ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مقدمة فكرية لحركة المشروطة \ الدكتور علي أكبر ولايتي

الجذور الفكرية لحركة المشروطة

حدثت حرب هرات، وفتح قائد الجيش الإيراني حسام السلطنة هذه المدينة، ولكن أقساماً من جنوب إيران سقطت بيد الجيش البريطاني على أثر دسائس الإنجليز وخيانة الطابور الخامس انظر إلى النص التالي:

(١٤٣)

«فيلكس جونز ممثل حكومة بريطانيا الكبرى المقيم في الخليج الفارسي كتب في تقرير له برقم ٧ وتاريخ ١٣ نوفمبر ١٨٥٦ إلى اللجنة السرية في لندن يقول: عن طريق شخص اسمه علي شاه يعمل لحساب بريطانيا ويقيم في شيراز، قابلت الأمير حاكم فارس.

١ - أعرب الأمير عن اهتمامه الشخصي بدولة بريطانيا.

٢ - نقلت نفس هذا الموضوع المهم إلى حاكم بمباي.

٣ - أمير منطقة فارس التقى بي في جلسة خاصة، وأطلعني على معلومات قيمة مفيدة.

وقال لي: انتخبوني من أجل أن أحل السلام بين إيران وبريطانيا… جدير بالذكر أن هذا الأمير هو حفيد فتح على شاه…» [١].

هذا الحاكم الأمير - بدل أن يدافع عن سيادة منطقته أمام هجوم الأعداء - يرضخ لهذه الخيانة بكل سهولة علما أن سواحل الخليج الفارسي: المحمرة (خرم شهر) وأهواز وخارك تسقط بيد جلاوزة شركة الهند الشرقية، ثم تعقد معاهدة باريس الخيانية، بوساطة من فرنسا، بين إيران وبريطانيا ومثل إيران في هذه المعاهدة «فرخ خان أمير الملك كاشي» ومترجمه بل ومشاورة الميرزا ملكم خان [٢].

استنادا إلى الفصول ٥و٦و٧ من هذه المعاهدة، تتعهد الحكومة الإيرانية أن تسحب كل قواتها من هرات وكل أرض أفغانستان، وأن تسحب كل ادعاء لها بمد سلطانها على هرات وأفغانستان، وأن تتجنب كل تدخل في شؤون أفغانستان الداخلية، وأن تعترف باستقلال أفغانستان، وأن تبتعد عن كل ما يمس استقلال هذا البلد. (١٤٤)

في سنة ١٢٨١ هـ. ق «السير فردريك جولد سميث» الذي وُظّف لتأسيس خط التلغراف في جنوب إيران، فصل عن إيران أقساماً من سيستان وبلوشستان، وحصل بالتدريج على امتيازات في إيران.

من أجل الحصول على امتيازات بريطانية في إيران، لم تكن بريطانيا - على الظاهر - طرفا مباشرا مع حكومة إيران، بل إن ذلك كان يتم عن طريق رجال أعمال بريطانيين وشركات تجارية بريطانية، بتوجيه ودعم من حكومة بريطانيا، وأحيانا بتهديد من هذه الحكومة، أو بإنفاق بضع ليرات ذهبية للخونة والغافلين… وبهذه الطريقة كانوا يحصلون باستمرار على امتيازات، وتنتشر أخبارها في العالم، فتثير دهشته الرأي العام العالمي.

منذ أوائل العهد القاجاري، وبطرق مختلفة ملتوية، وذرائع شتى، توغلوا في معظم الجزر الهامة في الخليج الفارسي وسواحل إيران الجنوبية، بمعاهدة تارة واتفاقية تارة، وبالتهديد والقوة تارة أخرى.

في سنة ١٢٣٦ هـ. ق أسسوا في جزيرة قشم معسكرا باسم مكافحة القرصنة البحرية، وبسطوا نفوذهم على شيوخ تلك النواحي التي كانت تابعة لإيران مثل: عمان والبحرين ومسقط والكويت، ودخلوا في اتفاقيات مع آخرين مثل شيخ المحمرة (خرم شهر حاليا) لتأسيس حكومات نصف مستقلة عميلة، كي يضمنوا سيادتهم البحرية في الخليج الفارسي، ويدفعوا ما قد يشكل خطرا على الهند، وليستفزوا بين آونة وأخرى حكومة إيران ويثيروا الأتعاب بوجهها [١].

الهدف من ذكر هذه الوقائع والمعاهدات والحروب والهزائم، إلقاء الضوء على الوضع

__________________________________

[١] - بينا، مصدر سابق: ١٧٧.

