ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مقدمة فكرية لحركة المشروطة - ٤ - \ الأستاذ الدكتور علي اكبر ولايتي

الحديث عن الغزو الاستعماري وعن تجارب الأُمة في مواجهة هذا الغزو محور هام من محاور تقريب امتنا الإسلامية. فهي واجهت ولاتزال تواجهه نفس التحديات، وتتحمل أمام هذه التحديات مسؤوليات تنسيق الخطى لاتخاذ مواقف مشتركة تصون هويتها وتحافظ على شخصيتها وكرامتها. في الحلقة السابقة تحدثنا عن بعض معاهدات الخيانة التي فسحت المجال للغزاة أن ينفذوا إلى داخل الوطن الإسلامي وموقف كل من (المثقفين المتغربين) و (الإسلاميين الملتزمين) منها وأشرنا في نهاية الحلقة إلى منح امتياز التنباك للبريطانيين، وفي هذه الحلقة تفاصيل هامة عن حادثة التنباك.

امتياز التنباك

نفصل الحديث الآن عن امتياز التنباك وما جرّه على البلاد وموقف الأُمة المسلمة بقيادة علمائها من هذا التدخل الأجنبي.

الاتفاقية باختصار نصت على ما يلي:

(لقد منحنا امتياز عمليات بيع التبغ وشرائه وتصنيعه في كل الممالك المحروسة (الإيرانية) لمدة خمسين عاما ابتداء من توفيق لائحة الامتياز هذه، للميجر تالبوت وشركائه بالشروط التالية:

١ـ يدفع أصحاب الامتياز سنويا ١٥ ألف ليرة بريطانية إلى الخزانة العامرة سواء ربحوا في عملهم هذا أم خسروا.

(١٢٤)

٢ - تصدر الدولة للحكام المحليين تعليمات تقضي بإلزام الفلاحين أن يحصلوا على إذن من صاحب الامتياز بشان زراعة التنباك.

٣ - يسلم صاحب الامتياز ربع الأرباح الخالصة من هذا العمل للخزانة العامرة.

٤ - تعفى كل المصانع والمعدات اللازمة لهذا العمل من الضرائب والمكوس.

٥ - نقل التنباك داخل الممالك المحروسة (الإيرانية) دون اذن صاحب الامتياز ممنوع، إلا ما حمله المسافرون لاستعمالهم اليومي.

٦ - يشتري أصحاب الامتياز كل التبغ المزروع في الممالك المحروسة بثمن نقدي يرضي الزارع، ولدى بروز اختلاف بين الجانبين يقضي حَكمٌ يوافق عليه الطرفان.

٧ - توافق الدولة على عدم فرض رسوم ومكوس إضافية بشان التبغ والتنباك وعدم المطالبة بزيادة العائدات الحالية خلال الأعوام الخمسين من هذا الاتفاق.

٨ - كل من يتصرف خلافا لهذا الامتياز أو يعمد إلى المتاجرة بالتبغ والتنباك خفية يتعرض لاشد عقاب من الحكومة.

٩ - يحق لأصحاب الامتياز أن ينقلوا حقهم أو بعض حقهم لفرد آخر أو أفراد آخرين على أن يضعوا الحكومة في صورة هذا الانتقال.

١٠ - عندما يحصد المالك التبغ أو التنباك عليه أن يذكر مقدار محصوله لأقرب وكيل لأصحاب الامتياز، كي يشترى منه المحصول وفق المادة السادسة.

١١ - لا يحق لأصحاب الامتياز أن يشتروا أراضي إلا بمقدار ما يلزمهم لتنفيذ هذا الاتفاق في جمع المحصول وخزنه.

١٢ - يحق للزارعين أن يحتفظوا من محصولهم بمقدار استهلاكهم.

١٣ - إذا لم تبدأ الشركة بعملها خلال مدة سنة من توقيع هذا الاتفاق فان هذا الاتفاق يلغى، إلا إذا منع التنفيذ مانع كالحرب وأمثالها.

١٤ - في حالة بروز اختلاف بين دولة إيران وأصحاب الامتياز يرجع إلى حكم يرتضيه الطرفان.

