ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 سيرة النبي لايجاد روح الأخوة و التضامن بين المسلمين \ الدكتور سيدي محمد مهيبو

ترسيخ روح الاخوة والتضامن بين المسلمين مبدأ إسلامي هام يتحمل مسؤوليته الفرد المسلم والجماعة المسلمة. ولأهميته في حفظ هوية الأُمة المسلمة احتل جانبا كبيرا من سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله، وهذه الدراسة تلقى الضوء على مقاطع من السيرة في هذا المجال الحياتي الهام.

مقدمة

… تعتبر السيرة النبوية الشريفة بمثابة العمود الفقري لهذا الدين، دين الإسلام فهي الوسيلة الفاعلة للقدوة والأسوة والتأسي بصاحب الرسالة العظمى، والمعيار لحياة المسلم، ومن خلالها يعرف الملتزم من المنحرف، والمتبع من المبتدع «فهي السراج الوهاج في شؤون الحياة البشرية، والمرآة الصافية للدنيا كهلا يرى فيها كل إنسان صورته وروحه، ظاهره وباطنه، قوله وعمله، خلقه وأدبه، هديه وستته وفي استطاعته أن يصلح أخلاقه ويثقف بحسب ما يراه في تلك المرآة الصافية» [٢].

[١] - مدير الدراسات والبحوث بمجمع الفقه الإسلامي بجدة.

٢ - انظر: السيد سليمان الندوى. الرسالة المحمدية.

(٦٧)

فلا غرو أن يكون الناس كلهم بحاجة إلى هذه السيرة. يقول أحد الباحثين المعاصرين مؤكدا هذه الحقيقة: «لأجل ذلك لا ترى أمة مسلمة تبحث - في خارج دينها وبمنأى عن سيرة نبيها - عن أصول وضوابط تقوم بها اعوجاجها وتثقف منآدها وتصلح زيغها، لأنها في غنى عما هو أجنبي عنها، وعندها في هدي سيرة نبيها صلى الله عليه وآله، الميراث القويم والقسطاس المستقيم، الذي تتبين به ما في العالم من خير وشر وتميز به الحق من الباطل، وفي الحق أن العالم كله لفي حاجة شديدة إلى سيرة بشر كامل تتخذ من حياته الأسوة العظمى، وليس في الدنيا إنسان كامل يعرف التاريخ سيرته على التفصيل كما يعرف تفاصيل حياة محمد صلى الله عليه وآله خاتم النبيين، فالناس كلهم في أمس الحاجة إلى أن يتخذوا من السيرة المحمدية منهاج حياتهم، ففيها الأسوة الطاهرة وهي الحياة المثالية للناس جميعا صلى الله عليه وآله [١].

١ - أهمية السيرة النبوية

إن سيرة النبي المجتبى صلى الله عليه وآله قد حظيت، قديما وحديثا، بعناية واهتمام الكتّاب والمفكرين من علماء الإسلام وغيرهم، الذين تناولوها بالدرس والتمحيص من جوانبها المختلفة ووجوهها العدة، بل وفي مختلف اللغات، وقد ازدادت العناية بالسيرة النبوية الشريفة، في هذا العصر، زيادة مضطردة ملحوظة، فعقدت حولها المؤتمرات والندوات، وأقيمت لدراستها المراكز العلمية في الجامعات، حتى أنه ليحق لقائل أن يقول:

هل غادر الشعراء من متردم؟ ، وهل ترك الأوائل للأواخر ما يقولون؟

نعم، مهما كتبوا، بل رغم كثرة ما ألفه المؤرخون في هذه السيرة العطرة، ووفرة ما دونه العلماء في أخبار المصطفى الفعلية والقولية والتقريرية، ومع كثرة ما صنفه الباحثون والمفكرون في تاريخ الإسلام والحضارة الإسلامية وعن صاحب الرسالة العظمى، رغم كل هذا، فإن أحداً ممن كتبوا في الموضوع لم يدّع أن ما أتى به

__________________________________________________

[١] - السيد سليمان الندوي - الرسالة المحمدية / ١٠٧ - ١٠٨.

(٦٨)

هو النهاية التي لا تجوز الزيادة عليها. إن هذه السيرة النبوية الجامعة الشاملة، رغم أنها تكاد تكون معروفة لكل مسلم، أو هكذا يجب أن تكون، تتجدد يوما بعد يوم الحاجة إليها، ليس فقط من ناحية التربية والدعوة والقدوة وسرد الأحداث، وإنما أيضاً في نواحي الحياة الإنسانية والاجتماعية، والفكرية والسياسية والاقتصادية.