(١٤٥)

الاجتماعي - السياسي - العسكري في إيران آنئذ، لنستبين عوامل مصائب الأمة، ونكتشف الجذور الفكرية لحركة المشروطة، ولنعرف الذين رفعوا عقيرتهم لأول مرة مطالبين بالمشروطة، ونفهم كيف قامت هذه النهضة، وما هي الانحرافات التي واجهتها، وما هي طبيعة هذه الانحرافات.

«… بين مفكري المشروطة يحتل عبد الرحيم طالب أوف مكانة هامة، ولد سنة ١٢٥٠ هـ ق في تبريز. وفي السادس عشرة أو السابعة عشرة ذهب إلى تفليس واشتغل بالتجارة وبعد بضع سنين جمع ثروة يعتد بها وهناك تعلم اللغة الروسية جيدا وتعرف على آثار المفكرين الروس والفرنسيين. وبعد سنين من الإقامة في تفليس ذهب إلى - تمرخان شوره - مركز داغستان، وأقام فيها حتّى آخر عمره أي حتّى سنة ١٣٢٩ هـ. ق…» [١].

كانت له مؤلفات في الحقول السياسية - الاجتماعية، وكان يكتب من المناطق المحتلة (من موضع رفاه كامل) وَصفاتٍ علاجية لإيران، ولنعرف مقدار معلوماته عن إيران (وطنه غير المألوف إليه)، لا بأس أن نلقى نظرة على كتاباته من خلال ما نقله السيد فشاهي:

«…. لا استعرض كل ما جاء في كتاب - مسالك المحسنين - بل أشير فقط إلى أن طالب أوف عرض في هذا الكتاب قصة خيالية ضمنها مشاكل الناس في إيران، لكنه ما كان ناجحا في عرض هذه المشاكل لأسباب أولها أنّه كان قد غادر إيران منذ صباه، ومعلوماته آنئذ لم تكن مكتملة عن إيران… معلومات الكاتب ناقصة حتّى عن جغرافية إيران، فهو يتصور أن السفوح الجنوبية لسلسلة جبال البرز خضراء مغطاة بالأشجار مثل سفوحها الشمالية…» [٢].

__________________________________

١ - فشاهي، مصدر سابق: ٣٩٠.

٢ - نفس المصدر ٣٩٠، وأنظر أيضاً: كسروي، مصدر سابق: ٦٢.

(١٤٦)

من الأنصاف أن نقول: إنه كان يرغب من كل أعماقه في إصلاح أوضاع الأمة في إيران رغم أن وصفاته لم تكن مجدية. وتبدو هذه الرغبة الشديدة جلية في النص التالي الذي يتحدث عن طالب أوف:

«… الكاتب (طالب أوف) في حواره الخيالي مع المجتهدين يعترف بأحكام الإسلام، لكنه يقترح أيضاً أمورا حديثة مثل: نظام الجندية الإجباري، ومدّ سكك الحديد وإصلاح الخط واللغة وتغيير الحروف الهجائية… وحول الوضع السياسي يكتب قائلا: لو كانت هذه الوزارات تقليد للغربيين فأي بلد أوروبي وزيره أمي؟ ! أي بلد فيه وزير بالاسم دونما إدارة؟ ! لماذا الاسم بدون مسمى؟ وأين تجد مثل هذا الوضع؟ وزير العدل مثلا شخص لا يعترف أصلا بوجود علم الحقوق. يجلس في عمارة فخمة مع المساعدين والموظفين ليقضي بين الناس فيما اختلفوا فيه لو كانت الأحكام في هذه الدائرة تصدر على أساس الشرع، فإن أصحاب الشرع منتشرون في جميع الأزقة يعرضون متاعهم ويبحثون عن زبون لعلمهم.

ولو كان الحكم يصدر استناداً إلى قانون مدني، فأين مدرسة تعليم القانون في بلادنا؟ وأين هي مصادر قوانيننا الحقوقية؟ وإن لم يك ثمة شرع ولا قانون، فأساس العدل مايرتأيه الوزير وما يتخيله في كل أنحاء إيران من الشرطي ابتداء وحتى الحاكم، الجميع يحكمون وفق رغباتهم وميولهم الشخصية كلهم آمرون وحاكمون… أي قاموس يسمى جهاز الظلم والاستبداد عدلاً؟ !» [١].

لو أمعنا النظر في النص التالي المنقول عن كتاب: مسائل الحياة لطالب أوف لرأينا أن الرجل يتألم من التخلف الصناعي والعلمي للإيرانيين، ويبحث عن العلاج، لكنه ينطلق في

__________________________________

١ - فشاهي، مصدر سابق ٣٩٢.

