بمرجعيته في العقيدة والعبادة. ولكنهم لا يرتضونه منهاجاً للحياة، ودستوراً للدولة والمجتمع، وهم جماعة «العلمانيين» الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض!

٣ - التعاون في المتفق عليه

بعض الفصائل التي تنتسب إلى الصحوة الإسلامية، أو العمل الإسلامي، مهتمة

(١٥٤)

أكبر الاهتمام بالمسائل الخلافية، فهو شغلها بالنهار، وحملها بالليل.

حولها يتركز البحث، ولها تقام الدروس، وفيها يدور الجدل، ومن أجلها تحمى معارك الكلام والخصام.

وأنا لا أكره أن يبحث الناس في المسائل الخلافية، بحثاً علمياً مقارناً يرجح أحد الرأيين أو الآراء، إذا قام بذلك أهل الاختصاص، من العلماء القادرين المؤهلين لمثل هذا العمل العلمي الرصين، الجامع بين الفقه والورع والاعتدال.

ولكن الذي أكرهه: أن يصبح البحث في المسائل الخلافية أكبر همنا، ومبلغ علمنا، وأن نضخمها حتى تأكل أوقاتنا وجهودنا وطاقاتنا، التي يجب أن نوجهها لبناء ما تداعى أو تهدم من بنياننا الديني والثقافي والحضاري.

وأن يكون هذا الاهتمام والاشتغال على حساب القضايا التي لاخلاف عليها.

إنني أود لو أن رجال المسلمين جميعاً حرصوا على إطلاق لحاهم، فأحيوا هذه السنة من سنن الفطرة، وخرجوا من خلاف من أوجبها من الأئمة، وتميزوا عن غيرهم من الأمم، وفوتوا الفرصة على رجال المباحث الذين يعتبرون اللحية دليل اتهام. ومع هذا لا أود أن نشغل الناس بهذا، وأن نفسق من لا يعفيها، فهذا أمر عمت به البلوى، ولهذا أسفت حقاً حين ذكر لي بعض الثقاة من الشباب أن أحد المولعين بالخلافيات ألقى تسع محاضرات في وجوب إعفاء اللحية، وتحريم أخذ شيء منها.

كما أسفت لأن أحدهم ألف رسالة سماها «نهي الصحبة عن النزول على الركبة» وهو أمر يتعلق بهيئة الصلاة، وفيه أخذ ورد، وأن آخر كتب رسالة أيضاً بعنوان: «الواحة في جلسة الاستراحة» إلى غير ذلك من الرسائل، والمقالات والمحاضرات التي تدور حول هذه الأمور، التي اختلف فيها الأئمة، بين مثبت وناف، وسيظل الناس يختلفون فيها إلى ما شاء الله.

وسر أسفي هنا هو: التركيز على الأمور الخلافية والشدة على المخالفين، فيما يجوز التساهل فيه، على خلاف ما كان عليه سلف الأُمة.

إن أي مراقب لأوضاع الأُمة الإسلامية اليوم، يوقن تمام اليقين أن مشكلتها

(١٥٥)

ليست في ترجيح أحد الرأيين، أو الآراء في القضايا المختلف فيها، بناء على اجتهاد أو تقليد. فالواقع أن الخطأ في هذه القضايا يدور بين الأجر والأجرين، لمن تحرى واجتهد، كما هو معلوم ومبسوط في مواضعه.

ولكن مشكلة الأُمة حقاً في تضييع الأمور المتفق عليها من جميع مذاهبها ومدارسها.

مشكلة المسلمين ليست في الذي يؤوّل آيات الصفات وأحاديثها - وإن كان مذهب السلف أسلم وأرجح - بل في الذي ينكر الذات والصفات جميعاً، من عبيد الفكر المستورد من الغرب أو الشرق.

مشكلة المسلمين ليست فيمن يقول: استوى على العرش بمعنى استولى كناية عن عظمة سلطانه تعالى، بل فيمن يجحد العرش ورب العرش معا.

