ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حجية الحديث الصحيح الآحادي في العقيدة \ الأستاذ الدكتور نور الدين متر

كثير من أحكام التكفير المتسرعة تصدر - مع الأسف - بسبب الابتعاد عن المنهجية العلمية في دراسة مصادر الإسلام، وكان أئمة العلم في الماضي يتحرون الدقة بذهنية علمية واسعة، ولذلك ابتعدوا عما وقع فيه بعض المتأخرين من غلو وعشوائية في إطلاق الأحكام. وهذا البحث يعالج مسألة أصولية حساسة ترتبط بحجية أخبار الآحاد في إثبات العقيدة، ويبين (منهجية أئمة العلم ولا سيما الحنفية منهم في إعطاء كل نوع من الحديث ما يطابق وضع رتبته تماما، من غير تشدد ولا غلو كالذي يذهب إليه المتهوكون (المتحيرون) في الحكم على الناس بالكفر لأية مخالفة تبدو من الإنسان، ومن غير إجحاف بحق الدليل الشرعي وما يجب على المسلم نحوه). وحبذا لو أضاف إلى بحثه آراء الإمامية في هذا الموضوع، فهي غنية ومعمقة في هذا المجال. ولكن ما ذكره الباحث من آراء أئمة أهل السنة إنما هي نماذج جيدة من تحري الدقة في تقسيم النصوص، وما يوجب منها العلم القطعي، ومالا يوجب.

هذا الموضوع هو أهم ما يقصد في حجية السنة، وذلك لما وقع في شأن الحديث الصحيح الأحادي من تطرف، ولا سيما في عصرنا هذا.

لقد غلا بعضهم في قبول الحديث الصحيح الأحادي حتى بدا كأنه يرى أن أحدا غيره لا يعمل بالحديث [١] !! وفرط آخر في شأنه حتى كان الحديث الصحيح لا يعني

(١٠٨)

شيئاً ملزما عنده. والجدير بالذكر ههنا أن مذهب الحنفية في هذا الموضوع لا يختلف عما قرره جماهير أئمة العلم، إلا في بعض الجزئيات، وإن كان قد شاع في ظن كثير من الناس توهم غير ذلك، ولذلك فانإ سنبحث مسألة خبر الواحد الصحيح بصورة عامة لدى الأصوليين، ونوضح ما تفرد الحنفية به.

تقسيم الخبر من حيث عدد رواته

يقسم جمهور علماء أصول الفقه الخبر من حيث عدد رواته إلى قسمين:

القسم الأول: المتواتر: وهو الخبر الذي رواه جمع كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب عن جمع مثلهم إلى نهاية السند، وكان مستندهم الحس، أي أن يكون الخبر نقلا لأمر يدرك بأحدى الحواس، وليس أمرا عقليا. فكون الواحد نصف الاثنين يقول به كل الخلق، وليس هو من المتواتر لأنه أمر عقلي. ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة صلى الله عليه وآله أمر مشاهد بالحس، وقد نقله جمع كبير يستحيل تواطؤهم على الكذب عن جمع مثلهم إلى الطبقة الذين شاهدوا المعجزة، وهم كثير كذلك رضي الله عنهم، فهو إذن خبر متواتر.

القسم الثاني: خبر الواحد أو الآحاد: وهو كل مالم يبلغ درجة التواتر، بأن كان له سند واحد فقط، أو إسنادان، أو أكثر لكنه لم يبلغ رتبة التواتر.

وقد وافق الحنفية على هذا التقسيم وعلى أحكام كل قسم في اصطلاحهم، وأضافوا قسما آخر ثالثا هو «المشهور».

والمشهور عند الأصوليين الأحناف: هو الخبر الذي كان آحاديا في الأصل، ثم تواتر في القرن الثاني والثالث مع قبول الأُمة له، كما في مُسلَّم الثبوت، قال في شرحه فواتح الرحموت: (وإن لم يكن كذلك فهو خبر الواحد) [١].