ومن المناسب أن أتناول جانب «سيرة النبي صلى الله عليه وآله لإيجاد روح الأخوة والتضامن بين المسلمين» لحاجة الأُمة الإسلامية إلى الوحدة والأخوة والتضامن فيما بينها في هذا العصر، أكثر من أي وقت مضى، لأن المخاطر والمكائد التي تحاك لهذه الأُمة من كل مكان، وهي مرئية وملموسة، يراها ويحسها كل مسلم وكل مؤمن، تفرض علينا أن نكون يقظين، وأن نتعاون فيما بيننا، وأن نكون يداً واحدة على من سوانا وأن نتصدى لكل التحديات التي تواجهنا. ولا يمكن هذا إلا إذا وحدنا صفوفنا وتقاربنا وتآخينا لنجدة هذا الدين الحنيف، كما تآخى المؤمنون الأوائل على نصرته، على أساس من رابطة الإيمان التي هي أقوى من رابطة الدم.

وبهذا التقارب، وهذه الأخوة، وهذا التضامن، لابد من محاولة إزالة كل العوالم المفرقة بين المسلمين، والعناصر التي تدور حولها المشاحنات والتنازع وحتى التقاتل، وتدفع بهم إلى تفريق القلوب، وتفتح عليهم مسالك العداوة والبغضاء وتضعف شوكتهم، ولنستمع إلى الله تبارك وتعالى وهو يقول: ] وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم [ [١]، وللرسول الكريم وهو يحذر أمة الإسلام قائلا: «لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» [٢].

٢ - سنة الله تعالى في إرسال رسله وأنبيائه

«لقد اقتضت حكمة الله أن يكون اختياره لرسله على فترات زمنية تختلف قرباً

___________________________________________________

[١] - الأنفال: ٤٦.

٢ - مسلم / كتاب الإيمان والقسامة؛ البخاري / كتاب العلم والأضاحي؛ أبو داود / سننه؛ الترمذي / كتاب الفتن؛ الدارمي / مناسك؛ أحمد بن حنبل / المسند.

(٦٩)

وبعداً، ولكنها في مجملها تعطي مضموناً متشابهاً للبنية الإنسانية التي كانت تحيا في زمن هذه الرسالة أو تلك، فالحق والعدل والإنصاف والمساواة والمحبة غاية عليا لكل الرسالات، والإيمان بإله واحد لا شريك له، له الملك، وله الأمر، وإليه المصير، هدف ثابت لم يتغير على الرغم من تغير الأزمان والأشخاص والأحوال» [١].

وفي هذا الإطار العام تدخل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وآله إلى الناس كافة بشيراً ونذيراً، عندما طغت المادة وأظلمت النفوس وعمّ الظلم والفساد في الأرض، وعاش الناس، كل الناس، في بلبلة محيرة، لايجدون بصيصا من النور، يهديهم إلى الخروج من هذا التيه. في هذه الظروف الحالكة، وفي هذا الخضم الهائل جاءت رسالة الإسلام والسلام، آخر رسالات السماء إلى الأرض - كما هو معروف تاريخيا - لانتشال البشرية من ظلمات بعضها فوق بعض، ظلمات العقائد، وظلمات الأخلاق، وظلمات الأعمال، إلى نور الإيمان ونور الخلق الكريم، ونور العمل الصالح، فرسم طريق الفلاح والنجاة، وخطط لصالح البشر في دنياهم وأخراهم: ] يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا، فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صراطا مستقيما [ [٢]، فمن سلك طريقه صلى الله عليه وآله نجا وأفلح، ومن حاد عنها قاده ذلك إلى تدمير نفسه وفساد حياته: ] قد أفلح من زكاها، وقد خاب من دساها [ [٣].

٣ - حكمة جعل بني آدم شعوبا وقبائل

ولمّا كان من بين حكم خلق الله لبني آدم، وجعلهم شعوباً وقبائل، التعارف والتعاون على البر والتقوى، كان لابد للناس مع اختلاف ألوانهم وألسنتهم وأجناسهم وأصقاعهم، أن يسلكوا كل سبيل يؤدي إلى التقارب بينهم، فالتقارب يدعو إلى التعارف، والتعارف يدعو إلى التآلف، وهذا بدوره يؤدي إلى الأخوّة

______________________________________________

[١] - عبد الرشيد عبد العزيز سالم، الإسلام واللغة والتاريخ / ١٩.

٢ - النساء ١٧٤ - ١٧٥.

٣ - الشمس: ٩ - ١٠.

(٧٠)

والتضامن، أو حسن التساكن والتعايش.

والذكر الحكيم صريح في هذا ولا يحتمل أي تأويل: ] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ [١]. فقد بين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة من محكم كتابه، أن الحكمة في جعله بني آدم شعوباً وقبائل هي التعارف فيما بينهم وليس في أن يتعصب كل شعب على غيره، وكل قبيلة على غيرها، فالتعارف هو العلة المشتملة على الحكمة لقوله: ] وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا [.

ومن هنا، فإن تاريخ الأمم والشعوب لم يخضع فقط لعوامل الجنس والعرف، أو اللون والمصالح المادية، وإنما لأسباب أخرى أسمى، ومن هذه الأسباب الانتساب إلى دين وملة واحدة، وخاصة إذا كان هذا الدين هو الإسلام الذي جعله الحكيم الخبير العليم خاتمة الأديان السماوية، بخاتم أنبيائه ورسله، قال تعالى: ] تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً [ [٢]، ] وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا [ [٣]، ] وما أرسلناك إلا كافة للناس [ [٤]، ] قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض [ [٥]، ] إن الدين عند الله الاسلام [ [٦].