١٥ - أعدت هذه الاتفاقية بنسختين وتم التوقيع عليها بتاريخ ٢٠ مارس ١٨٩٠ الموافق ٢٨ رجب ١٣٠٨……

(١٢٥)

وخلال ١٧ شهرا بعد عودة الشاه قدم جمع من الإفرنج باسم وفد الشركة إلى إيران لتحقيق أهدافهم…) [١]

حين مر الوفد من استانبول في طريقه إلى إيران التقاه مسؤول صحيفة (اختر) الناطقة بلسان المثقفين الإيرانيين المعارضين المقيمين في تركيا، ووجه سؤالا إلى الوفد عن فوائد اتفاق احتكار التبغ والتنباك في إيران، فجاء الجواب: أن المزارع الإيراني كان يبيع محاصيله إلى التجار بالدين أو كان يقايض محصوله بالقماش، ولكنه الآن يحصل على ثمن محصوله نقدا. ويعلّق مسؤول الصحيفة على هذا الجواب بان المزارع الإيراني ما كان يبيع محصوله بالدين بل كان يحصل على الثمن نقدا، بل أحيانا كان يحصل على الثمن سلفا قبل حصاد المحصول، أضف إلى ذلك كان المزارع الإيراني أمام خيارات متعددة لدى البيع، أما الآن فهو أمام خيار واحد لا غير، وهو أن يبيعه للشركة، من هنا فلا تعود هذه الاتفاقية على المزارع بالربح، بل بالخسارة…) [٢].

هذا هو كل ما في ذهن هؤلاء المثقفين من اعتراض ومن إحساس بالغبن والخطر في هذه الصفقة مع الغربيين. حساب الربح والخسارة في ذهنهم لا يعدو أن يكون طريقة البيع وانحصار المشتري.

صرخة الشيخ حسن الكربلائي أما النداء الذي يرفعه الشيخ حسن الكربلائي ضد منح هذا الامتياز والقلق الذي يساوره، وإحساسه بالخطر فينطلق من فهم ديني وثقافي عميق. انه يرى في هذه

(١٢٦)

الاتفاقية مصادرة لكرامة هذه الأُمة وشخصيتها الدينية وهويتها الثقافية. وهذا كل المعارضين لهذا الانفتاح غير المسؤول على الغرب.

يقول في كتابه (تاريخ الدخانية) أو (قرار داد رژى):

(… جاء مع هذا الوفد وبعده تحت عناوين مختلفة مائتا ألف إفرنجي نساءً ورجالا.

وانتشروا خلال ١٧ شهرا في أرجاء إيران. وكانوا قبل ذلك موجودين في دار الخلافة (طهران) وهؤلاء زادوا في الطين بلة فأصبحت إيران سوقا إفرنجيا بكل ما لهذه الكلمة من معنى).

انظر كيف يتحسس هذا الشيخ المتدين من الغزو الثقافي الغربي:

(ليس بمقدور القلم أن يصف الأوضاع الغربية في الشارع الإيراني… إذا ليس كل ما يُرى يقال، وليس بالإمكان نقل الصورة كاملة إلى الأجيال القادمة ليعلموا ما جرى في بداية قرنهم هذا. على أي حال كل الملل والنحل قد قويت في إيران مائة مرة إلا الملة الإسلامية فإنها قد ضعفت ضعفا لأحد له. وفي هذه الأوضاع اصبح سوق طهران التي هي عاصمة الإسلام (انظر كيف يركز على الهوية الإسلامية لبلده لا على الهوية القومية أو الإقليمية) مملوءً بألوان المذاهب بما في ذلك اليهود. فقد اصبح لهم مكانة وصولة وجولة في السوق الإيراني وانتعشت حالتهم الاقتصادية. (انظر إلى الاقتران بين التدخل البريطاني وانتعاش حالة اليهود في إيران). أخيرا اصبح للغربيين محلات تجارية ودكاكين في الأسواق التقليدية وترى في هذه الدكاكين شابات إفرنجيات متزينات بألوان الزينة جلسن ليبعن افخر ألوان البضائع البريطانية التي تشد إليها الأنظار وتخلب الألباب. والمسلمون المبهورون يتهافتون على هذه المحلات باسم التسوق ليفقدوا دينهم وعقلهم فيها. وإلى جانب ذلك فان مجاميع من (الفنانات) ومجاميع من (البغايا) الغربيات قدمن إلى إيران وفتحن في ارجاء الممالك المحروسة (إيران) دورا للهو ودورا للبغاء.

وفي كل يوم يقع جمع من المسلمين في هذه الشراك، فيفقدون مالهم، وهذا ايسر ما يفقدونه، لأنهم يفقدون

(١٢٧)

دينهم أيضاً)

هذا الشيخ المؤمن يقضّ مضجعه أن يرى كرامة الناس تهدر على يد من لا يجوز أن يجد سبيلا للتسلط على المسلمين، يصور حالة الذل المؤلمة آنئذ فيقول:

(في محطة قطار عاصمة الإسلام الكبرى (طهران) وأمام جمع من الناس رفع إفرنجي عامل في القطار يده وهوى بها على وجه موظف إيراني، وكانت الصفعة قوية إلى درجة أنها قذفت بقبعة الإيراني وارتمت في الأوحال. ولم يكتف هذا الإفرنجي بذلك، بل أطلق لسانه بالسب والشتم والقول بتهكم وغرور: اذهب واشتك عند من شئت. وهذا المسلم المسكين يعرف قدرة خصمه، فلم ينبس ببنت شفة.