مشلكة المسلمين ليست فيمن يجهر بالبسملة أو يخفضها أو لا يقرؤها في الصلاة، ولا فيمن يرسل يديه في الصلاة أو يقبضهما، ومن يرفع يديه عند الركوع أو الرفع منه أو لا يرفعهما، إلى آخر هذه المسائل الخلافية الكثيرة المعروفة.

إنما مشكلة المسلمين فيمن لا ينحني يوماً لله راكعاً، ولا يخفض جبهته لله ساجداً، ولا يعرف المسجد ولا يعرفه.

مشكلة المسلمين ليست فيمن يأخذ بأحد المذاهب المعتبرة في إثبات هلال رمضان أو شوال، بل فيمن يمر عليه رمضان كما مر عليه شعبان، وكما يمر عليه شوال، لا يعرف صياماً ولا قياماً، بل يفطر عمداً جهاراً نهاراً، بلا خشية ولا حياء.

مشكلة المسلمين ليست في عدم تغطية الوجه بالنقاب، واليدين بالقفازين، كما هو رأي البعض، بل في تعرية الرؤوس والنحور، والظهور ولبس القصير الفاضح، والشفاف الوصاف… إلى آخر ما نعرف مما يندى له الجبين.

إن المشكلة حقاً هي وهو العقيدة، وتعطيل الشريعة، وانهيار الأخلاق، وإضاعة الصلوات، ومنع الزكوات، واتباع الشهوات وشيوع الفاحشة وانتشار الرشوة وخراب الذمم وسوء الإدارة وترك الفرائض الأصلية وارتكاب المحرمات القطعية، وموالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين.

(١٥٦)

مشكلة المسلمين، إنما تتمثل في إلغاء العقل، وتجميد الفكر وتخدير الإرادة وقتل الحرية، وإماتة الحقوق، ونسيان الواجبات وفشو الأنانية، وإهمال سنن الله في الكون والمجتمع، وإعلاء الحكام على الشعوب، والقوة على الحق، والمنفعة على الواجب.

مشكلة الأُمة المسلمة الحقيقية نراها واضحة كالشمس في إضاعة أركان الإسلام ودعائم الإيمان وقواعد الإحسان، وهي الثلاثة التي سأل عنها جبريل رسول الله صلى الله عليه وآله في الحديث الصحيح المشهور.

وفي آخر الحديث قال لهم النبي: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.

وهو لم يكن منه إلا السؤال. لكن السؤال الحسن لون من التعليم، وهنا أسئلة ثلاثة شملت أسس الدين كله: عقيدة وعملاً، ظاهراً وباطناً.

ومن هنا كان الواجب على دعاة الإسلام الواعين أن ينبهوا على التركيز على مواطن الاتفاق قبل كل شيء، وأن يرفعوا شعار «التعاون فيما نتفق عليه» فإن هذا التعاون فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع.

وأعتقد أن ما نتفق عليه ليس بالشيء الهين ولا القليل، إنه يحتاج منا إلى جهود لا تتوقف، وعمل لا يكل، وإرادة لا تعرف الوهن، يحتاج منا إلى عقول ذكية، وعزائم قوية، وأنفس أبية، وطاقات بناءة.

ألسنا متفقين على أن القرآن كلام الله، وأن محمداً رسول الله؟

ألسنا متفقين على الإيمان بالله الواحد الأحد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد؟

ألسنا متفقين على أنه تعالى متصف بكل كمال، منزه عن كل نقص؟

ألسنا متفقين على كل ما وصف به القرآن الرب الأعلى جل جلاله من الأسماء الحسنى؟

فلنتعاون على غرس معاني الإيمان القرآني في أنفس الناشئة والشباب، بعيداً عما أدخله الجدل الفلسفي والكلامي في علم العقائد، وما أورثه الاختلاط بالملل والنحل الأخرى من خلافات فرقت الأُمة شيعاً.

(١٥٧)

ألسنا متفقين على الإلحاد أعظم خطر يهدد البشرية، في أعز مقدساتها؟ فلنتعاون على تحصين الشباب من وباء الالحاد، ومقدماته من الشكوك والشبهات التي تزعزع العقيدة، وتلوث الفكر ولنضيء شموع الإيمان باعظم حقائق الوجود وأجلاها، ويه: وجود الرب الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى… مستفيدين من بحوث العلم الحديث، الذي يكاد يجعلك ترى الله جهرة في إبداع خلقه.

