ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الاستعمار و أساليبه في الغزو الثقافي للعالم الإسلامي \ الدكتور محمد حسين تبرائيان

نظراً للهوية الحضارية المتميزة للعالم الإسلامي والخلفية الثقافية العريقة القائمة على الفكر الإسلامي وما يشكله هذا الرصيد الحضاري والثقافي من قوة هائلة تقف في وجه أي عملية يراد منها النفوذ إلى قلب العالم الإسلامي، نشاهد تعرض هذا العالم لهجمات عنيفة وشرسة بمختلف الأشكال والأساليب، ليس في عصرنا الراهن فحسب، بل منذ أن أصبح للإسلام دولة وكيان ونفوذ.

فبعد الجولة الطويلة والدامية في الغزو الصليبي الذي شنه الغرب تحت رداء المسيحية ومثل أشرس الهجمات المسلحة التي استهدفت الكيان الإسلامي والفكر الإسلامي، والذي

* - جامعة المذاهب الإسلاميّة.

(١٨٧)

دام قرابة قرنين من الزمن (١٠٩٦ - ١٢٩١م)، وبعد الهزيمة النكراء التي لحقت بالمعسكر الغربي على يد الأمة الإسلاميّة في أواخر القرن الثالث عشر الميلادي، وجد زعماء الغرب والحركات والأحزاب الغربية التي تحمل في أذهانها جرثومة العداء للإسلام أن أسلوب الهجوم المسلح والغزو العسكري لا يجدي نفعاً مع العالم الإسلامي ما دام هناك فكر إسلامي أصيل يرفد قلوب المسلمين بالقوة والاستبسال، ويدفعهم للجهاد، ويزرع في أفئدتهم الأمل بالنصر. لقد أدركوا بعد أكثر من ثماني حملات صليبية واسعة أن الفكر الإسلامي لا يستأصل بالسيف أبداً، وعليهم أن يتخذوا أسلوباً آخر لمواجهته والإجهاز عليه.

وسرعان ما تبلورت في أفكارهم قاعدة تقول: «إذا أرهبك سلاح عدوك فأفسد فكرة ينتحر به !»، وقرروا توجيه ضربة فكرية هذه المرة… فما دام الفكر هو الهدف، فلماذا لا توجه الضربات إليه بشكل مباشر لا إلى حامليه كما في المرة السابقة. وشمروا عن سواعد الجد وأخذوا يعملون ليل نهار للوصول إلى ما حلموا به بغية تحقيق الغاية التي فشلت الحروب الصليبية في تحقيقها. واقتضت خطة الغزو الجديد الاعتماد على سلاحي التبشير والاستشراق، فانهال الغزاة الغربيون أفواجاً على البلاد الإسلاميّة تحت أقنعة تقديم الخدمات الإنسانية، وتأسيس المدارس والمستشفيات، ودراسة التاريخ الإسلامي، وتأسيس معاهد وجمعيات للاهتمام بالدراسات الشرقية، ونشر المخطوطات العربية وماشاكل ذلك من الواجهات الخادعة والمضللة. وتظافرت جهود المبشرين والمستشرقين لإنجاح هذا المخطط الجهنمي الرامي إلى النيل من صرح الفكر الإسلامي وتقويض الأسس الحضارية والفكرية للعالم الإسلامي. ويمكن أن يقال بحق إن الخسائر التي لحقت بالإسلام والمسلمين على يد معولي التبشير والاستشراق لا يمكن أن تضاهيها كل تلك الخسائر التي

(١٨٨)

لحقت بهما جراء الحروب الصليبية المسلحة.