وقد تسرع بعض العصريين - الذي أومأ إليه بحثنا - فانتقد هذا التقسيم عند الحنفية، دون أن يكلف نفسه البحث عن وجهة لهم أو عذر. وحسبنا لو نظرنا إلى علاقة الأقسام أن نلحظ أن الحنفية منطقيون في جعل القسمة ثلاثية، لأن القسم

(١٠٩)

الثالث المشهور قسم مركب من القسمين الأول والثاني، مما يجعل أفراده في التقسيم عملاً مقبولاً، فضلا عن الأثر الذي يترتب على ذلك، مما أقره، من حيث المبدأ، العلماء الآخرون، كما سنوضحه إن شاء الله تعالى.

لكن يجب أن يعلم القاري أن خبر الواحد الذي ذكرنا معناه هنا ليس خاص بالصحيح، بل هو مشترك، منه ما هو صحيح ومنه ما ليس كذلك، لكن بحثنا هنا خاص بخبر الآحاد الصحيح، وهو الذي توفرت فيه الشروط التي تجعله موصوفا بالصحة باتفاق العلماء وهذه الشروط خمسة، نوضحها فيما يلي:

١ - عدالة الراوي: والعدالة ملكة تحمل صاحبها على التقوى واجتناب الأدناس وما يخل بالمروءة عند الناس.

٢ - ضبط الرواي: والضبط استيعاب الحديث حفظا عن ظهر قلب، أو تقييده في كتاب، إلى أن يؤديه كما سمعه.

٣ - اتصال السند: وهو أن يكون كل واحد من الرواة قد سمعه ممن فوقه إلى آخر السند.

٤ - نفي الشذوذ: وذلك بسلامة الحديث من مخالفة الثقة لمن هو أقوى منه سواء كانت المخالفة في السند أو في المتن.

٥ - نفي العلة: أي أن يكون سالما من أوصاف خفية تقدح في صحته سندا أو متنا.

وهي شروط شاملة لاختبار الحديث سنداً ومتنا من جميع جوانب البحث مما يعرفنا سلامة الرواية، وأن الحديث قد وصلنا كما صدر عن قائله عليه الصلاة والسلام [١].

(١١٠)

الحديث الحسن

الحديث الحسن ملحق بالصحيح، لكونه يحتج به، وإن كان دون الصحيح حتى كان المتقدمون يدخلونه في الصحيح وعليه درج ابن خزيمة وابن حبان والحاكم لكن استقر العمل على إفراده عن الصحيح.

ولاخلاف بينهم في الحقيقة إنما الأمر اصطلاح وتسمية، لأن صفات القبول والاحتجاج لها مراتب ودرجات، فأعلاها وأوسطها يسمى صحيحاً وأدناها يسمى حسنا [١]. وينقسم الحديث الحسن إلى قسمين: الحسن لذاته، والحسن لغيره.

الحسن لذاته: هو الحديث الذي اتصل سنده بنقل عدل خف ضبطه ولم يكن شاذا ولا معلا [٢]. وهو يشبه الصحيح كما ترى، لأنه يتفق معه في شروطه عدا ما يتعلق بالضبط. فالحديث الصحيح راويه تام الضبط، والحسن راويه خف ضبطه، أي أنه في الدرجة الدنيا من الضبط المقبول. ومن هذا يتضح سبب كونه مقبولاً وحجة.

والحسن لغيره: هو الحديث الضعيف ضعفا غير شديد إذا تقوّى بوروده، من طريق آخر مثله أو أقوى منه [٣]. وهذا القسم هو المراد عند الترمذي عند إطلاقه بقوله: (حديث حسن) دون وصف آخر).

والحسن لغيره حجة يعمل به أيضا، لأنه كان فيه ضعف يسير وقد انجبر بالتقوية بوروده من طريق آخر أقوى منه أو مثله. وذلك كالحديث المنقطع وحديث الراوي الضعيف الذي ضعفه غير شديد إذا ورد من طريق آخر مثله أو أقوى منه انجبر وصار يحتج به.

مراتب العلم وما تثبت به

ونبين الآن هنا مراتب العلم الذي يستفاد من الأدلة المعمول بها في الشريعة.