أضف إلى هذه الصور المؤلمة فان الإفرنج المنتشرين في إيران اتخذوا من الرجال والنساء خولا وخدما في بيوتهم، وكانوا يحرصون على اقتناء النساء بأجور مغرية للخدمة والحضانة. حتى انك ترى في كل حدب وصوب من طهران امرأة مسلمة تحتضن طفلا أو طفلين من الأسر الغربية. )

النهضة ضد منح الامتياز في رجب سنة ١٣٠٨ هـ. ق وصل دار الخلافة (طهران) وفد من الشركة ليوقع مع الشاه ومجلس الوزراء على الاتفاقية. وبدا القادمون بتوزيع الرشاوي والهدايا، وتم الإعلان عن التوقيع على هذا الاتفاق. يتحدث الشيخ حسن الكربلائي عن صدمة الشعب بهذا الإعلان يقول: (لقد كانت الإشاعات تطرق الأسماع بشان اتفاق كهذا وكان عامة الشعب الإيراني يرون أن مثل هذا العمل بعيد عن الغيرة وحب الوطن ويستبعدون حدوث مثل هذا الإجحاف بحق بلاد الإسلام. وكانوا غالبا ما يرفضون قبول هذه الإشاعات. حتى أعلن ذلك رسميا عن طريق إبلاغ الحكام المحليين، فعلم الشعب بتفاصيل القضية، وأصبحت المسالة جادة بعدما كانت اقرب إلى الإشاعة

(١٢٨)

والمزاح) [١].

كيف بدأت الحركة ضد الاتفاق وفي أي زمان وعلى يد من بدأت، وكيف تواصلت؟ ثمة روايات مختلفة في هذا المجال، والرواة ينطلقون من متبنياتهم الفكرية في سرد الأحداث، ونحن نذكر عدة نماذج من هذه الروايات، ونترك الحكم إلى القاريء.

ننقل الرواية الأولى عن أحمد كسروي:

(…. أبدى الناس سخطهم منذ الخطوات الأولى، التجار كتبوا رسالة شكوى إلى الشاه وأوصلوها إليه عن طريق أمين السلطان. ولكن الشاه وأمين السلطان كانا من مؤيدي الاتفاق، ولذلك لم تجد شكوى التجار أذنا صاغية. وبعد أن انتشر موظفو الشركة في البلاد ازداد السخط وانتشر وبدأ يأخذ شكل حركة شعبية عامة. وكان التحرك الرافض في تبريز أشد، فقد مزق الناس هناك إعلانات الشركة وألصقوا مكانها بيانات ساخطة ثورية. طلب ولي العهد من والي تبريز (امير نظام كروسي) أن يتخذ موقفا متشددا من الناس الناقمين. أبى الوالي واستقال من منصبه.

حاولت الشركة أن تستميل أبناء المنطقة فأعلنت أن يكون عمالها في آذربيجان من أهالي المنطقة أنفسهم، ولكن الناس رفضوا وواصلوا صمودهم. بعد تبريز نهضت إصفهان وسرت النهضة إلى طهران. كان العلماء (المقصود علماء الدين) في طليعة النهضة في كل مكان. (الحاج ميرزا جواد) في تبريز، و (آقا نجفي) في إصفهان، و (ميرزا محمد حسن آشتياني) وآخرون في طهران. ومن سامراء بعث المجتهد الأكبر ميرزا محمد حسن الشيرازي برقية إلى الشاه ذكره فيها بمضار الامتياز، وطالبه بإلغائه.

ازدادت البلوى وحار الشاه في أمره، عزم في بداية الأمر ان يسحب من الشركة إجازة البيع في الداخل، ويقتصر الامتياز على البيع في الخارج. لكن الناس والعلماء لم يرحبوا بهذا ولم يتراجعوا عن نهضتهم. فكر العلماء بطريقة أخرى.

(١٢٩)

هي أنهم يتركوا الشركة وشأنها ويتجهوا إلى الناس ليطلبوا منهم الامتناع عن تدخين الشطب والنارجيلة. فأصدر الميرزا الشيرازي فتواه المعروفة بتحريم الشطب والنارجيلة. وما إن وصلت هذه الفتوى إلى المدن حتى قبلها عامة الناس نساءً ورجالا، كبارا وصغاراً، فقراء وأغنياء. وفجأة أغلقت جميع محلات بيع التبغ والتنباك، وزال الشطب والنارجيلة من الاستعمال.

لقد حدث هذا بصورة أذهلت جميع الأجانب فاضطرت الشركة إلى أن تعتب على الشاه وتطلب منه أن يسعفها في الموقف.