لقد كان الاستشراق والتبشير رأس الحربة في مؤامرة الغزو الفكري والحضاري التي لا زالت مستمرة حتّى هذه الساعة، بهدف إفراغ الفكر الإسلامي من محتواه، وتحويله إلى كيان عقيم لا حياة فيه. كما أنهما مهّدا الطريق لظهور الاستعمار بنوعيه الجديد والقديم. ولولا هذين السلاحين المدمرين لما كان للاستعمار موطئ قدم في عالمنا الإسلامي الرحب. وانطلاقاً من ذلك يمكن أن نقول بأن تاريخ الاستعمار في بلادنا الإسلاميّة قد بدأ حقيقة مع دخول أول وجبة تبشيرية استشراقية إليها.

وقد تميزت هذه الطلائع الاستعمارية بحقد عجيب ضد الإسلام رغم محاولاتها المكثفة لإخفائه، إلا أنّه كان يظهر أحياناً رغماً عنهم. فيقول وليم جيفورد بالكراف: متى توارى القرآن ومدينة مكة عن بلاد العرب يمكننا حينذاك أن نرى العربي يتدرج في سبيل الحضارة التي لم يبعده عنها إلاّ محمد وكتابه!» [١]. كما صرحت مجلة «المشرق المسيحي» التي كانت تنشرها جمعية التبشير الشرقية الألمانية: «لقد أزف الوقت الذي يزعزع فيه الإسلام من أركانه وينتشر الإنجيل بين الشعوب الإسلاميّة» [٢].

وقال المبشِّر جون تأكل (John Takle): «يجب أن نستخدم كتاب المسلمين - وهو أمضى سلاح في الإسلام - ضد الإسلام نفسه لنقضي عليه تماماً. يجب أن نري هؤلاء الناس أن الصحيح في القرآن ليس جديداً، وأن الجديد فيه ليس صحيحاً» [٣].

(١٨٩)

أما المستشرق شاتلي فقد كان يصرخ: «إذا أردتم غزو الإسلام وتحطيم شوكته والقضاء على عقيدته التي أتت على كل العقائد السابقة واللاحقة، والتي كانت السبب الأول والرئيس لاعتزاز المسلمين وشموخهم وسيادتهم وغزوهم للعالم، فعليكم أن توجهوا جهودكم إلى هدم نفوس الشباب المسلم والأمة الإسلاميّة بإماتة روح الاعتزاز بماضيهم وتاريخهم وكتابهم القرآن، وتحويلهم عن كل ذلك بواسطة نشر ثقافتكم وتاريخكم، ونشر روح الإباحية، وتوفير عوامل الهدم المعنوي وحتى لو لم نجد إلا المغفلين منهم والسذج والبسطاء لكفانا ذلك، لأن الشجرة يجب أن يتسبب لها في القطع أحد أغصانها» [١].

ونرى الحقد واضحاً وجلياً في كلمات القس الدكتور صموئيل زويمر الذي رشحه نشاطه التبشيري الزائد لأن يحتل منصب رئيس المبشرين في الشرق حتّى لقب بـ «الرسول المختار إلى العالم الإسلامي!»، فقد خطب هذا القس في مؤتمر القدس التبشيري الذي عقد برئاسته في نيسان عام ١٩٣٥ م إبان الاحتلال البريطاني لفلسطين قائلاً: «أيها الاخوة الأبطال والزملاء الذين كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية واستعمار بلاد الإسلام… لقد أديتم الرسالة التي أنيطت بكم أحسن أداء ووفقتم لها أسمى توفيق… مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبالتالي فلا صلة تربطه بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها. وبذلك تكونون أنتم طليعة الفتح الاستعماري للبلاد الإسلاميّة… لقد قبضنا أيها الاخوة في هذه الحقبة من الدهر على جميع برامج التعليم في البلاد الإسلاميّة، ونشرنا في تلك الربوع مكامن التبشير والكنائس والجمعيات والمدارس المسيحية الكثيرة التي تهيمن عليها الدول الأوروبية والأمريكية… إنكم أعددتم شباباً في ديار المسلمين

(١٩٠)

له ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام دون أن تدخلوه في المسيحية. وبالتالي جاء النشئ الإسلامي طبقاً لما أراده له الاستعمار: لا يهتم للعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يصرف همه في دنياه إلاّ في الشهوات. فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز فللشهوات» [١].