٤ - حقيقة الأخوة الإسلامية وأنواعها

حقيقة الأخوة في الله تتمثل في تساند المسلمين وتآزرهم وتناصحهم وتعاونهم على البر والتقوى وجلب المنفعة ودفع المضرة، فالمسلمون أمة واحدة] إن هذه أمتكم أمة واحدة [، والمؤمنون إخوة] إنما المؤمنون إخوة [يحب كل منهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكرهه لها: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يجب

____________________________________________________

[١] - الحجرات / ١٣.

٢ - الفرقان / ١.

٣ - النساء: ٧٩.

٤ - سبأ: ٢٨.

٥ - الأعراف: ١٥٨.

٦ - آل عمران / ١٩.

(٧١)

لنفسه» [١].

وبهذا تعيش أمة الإسلام في جو يسوده الوئام والتعاطف مما يجعلهم أهلا للمكانة التي بينها كتاب الله عزوجل: ] كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله [ [٢].

ومن المعلوم إسلاميا أن الأخوّة بين المسلمين على نوعين:

الأول: الأخوة العامة بينهم: وهي التي تضمنتها الآية الكريمة: ] إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم [ [٣]، حيث حصر تعالى الأخوة بين المؤمنين فقط، مما يعني نفيها عن غيرهم وقطع الموالاة بينهم وبين الكافرين، على اختلاف مشاربهم. قال تعالى: ] يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون [ [٤]. وقال صلى الله عليه وآله: «المؤمن تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» [٥]، وقال كذلك: «ترى المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [٦]. وقال أيضاً صلى الله عليه وآله في حجة الوداع، في خطبته التاريخية، التي ودع بها الأُمة الإسلامية: «أيها الناس، إنما المؤمنون إخوة، فلا يحل لامرئ مسلم مال أخيه إلا عن طيب نفس منه، ألا هل بلغت؟ اللهم فاشهد» [٧]. إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في السنة المطهرة.

والثاني: الأخوة الخاصة: وهي التي يعتقدها مسلم فرداً كان أو جماعة مع أخ له في الإسلام في ظروف خاصة، وفي مكان معين، ومن هذا النوع مؤاخاته صلى الله عليه وآله بين المسلمين بعد الهجرة النبوية الشريفة، كما سنتكلم عنها فيما بعد وبإمكان

____________________________________________________

[١] - رواه البخاري، ومسلم، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة، والدارمي، وأحمد بن حنبل.

٢ - آل عمران / ١١٠.

٣ - الحجرات: ١٠.

٤ - التوبة / ٢٣.

٥ - رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وأحمد بن حنبل.

٦ - رواه البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل.

٧ - الوصية النبوية للأمة الإسلامية في حجة الوداع / ٤٣.

(٧٢)

المسلمين في كل عصر وفي كل مكان أن يؤاخي بعضهم بعضا في الله، وعلى الحق ونصرة الإسلام.

٥ - السرة النبوية ودورها في تحقيق الأخوة والتضامن بين المسلمين

إن من يتتبع أحداث السيرة النبوية، بعد الهجرة المباركة الكريمة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ويدرس الجهود الموفقة التي بذلها النبي صلى الله عليه وآله في الإصلاح والتأسيس والبناء للمجتمع المسلم والدولة الإسلامية، يجد أن أهم خطوة قام بها وأبرز جهود بذلها صلى الله عليه وآله بعد بناء مسجده الشريف، هي موادعة اليهود بالمدينة [١]، والمؤاخاة بين المسلمين: المهاجرين والأنصار.

لقد وضع النبي صلى الله عليه وآله ميثاقا للمسلمين، ويتضمن هذا الميثاق موادعة اليهود بالمدينة، في غاية من الدقة، وحسن السياسة، فألف بين سكان المدينة من الأنصار والمهاجرين وجيرانهم من طوائف اليهود وربط بينهم فأصبحوا به كتلة واحدة يستطيعون أن يقفوا في وجه كل من يريد أهل المدينة بسوء [٢].

ثم آخى صلى الله عليه وآله بين المسلمين: المهاجرين والأنصار، وهذا يدل بحق على الرشد والكمال النبوي، والنضج السياسي، والحكمة المحمدية، إذ أن هذه المؤاخاة قد تمت في ظروف كان المهاجرون فيها أحوج ما يكونون إلى ما يخفف عنهم آلام الغربة والفاقة والفرقة إذ تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم [٣].

وقد دل على ذلك القرآن الكريم دلالة واضحة، حيث يقول الحق تبارك وتعالى: ] للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوان وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون، والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم

_______________________________________________

١ - وقد كتب رسول الله صلى الله عليه وآله كتابا بين الأنصار والمهاجرين ووادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم وشرط عليهم واشترط عليهم. انظر نص الكتاب النبوي في عيون الأثر ١ / ٢٣٨.