أراد الشاه في المرحلة الأولى أن يختبر قدرته، فأرسل إلى الميرزا الآشتياني (علم طهران) أن دخن النارجيلة علنا وأمام الناس واكسر هذه الفتوى (فتوى الميرزا الشيرازي) أو اخرج من طهران. فآثر الخروج من طهران، وحين استعد لذلك ثار الناس ومنعوه من الخروج، وكان جماعة من الناس الساخطين متجمعين حول قصر الشاه وهموا بالدخول، فأمر (آقا بالاخان) (أصبح قائد الجيش فيما بعد) بإطلاق الرصاص على المتجمعين فسقط سبعة قتلى، وجُرح عشرون أو أكثر. وحين بدأت النهضة بالتصاعد وأصبح الأجانب في طهران والمدن الأخرى في خطر، اضطر الشاه إلى مفاوضة الشركة، وتم الاتفاق على إلغائه مقابل غرامة قدرها ٥٠٠ ألف ليرة في ١٣٠٩ هـ. ق. ودفع مبلغ الغرامة إلى الشركة بقرض من البنك الشاهنشاهي الحديث التأسيس آنذاك. وهذا أول قرض لحكومة إيران.

بعد ستة أشهر أشهر من الغليان الشعبي انتهت القضية، ويمكن اعتبار هذه (أول نهضة شعبية إيرانية) …. [١].

الرواية الأخرى ننقلها عن الشيخ حسن الكربلائي في كتابه: (تاريخ الدخانية) أو (قرارداد رزى) وهو أوثق كتاب في القضية.

(… بعد أن استقر موظفو الشركة في طهران، بدأوا يمارسون أعمالهم باستقلال كامل، بعثوا إلى كل مدينة جماعة من الإفرنجيين بعنوان وكلاء الشركة، وبدأوا

(١٣٠)

بشيراز باعتبارها أهم قطر منتج لمواد التدخين في إيران. اتجه الافرنجيون المرشحون إلى شيراز، وسبق توجههم تأكيد على حكومة فارس (شيراز جزء منها) بضرورة الاهتمام التام باستقبال واستضافة هذه الجماعة. علم أهل شيراز بأن هؤلاء في الطريق إليهم، فدهشوا وبوغتوا وتقاطروا من كل حدب وصوب على بيوت علمائهم. وعلماء البلد أبدوا استياءهم من ذلك، وكل ذلك جعل استقبال الإفرنجيين في شيراز متعذرا على الحاكم فيها. ومن هنا اضطر الافرنجيون إلى البقاء بعيدين عن شيرازكي ترفع حكومة شيراز تقريرا عن الأوضاع إلى الدولة. فجاءت الأوامر من الدولة تقضي بنفي «السيد علي اكبر قال أسيري» باعتباره من أبرز العلماء المعارضين…» [١].

يبدو أن «ميرزا رضا خان قوام الملك» تعهد بأن ينفذ هذا العمل الدنيء. وكان من عادة «السيد» (علي اكبر فال أسيري) أن يذهب أحيانا وحيدا إلى الصحراء ليتلو زيارة عاشوراء. واتفق أن ذهب السيد ذلك اليوم إلى الصحراء، فالتف حوله خيالة قوام الملك واعتقلوه وأركبوه على بغل غير مُسرَّج، وفعلوا به ما فعل بأبي ذر عند نفيه من الشام إلى المدينة. واتجهوا بالسيد رغم شيخوخته بهذه الصورة إلى مدينة بوشهر دونما توقف إلا قليلا. وأوصلوه إلى بوشهر في وضع مزر «هو مدعاة فخر ومباهاة وشرف لرهط العلماء الإجلاء» كما يقول الشيخ حسن الكربلائي، وسلموه إلى حكومة تلك المنطقة.

حكومة بوشهر، إما خوفا من المسلمين أو بسبب ما كان في الحاكم من عواطف إسلامية، أكرمت وفادة «فال أسيري» وفكت أغلاله، فأقام مدة في بوشهر، ثم رحل إلى سامراء فاستقبله فيها مرجع الشيعة الميرزا محمد حسن الشيرازي أحرّ استقبال.

من جانب آخر، حين انتشر نبأ اعتقال السيد فال أسيري ونفيه بين أهالي شيراز صرخوا بأجمعهم «وا إسلاماه!» واتجهوا إلى مرقد السيد أحمد بن موسى (مزار

(١٣١)

معروف في شيراز)، وتجمعوا هناك، فتأزمت أوضاع المدينة وأرهبت الحكومة، فأمر «قوام الملك» الذي أثار هذه الفتنة أحد الجلادين بإطلاق النار على الناس المتجمعين، فقتلوا جماعة وجرحوا آخرين، وبذلك مُهّد الطريق أمام ورود الإفرنجيين، فقدموا إلى شيراز بعد أن توقفوا مدة في الطريق كما ذكرنا، وطفقت الحكومة تقدم كل إجلال واحترام لهؤلاء.