(١١١)

وهي ثلاث مراتب:

١ - العلم اليقيني القطعي الضروري: وهو ما ثبت بالأدلة القطعية اليقينية المسلمة عند الكل، مثل نص القرآن الكريم، والحديث المتواتر، والحكم العقلي الذي لا يقبل رداً لكونه من المسلمات، مثل: (الثلاثة أكثر من الاثنين، والاثنين نصف الأربعة). وهذا النوع يعلمه كل متعقل، ولو لم يكن من أهل الاختصاص العلمي في المسألة.

والدليل الذي يثبت هذا العلم يجب قبوله والاعتقاد به ويكفر جاحده، لأنه لفرط ظهور قطعيته صار من المسلمات المقطوع بها، وصارت الوسائط كأن لم تكن، وصار المطلع عليه كالسامع من النبي نفسه سواء بسواء، فيكون منكره مكذبا بالنبي صلى الله عليه وآله.

٢ - العلم النظري: وهو علم يقيني، لكنه ليس ضروريا، أي ليس ظاهرا لكل أحد، إنما هو علم نظري استدلالي، لا يحصل إلا للعالم المتبحر في العلم، لتبحر الباحث في علم الحديث وفي أحوال الرواة والعلل.

٣ - علم غلبة الظن: والمراد بها ادراك رجحان صدق القضية ووقوع ذلك في القلب موقع القبول، وذلك في كل قضية دل دليل صحيح على ثبوتها، لكن بقي احتمال مغلوب وضعيف بعدم الثبوت ولم يقطع الدليل ذلك الاحتمال. فهذا الاحتمال لا يمنع من القبول، بل ربما يظن بعض الناس غلبة الظن هذا ولا سيما العوام، لعدم تفريقهم بين الأمرين، وانما هو علم قائم على الشعور القوي بصحة القضية، وهذا يجب العمل به والأخذ بمقتضاه في الأحكام، كما أوضحنا فيما سبق، وهو في الواقع نوع من العلم، وقد عبر بعض الأصوليين عنه بأنه: (إدراك الطرف الراجح) وهو ملزم أيضا، لكن العلماء نبهوا إلى هذا الاحتمال الضعيف الذي في هذا النوع، والذي لا يلتفت إليه، ليأخذ حكمه المناسب، بازاء المرتبتين السابقتين.

بعد هذا البيان لمراتب العلم فأني أرى أيضا استكمال التمهيد بأن أقسم خبر الواحد الصحيح إلى قسمين:

القسم الأول: خبر الواحد الصحيح من حيث هو، أي لم تحتف به قرائن تقوية.

القسم الثاني: خبر الواحد الصحيح الذي احتف بقرائن تقوية، وترتفع به عن غلبة

(١١٢)

الظن.

وهذا التمهيد في الواقع مهم جدا لتسهيل فهم البحث على القاريء ووضوح الرؤية فيه، كي لا يتوهم من البحث ما لا يقصد من سياق العبارات.

عبارات موهمة في أثر الحديث الصحيح

وقع في بعض النشرات التي صدرت أخيرا في بيان حكم الحديث الصحيح عبارات موهمة، تحتاج إلى تحرير المراد منها، نسوق للقاريء بعض النماذج منها:

١ - (فكما كان لا يجوز للصحابي مثلا أن يرد حديث النبي صلى الله عليه وآله إذا كان في العقيدة بحجة أنه خبر آحاد سمعه عن صحابي مثله عنه صلى الله عليه وآله، فكذلك لا يجوز لمن بعده أن يرده بالحجة نفسها ما دام أن المخبر به ثقة عنده، وهكذا ينبغي أن يستمر الأمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد كان الأمر كذلك في عهد التابعين والأئمة المجتهدين، كما سيأتي النص بذلك عن الامام الشافعي رحمه الله تعالى.

ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا السنة النبوية وأهملوها، بسبب أصول تبناها بعض علماء الكلام وقواعد زعمها بعض علماء الأصول والفقهاء المقلدين).