٢ - هذا الحبيب: ١٧٦.

٣ - نفس المرجع السابق.

(٧٣)

يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون، والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم [ [١].

وفي هذا يخاطب النبي صلى الله عليه وآله الأنصار قائلا: «إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم» [٢]. وما أن نطق صلى الله عليه وآله بهذه الكلمة الطيبة حتى تسابق الأنصار في القول: أموالنا بيننا قطائع، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أو غير ذلك؟ » فقالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: «هم قوم لا يعرفون العمل فتكفوهم العمل، وتقاسمونهم الثمر» قالوا: نعم. وبعدها قال المهاجرون: يا رسول الله، ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بذلاً من كثير، لقد كفونا المؤونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر. فقال صلى الله عليه وآله: «لا، ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم» [٣].

وتطبيقا لهذه المؤاخاة التي آخى فيها الرسول الحكيم بين المهاجرين والأنصار، كان الأنصاري فيها يقول لأخيه المهاجري: أنظر إلى أعجب نسائي إليك أطلقها فإذا انتهت عدتها تزوجتها، روى البخاري «أنه لما قدموا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وآله بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن ربيع فقال سعد لعبد الرحمن إني أكثر الأنصار مالا فأقسم مالي نصفين ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها قال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك ومالك…» الحديث [٤].

بهذه المؤاخاة كان المجتمع المدني قد التحم بعضه ببعض، وأصبح جسما واحداً ينهض بكل عبء يلقى عليه [٥].

__________________________________________________

١ - الحشر: ٨ - ١٠.

٢ - انظر: العمري، السيرة النبوية الصحيحة.

٣ - ابن سيد الناس. عيون الأثر؛ وراجع أيضاً الجزائري، هذا الحبيب: ١٧٩ - ١٨٠.

٤ - البخاري: كتاب الصوم: ٦١؛ كتاب مناقب الأنصار: ٣.

٥ - المصدر السابق. هذا الحبيب: ١٧٨.

(٧٤)

ذلك هو الإخاء بين المسلمين الأوائل، الإخاء الذي انمحت فيه كلمة «أنا»، يتحرك الفرد فيه بروح الجماعة ومصلحتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كياناً دونها ولا امتداداً إلا فيها، وفي هذا الإخاء تذوب عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام ويسقط النسب واللون والوطن، فلا يتأخر أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه: ] إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ [١].

وهكذا كانت هذه الأخوة بين المسلمين، يتوارثون بها، في ظروف الحاجة، ولما وسع الله تعالى على المسلمين نسخ التوارث بها [٢]، وأقر المودة والحب بينهم، قال تعالى: ] وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا [ [٣].

وبهذا يعلم أن الإسلام دعا إلى الأخوة والتضامن بين المسلمين نظريا وطبقها عمليا. وقد نهى عن كل ما من شأنه أن يعكر صفو هذه الأخوة أو يدنس هذا التضامن، بإيذاء وتباغض وتقاطع وحسد وتجسس أو سوء ظن واحتقار، أو إظهار شماتة وطعن في الأنساب أو اعتداد بالأحساب، أو غش وخداع في المعاملة أو غدر وافتخار أو بغي أو غير ذلك مما يتعارض وروح هذه الأخوة الإيمانية. جاء في الحديث الشريف: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولاتدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا، ويشير إلى صدره، بحسب امرئ من الشر أن

_____________________________________________________

١ - الحجرات: ١٣.

٢ - روى البخاري عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ] ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم [قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وآله بينهم، فلما نزلت: ] ولكل جعلنا [نسخت، ثم قال والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم من النصر والرفاه والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصى له انظر: كتاب تفسير القرآن: ٧.

٣ - الأحزاب: ٦.

(٧٥)

يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله» [١].

وإذا كانت ظروف الحاجة والضرورة هي التي دعت النبي الحكيم صلى الله عليه وآله إلى عقد مثل هذه المؤاخاة بين المسلمين الأوائل (المهاجرين والأنصار)، والموادعة بينهم، وبين جيرانهم من طوائف اليهود في المدينة، أفلا نكون نحن المسلمين في هذا العصر بأمس الحاجة إلى الأخوة والتضامن بيننا، في هذا العصر الذي تداعت فيه الأكلة الشرسة على قصعة الإسلام، للقضاء عليه؟ !

٦ - رابطة العقيدة (لا إله إلا الله)

إن رابطة العقيدة (لا إله إلا الله) هي الأساس الذي يجب على المسلمين أن يتخذوه قاعدة للمؤاخاة بينهم ولبناء وتشييد صرح الإسلام، لأنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع حتى يصير بقوة هذه الرابطة جميع المجتمع الإسلامي كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فربط الإسلام إياك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقط، كما جاء في هذا التوجيه الشريف السابق ذكره في حديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وآله: «مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» [٢].

ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس وإرادة الأخ تنبيها على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه، كقوله تعالى: ] ولا تخرجون أنفسكم من دياركم [ [٣] أي لا تخرجوا إخوانكم، وقوله عز وجل: ] لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً [ [٤] أي بإخوانكم على أصح التفسيرين [٥].

_________________________________________________

١ - مسلم: كتاب البر، باب تحريم ظلم المسلم وخذله.

٢ - رواه البخاري ومسلم.

٣ - البقرة: ٨٤.

٤ - النور: ١٢.

٥ - الشنقيطي: أضواء البيان: ٣ - ٤٤١.

(٧٦)

وقوله تعالى: ] ولا تلمزوا أنفسكم [ [١] أي إخوانكم على المعوّل عليه من التفسيرين [٢]، وقوله سبحانه: ] ولا تأكوا أموالكم بينكم [ [٣] أي يأكل أحدكم مال أخيه، إلى غير ذلك من الآيات، ولذلك ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وآله كما ذكرنا سابقا أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» [٤]، وفي حديث أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهم الذي يبدأ بالسلام» [٥]. ومن الآيات الدالة على أن الرابطة الحقيقية هي الدين، وأن تلك الرابطة تتلاشى معها جميع الروابط النسبية والعصبية، قوله تعالى: ] لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم [ [٦] إذ لا رابطة نسبية أقرب من رابطة الآباء والأبناء والإخوان والعشائر، وقوله عز وجل: ] والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض [ [٧]، وقوله سبحانه: ] إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين أخويكم [ [٨]، وقوله تعالى: ] فأصبحتم بنعمته إخوانا [ [٩]، إلى غير ذلك من الآيات [١٠].

هذا، ومن المعلوم تاريخيا، أن المجتمع الذي بعث فيه رسول الإسلام صلى الله عليه وآله كان مجتمعا معروفا بالمغالاة المفرطة في الاعتداد بالأحساب والأنساب والتكاثر الغريب بالأموال والسطوة القبلية، وكلها أعراض خارجة عن حدود فضائل النفس يهتمون بها، دون نظر إلى القيمة الحقيقية التي يمتاز به إنسان عن إنسان، وقد صحح

________________________________________________

١ - الحجرات: ١١.

٢ - الشنقيطي: أضواء البيان: ٣ - ٤٤١.

٣ - البقرة: ١٨٨.

٤ - رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة، والدارمي، وأحمد بن حنبل.

٥ - رواه الخباري ومسلم وأبو داود والترمذي وأحمد بن حنبل.

٦ - المجادلة: ٢٢.

٧ - التوبة: ٧١.

٨ - الحجرات: ١٠.

٩ - آل عمران: ١٠٣.

١٠ - الشنقيطي: أضواء البيان: ٣ - ٤٤١.

(٧٧)

الإسلام هذه النظرة الخاطئة، وانتقل بمعيار التقويم من خارج النفس إلى داخلها وجوهرها، وذلك حين اعتبر التقوى أساس التمييز والتفاضل بين الناس، وذلك في قول الحق تبارك وتعالى: ] يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم [ [١].

خلاصة القول: أن الروابط والصلات التي تجمع بين الناس كثيرة ومختلفة، من قبلية وشعوبية، وقومية وعصبية ودينية. وتعتبر آصرة القربى أو الدم والانتماء إلى أصل عرقي من أقدم الروابط التي كونت المجتمعات البشرية. ويوم أن ظهر الإسلام كانت تجمعات الناس بشكل قبائل وقوميات ومجتمعات دينية، وقد جعل الإسلام رابطة العقيدة هي الأساس الأول في ارتباط الناس وتآلفهم وإن أقر بعض الأواصر الأخرى إذا انضوت تحت هذا الأصل:

ـ مثل الأرحام التي حث الإسلام على وصلها، ورتب على ذلك الأحكام المتعلقة بالتكافل الاجتماعي والإرث.

ـ ومثل صلة الجوار وما يترتب عليها من حقوق الجار.

ـ ومثل الصلة بين أفراد العشيرة وما يترتب عليها من تضامن في الديات.

ـ ومثل الصلة بين أبناء المدينة وجعلهم أولى من سواهم بزكاة أغنيائهم.

ولكن هذه الصلات وهذه الأواصر، لإيجاد الأخوة والتضامن بين المسلمين، ينبغي أن تنضوي تحت آصرة العقيدة - كما ذكرنا آنفا - فإن خالفتها وأضرت بها لم يبق لها أي اعتبار. فأساس الارتباط في الإسلام هو العقيدة التي تقتضي مصلحتها التفريق بين المرء وأبيه أو ابنه أو زوجته أو عشيرته [٢]، كما هو نص الآية السابقة.

وقد ركزنا على عامل العقيدة لأنه الأساس، ذلك أن العقيدة كما رأينا هي القادرة على تصحيح المسيرة وجعلها في الاتجاه السليم، وإذا تغلغلت هذه العقيدة في قلب

______________________________________________________

١ - الحجرات: ١٣.

٢ - انظر: أكرم ضياء العمري. السيرة النبوية الصحيحة.