(١٤٧)

تقديم العلاج من تأثر بالهزيمة أمام الغرب ومن فرار من الذات والهوية يقول:

«… سألت من الأقا رضا (نموذج لعالم دين مؤيد للتغرب) وهو رجل فاضل وشاعر، هل من جديد؟ قال: عندكم جامع المعقول والمنقول، فما الجديد عندي؟ قلت: لم هذا التواضع وكسر النفس؟ عندك ١٠ آلاف كتاب كنز معلوماتك يكفي لاثراء عشرة علماء قال: لا، أبدا، ما عندي أنا وأمثالي إنّما هو ألسنة الأموات، أو معلومات سقطت عن حيز الانتفاع، وأصبحت جزء من الأساطير ما يعلمه أحمد آقا (نموذج للتقدميين) ينفعه وينفع الآخرين. كل العالم بحاجة إلى هذه المعلومات.

ما نعلمه نحن يجب أن نكتبه على ورقه من صنع أمة أخرى، وأن نقرأه بنظارة من صنع الغرب.

معلوماتنا كانت كافية حين لم تتسع احتياجات الناس كما اتسعت اليوم، وما كان من المتصور أن تزداد علاقات الشعوب إلى الدرجة التي هي عليه اليوم لكن أحمد يستطيع أن يصنع من ترابنا أواني خزفية، ويصنع من صخورنا بلورا، ومن رمال صحارينا زجاجا، ومن قطن بلدنا وصوفه قماشا نصنع منه عمامة ورداء، ومن النفط الأسود مواد مأكولة ومواد محترقة يستطيع أن يخترق الأرض ويستخرج من باطنها ما أودعته الطبيعة في سرتها من ثروات تزيد الثروة العامة ماذا أقول؟ أنا منفعل من معلوماتي ما أعلمه هو أني لا أعلم شيئاً» [١].

بعد حديث آقا رضا تصدى له آقا عبدالله (في دور الرجعي المعارض للتقدم

__________________________________

١ - عبد الرحيم ابن الشيخ أبو طالب، مسائل الحياة (فارسي): ٤٩، تفليس، مطبعة غيرت، ١٣٢٤ هـ. ق.

(١٤٨)

والإصلاح) ورد عليه [١]، ثم تدخل أحمد وقال: «… اعلم أولا أن الحرب بين أبناء البشر أمر طبيعي، لا اصطناعي… الحروب وسفك الدماء في هذا العصر لا يمكن مقارنتها بالعهود السابقة كان الجرحى في الحروب السابقة يداسون تحت سنابك الخيل، ويصفون الأسرى فيقطعون رؤوسهم، وحين يدخلون البلاد المفتوحة كانوا يذبحون أهلها ويهدمون دورها.

أما الآن فتسير خلف المحاربين مجموعات من الأطباء والممرضات من النساء المسميات بالأخوات العطوفات، وتسير هذه المجموعات مع المقاتلين بأدوات الجراحة وأكواز الماء وأحمال الأدوية، والسديات اللولبية لحمل الجرحى ويضمدون المصابين تحت وابل الرصاص… ولو كان المغلوبون عطشى أو جوعى يعاملونهم كضيوف أعزاء، فيطعمونهم ويسقونهم وبعد ذلك يطلقون سراحهم مسلحين أو منزوعي السلاح حسب ما يعقد من معاهدات أو يراسلونهم إلى معسكرات الأسر، فيتعلمون هناك الصناعة والحرف، أو يمتهنون التدريس…».

جذور التغرب لدى طلائع الفكر

حول الحرية وارتباطها بالإسلام انظروا إلى آراء طالب أوف: «… حكيم آخر يقول: من يستهدف إلى أن يموت فقد استهدف الحرية. من كان ينشد الحرية فلا يخشى الموت، أي لا يرضخ لأحكام الاستبداد وسلب الحقوق من هنا كان شهداء كل أمة أحياء دائما وأيام ولادتهم ووفاتهم أيام مباركة ذلك لأنهم ضحوا بأنفسهم من أجل صيانة الحقوق والحرية،

__________________________________

١ - يظهر من رد أحمد أن آقا عبد الله أثار مسألة الحروب الطاحنة التي يشهدها العالم الغربي المتطور (المترجم).