٢ - (إن القائلين بأن حديث الآحاد لا تثبت به عقيدة يقولون في الوقت نفسه بأن الأحكام الشرعية تثبت بحديث الآحاد، وهم بهذا قد فرقوا بين العقائد والأحكام).

٣ - (لقد عرضت لهم شبهة ثم صارت لديهم عقيدة ! وهي أن حديث الآحاد لا يفيد إلا الظن، ويعنونه الظن الراجح طبعا، والظن الراجح يجب العمل به في الأحكام اتفاقا، ولا يجوز الأخذ به عندهم في الأخبار الغيبية، والمسائل العلمية، وهي المراد بالعقيدة.

٤ - ذكروا تحت عنوان: فساد قياس الخبر الشرعي على الأخبار المشاهدة في إفادة العلم:

قال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢ / ٣٩٨):

(وإنما أتى منكر إفادة خبر الواحد العلم من جهة القياس الفاسد، فإنه قاس المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله بشرع عام للأمة، أو بصفة من صفات الرب تعالى على

(١١٣)

خبر الشاهد على قضية معينة، ويا بُعدَ ما بينهما فإن المخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله لو قدر أنه كذب عمدا أو خطأ، ولم يظهر ما يدل على كذبه لزم من ذلك إضلال الخلق، إذ الكلام في الخبر الذي تلقته الأُمة بالقبول وعملت به…).

٥ - سبق قبل هذا قولهم: (والحق الذي نراه ونعتقده أن كل حديث أحادي صحيح تلقته الأُمة بالقبول من غير نكير منها عليه أو طعن فيه، فإنه يفيد العلم واليقين، سواء كان في أحد الصحيحين أو في غيرهما).

٦ - وفي نشرة أخرى يقولون (إن دعوى اتفاق الأصوليين على ذلك القول دعوى باطلة، وجرأة زائدة، فإن الاختلاف معروف في كتب الأصول وغيرها، وقد نص على أن خبر الواحد يفيد العلم، الامام مالك والشافعي وأصحاب أبي حنيفة وداود بن علي وأصحابه كابن حزم…. ).

٧ - نقلوا عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي من فقهاء الشافعية قوله: (وخبر الواحد إذا تلقته الأُمة بالقبول يوجب العلم والعمل، سواء عمل به الكل أو البعض) ونقلوا قول القاضي أبي يعلى الحنبلي: (خبر الواحد يوجب العلم إذا صح سنده، ولم تختلف الرواية فيه، وتلقته الأُمة بالقبول، وأصحابنا يطلقون القول فيه وأنه يوجب العلم وإن لم تتلقه الأُمة بالقبول) قال: (والمذهب على ما حكمت لا غير).

ففي هذه العبارات إيهامات لغير الحق منها:

أ - إيهام أن المتأخرين من علماء المذاهب لم يأخذوا بالحديث الآحادي الصحيح في العقائد، كما قد يفهم من العبارتين رقم ١ و ٢، وأنهم خالفوا مذاهب أئمتهم، في هذا الأمر، وأسلوب العبارة قد يؤخذ منه التعميم، كما أنه لم يميز بين ما احتف بالقرائن وبين مالم يحتف، ولم يوضح الوجه الذي حصل به عدم أخذهم بالحديث الصحيح الآحادي في العقائد؟ !

ب - يؤخذ من العبارات عدم التمييز بين الخبر الآحادي الصحيح المحتف بالقرائن وبين المجرد عنها، حيث يذكر كلام العلماء أن الخبر المحتف بالقرائن يفيد العلم، ويجعل هذا شاهدا على إفادة الحديث الصحيح للعلم بتعبير مطلق لم يقيده بأنه محتف بالقرائن.

(١١٤)

ج - في العبارة رقم ٦ ينسب القول بإفادة الخبر الآحادي العلم إلى الشافعي ومالك وأصحاب أبي حنيفة، دون تقييد بكونه تلقته الأُمة بالقبول، بينما كلام الإمام الشيرازي الشافعي واضح بأن هذا الحكم إنما هو للحديث الذي تلقته الأُمة بالقبول، وكذلك صرح أبو يعلى الحنبلي بأن على هذا أيضا المذهب أي مذهب الامام احمد بن حنبل رحمه الله تعالى.