(٧٨)

الإنسان استولت على جميع كيانه، ووجهت تصرفاته، وأصبح قويا شجاعا كريما لا يخاف إلا من الله الذي أبدعه وكرمه وفضله على كثير ممن خلق، وسخرله ما في السموات والأرض جميعا.

بهذه العقيدة - كما نقرأ في السيرة - قام سيد الخلق أجمعين محمد صلى الله عليه وآله وحيدا يدعو إلى كلمة التوحيد، كلمة الإخلاص، يواجه بها الأوثان والأصنام وعبدتها، وبهذه العقيدة - كما يحدثنا التاريخ - انتصر الإسلام وانتشر في الآفاق وبسرعة أدهش المؤرخين، وبضعف العقيدة عند المسلمين تفتتوا شيعا وأحزابا ودويلات، كل حزب بما لديهم فرحون.

٧ - الإسلام يدعو إلى الوحدة ويحذر من التفرق

إن الوحدة قوة ومنعة، وفي التفرق فشلا وهلكة، ولهذا دعا الإسلام إلى الوحدة وحذر المسلمين من التفرق، وقال تعالى: ] واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [، وقال جل جلاله: ] ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم [، وقال جل شأنه: ] ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات [ [١].

قيل في المثل: «الاتحاد قوة، والتفرق ضعف» وهذه حقيقة، وهي مشاهدة وملموسة ومرئية من خلال تاريخ الأمم والشعوب، وفي عصرنا الحاضر عصر التكتلات الاقتصادية والسياسية، الإقليمية منها والدولية، وما نشاهده في الدول المتقدمة يكفي دليلا على ذلك.

وإذا رجعنا إلى السيرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، والتاريخ الإسلامي، نجد أروع الأمثلة على ذلك، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع وفي خطبته التي ودع بها الأُمة الإسلامية والعالم بأسره، يبين لهم أساس وحدتهم ومنار هدايتهم وملاذهم ومعتصمهم ألا وهو كتاب الله، فلن تضل الأُمة ما إن أحسنت

_______________________________________________

١ - آل عمران: ١٠٥.

(٧٩)

التمسك به: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله» [١].

وها هو القران الكريم في آيات سورة آل عمران (الآيات ١٠٢ - ١٠٥)، بعد أن طلب من المؤمنين أن يتقوا الله حق التقوى وأن لا يموتوا إلا وهم مسلمون شدد عليهم الأمر بالاعتصام بحبل الله الذي هو كتاب الله كما ورد في الحديث [٢]، ثم ذكرهم بالحال التي كانوا عليها قبل الإسلام وما آل إليه أمرهم بعده.

ويعجبني تفسير أحد المفسرين للآية] واعتصموا بحبل الله جميعا [حيث يقول بعد تفسير الآية السابقة عليها: «… ثنى أمرهم بما فيه صلاح أنفسهم لأخراهم، بأمرهم بما فيه صلاح حالهم في دنياهم، وذلك بالاجتماع على هذا الدين… والكلام تمثيل لهيئة اجتماعهم والتفافهم على دين الله ووصاياه وعهوده بهيئة استمساك جماعة بحبل ألقي إليهم من منقذ لهم من غرق أو سقوط، وإضافة الحبل إلى الله قرينة هذا التمثيل، إذا ليس المقصود الأمر باعتصام كل مسلم في حالة انفراده اعتصام بهذا الدين، بل المقصود الأمر باعتصام الأُمة كلها، ويحصل في ضمن ذلك أرم كل واحد بالتمسك بهذا الدين…. وقوله] ولا تفرقوا [تأكيد لمضمون اعتصموا جميعا كقولهم ذممت ولم تحمد، على الوجه الأول في تفسير] واعتصموا بحبل الله جميعا [، وأما على الوجه الثاني فيكون قوله: ] ولا تفرقوا [أمرا ثانيا للدلالة على طلب الاتحاد في الدين [٣].

ويقول الزمخشري في تفسير هذه الآية: «واجتمعوا على استعانتكم بالله ووثوقكم به ولا تفرقوا عنه، أو اجتمعوا على التمسك بعهده إلى عباده وهو الإيمان والطاعة أو بكتابه لقوله صلى الله عليه وآله «القرآن حبل الله المتين، لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، من قال به صدق، ومن عمل به رشد، ومن اعصمم به هدي إلى

__________________________________________

١ - أبو داود: مناسك / ٥٦: ابن ماجة: مناسك: ٨٤.

٢ - ورد عن النبي صلى الله عليه وآله في صحيح مسلم: «كتاب الله هو حبل الله من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على ضلالة» مسلم ٤: ١٩٧٤، كتاب فضائل الصحابة؛ وأحمد ٣ / ١٤.

٣ - الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور. التحرير والتنوير: ٤ / ٣١ - ٣٢.

(٨٠)

صراط مستقيم» [١].

فقد جاء في الحديث الصحيح: «من جاءكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه» [٢]، وجاء كذلك في الصحيح: «إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأُمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان» [٣].