ألسنا متفقين على أن الإيمان بالدار الآخرة، وعدالة الجزاء فيها، وقيام الجنة والنار، ركن في كل دين، وخصوصاً في الإسلام؟

فهو - مع الإيمان بالله تعالى - ينشيء في الإنسان الوازع الذاتي الداخلي الذي يحفز على كل خير، ويردع عن كل شر، ويقوي الإرادة في مواطن الضعف، ويمنح الأمل عند هجوم اليأس.

فلنتعاون - إذن - على تقوية الإيمان بالآخرة، واليقين بالجزاء، ولنطارد الشبهات التي تحاول أن تشكك في هذه العقيدة العظيمة، أو الشهوات التي تشغل الناس عنها بمتاع قليل.

ألسنا متفقين على أركان الإسلام العملية الخمسة، فلماذا لا نتعاون على حسن تعليمها للمسلمين، واتخذا أحسن الأساليب لدعوتهم إليها وترغيبهم فيها، وتذكيرهم بها، مستفيدين من الوسائل السمعية والبصرية المعاصرة؟

أولسنا متفقين على دعائم الإيمان الست: من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فلماذا لا نتعاون على تجليتها وتثبيتها، وإيصالها إلى عقول المسلمين وقلوبهم بلغة سهلة، تلائم يسر الإسلام، ووضوح القرآن، وتقدم العصر في وسائل البيان والإيضاح، دون أن ندخل في معارك الجدل والخلاف التي أثارها القدماء، أو يثيرها المحدثون وحسبنا أن نثبت ما أثبته القرآن، وننفي ما نفاه القرآن.

ألسنا متفقين على مكارم الأخلاق التي بعث الرسول ليتممها، والتي كانت سيرته صلى الله عليه وآله تجسيماً حياً لها، سواء كانت أخلاقاً ربانية، كالتوكل على الله، والشكر لنعمائه، والصبر على بلائه، والرضا بقضائه، والرجاء في رحمته، والخشية من

(١٥٨)

عذابه، والإخلاص له، والشوق إليه، والمحبة له والأنس بذكره… الخ أم أخلاقاً إنسانية كالصدق والأمانة وإنجاز الوعد والوفاء بالعهد والشجاعة والسخاء والحياء والتواضع والنظام والتعاون… الخ.

فلنتعاون - إذن - على إشاعة هذه الفضائل، وترسيخ هذه القيم، حتى يشب عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، ولنطارد الرذائل المضادة لها، المدمرة للفرد، والمحطمة لكيان الجماعة، التي سماها الإمام الغزالي «المهلكات» وهو تعبير اقتبسه من الحديث النبوي؟ !

ألسنا متفقين على مجموعة طيبة من الأحكام الشرعية القطعية الثابتة بمحكم القرآن والسنة، والتي أجمعت عليه الأُمة، فغدت تجسدت وحدتها الفكرة والشعورية والسلوكية؟

فلنتعاون على رعايتها والعمل على حسن تطبيقها، وحمايتها من عبث الذين يريدون أن يحولوا القطعيات إلى ظنيات، والمحكمات إلى متشابها، وأن يجعلوا الدين كله عجينة طرية في أيدي المتلاعبين، يشكلونها كما تشاء لهم أهواؤهم المتسلطة، أو عقولهم القاصرة، أو كما تملي عليهم نزوات السلاطين، أو نزغات الشياطين.