ونحرر فيما يلي البحث في هذه النواحي، بتحقيق يضع كل جزئية في موضعها الصحيح إن شاء الله تعالى.

أثر الخبر الصحيح المجرد في العقيدة

المعروف أن الخبر الآحادي الصحيح الذي لم تجمع الأُمة على أن تتلقاه بالقبول ولم يحتف بقرائن تقوية، لا يفيد العلم اليقيني، بل يفيد علم غلبة الظن، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة وجماهير علماء أصول الفقه، وعباراتهم في ذلك أكثر من أن تحصر.

وذهب ابن حزم وبعض أهل الحديث إلى أنه يفيد العلم، ونسب ذلك الباجي إلى الإمام أحمد، وابن خويز منداد للإمام مالك.

لكن في هذه النسبة إشكال: فقد رأيت من كلام القاضي أبي يعلى الجزم بأن مذهب الامام أحمد إنما هو في إفادة الخبر المتلقى بالقبول للعلم، خلافا لمن لم يقيده بذلك، وكذلك نازع المازري ابن خويز منداد فيما نسبه لمالك [١]، وكتب أصول الفقه المالكي واضحة في اتجاه المازري. وقد استنكر الأصوليون اصل هذا المذهب، وأوّلوا ما عزى منه للأئمة، قال الامام الغزالي [٢]: (خبر الواحد لا يفيد العلم، وهو معلوم بالضرورة، فانا لا نصدق بكل ما نسمع، ولو صدقنا وقدرنا تعارض خبرين، فكيف تصدق بالضدين، وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب العلم، فلعلهم أرادوا أنه

(١١٥)

يفيد العلم بوجوب العمل، إذ يسمى الظن علما) أي: لايراد به المعنى الاصطلاحي الذي شرحناه من قبل.

فالحقيقة أن مستقر هذه الفكرة هو مذهب الظاهرية، وقد قال بها بعض العصريين ورجحها تبعا لميله إلى ابن حزم الظاهري.

وليس مراد الجمهور من قولهم (لا يفيد العلم) أنه لايلزم تصديقه كما قد يتوهم، بل مرادهم أنه ليس بمنزلة المتواتر لأن المتواتر يفيد علما قاطعا يقينيا، لا يخطر في البال وجود أي احتمال للخطأ فيه، مهما كان الاحتمال ضعيفا، مثل واحد من مليون، أما خبر الواحد فيفيد الصدق والقبول، لكن يقع في ذهن الباحث العالم بأنه قد يحتمل وقوع الخطأ أو الكذب فيه، لما علم ان الثقة ليس معصوما من الذنب، وليس وصفه بالضبط يعني أنه لا يخطيء، بل يعتبر ثقة إذا كانت أوهامه نادرة، فالاحتمال موجود في تصور العقل، لكنه بعيد لغلبة صدق الراوي وأمانته وضبطه للحديث. فكان من منهج العلماء العلمي الدقيق التنبيه على مثل هذا الفرق، لوضع كل شيء في موضعه الذي هو عليه، وإن كان مثل هذا قد يخفى على كثير من الناس، ولاسيما العوام، بل إن عامة الناس، بل بعض أهل العلم الذين لم يمهروا في تطبيق أصول هذا الفن قد يكتفي بتدين الشخص عن اتصافه بالضبط، يقول أحدهم: حدثني فلان وهو رجل صدوق لو قطعت عنقه لم يكذب، أما الأصولي وكذا المحدث فلا يكتفي بذلك لقبول خبره، حتى يتثبت من ضبطه.

لكن ليس معنى هذا أنه لا يجب التصديق بخبر الواحد الصحيح، كما قرروا وجوب العمل به أيضا، ولم يفرقوا بين الأمرين كما قد يظن.

يقول الامام السرخسي الحنفي رحمه الله بعد بيان نحو ما قدمناه [١].