وتعبر أقواله هذه تمام التعبير عن الهدف الأول الذي يرمي إليه التبشير وهو فتح أبواب البلاد الإسلاميّة بوجه الاستعمار الغربي خلال مناورة فكرية مراوغة مدروسة بدقة، ومخطط لها بشكل رهيب، فهم لا يعنيهم في أي حال من الأحوال أن يعتنق المسلم المسيحية، بل يهمهم أن يتخلى عن فكرته الإسلاميّة ويتنصل عن ثقافته الإلهية، وحينئذ تنهار كافة المقومات الأساسية في كيان الأمة، وينتصر الغرب في عملية الصراع الحضاري الطويل بني الإسلام والمدارس المضادة. فالأمر إذن ليس التبشير بالمسيحية كما قد يتصور البعض، بل هو التصدي للإسلام الذي يقول عنه لورنس براون: إن الخطر الحقيقي كامن فيه وفي قدرته على التوسع، وفي حيويته، وبأنه الجدار الوحيد الذي يقف في وجه الاستعمار الأوروبي [٢].

وانطلاقاً من ذلك نرى كيف وقفت الدول الاستعمارية بحزم خلف التبشير والاستشراق، وشجعتهما وأمدتهما بالمال والإمكانات. فنرى الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تعترف بالدين في بلادها قد نشرت مبشريها في سائر أرجاء الأرض للدعوة إلى المسيحية، ونراها كذلك تقف في عام ١٩٦٣ م مع البوذيين في فيتنام ضد الحكومة المسيحية ! وفرنسا البلد العلماني الذي ضيق الخناق على رجال الكنيسة قد تحول إلى ذاب

(١٩١)

ومدافع عن القساوسة والرهبان خارج الأرض الفرنسية ! وإيطاليا التي ناصبت الكنيسة العداء واحتجزت البابا في الفاتيكان، وصادرت أموال الأديرة في إيطاليا نفسها، نراها تؤسس المدارس المسيحية في البلاد الإسلاميّة وتملأها بالدعاة إلى المسيحية! وروسيا التي ألغت كافة الأديان وناهضتها، دعت إلى تشكيل مجمع مسكوني بموسكو وحملت إليه المؤتمرين بطائراتها، وأعربت عن تعاطفها مع رجال الدين المسيحي ! وكذلك الأمر بالنسبة لإنجلترا وألمانيا وغيرها من الدول الغربية.

فالتبشير والاستعمار إذن وسيلة استعمارية رهيبة، والمبشرون والمستشرقون ليسوا سوى طلائع الغزو الاستعماري السياسي والثقافي في البلاد الإسلاميّة، ذلك الغزو الذي أراد تدمير الرصيد الإسلامي من الثقافة والفكر، وهو الرصيد الذي كان ولا يزال يبعث الخوف في أفئدة الغزاة ولهذا نشاهد يوليوس رشتر (Richter) يؤنب النصارى على قصر نظرهم في العصور السابقة التي تلت ظهور الإسلام وركونهم إلى الدعة، في حين كانت الإمبراطورية البيزنطية تذوب شيئاً فشيئاً في الإمبراطورية الإسلاميّة حتّى سقطت القسطنطينية عام ١٤٥٣ م بيد المسلمين [١].