(١٤٩)

وعدم الرضوخ للمستبدين، فأصبحوا أحياء خالدين شهداء الجهاد في سبيل الله هم بمعنى آخر ينالون حياة خالدة واحتراما خاصا، فهم في حياتهم قد أدوا مسؤوليتهم على أكمل وجه في مساعدة بني نوعهم، وإضاءة طريق الحرية وحفظ الوجود لهم، وبعد وفاتهم سجلوا في صفحات التاريخ للأجيال دروس التشجيع على تحقيق تلكم الأهداف. ومهما كانت آثارهم الحميدة نافذة في الأجيال اللاحقة كان اسمهم حيا في النفوس.

ليست الحرية مثل سائر أقوالنا وأفعالنا مقدمة لشيء آخر، ليست مثل المشي لطي المسافة، والقراءة للحصول على معلومات، والأكل للتقوية، والقول لايصال المقصود، والعبادة للتقرب إلى الله، والأدب لكسب المحبة، والكفاية لتحقيق الأهداف والشجاعة لغلبة العدو، والعدل لبسط السعادة والبركة و… ليست الحرية مقدمة لشيء آخر، الحرية من أجل الحرية. فالحرية مقدمة بدون نتيجة، أو نتيجة بدون مقدمة. انها من الألفاظ المجردة. يقال إن الحياة من الألفاظ المجردة، لان الحياة هدفها الحياة لا غير لكن الحياة في اعتقادنا مقدمة للموت أما الحرية فهي للحياة والممات على السواء، سواء في عالم الذر (أي عالم الذرات) حيث الذرات مطلقة غير مقيدة بشروط وتكاليف، أو في عالم اتصال الذرات حيث الخضوع لقوانين اتصال الذرات وتكاليف المدنية أي الشرع والعرف…» [١].

طالب أوف من طلائع الليبرالية والمشروطة في بلادنا، وفكره كما يلاحظ من النصوص السابقة يتجه إلى «إصلاح إسلامي» على الطريقة الغربية وتظهر فيه بوضوح آثار الهزيمة تجاه العلوم الطبيعية وتجاه الحياة الأوربية لو بحثنا عن جذور «الالتقاط» في تاريخ إيران المعاصر، لوجدنا في أفكار طالب أوف شيئاً كثيراً يساعدنا على تقصي تلك الجذور.

__________________________________

١ - عبد الرحيم… مصدر سابق ٩٤ - ٩٦.

(١٥٠)

إنه دون شك متأثر بالليبرالية، وبحركة الإصلاح الديني الأوربية، ونعلم أن حركة الإصلاح الديني في أوربا استهدفت التحرر من أغلال الكنيسة وتعسفها، ثم أعقب ذلك حدوث الثورة الصناعية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. ديكارت واسبينوزا كانا من المنادين بأصالة العقل، وتبع ذلك الدعوة إلى حرية الفكر وحرية العقيدة، وهاجم ميلتن جهاز تفتيش العقائد، وكل ذلك أدى إلى ظهور الحركة الفكرية الكبرى في القرن الثامن عشر الميلادي في أوربا وأمريكا وكان من رموز هذه الحركة الفكرية الكبرى في القرن الثامن عشر الميلادي في أوربا وأمريكا وكان من رموز هذه الحركة فولتير، وروسو وديدرو، ومونتيسكيو، وكوندروسي، في فرانسا، وكانت، وغوته، وليسينغ، في المانيا وهيوم، ولاك، وآدم سميث في بريطانيا، وجفرسن، وفرانكلين في أمريكا [١]. هؤلاء المفكرون والفلاسفة ثاروا ضد الاقطاع والاستبداد وقدرة الطبقة الارستقراطية والكنيسة ورجال الدين وهذه الحركة اتحدت مع الطبقة المتوسطة النامية في مجتمعات اوربا الغربية وقامت بالثورات السياسية في بريطانيا وأمريكا وفرنسا. اتحاد الحركة الفكرية الإصلاحية والطبقة المتوسطة أوجد الليبرالية بأصولها وأفكارها الأساسية.

النواة الأصلية لليبرالية هي الحرية، وأساسها الحرية الفردية. فالفرد حر في التفكير والعقيدة وحق انتخاب الحرفة وحق إنجاز المعاملات والاشتراك في الحكومة عن طريق انتخاب الحاكم، ويعتقد الليبراليون أن هذه الحقوق ناشئة عن «الطبيعة» والحكومات مكلفة بحمايتها وكما أن عالم الطبيعة يقوم على أساس قوانين الطبيعة كذلك نظام المجتمع وحقوق الأفراد يجب أن تقوم على أساس قوانين الطبيعة ! ولما كانت قوانين الطبيعة واحد في الظروف المتشابهة، فإن الحقوق الناشئة عنها للأفراد واحد أيضاً في كل مكان وهذا

__________________________________

١ - مصاحب، مصدر سابق - ٢٥٤٢.