تصاعد المقاومة وموقف العلماء

يقول الشيخ حسن الكربلائي في كتابة القيم:

«… بعد ذلك بعثت الشركة صاحبة الامتياز بوكلائها إلى سائر الممالك المحروسة (المحافظات الإيرانية)، ولم تكن أية منها خالية من الاضطرابات بسبب تخوف الناس من ورود الإفرنج. ورغم ذلك فإجراءات الحكومة القمعية أدت إلى أن يدخلوا في المدن بحفاوة بالغة. نعم، في مملكة (محافظة) آذربيجان كان عامة الناس وخاصة علماء تبريز وعلى رأسهم جناب المستطاب حافظ الشريعة «الحاج ميرزا جواد آقا المجتهد» يصرون على عدم قبول هؤلاء الإفرنج صيانة للدين والدولة، وكلما ازدادت الدولة إصرارا ازداد هؤلاء إباءً ورفضا، مما اضطر الحكومة إلى التنازل عن فرض هذا التكليف على آذربايجان، ولكنها عادت ففرضت بتعسف أمر هذا الاحتكار. وهكذا فرضت الحكومة على كل البلاد احترام رجال هذه الشركة.

وأول ما فعله وكلاء الشركة بعد وصولهم المدن المختلفة شراء الأملاك في النقاط العامرة والحساسة، وشيدوا فيها البنايات المرتفعة المشرفة على المدينة، وبذلك زادوا من قلق الناس وتخوفهم. وكانت مهمتهم الأولى وضع اليد على كل مواد التدخين في البلاد ليكون بيع هذه المواد وشرائها خاص بإدارة الشركة دون غيرها. ولما كان هذا يؤدي إلى أن يتكبد المسلمون خسائر فادحة فقد أدى إلى تمرد في صفوف الناس وسبب للحكومات المحلية مشاكل متفاقمة. ولإخماد هذه الفتنة قررت الحكومة أن يكف وكلاء الشركة لعمدة أشهر عن شراء مواد التدخين ليصفي التجار حساباتهم السابقة. وكانت هذه الأشهر فرصة للمسلمين يفكرون فيها في

(١٣٢)

مخرج من هذا المأزق. ومن الواضح أن المنقذ في مثل هذه الأزمات الشعبية هم علماء الشعب. ولا غرو أن يتجه عامة الشعب في كل محافظة إلى بيوت العلماء ليرفعوا إليهم شكواهم. والعلماء الأعلام، بعد اطلاعهم على ما ينطوي عليه هذا العمل من مفاسد، وما سيجره من تبعات إفساد هي الهدف الأصلي الإفرنج، طفقوا في العثور على مخرج من هذا الخطر. ولكن الحكومة كانت قد أهانت الشعب وأذلته وما عاد لكلمة العلماء وقع وتأثير، فما استطاعوا أن يتوصلوا إلى سبيل للنجاة. لذلك استغاثوا برئيس العلماء وأمل الإسلاميين حضرة آية الله الميرزا محمد حسن أرواحنا فداه وهو الذي أيد الله به الدين في هذه المائة.

…. لقد تقاطرت على جنابه (الميرزا محمد حسن الشيرازي) رسائل الشكوى من كل أصناف الناس وخاصة العلماء توضح له أبعاد هذه الداهية العظمى وتستغيث به، وبلغ الأمر أن ترك أعماله الجسام وصرف وقته لمتابعة أحداث هذه الفتنة الكبرى، واتضحت لهذا العَلم الكبير تبعات الفساد التي ستجرّ على الأُمة جراء هذه الفتنة التي ابتليت بها الدولة والشعب المسلم. ثم إن العلماء حماة ثغور الدين وأهم تكاليفهم المحافظة على هذه الثغور كي لا تتاح الفرصة لمن تسول له نفسه أن يتطاول على الدين أو يخل به وواجب هذا التكليف الكبير في عصر غيبة المعصوم تقع على عاتق نوّابه وهم العلماء. ومن هذه المقدمات المحكمة، رأى أن مسؤولية الدفاع تقع على عاتقه باعتباره أكبر مرجع ديني على ظهر الأرض، ورأى أنه لابد من دخول الميدان لإخماد هذه الفتنة الكبرى (فتنة دخول الأجانب إلى بلاد الإسلام) لأنها تفتح بابا للإخلال بالشريعة، بل لانهدامها واضمحلال الأساس الذي تقوم عليه هوية الشعب المسلم ومن هنا بدأ اهتمامه بالموضوع مستندا إلى قواعد رصينة…. » [١].