(فأما الآثار المروية في عذاب القبر ونحوها فبعضها مشهورة وبعضها آحاد، وهي توجب عقد القلب عليه، والابتلاء بعقد القلب على الشيء بمنزلة الابتلاء بالعمل

(١١٦)

به أو أهم…. ).

وقال الامام البزدوي في أصوله [١]: (فأما الآحاد في أحكام الآخرة فمن ذلك ما هو مشهور ومن ذلك ما هو دونه، لكنه يوجب ضربا من العلم على ما قلنا، وفيه ضرب من العمل أيضا، وهو عقد القلب…).

وقال الامام الشافعي رضي الله تعالى عنه في الرسالة [٢].

(أما ما كان نص كتاب بين أو سنة مجتمع عليها فالعذر فيهما مقطوع، ولا يسع الشك في واحد منهما، ومن امتنع من قبوله استتيب.

فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي قد يختلف الخبر فيه فيكون الخبر محتملا للتأويل، وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد، فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين حتى لا يكون لهم رد ما كان منصوصا منه، كما يلزمهم أن يقبلوا بشهادة العدول، لا أن ذلك إحاطة كما يكون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله.

ولو شك في هذا شاك لم نقل له: تب، وقلنا: ليس لك إن كنت عالما أن تشك، كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة الشهود العدول، وإن أمكن فيهم الغلط، ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله ولي ما غاب عنك منهم) انتهى.

وغير ذلك كثير لا نطيل به من نقل كلام الأئمة وغيرهم رضي الله عنهم يدل على أنهم ألزموا قبول خبر الواحد الصحيح في الاعتقاد والعمل، ولم يفرقوا بينهما في حكم اللزوم هذا.

نعم إنهم فرقوا في هذا الموضوع تفريقا آخر، هو التفريق في بعض النتائج بين خبر الواحد الصحيح وبين الخبر المتواتر، وهذا الفرق هو أنهم قالوا: من أنكر مسألة فكرية وردت في خبر آحادي صحيح فإنه لا يحل له ذلك ويأثم، لكنه لا يكفر، أما إذا جحد ما ثبت بالتواتر القطعي أو بنص القرآن القطعي فإنه يكفر عياذا بالله تعالى.

والسبب في ذلك ما ذكرناه أن إنكار النص اليقيني القطعي يعني التكذيب بالشارع

(١١٧)

لا محالة، أما إنكار الخبر الآحادي ففيه شبهة احتمال الإنكار على الرواة، وشبهة خطئهم، لما عرفنا أن رواة الخبر الصحيح غير معصومين من الخطأ، وإن كان ذلك مستبعداً جدا كما ذكرنا، لكن ذلك أورث شبهة منعت من الحكم عليه بالكفر.

وكلام الامام الشافعي الذي ذكرناه واضح في هذا الحكم قال: (ولو شك في هذا شاك لم نقل له تب، وقلنا: ليس لك إن كنت عالما أن تشك كما ليس لك إلا أن تقضي بشهادة الشهود العدول، وإن أمكن فيها الغلط، ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم، والله ولي ما غاب عنك منهم).

وقال الامام صدر الشريعة في كتاب التوضيح في أصول الحنفية: (والواجب لازم عملا، لا علما فلا يكفر جاحده، بل يفسق إن استخف بأخبار الآحاد الغير المؤوّلة، وأما مؤوّلا فلا).

ومعنى قوله مستخفا أي بغير حجة على الإنكار، بدليل مقابلته بالمتأول، أما المستخف حقيقة فحكمه أشد.

وبهذا تكون قضية الخبر الآحادي الصحيح المجرد عن القرائن قد استكملت بيانها بما فيه الكفاية حسب مقتضى هذا المقام إن شاء الله تعالى.

أثر الحديث الصحيح المحتف بالقرائن في العقيدة

إذا كان التصديق يلزم بالحديث الصحيح الآحادي المجرد عن القرائن المقوية له، فإلزام الاعتقاد بالحديث الصحيح المحتف بقرائن تجعله يفيد العالم النظري من باب أولى.