ألسنا متفقين على أن الصهيونية اليوم خطر داهم: خطر ديني وخطر عسكري وخطر اقتصادي وخطر سياسي، وخطر اجتماعي، وخطر أخلاقي وثقافي وحضاري، وأنها تريد هدم الأقصى، وبناء هيكلهم عليه، وأنها تطمع في المدينة وخيبر، وأنها تخطط وتعمل، وتصل في النهاية إلى ما تريد، وأنها حققت أحلاماً كان يعتبرها المغرق في الخيال مستحيلات… فاغتصبت الأرض وشردت أهلها، ولا تزال مستمرة في عدوانها…. وأنها تحاربنا من منطلق ديني، تستثير به إيمان اليهود بتوراتهم وتلمودهم، ونبوءات أنبيائهم؟

فلماذا لا نتعاون على أن نحاربهم بمثل ما يحاربونا به: نحارب يهوديتهم المنسوخة بإسلامنا الخالد، ونحارب توراتهم المحرفة بقرآننا المحفوظ، ونحارب تلمودهم المحشو بالأباطيل بمواريثنا من السنة، الحافلة بالحقائق.؟

(١٥٩)

لماذا لا نتعاون على أن نقف في وجه اليهودية الماكرة الزاحفة على إفريقيا وآسيا، ومنها بلاد إسلامية أو ذات أغلبية إسلامية - بألوان من الكيد - يجب أن نتنبه لها، ونجتهد في إبطال سحرها وأثرها؟

ألسنا متفقين على أن الغرب لم يتحرر حتى اليوم من روح الحروب الصليبية وأن هذه الروح لا تزال تحكم كثيراً من تصرفاته، كما يظهر ذلك بين الحين والحين، في وقائع شتى؟ لقد برز ذلك في موقف دول الغرب من قضية المرتد الماجن سلمان رشدي، ومن قضية حجاب الطالبات المسلمات في فرنسا، ومن التشكيك والتحريض ضد الصحوة الإسلامية، أو ما يسمّونه «الأصولية الإسلامية» وهو ما صرحت به أجهزتهم الإعلامية، وامتلأت به تقاريرهم السرية؟

فلنتعاون - إذن - على التصدي لهذه الحرب الصليبية الجديدة، بأسلحتها الجديدة، وإمكاناتها الهائلة.

ألسنا متفقين على أن التنصير يغزو عالمنا الإسلامي بما يملك من وسائل متطورة، وطاقات جبارة، ويغزو كذلك الأقليات الإسلامية المتناثرة في العالم، ويستغل حالات الفقر والجهل والمرض والجوع المنتشرة - للأسف - بين أبناء أمتنا في إفريقيا وآسيا، ويرصد لذلك مئات الملايين، بل آلافها، لينزع عن الأُمة لباسها، بل ليسلخها من جلدها، ويحولها عن عقيدتها. وهو ما نجح فيه في كثير من الأقطار. وإن كان يعلن غير ذلك، استدراراً للمزيد من المدد المادي والبشري، وتخديراً للفريسة، حتى لا تفكر في مقاومة جادة؟

فلنتعاون كلنا على الوقوف في وجه هذا الغزو الديني الموجه إلى دين هذه الأُمة وصميم عقيدتها، ولنبذل لنصرة حقنا، كما يبذلون لنصرة باطلهم، بل يكفي أن نبذل بعض ما يبذلونه.

ألسنا متفقين على أن «الاستعمار الثقافي» ما يزال يعمل عمله في عقول أجيالنا الصاعدة، من أبنائنا وبناتنا، رغم رحيل الاستعمار «العسكري». ولم تبرح آثاره قائمة في مؤسساتنا الثقافية والتربوية، ما يزال «الغزو الفكري» يخرب العقول بالمفاهيم المغلوطة، والتصورات الفاسدة، والمعلومات الناقصة والمشوشة،

(١٦٠)

وخصوصاً في كل ما يتعلق بالاسلام وشريعته وحضارته وأمته وصحوته، يستوي في ذلك الفكر الليبرالي الرأسمالي، والفكر الماركسي الاشتراكي.

فلنتعاون جميعاً على أن نقاوم هذا الاستعمار، وهذا الغزو المدمر، ولنعمل على حماية أجيالنا من هذا الداء الذي يمثل خطراً على كياننا ووجودنا الاعتقادي والأخلاقي والأدبي.