الميرزا الشيرازي رأى أن الأوضاع لا تحتمل التأخير، فبدأ عمله بخطاب هادي للشاه والمسؤولين يدعوهم إلى الكف عن مواصلة المشروع، فتضمنت رسالته التلغرافية الأولى إشارة إلى «تدخل الأجانب في الشؤون الداخلية للبلد» وإلى

(١٣٣)

تصرفات الأوربيين بما «يتنافى صراحة مع القرآن الكريم والشريعة الإلهية واستقلال البلاد ويُخلّ نظام الحكم ويؤدي إلى استياء عامة الشعب» … وذكر في الرسالة واقعة شيراز ونفي السيد علي اكبر فال أسيري [١].

ووصلت الرسالة إلى ناصر الدين شاه عن طريق «كامران ميرزا نائب السلطنة» فأجابه الشاه برسالة يشرح فيها ما يجره إلغاء الامتياز من مشاكل للدولة ولخزانة الدولة. فأرسل الميرزا الشيرازي رسالة أخرى كانت لهجتها أشد من الأولى، جاء فيها:

«لقد رفعت لكم تلغرافا بشأن مفاسد التدخل الأجنبي في مملكة إيران وجاءني الجواب ينم عن عدم تفهم المسؤولين لمفاسد تنفيذ هذه الأمور. ولما كان الإغماض عنها يتنافى مع رعاية حقوق الإسلام، رأيت أن أكتب لكم ثانية ذاكرا مزيدا من هذه المفاسد.

أي مفسدة أكبر من اختلال قوانين البلاد ومصادرة استقلالها وتفرق شعبها واليأس من ألطاف السلطان؟ ألم تر أن أولياء الدين المبين وسلاطين المسلمين شكر الله مساعيهم بذلوا خلال القرون المتوالية النفس والنفيس من أجل إعلاء كلمة الإسلام، فكيف نرى اليوم من أجل منفعة رخيصة أو دفع مفسدة زهيدة تنسى كل تلك المصالح ويفسح المجال للكفرة أن يسيطروا على معايش المسلمين وتجارتهم، ويخالطوهم مضطرين، ويرضخوا لذلّ خدمتهم، فتشيع بالتدريج المنكرات وتفسد العقائد ويختل نظام الشريعة الإسلامية……» [٢].

وكان جواب ناصر الدين شاه استعلائيا مغرورا جاء فيه:

«سنرسل لكم الجواب بالبريد لما فيه من تفاصيل وستلاحظون أن الدولة لم تسلم إلى الآخرين أبدا شأن البلاد واستقلالها وحفظ ناموس الشعب ومصالحه وحريته. وستسعى جادة لحفظها إن شاء الله تعالى» [٣].

(١٣٤)

مواقف العلماء هذه من قضية التبغ وقبلها من قضية «رويتر» تدل على ضمير ديني يقظ يأبى أي تسلط أجنبي على مقدارت المسلمين. بهذا الوجدان الديني كان حماة الدين من العلماء يرون بأم أعينهم أن خطة البريطانيين من وراء هذه الشركة السيطرة على «بوابة الهند» كما سيطروا من قبل على «شبه القارة».

تصاعد المقاومة السلبية

حين رأى العلماء والناس أن النصح قد أعياهم، وأن المواجهة المباشرة غير ممكنة عمدوا إلى المقاومة السلبية لاحباط أهداف الشركة الغازية، نذكر من ذلك النصوص التالية:

يقول الكربلائي: «…. كثير من المسلمين الغيارى لم يرضخوا لإذلال الإفرنج، فقسموا أموالهم (محاصيلهم من التبغ والتنباك) سراً بين الفقراء مجانا، وبعضهم عمد مندفعا بغيرته الإسلامية إلى إحراق أمواله جميعا» [١]، ويمثل لذلك بتاجر أحرق اثني عشر كيسا من التنباك كي لا يضطر إلى بيعها للشركة المحتكرة.

ويبدو أن حركة المقاومة السلبية كانت في إصفهان أكثر تنظيما وانسجاما: «… وكان علماء إصفهان كثر الله أمثالهم قد أبوا الرضوخ بأجمعهم، وأمروا المسلمين بالامتناع. والمتدينون المتعقلون استجابوا لهذا الأمر. واتسعت كلمة العلماء لتشمل كل إصفهان وماحولها. وأدى هذا إلى وقفة في أعمال الشركة. لكن علماء سائر المناطق وخاصة دار الخلافة (طهران) لم يحتذوا حذو علماء إصفهان خوفا من أن يكون ذلك من باب دفع الفاسد بالافسد. ولذلك لم يكن موقف علماء إصفهان ذا تأثير يذكر على أعمال الشركة في سائر أنحاء البلاد. ومع ذلك تعرض العلماء في إصفهان إلى أنواع المصائب والبلايا من قبل الحكومة. وهذه الوقفة اليسيرة التي حدثت في أعمال الشركة في إصفهان أثارت مسؤولي الشركة لأن يدفعوا الحكومة إلى إرسال برقيات لوم وتقريع إلى علماء إصفهان. ومن ذلك تهديدها لجناب المستطاب الحاج

(١٣٥)

الشيخ محمد تقي المعروف بآقا نجفي سلمه الله تعالى وإنذارها إياه أن يبيح استعمال التدخين أو يرحل عن دار السلطنة (إصفهان)، وغن لم يفعل هدم بيته على رأسه!!