لكن هل يبلغ خبر الآحاد قوة إفادة العلم بالقرائن، أو لا يمكن أن يبلغ ذلك المبلغ: يرى الامام الغزالي أن القرائن قد ترقى بالخبر الصحيح إلى إفادة العلم، ويقول في ذلك [١].

(١١٨)

(ومجرد القرائن أيضا قد يورث العلم، وإن لم يكن فيه إخبار، فلا يبعد أن تنضم القرائن إلى الأخبار فيقوم بعض القرائن مقام بعض العدد من المخبرين، ولا ينكشف هذا إلا بمعرفة معنى القرائن وكيفية دلالتها، فنقول: لاشك في أنا نعرف أموراً ليست محسوسة، إذا نعرف من غيرنا حبه لإنسان وبغضه له، وخوفه منه، وغضبه وخجله، وهذه أحوال في نفس المحب والمبغض، لا يتعلق الحس بها قد تدل عليها دلالات آحادها، ليست قطعية بل يتطرق إليها الاحتمال، ولكن تميل النفس بها إلى اعتقاد ضعيف، ثم الثاني والثالث يؤكد ذلك، ولو أفردت آحادها لتطرق إليها الاحتمال، ولكن يحصل القطع باجتماعها).

ويقول أيضا [١]: (وكل دلالة شاهدة يتطرق إليها الاحتمال كقول كل مخبر على حياله، وينشأ من الاجتماع العلم، وكأن هذا مدرك سادس من مدارك العلم سوى ما ذكرناه في المقدمة من الأوليات والمحسوسات، والمشاهدات الباطنة والتجريبيات والمتواترات، فيلحق هذا بها.

وإذ كان هذا غير منكر فلا يبعد ان يحصل التصديق بقول عدد ناقص عند انضمام قرائن إليه، لو تجرد عن القرائن لم يفد العلم، فإنه إذا أخبر خمسة أو ستة عن موت إنسان لا يحصل العلم بصدقهم، لكن إذا انضم إليه خروج والد الميت من الدار حاسر الرأس حافي الرجل ممزق الثياب مضطرب الحال يصفق وجهه ورأسه وهو رجل كبير ذو منصب ومروءة لا يخالف عادته ومروءته إلا عن ضرورة، فيجوز أن يكون هذا قرينة تنضم إلى قول أولئك فتقوم في التأثير مقام بقية العدد، وهذا مما يقطع بجوازه، والتجربة تدل عليه).

وخالف في أصل المسألة صاحبا مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت من الحنفية، وقالا: أنه لا يفيد العلم، وفي المُسلَّم وشرحه مناقشة مطولة متسلسلة حول

(١١٩)

هذه القضية، يمكن ان تتبلور فكرتها أمام القاريء بهذا النقاش الموجز نسوقه من المتن والشرح [١]. (إن دلت القرينة على تحقق مضمون الخبر قطعا، كالعلم بخجل الخجل ووجل الوجل الحاصلين من مشاهدة الحمرة والصفرة، فالعلم بها أي بالقرينة دون الخبر، وإن دلت القرينة عليه ظنا، والخبر يدل على تحقق مضمونه أيضا يدل ظنا، فمن الظنين الحاصل أحدهما بالقرينة والاخر بالخبر لا يلزم العلم ضرورة).

وفي رأيي أن التحقيق والتدقيق في مناقشات الفريقين يؤدي إلى أن الخلاف بينهم في هذه القضية ليس خلافا حقيقياً، بل هو خلاف لفظي، لأن الذي ينفيه دليل المانعين في شقه الأول هو إفادة خبر الآحاد العلم بنفسه، وهذا لا يمنع إفادة العلم بالمجموع، وهو المطلوب. والذي ينفيه دليل المانعين في شقه الثاني هو لزوم إفادة مجموع الخبر والقرائن العلم ضرورة، وليس هذا هو المدعى، إن المدعى هو إمكان إفادة العلم النظري، فإذا تحقق هذا الإمكان، فما المانع من الأخذ به عند تحققه.