ألسنا متفقين على أن مئات الملايين من المسلمين في أنحاء العالم يجهلون أوليات الإسلام المتفق على فرضيتها وضروريتها، ولا يكادون يعرفون من الإسلام إلا إسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، وهذا الجهل أو الفراغ هو الذي أطمع الغزو التنصيري، والغزو الفكري كليهما، أن ينشرا ظلاليهما بين هذه الشعوب المحسوبة على أمة الإسلام؟

فلنتعاون على تعليم هذه الشعوب ألف باء الإسلام، والأركان الأساسية لهذا الدين من العقائد والعبادات والأخلاق والآداب، التي لا تختلف فيها المذاهب، ولا تتعدد الأقوال، وهذا يستغرق منا جهوداً لا حدود لها، تنسينا ما نتجادل فيه من مسائل هيهات أن ينتهي فيها الخلاف في يوم من الأيام.

ألسنا متفقين على أن المليارات الأربعة من سكان هذه الكرة لا يعرف أكثرهم عن الإسلام شيئاً يذكر، إذا عرف بعضهم عنه، عن طريق القراءة أو السماع، فإنما يعرف صورة مبتورة أو مشوهة عن حقيقة هذا الدين، لا تحفز على النظر فيه، ولا تشوق إلى استكمال المعرفة به. فهؤلاء لم تبلغهم الدعوة بلوغاً حقيقياً.

ونحن مسؤولون عن إيصال صورة الدعوات الإسلامية إلى قارات الدنيا الست، وأن نخاطب كل قوم بلسانهم لنبين لهم، ونقيم الحجة عليهم، ونزيح التعللات والأعذار عنهم، بدفع الشبهات، ورد المفتريات، وبيان حقائق الإسلام، وكشف أباطيل خصومه.

فلماذا لا نتعاون على هذا العمل الكبير، ونجند له من الرجال والأموال ما هو جدير به، وما يعادل أهميته؟ إذا كان اليهود يعملون متعاونين لدينهم حتى أقاموا له دولة في قلب ديارنا العربية والإسلامية، والنصارى يعملون متعاونين لتنصير العالم، بدءاً بالعالم الإسلامي ذاته، فلماذا لا نعمل متعاونين لنشر الإسلام وتعريف العالم

(١٦١)

به تعريفاً على مستوى الإسلام، ومستوى العصر، ومستوى ما يصنعه الآخرون.

ألسنا متفقين على أن القوى العلمانية تبذل جهوداً مستميتة - يتعاون في ذلك يمينها ويسارها - لإيقاف تطبيق الشريعة الإسلامية، وتعويق الدعوة إليها، وتشويه صورتها في المجتمعات الإسلامية، التي تتعالى صيحاتها يوماً بعد يوم للمطالبة بها، وضرورة الاحتكام إليها كما فرض الله تعالى، وأصبح ذلك مطلباً شعبياً عاماً اجتمعت عليه الجماهير العريضة في عدد كبير من الأقطار المسلمة؟

فلماذا لا يتعاون الإسلاميون بمختلف مدارسهم وفصائلهم للوقوف صفاً واحداً أمام هذا التكتل العلماني المؤيد والمعان من كل القوى المعادية للإسلام غربية وشرقية؟

وأخيراً:

لماذا لا يتناسى الإسلاميون خلافاتهم الجزئية في المسائل الاجتهادية والأمور الفرعية، لتتضامن جهودهم، وتلتئم صفوفهم، وتتوحد جبهتهم، في مواجهة القوى الضخمة المعادية لهم، والمتربصة بهم، والكائدة لهم والتي تختلف فيما بينها وتتفق عليهم؟

إن المتفق عليه ليس بهين ولا قليل، وهو يحتاج من الجبهة الإسلامية العريضة إلى جهود وجهود، تشغل كل تفكيرهم، وكل أوقاتهم وكل إمكاناتهم، ومع هذا لا تكفي لملء الفراغ، وتحقيق الآمال، وإصابة الهدف المنشود.

حرام على الجبهة الإسلامية أن تعترك فيما بينها على اللحية والثوب والنقاب والحجاب والسدل والقبض، والتأويل والتفويض، وتحريك الإصبع في التشهد، وتدع تلك الثغرات الهائلة دون أن تسدها بكتائب المؤمنين الصادقين.

«يتبع»



[ Web design by Abadis ]