وهذه الآيات والأحاديث تدل دلالة واضحة على أن الاتحاد قوة، وأنه يجب على الأُمة انتهاج السبل المؤدية إلى تحقيقها كما يحرم عليها التفرق، ويلزم تفاديه بجميع الوسائل.

إن هذه الأُمة لن تجد وئامها وانسجامها ووحدتها إلا بالعودة إلى أصولها من كتاب وسنة وسيرة، «فلن يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله»، فالذين يتلمسون هذه الوحدة والوئام عن طريق وسائل واعتبارات أخرى غير المصادر المذكورة فإنهم يلعبون بعقول الناس، ويخدعونهم بل يخدعون أنفسهم !، قال تعالى: ] وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم [ [٤].

قال الدكتور فاروق حمادة «…. إن المال والمتاع والضياع، لا تؤلف بين القلوب، ولا تصلح أن تكون أساسا لوحدة جامعة دائمة، كما أن المصالح المتبادلة والأهداف المشتركة لا تصلح أبدا أن تكوِّن أمة، وأحداث التاريخ القريب والبعيد تؤكد هذا، بل إن هذه الأمور من أهم الأسباب الداعية إلى التمزق والانفصال، وتبدد وحدة الأمم وتقطع أواصر الاتصال، وهل يغير خريطة العالم ماضيا وحاضرا إلا النظر إلى احتجان المنفعة، حب الأثرة، والمنافسة على المصالح والأغراض المادية» [٥].

__________________________________________________

١ - الكشاف: ١ - ٤٥٠ - ٤٥١.

٢ - مسلم: كتاب الإمارة: ٦٠.

٣ - مسلم: كتاب الإمارة: ٥٩: أبو داود: كتاب السنة / ٢٧؛ أحمد بن حنبل: ٤، ٢٤، ٢٤١.

٤ - الأنفال: ٦٢ - ٦٣.

٥ - الوصية النبوية: ٧٥.

(٨١)

٨ - حكم النداء برابطة غير رابطة الإسلام

تعرضنا فيما سبق لرباطة العقيدة، وأنها الأساس الحقيقي الذي يجب أن يتخذه المسلمون قاعدة للتآخي ولتشييد صرح الإسلام، كما ذكرنا أن الإسلام هو الضامن للوحدة والقوة، وسردنا آيات من القرآن الكريم وأحاديث من السنة المطهرة وآثاراً من السيرة النبوية تدل على أن النداء يجب أن يكون برابطة الإسلام، ولا يجوز أن يكون برابطة أخرى غير الإسلام - كالعصبية المعروفة بالقومية - ولا شك أنه ممنوع بإجماع المسلمين.

ومن أصرح الأدلة في ذلك ما رواه البخاري في صحيحة قال: باب قوله تعالى: ] يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون [، ويروي البخاري كذلك تحت نفس هذا الباب حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: «كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار !!وقال المهاجري يا للمهاجرين !! فسمَّعَها الله رسوله قال: «ما هذا» ! فقالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري يا للأنصار، وقال المهاجري يا للمهاجرين، فقال النبي صلى الله عليه وآله: «دعوها فإنها منتنة…» [١].

وأخرج مسلم حديث جابر هذا في صحيحه، وفي روايته: فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما بال دعوى الجاهلية…. » [٢].

ويقول الشنقيطي: «… لاخلاف بين العلماء في منع النداء برابطة غير الإسلام، كالقوميات والعصبيات النسبية، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة الإسلام وإزالتها بالكلية، فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي: أنه نداء إلى التخلي عن دين الإسلام، أو رفض الرابطة السماوية رفضا باتا… فالعروبة لا يمكن أن تكون خلفا من الإسلام، واستبدالها به صفقة خاسرة» [٣].

______________________________________________________

١ - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ] يقولون لئن رجعنا إلى المدينة [.

٢ - أخرجه مسلم.

٣ - أضواء البيان: ٣ - ٤٤٥.

(٨٢)

٩ - مسؤولية هذه الأُمة

أشرنا في الصفحات السابقة إلى أن الأُمة الإسلامية هي أمة آخر رسالة سماوية، وهذا يوجب عليها أداء أمانة عظيمة ومهمة كريمة، كانت الأنبياء والرسل تقوم بها قبلها، ألا وهي أمانة تبليغ هذه الدعوة إلى الناس والمحافظة على هذا الدين الحنيف، ولزوم جماعة المسلمين، فكل واحد من المسلمين مكلف بأداء هذه الأمانة للعاملين، وكل في حدود استطاعته وقدرته، حتى إذا وصل الأمر إلى الإمام وجب عليه القيام بذلك حق القيام.

وقد أكد النبي صلى الله عليه وآله مسؤولية هذه الأُمة تجاه هذه الأمانة في أحاديث كثيرة ونكتفي بذكر حديثين منها كمثال:

الحديث الأول: قوله صلى الله عليه وآله: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته: الإمام راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته، والولد راع في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته» [١].