الفرق بين العلم القطعي والعلم النظري

وهذا العلم هو علم نظري استدلالي يقيني، لكنه ليس كالعلم الضروري القطعي الذي يفيده الخبر المتواتر، بل إن هناك فرقا بينهما ذكره علماء الأصول وعلماء الحديث.

يقول الامام الغزالي [٢]: (النظري هو الذي يجوز أن يعرض فيه الشك ويختلف فيه، فيعلمه بعض الناس دون بعض، ولا يعلمه من ليس من أهل النظر، ولا يعلمه من ترك النظر قصداً، وكل علم نظري فالعالم به قد يجد نفسه شاكا ثم طالبا).

(١٢٠)

ويقول الحافظ ابن حجر في شرح النخبة [١]: (وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصل العلم بصدق الخبر منها إلا للعالم بالحديث، المتبحر فيه، العارف بأحوال الرواة المطلع على العلل، وكون غيره لا يحصل له العلم بصدق ذلك لقصوره عن الأوصاف المذكورة لا ينفي حصول العلم للمتبحر المذكور).

حكم العلم النظري

ولما كان العلم النظري مختلفاً عن العلم القطعي الضروري هذا الاختلاف، فقد اختلف حكم الخبر الذي ترقّى بالقرائن لإفادة العلم النظري عن الحديث المتواتر من أوجه نذكر منها:

١ - إن الحكم على الحديث إذا بلغ إفادة القطع يختلف من شخص إلى آخر، لان القضية قضية بحث، وما يكون كافيا عند بعض أهل العلم قد لا يكفي عند غيره، فلا يجوز الإنكار فيه على من لم يجد البحث كافيا لإثبات أن الدليل الفلاني بعينه لا يبلغ درجة العلم.

٢ - إن من أنكر قضية ثابتة بدليل يفيد العلم النظري يأثم، بل يضلل عياذا بالله تعالى، وهو حكم أشد من حكم المنكر للخبر الآحادي المجرد، لكنه لا يكفر اتفاقا. قال العلامة محب الله بن عبد الله بن عبد الشكور في الكلام على الحديث المشهور [٢]: (وجعله الجصاص قسما من المتواتر مفيداً للعلم نظراً، والاتفاق على أن جاحده لا يكفر، بل يضلل).

قال المحقق عبد العلي الأنصاري في شرحه يعلق على قوله (جاحده لا يكفر):

أما عند غير الشيخ أبي بكر الجصاص فظاهر وأما عنده، فلأن قطعيته نظرية، فقد دخل في حيز الإشكال.

ومن هنا نفهم المراد من إطلاق عبارات بعض الأصوليين حين يقولون: (خبر الواحد لا يفيد العلم) وقول بعضهم: (لا تثبت به العقيدة) فإن مرادهم أن خبر الواحد

(١٢١)

لا يفيد العلم اليقيني الذي يفيده نص القرآن والخبر المتواتر القطعي إنما يفيد مع القرائن العلم النظري وانه بالتالي لا تثبت به العقيدة أي التي هي فرض مثل أركان الإيمان من انه يكفر جاحدها لكن يجب الاعتقاد به قولا واحدا كما ذكرنا من قبل ويضلل منكره).

انواع من الحديث تفيد العلم النظري

وفي الختام نذكر للقارئ أنواعا من حديث الآحاد الذي يفيد العلم النظري لاحتفافه بالقرائن:

١ – الخبر الذي تلقته الأُمة بالقبول كما مر في اكثر من موضع.

وفي هذا يقول أبو الخطاب كما جاء في شرح الكواكب المنير [١]: (الذي عليه الأصوليون من أصحاب أبي حنيفة والشافعي واحمد أن خبر الواحد إذا تلقته الأُمة بالقبول تصديقا له وعملا به يوجب العلم إلا فرقة قليلة اتبعوا طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك.

والأول ذكره أبو إسحاق وأبو الطيب و ذكره عبد الوهاب وأمثاله من المالكية والسرخسي وأمثاله من الحنفية وهو الذي عليه اكثر الفقهاء وأهل الحديث والسلف.



[ Web design by Abadis ]