ويردُّ البعض ذلك العداء الشديد للإسلام والحقد على المسلمين إلى الحروب الصليبية نفسها، غير أن المستشرق الألماني كارل بيكر (BecKer) يرى أن ذلك العداء قد سبق الحروب الصليبية ويعود إلى الفترة التي انتشر فيها الإسلام خلال العصور الوسطى وأقام سداً في وجه النصرانية، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجانها لكن لا يمكن أبداً تجاهل الآثار التي خلفتها الحروب الصليبية على نفسية الإنسان الأوروبي والحوافز التي

(١٩٢)

خلقتها في نفسه للثأر من الفكر الإسلامي ولهذا ظلت روح الانتقام تداعب قلوبهم حتّى يومنا هذا. ونلمس ذلك في قول القس «شانتور» الذي رأس الكلية اليسوعية [١] في بيروت زمناً طويلاً: «ويأتي المبشر تحت علم الصليب يحلم بالماضي وينظر إلى المستقبل وهو يصغي إلى الريح التي تصفر من بعيد، من شواطئ روما ومن شواطئ فرنسا، وليس من أحد يستطيع أن يمنع تلك الريح من أن تعيد على آذاننا قولها بالأمس وصرخة أسلافنا: إن الله يريدها» [٢]. وكان الصليبيون يرددون في حروبهم شعار: «إن الله يريدها» أي إن الله هو الذي أراد هذه الحروب!

والعجيب أن القائد الاستعماري «غورو» لما دخل دمشق في الربع الأول من القرن العشرين ووصل إلى مثوى صلاح الدين الأيوبي، ركل قبره قائلاً: «الآن انتهت الحروب الصليبية يا صلاح الدين!» منفساً بذلك عن غضبه ومعبراً في الوقت نفسه عن الحقد الذي يغلي في صدره.

ولم تقتصر عملية الغزو الفكري للعالم الإسلامي على ميدان واحد أو تنحصر في إطار معين، بل امتدت لتشمل جميع الأصعدة وشتى المجالات، ولكنها اعتمدت في مجملها على إفراغ عقول الجيل المسلم من الأفكار والعقائد والمفاهيم الإسلاميّة والحط من شأنها في عينه، وإظهارها قاصرة عن مواكبة حالة التطور التي يشهدها العالم على كافة الأصعدة، وقصورها عن تلبية الحاجات الإنسانية، وعجزها عن وضع الحلول للمشاكل التي يفرضها ذلك التطور والناجمة عن الحركة باتجاه المستقبل، وإثارة الشكوك في الثقافة والاقتصاد (١٩٣)

والتربية والقانون والفقه والتاريخ الإسلامي، وكل ماله صلة بالإسلام، وتسليط الأضواء على الشبهات الموجهة نحو الأصول والفروع الإسلاميّة، وزعزعة ثقة المسلمين باسلامهم، مرددين العبارة الاستعمارية التالية: «إن أوروبا لم يُتَح لها النجاح حتّى فصلت عملها وسياستها عن سلطان الكنيسة»، ناسين أن الكنيسة غير المسجد، وأن الإسلام غير. المسيحية المحرفة التي لم تعد نظاماً للحياة، بقدر ما هي تعاليم فردية روحية لا غير ثم تبدأ بعد هذه المرحلة من الخطة الاستعمارية عملية تزريق تلك العقول والأذهان الخاوية بالأفكار التي يريدون والرؤى التي تقتطع المسلم عن تراثه الفكري وخلفيته الحضارية اقتطاعاً كاملاً، وتمسخ هويته الإسلاميّة المستقلة، وتلقي به في أذرع أخطبوط التغريب أو ما يعبر عنه أحياناً بـ «التحديث» أو «العصرنة» في شكلها السلبي الذي يسلب عن «المتغرب» كل شكل من أشكال الإرادة الذاتية والقدرة على اتخاذ أي قرار أصيل. ولا تنتهي العملية عند هذا الحدّ، بل إنها تقوم أيضاً على تعبئة بعض ضحايا تلك المؤامرة الفكرية وتجنيدها لمواجهة الفكر الإسلامي والثقافة الربانية وزجها في معركة حضارية مع أهلها، وتحريكها بالاتجاه الذي تريده القوى المعادية متى ما

رأت ذلك مناسباً.

