ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الصحوة الإسلاميّة بين التطرف و الاعتدال \ الدكتور محمود هرموش

من أولى نتائج الغلو والتطرف النبز بالتكفير، والتفسيق، والحكم بالردة عن الدين.

وهذه أخطر ما يتوصل إليه المجتمع المسلم، ولذلك كان النهي من الله تعالى ومن رسوله - صلى الله عليه وآله - شديداً عن نبز المسلم أخاه باسم أو صفة يكرهها ومن أهمها التكفير والتفسيق والتبديع يقول تعالى ﴿ولاتنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون﴾ [١]، فقد روى ابن جرير عن مجاهد وعكرمة في معنى قوله تعالى ﴿ولاتنابزوا بالألقاب﴾، قال هو قول الرجل للرجل: يا فاسق. وقال قتادة: يقول

* - من كتاب صفحة «الأمان» الفكري، ونقلنا المقال من هذه الزميلة في عدديها ١٩٥ و ١٩٧، مع تنظيم لمصادره.

(٢٠٩)

الله تعالى ﴿ولا تنابزوا بالألقاب﴾ لا تقل لأخيك المسلم ذاك فاسق وذاك منافق… نهى الله عن ذلك. ويقول ابن جرير أيضاً: «وعمم الله تنبيهه ذاك ولم يخصص بعض الألقاب دون بعض، فغير جائز لأحد المسلمين أن ينبز أخاه باسم يكرهه أو «صفة يكرهها».

ومن أخطر هذه الألقاب التكفير والتضليل، أو التفسيق، والتبديع، وكل ذلك يقود إليه التطرف ! ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم «من كفر مسلماً فقد كفر» [١]. ومن هنا كان السلف الصالح يتورعون كثيراً عن هذه الألقاب لأنه لم يظهر فيهم التطرف والغلو والتعصب للعقيدة والمذهب، ولم تظهر فيهم العداوة والتحاسد والاختلاف على الدنيا.

وظل الأمر على ذلك حتّى مجيء عصر البدع الاعتقادية والأهواء الضالة، ومع ذلك كان أئمة السنة يتورعون عن تكفير أصحاب الأهواء ماداموا متأولين منزهين للرب في اجتهادهم أو بزعمهم، وكانوا يلتمسون لهم المخارج الكثيرة ويسألون لهم المغفرة والتوبة وحسن الخاتمة، لكونهم لا يخرجون عن اعتبارهم مجتهدين في توحيد الرب وتنزيهه.

يقول العلامة القاسمي رحمه الله: «بعد أن سبر رجال من خرَّج لهم الشيخان أو أحدهما في صحيحهما ممن نبز بالابتداع، فترى من هذا أن التنابز بالألقاب، والتباغض لأجلها الذي أحدثة المتأخرون بين الأمة، عقوا به أئمتهم وسلفهم أمثال البخاري ومسلم وأحمد ومن ماثلهم من الرواة الأبرار، وقطعوا به رحم الأخوة الإيمانية الذي عقده الله في كتابه العزيز، وجمع تحت لوائه كل من آمن بالله ورسوله ولم يفرق بين أحد من رسله. فإن كل من ذهب إلى رأي محتجاً عليه مبرهناً بما غلب على ظنه بعد بذل قصارى جهده وصلاح نيته في توخي الحق فلا ملام عليه ولا تثريب، لأنه مأجور على أي حال، ولمن قام عنده الدليل

__________________________________

١ - ١ / ٧٩.

(٢١٠)

على خلافه واتضحت له المحجة في غيره أن يجادله بالتي هي أحسن ويهديه إلى سبيل الرشاد، مع حفظ الاخوة والتظافر على المودة. ثم قال رحمه الله: والحاصل ألا تفسيق ولا تضليل مع الاجتهاد والتأويل، وإن كان ليس كل اجتهاد صواباً ولا كل تأويل مقبولاً، ولكن كلامنا في ذات المجتهد والمؤول».