والحديث الثاني: هو ما جاء في خطبته صلى الله عليه وآله التاريخية التي ودع بها هذا العالم، وجاء فيها: «يا أيها الناس: نضّر الله امرءً سمع مقالتي فبلغها، فربّ حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» [٢].

فالحديث الأول يؤكد مسؤولية هذه الأُمة كل حسب موقعه من هذه المسؤولية، من الإمام إلى الخادم، والحديث الثاني فيه بيان أمانة تبليغ هذا الدين والمحافظة عليه، إذ كل فرد يحمل قسطا من هذه الأمانة.

ويؤكد صلى الله عليه وآله في حديث آخر على أمور هامة في شخصية المسلم، فيقول: «ثلاث لايغل عليهن قلب المسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، فإن دعوتهم تحيط من وراءهم» أي لا يبخل بهن ولا يضمرهن حقدا

_____________________________________________

١ - متفق عليه البخاري ١ / ٢١٥، كتاب الجمعة باب الجمعة في القرى والمدن؛ ومسلم ٢ / ٣٢٠، كتاب الإمارة باب فضيلة الإمام العادل.

٢ - الوصية النبوية: ٤٦.

(٨٣)

وحسدا وشحا وبغضا، بل يجود بهن إيمانا وسماحة.

وقد شرح الدكتور فاروق حمادة هذه الأمور الثلاثة شرحاً موجزاً رائعا فقال:

«وأولاهن: أن يكون عمله خالصا لوجه الله تعالى، وليس لغرض شخصي أو مطمح دنيوي.

وثانيتهن: أن يناصح ولاة الأمور بما يراه من خلل أو انحراف، كذلك لوجه الله لا ليصيب منهم، أو يظهر تفوقه عليهم.

وثالثتهن: أن يلزم جماعة المسلمين ولا يفرقها، ولايشق عصا وحدتها، فإذا تجرد القلب من مناقضات هذه الثلاثة يكون قد تطهر من معوقات الحياة الاجتماعية، لأن عوامل الأثرة والأنانية، أساس كل بلاء وشر» [١].

وبهذا تؤتي الدعوة إلى التضامن الإسلامي والأخوة الإسلامية ثمرتها في البلاد الإسلامية كلها، وتؤلف بين قلوب الشعوب الإسلامية، وتصل ما انقطع بينهم من روابط، ويشبك ما انفصل لديهم من وشائج.

ومن ناحية أخرى، فإن من مسؤوليات الأُمة اليوم تلمّس جميع السبل والوسائل الكفيلة بتحقيق الوحدة الإسلامية، وجمع كلمة المسلمين، ولاشك أن من هذه الوسائل التقريب بين المذاهب الإسلامية، هذه المذاهب التي اتخذها أعداء الإسلام ثغرة ينفذون منها للتفريق بين الأُمة، كما أن بعض المسلمين ضعاف النفوس أو قصيري النظر ينقادون وراء هؤلاء الأعداء جريا وراء مصلحتهم الخاصة أو جهلا منهم بخطورة ذلك، ضاربين بتصرفهم هذا عرض الحائط المصلحة العامة والعليا للأمة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن من أهم الأسباب، التي من أجلها أنشئ مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وحدة الأُمة الإسلامية والتي لا تتم في عصرنا هذا إلا عن طريق التقريب بين المذاهب الإسلامية، أجل؛ إن هذا المجمع هو المؤسسة الوحيدة التي أنشئت على أساس من الدراسات الفقهية والنظر في القضايا

___________________________________________________

١ - د. فاروق حمادة. الوصية النبوية: ٩٩ - ١٠٠.

(٨٤)

المستجدة، وتضم جميع الدول الإسلامية الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، ومن ثم جميع المذاهب الإسلامية، ويشارك في مؤتمراته وملتقياته فقهاء وخبراء وباحثو هذه المذاهب بإنتاجاتهم، كما يتولى المجمع نشر جميع البحوث في مجلة المجمع، بغض النظر عن صاحب البحث أو انتماء صاحبها المذهبي.

وإضافة إلى تلك الأنشطة فقد أنشا المجمع مشاريع علمية عدة مفتوحة لجميع المذاهب، ومن هذه المشاريع، على سبيل المثال، مشروع معلمة القواعد الفقهية، التي يشارك فيها ثلة من الفقهاء على اختلاف مذاهبهم الفقهية.

وقد جرت مراسلات بشأن هذا المشروع بين مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وبين مجمع فقه أهل البيت بقم - تم في هذه المراسلات الموافقة على أسلوب التعاون والتنسيق بين المؤسستين لإنجاز هذا المشروع الهام.

ولابد أن الأعوام القادمة سوف تشهد مزيدا من التعاون بين المجمعين في هذا المجال وفي مجالات أخرى، مما سيتمخض عنه تعميق المعرفة بين المذاهب، وبالتالي التقارب بينها وإزالة الحجب فيما بينها، وما ينتج عنها بالتأكيد وحدة الأُمة وتآلفها، وما ذلك على الله بعزيز.



[ Web design by Abadis ]