ومع ذلك لم تثن هذه التهديدات عزمه ولم توهن استقامته فوقف كالطود الاشم أمامها. وإذا استثنينا واحدا أو اثنين من المرتزقة على فتات موائد المناصب والرواتب والمحسوبين على العلماء فإن كل علماء دار السلطنة (إصفهان) بمقتضى واجبهم ومنصبهم الكبير قاوموا أشد المقاومة أمام تهديدات الحكومة. غير أنهم كانوا قلقين على مستقبل هذه النهضة ومصير المسلمين. من هنا فقد توفرت لنا معلومات عن عزم بعض علماء دار السلطنة - ممن صان عرض الشريعة ولكنه لم يستطع المقاومة أمام تهديدات الحكومة - على السفر والاغتراب. ومنهم جناب المستطاب «آقا منير الدين» وهو من علماء إصفهان المبرزين والممتازين، ومن الذين يرجع لهم عامة الناس. لقد تلقى هذا العالم تهديدات شديدة تأمره أن يعلن تجويز التدخين على المنابر وأن يدخن هو علنا أمام الناس، فما كان منه أمام هذه التهديدات إلا أن خرج سرا من المدينة في خوف واضطراب وتوجه إلى مدينة مشهد…. » [١].

رغم ما كانت تواجه الشركة صاحبة الامتياز من سخط الشعب واعتراض القادة الدينيين فانها واصلت أعمالها بكل شدة، وأخذت تشتري التنباك من المزارعين بأسعار زهيدة، يقول الشيخ الكربلائي «…. كان التنباك المنظف يشتريه غير الإفرنجي بسبعة ريالات للمن الواحد، بينما هذا الإفرنجي يشترية بأربعة ريالات ونصف بل أقل من ذلك أحيانا…. » [٢].

وأخذ هؤلاء يستخدمون العملاء والجواسيس كي يراقبوا المزارعين والمستودعات، مما أثار مشاكل اجتماعية جمة.

(١٣٦)

فتوى تحريم التنباك

تجمعت الظروف لتمهد إلى صدور الفتوى التاريخية لتحريم التنباك. فبعد أن بلغ السخط الاجتماعي ذروته ويئس العلماء من إقناع الدولة بإلغاء امتياز احتكار التبغ أصدر الميرزا حسن الشيرازي فتواه المعروفة الموجزة:

«اليوم استعمال التنباك والتبغ بأي نحو كان في حكم محاربة إمام الزمان عجل الله تعالى فرجه» [١].

هذه الفتوى سرت كالنار في الهشيم، وانتشرت خلال مدة قصيرة في جميع أرجاء إيران، وواجهت استجابة كاملة، فهزت أركان حكومة ناصر الدين شاه. ويذكر المؤرخ الإيراني ناظم الإسلام الكرماني وقائع طريفة في هذا المجال ننقلها من كتابه: «تاريخ بيدارى إيرانيان» (تاريخ يقظة الإيرانيين):

«… بشكل عام انتشر هذا الحكم في بلاد إيران وأطاعه الجميع، فتركوا التدخين. ولما آل الأمر إلى ما آل رفعت الشركة شكوى عن طريق قوام الدولة وزير الخارجية إلى نصار الدين شاه، أرسل الشاه «عبدالله خان والي» إلى الميرزا الآشتياني، وأمره أن يدخن النارجيلة أمام الملأ العام أو أن يخرج من إيران، فقبل الميرزا الشق الثاني، وكان يهم بمغادرة طهران إذ خرج أهالي طهران بقضّهم وقضيضهم، وحدث زلزال في أركان المدينة، وكلهم يصيح وا إسلاماه، وتجمعوا حول منزل الميرزا، ولم تمر ساعة حتى أغلقت جميع الدكاكين والمحلات…» [٢].