وهذا الامام الحافظ الذهبي رحمه الله لما ترجم لابن خزيمة في «سير أعلام النبلاء» ذكر كلامه في أن من لم يُقر بأن الله على عرشه فوق سبع سمواته فهو كافر حلال الدم وكان ماله فيئاً… علق الذهبي على هذا الغلو بقول: «وكتابه - أي ابن خزيمة - في التوحيد مجلد كبير، وقد تأول في ذلك حديث الصورة فليعذر من تأول بعض الصفات. وأما السلف فما خاضوا في التأويل بل آمنوا وكفوا وفوضوا علم ذلك إلى الله ورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه وتوخيه لاتباع الحق أهدرناه وبدّعناه لقلّ من يسلم معنا من الأئمة رحم الله الجميع بمنه وكرمه» [١]. (قلت) في هذه الترجمة برز موقفان متناقضان، موقف يمثل الغلو والتطرف وهو موقف ابن خزيمة رحمه الله وموقف يمثل قمة الاعتدال والإنصاف وهو موقف الذهبي رحمه الله.

وكل في موقفه إمام، ولكل منهما اتباع في الأمة، لكن يا ترى فمن الذي استبرأ منهما أكثر لدينه وعرضه؟ !

لاشك أن الاستبراء للدين والعرض هو في الترفق بحال الأمة وعدم الوقوع في دينهم ودمائهم وأعراضهم، لأنها حمى الله في الأرض، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، وفي هذا المعنى يقول الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ

__________________________________

١ - سير أعلام النبلاء ٩ - ٢٣٧.

(٢١١)

لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه…» الحديث.

وهكذا كان الإمام الذهبي إمام العدل والإنصاف والاعتدال ولا تعجب بعد ذلك من دقة تسميته أحد كتبه بـ «ميزان الاعتدال» فهو بحق ميزان الاعتدال.

واقرأ ترجمته لقتادة بن دعامة السدوسي قال رحمه الله في ترجمته: «وكان رحمه الله قدرياً قاله يحيى بن معين، ومع هذا فاحتج به أصحاب الصحاح لاسيما إذا قال حدثنا» [١].

وقال في السير: فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه وبذل وسعه، والله حكم عدل لطيف بعباده لا يسأل عما يفعل. ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه وعلم تحريه للحق واتسع علمه وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر زلله وبدعته ونرجو له التوبة من ذلك.

ومن هؤلاء الذين عرفوا بالاعتدال والتوسط الامام أبو الحسن الأشعري رحمه الله. قال الذهبي رحمه الله: رأيت للأشعري كلمة أعجبتني وهي ثابتة رواها البيهقي قال: سمعت أبا حازم العبدوي، سمعت زاهر بن أحمد السرخسي يقول: لما قرب أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد دعاني فأتيته، فقال: أشهد علي أني لا أكفر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنّما هذا كله اختلاف عبارات» [٢].

(قلت) أي الذهبي: وبنحو هذا أدين، وكان شيخنا ابن تيمية في آواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة ويقول قال النبي - صلى الله عليه وآله - لا يحافظ على الوضوء إلاّ مؤمن، فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم» رواه ابن ماجه. لذلك فعلى المسلم أن يستبرئ لدينه وعرضه

__________________________________

١ - الميزان ٣ / ٣٨٥.

٢ - سير أعلام النبلاء ٥ / ٥٧١.

(٢١٢)

فلا يسرع إلى تكفير أحد من المسلمين، فأعراض المسلمين حمى الله في الأرض.

قال الامام ابن دقيق العيد رحمه الله: «أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام».

قال الحافظ الصالحي في كتابه عقود الجمان بعد أن نقل كلمة ابن دقيق العيد هذه: وليس الحكام والمحدثون سواء، فإن الحكام أعذر لأنهم لا يحكمون إلاّ بالبينة وغيرهم يعتمد مجرد النقل.

قلت: والمحدثون أعذر عند الله لأنهم يذبون عن السنة فهم أعذر من هؤلاء الغلاة الجفاة الجهلة الذين يقعون في أعراض المسلمين لمجرد التعصب والخلاف في المذاهب أو المشرب، فهؤلاء شرار الخلق عند الله لأنهم يكفرون بلا علم ولا سبب إلاّ ما دعا إليه الجهل والتعصب والتطرف والعياذ بالله.