لقد عول الاستعمار الحديث في أسلوبه الجديد إذن على تلك الطبقة الكبيرة من المتغربين ودعاة الحداثة ووضعهم ضمن فقرات خطته الرامية إلى غزو الفكر الإسلامي لما يمتلكونه من إمكانية لتحقيق ما يصبو إليه أهمها أنهم جزء من المجتمع الإسلامي ومحسوبين عليه ولهذا نشاهد أن الاستعمار الغربي قد وضع البرامج الدقيقة لتخريج هؤلاء المتغربين وصياغة نمط تفكيرهم وسلوكهم وفق ما يريد وضمن الأسلوب الذي يوصله إلى تحقيق أهدافه. فيقول جان بول سارتر في هذا المجال «كنا نحضر لعدة أشهر عدداً من الشباب الأفارقة والآسيويين إلى أمستردام وباريس ولندن فنجول بهم ونغير ثيابهم ومظهرهم ونعلمهم

(١٩٤)

تعابير التأدب واللياقات الاجتماعية، ولغة ممسوخة نصفها لهجة محلية. باختصار كنا نفرغهم من مضمونهم الثقافي الخاص، ثم نعيدهم إلى بلادهم آنذاك لا يعدون أناساً يستطيعون الكلام عن أنفسهم، إنهم ليسوا سوى صدى لنا. ونمرر لهم شعارات الإنسانية والعدالة، فيفتحون أفواههم فيما بعد في أفريقيا أو في آسيا مشدرين ومؤكدين على أصواتنا» [١].

وبذلك أضحى دعاة الحداثة مجرد بوق للأفكار الغربية وذراع من أذرع الأخطبوط الاستعماري في غزوه الحضاري والفكري للعالم الإسلامي. ولهذا فقد «أصبحوا غير قادرين على رؤية الأنا على حقيقتها بعد أن حبس وعيهم في هذا المنظار. فهم يرون ما يراه الآخر ولا يرون مالا يريد أن يراه» [٢].

وقد بلغت تبعيتهم للغرب وذيليتهم له إلى درجة أنهم راحوا يستقون المعلومات الخاصة بالتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلاميّة، وكل ماله علاقة بالإسلام والمسلمين من الموسوعات والدراسات الاستشراقية معتبرين أن ما يقوله الغرب حولنا هو الصحيح وما نقوله نحن عن أنفسنا لا يمت إلى الحقيقة بصلة ! وهذا يمثل أسوأ حالة من حالات فقدان الثقة بالنفس. وحتى تلك الدراسات التي قام بها نفر من المتغربين حول التاريخ الإسلامي والشرقي بشكل عام لم يكن فيها هذا النفر إلا ببغاء تردد ما يردده الآخرون، وليس لهم فيها أي دور إيجابي قط فان قال المستشرقون نعم قال هؤلاء نعم وإنّ قالوا لا قالوا لا أيضاً… فيُشكلون على ما أشكل عليه المستشرقون، ويتسامحون في المواضع التي تسامحوا فيها… يكبرون ما كبروا ويصغرون ما صغروا… ويقرعون الآذان بما قرعها به الغربيون.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحدّ، بل أن الاستعمار قد تغلغل في ذهنية هؤلاء بحيث

(١٩٥)

انطلقت «الدعوات العنصرية التي تمجد العقلية الاستعمارية وتضفي عليها هالة من البطولات والأمجاد في العلم والسياسة والحرب والاجتماع والاقتصاد وان مقاومة هذه العقلية والثورة عليها ضرب من الحمق والجهل والتخلف» [١].