العلماء المعاصرون مثل السيد محمد رضا مجتهد الطباطبائي والسيد علي اكبر مجتهد التفرشي اجتمعوا في منزل الآشتياني. بعث ناصر الدين شاه رسالة شفوية عن طريق عبد الله خان الوالي وآخرين إلى الميرزا مفادها: «إن الشاه يقول: لقد أوقفنا الامتياز الداخلي في إيران، وأهالي إيران أحرار على الصعيد الوطني، وليس على الصعيد الداخلي احتكار للبيع والشراء، لكن امتياز المبيعات الخارجية خاص

(١٣٧)

بالشركة، فكفوا عن معارضة الحكومة، ودخنوا النارجيلة أمام الناس». وهذه الرسالة تتضمن تراجعا نسبيا من الحكومة واستسلاماً لنصف مطاليب المسلمين. لكن جواب الميرزا كان متصلبا لا يقبل أية مداهنة، قال: «لا أصدر رأيا خلاف الحكم (أي حكم الميرزا الشيرازي) ولا أشق عصا المسلمين» … توترت أعصاب عبدالله خان الوالي، فأعاد القول مهددا: «…. لابد أن تدخنوا النارجيلة». وهنا تدخل السيد محمد رضا الطباطبائي، وهو من العلماء الحاضرين في الجلسة، فرفع صوته بلعن الشاه ولعن الوالي، وقال له: «أخرج يا ملعون من مجلس المسلمين».

وحين رأى الناس التغير في وجه الطباطبائي ثارت ثائرتهم وكادوا يقضون على رسل الشاه لولا أن تدخل بعضهم فانقذهم، واصطحبهم إلى قصر الشاه، وتبعهم جماعة من الناس فاجتمعوا حول القصر، فأطلق عليهم «آقا بالاخان» كما ذكرنا الرصاص، فاستشهد عدد وجرح آخرون، وحمل الناس جثث الشهداء إلى منزل الآشتياني.

وجدير بنا أن نقرأ منشورا من المناشير الكثيرة التي صدرت آنذاك، فهي تمثل أدبيات نهضة التنباك، وهذا المنشور ينقله ناظم الإسلام الكرماني، ويقول إنه صدر في أواخر جمادي الأول سنة ١٣٠٩ عن أحد العلماء وعلق على حيطان المدارس والمساجد…. » [١] ومما جاء في هذا المنشور:

«بسم الله الرحمن الرحيم. بالنسبة لمسألة التبغ والتنباك والشخص المستأجر البريطاني، وحكاية منع استعمالها من قبل رؤساء الدين. لابد أولا أن نذكر أنه إذا ملك شخص عقارا فلابد أن يعمل على سد كل الثغرات التي يحتمل ورود الأجنبي منها إلى عقاره. وهذه من المسلمات ومن الأصول القطعية لدى جميع أرباب العقول. ولو أن العاقل رأى شخصا يدخل عليه البيت، واحتمل أن هذا الشخص سوف يدعي بعد حين مالكية هذا البيت، فلا يسمح له بالدخول من البداية حتى ولو كان هذا الشخص من أقرب الناس إليه. فما بالك إذا كان الداخل عدوا قويا واحتمل أن يشن

(١٣٨)

عليه هجوما مباغتا لقتله… من الطبيعي أن يبذل هذا العاقل كل إمكاناته لسد الثغرات أمام نفوذ مثل هذا الشخص… ثم إنه من الواضح البين «كالشمس في كبد السماء» ما فعله البريطانيون من مكر وتآمر بشأن شعوب الهند ومصر والبلدان الأخرى. لقد قدموا إلى الهند باسم التجارة، ثم استولوا على الهند دون أن يفوا بعهودهم. وقهروا مصر على هذا المنوال… وجاؤوا الآن إلى إيران…

ألي من المحتمل أنهم يخبئون في أمتعتهم ووارداتهم أسلحة ثقيلة وخفيفة ليستفيدوا منها في عملية الاستيلاء؟ ! توزيع الرشاوي واستخدام الأفراد وإعدادهم دليل واضح على ما يدور في رؤوسهم من آمال طويلة وأمان عريضة. ودفع الضرر المظنون بل المحتمل لازم عقلا… والحق أن هذه الكلمة الجامعة (فتوى الشيرازي) وقعت في القلوب موقعها، وفعلت مالم تفعله أكبر الأسلحة النارية… مثل حكم الميرزا أدام الله ظله العالي كمثل حكم الإمام الحجة، ونقض حكمه نقض لحكم الإمام عليه السلام … والتشكيك في حكمه مثل التشكيك في القرآن».

ومن الأمور التي تروج في مثل هذه الظروف الإشاعات فقد راجت إشاعة قرب صدور حكم الجهاد من الميرزا الشيرازي. وهرع الناس يجمعون الأسلحة ويستعدون للجهاد ويودعون الأهل والنساء ففزع الأجانب وخافوا على أرواحهم وطلبوا الضمان من الحكومة. وحار ناصر الدين شاه في أمره.

يتبع



[ Web design by Abadis ]