وقال ابن دقيق العيد أيضاً «المخالفة في العقائد أوجبت تكفير الناس بعضهم لبعض أو تبديعهم وأوجبت عصبية اعتقدوها ديناً يدينون به ويتقربون به إلى الله، ونشأ عن ذلك الطعن بالتكفير والتبديع، وهو موجود كثيراً في الطبقة المتوسطة من المتقدمين.

يتابع ابن دقيق العيد فيما رواه عن الحافظ الصافي في كتابه عقود الجماعة «والذي تقرر عندنا أنّه لا تعتبر المذاهب في الرواية، إذ لا نكفر أحداً من أهل القبلة إلاّ بإنكار متواتر عن صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه» [١]، وفي هذا النص أمور مهمة:

الأمر الأول: أن المخالفة العقدية والمذهبية أو جبت العصبية.

الأمر الثاني: أن الطعن بالتكفير والتبديع نشأ عن الخلاف في العقائد لما يرافق ذلك

__________________________________

١ - الاقتراح، ورقة ٢٧.

(٢١٣)

الحكم من الغلو والعصبية.

الأمر الثالث: أن الحكم بالتكفير لا يعتبر بين المختلفين في أمور العقائد لما يرافق ذلك الحكم من الغلو والعصبية.

الأمر الرابع: لا يكفر أحد من أهل القبلة ولو كان على بدعة شرط إلاّ تكون بدعته مكفرة، ومن أشنع الشنائع أن يكون الطعن بالتكفير والتبديع والتضليل ناشئاً عن السخط والعداوة والتعصب للمذهب أو الشيخ أو الطائفة والحزب أو الجماعة، حيث أن عين السخط لا تبدي إلاّ المساوئ، كما أن عين المحبة لا تبدي إلاّ المحاسن، ولهذا لم يعول علماء الجرح والتعديل على الجرح الناشئ عن العداوة المذهبية أو الكراهية والبغضاء أو الحسد قال الامام السبكي رحمه الله: ومما ينبغي أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارح المجروح في العقيدة فجرحه لذلك.

واليه أشار الرافعي بقوله: «وينبغي أن يكون المزكون برءاء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفاً من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق» [١] وقال في موضع آخر: «لا يجوز أن يبغض الرجل لأنه من مذهب كذا» [٢] وقال: «الطامة الكبرى إنّما هي في العقائد المثيرة للتعصب والهوى نعم وفي المنافسات الدنيوية على حطام الدنيا، وهذا في المتأخرين أكثر منه في المتقدمين» [٣].

وبعد هذه النصوص نعلم تهافت المكفرة الذين يكفرون بسبب المخالف العقدية أو الفكرية كالذين يكفرون سيد قطب وغيره من الأئمة قديما وحديثا وينسبونهم زوراً إلى

__________________________________

١ - قاعدة من الجرح والتعديل: ٣٥.

٢ - نفس المصدر: ٤٩.

٣ - نفس المصدر: ٥٤.

(٢١٤)

العقائد الفاسدة، ولا يلتمسون لهم المخارج ولا يجدون لكلامهم تأويلاً، فمثل هذه الأحكام المشبعة بالحقد والكراهية والمنافسة على حطام الدنيا كالمنافسة على الزعامة أو الوصول إلى سلطة معينة مثل المجلس النيابي أو البلدي، فمثل هذه الأحكام المشوبة بكل ما ذكرت لا تقدم ولا تؤخر ولا تؤثر، بل هي عائدة على أصحابها بالخسران والضلال المبين.

وأحسن ما رأيت في هذا الموضوع ما ذكره الامام ابن الصلاح في كتابه علوم الحديث في النوع الحادي والستين «معرفة الثقاة والضعفاء» وهو يتحدث عن الشروط اللازمة للجارح ليقبل جرحه للراوي، فقال عند جرح النسائي لأحمد بن صالح - وهو إمام حافظ ثقة لا يعلق به جرح - أخرج عنه البخاري، وقد كان من أحمد إلى النسائي جفاء أفسد قلبه عليه، وإذا نسب مثله إلى هذا، أي نسب مثل النسائي، وهو إمام حجة في الجرح والتعديل إلى مثل هذه الجرح المردود، كان وجهه أن عين السخط تبدي مساؤى لها في الباطن مخارج صحيحة تعمى عنها بحجاب السخط، لا أن ذلك يقع من مثله تعمداً لقدح يعلم بطلانه، فأعلم هذا فإنه من النكت النفيسة» [١]