إن عملية الاستعمار الفكري والثقافي التي لا تزال تجري على قدم وساق، لا تتم اليوم بصخب وضوضاء كما كان الأمر بالأمس… إنها تجري في صمت وهدوء وبعيداً عن الأضواء الكاشفة كي لا تثير ولو نسبة بسيطة من ردود الفعل، مدعمة بنفس طويل وأناة وصبر وإصرار. وتبلور الأسلوب الاستعماري اليوم في غزوه الثقافي في آلاف الأقمار الاصطناعية التي طوقت العالم الإسلامي تطويقاً رهيباً وجعلته تحت رحمتها… ففضلاً عن نهوضها بمهام التوجيه والإعلام طبقاً لخطط وبرامج كومبيوترية دقيقة، نراها أيضاً تبث وعبر عشرات القنوات التلفزيونية حشداً من البرامج والأفلام التي تصب آخر المطاف في الهدف الغربي الرامي إلى مسخ الهوية الإسلاميّة وحتى البرامج التلفزيونية التي تبثها تلفزيونات البلدان الإسلاميّة إنّما هي - في الحقيقة - استنساخ لما يعرض في قنوات التلفزيون الغربي من أفلام بعيدة كل البعد عن ثقافتنا وعقيدتنا… بل إن الغرب يسعى من خلال إهداء أفلامه وبرامجه أو بيعها بسعر بخس إلى مهاجمة ثقافتنا الإسلاميّة وزرع ثقافته بدلاً منها، ليشتري في الدرجة الأولى أطفالنا الذين يقضون الساعات الطوال أمام تلك الأفلام والبرامج المضللة.

ويمكن أن نستشعر عمق الغزو الاستعماري والهجمة الثقافية حينما نعلم أن العالم - ومن بينه العالم الإسلامي - قد وقع فريسة لأربع وكالات أنباء غربية هي: اسوشيتدبريس ويونايتدبرس الأمريكيتان ورويتر البريطانية ووكالة الأنباء الفرنسية. فرغم وجود ما يزيد عن ١٥٠ وكالة أنباء عالمية، إلاّ أن هذه الوكالات الأربع تتحكم في ٩٠% من (١٩٦)

الأخبار والتحاليل والتعليقات الخبرية العالمية التي تتلاعب بها كيف تشاء وتصوغها وفقاً للأهداف الاستعمارية والصهيونية» [١].

هذا فضلاً عن كافة الوسائل الأخرى التي اعتمدها الغزو الثقافي والاستعمار الفكري والتي لاعدّ لها ولا حصر كأفلام الفيديو، ومجلات الجنس والأزياء، وأسطوانات الموسيقى الغربية الصاخبة وغيرها الكثير الكثير، بل وحتى لعب الأطفال التي تعبر عن فكرة غربية.

إن أجراس الخطر تقرع اليوم وأكثر من أي وقت مضى… فالاستعمار الغربي الجديد لا يريد للعالم الإسلامي أن يقف على قدميه أو تتجسد هويته الحضارية… لأن من شأن ذلك أن يتيح له الوصول إلى مرحلة الإشعاع الفكري التي سبق للإسلام أن وصل إليها في يوم ما، وهذه المرحلة - كما قلنا - تشكل خطراً حقيقياً على الغرب وبرامجه وأهدافه، لأنه لن يكون آنذاك قادراً على مجابهة ذلك الخطر وبعبارة أخرى إن ما يملكه الغرب من رصيد ثقافي وفكري سقيم سيتبدد أمام ذلك الفيض الإشعاعي الإسلامي.

إن الاستعمار الغربي يريد للعالم الإسلامي من خلال الغزو الثقافي أن يعيش حالة الارتباط بالغرب والتبعية له في كل شيء. فمن خلال هذه الحالة يمكنه أن يحقق كافة ما يطمح إليه… ومن خلال هذا الارتباط يبقى عالمنا الإسلامي فقيراً مادياً وثقافياً، محتاجاً إليهم في كل صغيرة وكبيرة، خاضعاًُ لهم خضوعاً أعمى… يحركونه كيفما يشاؤون، ويوجهونه حيثما يريدون يرسمون له قدره ومصيره وحاضرة والمستقبل. لذا لابد من التفكير بجد ومسؤولية وعلى أعلى المستويات لإنقاذ ثقافتنا الإسلاميّة قبل أن تبتلع بشكل نهائي من قبل الحوت الاستعماري الكبير.



[ Web design by Abadis ]