قال ابن ناصر الدين: ولقد قال إمام التعديل والجرح والمعتمد عليه في المدح والقدح أبو عبدالله محمد بن الذهبي فيما وجدته بخطه: ولا ريب أن بعض علماء النظر بالغوا في النفي والرد والتحريف والتنزيه بزعمهم حتّى وقعوا في بدعة أو في نعت الباري بأوصاف المعدوم، كما أن جماعة من علماء الأثر بالغوافي الإثبات، وقبول الضعيف والمنكر ولهجوا بالسنة والإتباع فحصل الشغب ووقعت البغضاء وبدّع هذا هذا، وكفر هذا هذا، ونعوذ بالله ومن المراء في الدين وأن نكفر مسلماً موحداً بلازم قوله وهو يقرّ من ذلك اللازم وينزّه الرب سبحانه وتعالى.

__________________________________

١ - تعليق العلامة أبو غدة على قاعدة السبكي: ٥٦.

(٢١٥)

وقد يستشكل على بعض المولعين بالتكفير ما ورد عن الشافعي من إطلاق كلمة الكفر على بعض المبتدعة، حيث قال: «ومحل ما تقدم في المبتدع الذي لا يكفر ببدعته، أما الكافر ببدعته فروايته ساقطة على مقتضى ذلك جزماً» [١]، فهو كفر دون كفر، ولذلك علق البلقيني عليه بقوله: وكلام الشافعي الآنف الذكر حمل البيهقي على تحقيق آخر للتكفير في البدعة. قال: والذي روينا عن الشافعي وغيره من الأئمة من تكفير هؤلاء المبتدعة فإنما أرادوا به كفراً دون كفر.

وهو كما قال الله عزّوجلّ: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ [٢]. قال ابن عباس: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه، انه ليس بالكفر ينقل من ملة، ولكن كفر دون كفر.

وقال الامام ابن تيمية: «قال غير واحد من السلف: كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، وشرك دون شرك» [٣].

وأساس الاستدلال عندنا هو قول البخاري: المعاصي من أمر الجاهلية، لا يكفر صاحبها بارتكابها إلاّ بالشرك، لقول النبي - صلى الله عليه وآله ـ: «إنك امرؤ فيك جاهلية» رواه البخاري فانظر إلى هذا الفقه الذي أوتيه البخاري t والذي استند فيه على قصة أبي ذر عندما عيّر بلالاً بسواد أمه وأبو ذر من كبار الصحابة، فلا يعقل مطلقاً أن النبي أراد بهذه الكلمة نفي الإيمان عنه وغمسه في مستنقع الجاهلية وقطع أي صلة بينه وبين الإسلام، ولكنها الجاهلية النسبية، وهي المعصية التي هي من خواص الجاهلية. وكلما ازدادت هذه المعاصي عند

__________________________________

١ - البلقيني، محاسن الاصطلاح: ٢٣١.

٢ - المائدة: ٤٤.

٣ - مجموع الفتاوى ١١: ١٤٠.

(٢١٦)

المسلم ازدادت نسبة الجاهلية فيه، لكن لا ينتقل إلى الجاهلية كلية إلاّ بالشرك في العبادة أو اعتقاد حل الحرام وتحريم الحلال. ولعل السر الذي دعا الامام حسن البنا إلى تشدده في قضية التكفير ما فيه من خطورة تنتظر الاثنين معاً، حيث أن الإفساد لم يكشف عن قلوب الآخرين إذ ينعتهم بكلمة الكفر ويكونون من أهل الإيمان فيبوء هو بنعت الكفر والعياذ بالله تعالى، فلو انه كف لسانه لسلم له دينه يقول رحمه الله: لا نكفر مسلماً أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاها وأدى الفرائض - برأي أو معصية - إلاّ أن أقرّ بكلمة الكفر، (أي صراحة دون التأويل)، أو أنكر معلوماً من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملاً لا يحتمل تأويلاً غير الكفر.



[ Web design by Abadis ]