(١٥١)

يعني رفض الطبقية والامتيازات الطبقية وتساوي الجميع أمام الله والطبيعة ويستلزم ذلك رفض كل الامتيازات والاختلافات الدينية.

من هنا فإن معيار صحة المؤسسات الاجتماعية ليس هو الدين، بل مقدار ما تحققه من سعادة الأفراد وراحتهم، وبموجب هذه النظرة تترك التقاليد والعادات والرسوم القديمة مكانها للسعي من أجل رفاه الإنسان، أو بعبارة أخرى لتقدم المجتمع وتطوره. رفض التقاليد والمؤسسات القديمة نتيجة طبيعية للإيمان بالحقوق الناشئة عن القوانين الطبيعية، لأن الطبيعة خيّرة، والمؤسسات غير الطبيعية تدفع بالمجتمع تدريجيا نحو الانحراف والشر، ومن هنا فان النظام الطبقي والامتيازات الارستقراطية التي هي جميعا وليدة التقاليد القديمة، شر وعائق للإنسان على طرق سعادته، من هنا لابد من قطع يد «الماضي» عن المجتمع، وترك الطبيعة لحالها كي تسير الأمور نحو الأفضل.

الليبرالية متفائلة وتعتقد أن طبيعة الإنسان خيّرة، لكن هذا الإنسان يحمل الحرص والشهوة وحبّ الجاه والسلطة. ولابد من العمل على أن لا تفرض الأكثرية سلطتها على الأقلية. من هنا لابد من فصل السلطة التقنينية عن السلطة التنفيذية، وفصل السلطة القضائية عن كلا السلطتين، ليتم التعادل والتوازن بين السلطات [١].

طالب أوف - باعتباره مهاجرا إيرانيا مقيماً في القفقاس - تحدُث في ذهنه عادة مقارنة بين الأوضاع في إيران وروسيا، ومن الطبيعي أن يحس بالألم تجاه تخلف الشعب الإيراني ولذلك راح يفكر في العلاج ويكتب وصفة الدواء.

كان القفقاس يومئذ يموج بالأفكار المختلفة والمدارس الفكرية المتباينة، ومن هنا نرى في

__________________________________

١ - مصاحب، مصدر سابق: ٢٥٤١.

(١٥٢)

أفكار طالب أوف نوعا من التشتت، لكن الليبرالية اكثر تأثيرا عليه فهو يرفض القديم ويعتبره السنة الأموات [١]. ويعرّض بعلماء الدين وعلومهم، وفي ذلك يجعل نفسه مكان مارتن لوثر كينگ ويقلد أصحاب الإصلاح الديني الأوربيين. كما نشاهد في موضع آخر انبهاره بالاومانية الغربية، حين يتحدث عن قوانين الحرب في عالمنا المعاصر ويقارنها بحروب الأزمان السالفة ويشير إلى قوانين معاهدة جنيف في التعامل مع أسرى الحرب ويلاحظ أنّه يستعمل كلمة الأخوات الحنونات للممرضات، وهي ترجمة لكلمة «Sister» الإنجليزية، وهكذا في كل عبارات طالب أوف نشاهد هذا الانبهار بالغرب. لقد خلب بريق الغرب أنظارهم تماما مثل شخص يتعرض فجأة لنور قوي، فيُخلب بصره، ويرى كل شيء حوله ظلاما لفترة معينة، ثم يحس بأن بريقا كاذبا يسطع في عينيه باستمرار حتّى ولو أغمض عينيه. وهكذا شأن رهط «منوّري الأفكار» في إيران، خلبهم ما رأوه وما سمعوه وما أوحى إليهم الشياطين، فتأثروا وشُُغفوا وراحوا يصفون العلاج لشعوب الشرق متمثلاً في تكرر تجربة الغرب.

مأساة الانبهار

إحدى مآسينا الكبرى في القرن الأخير تتمثل في انبهار طلائع الحركة الفكرية في شرقنا الإسلامي بالغرب، لا نبالغ إذا قلنا أن أساس الاستعمار الجديد «Neocolonialism» في بلدان العالم الثالث يتمثل في هذا الانبهار الذي خلب الألباب والعقول. الفكر الليبرالي والهيوماني والاشتراكي والشيوعي ظهر في الغرب نتيجة ظروف اقتصادية واجتماعية

__________________________________

١ - انظر: جواب آقا رضا المذكور في حوار: مسائل الحياة.

(١٥٣)

وسياسية خاصة بالمجتمعات الأوربية والأمريكية، وهذه الأفكار منسجمة تماما مع أرضية تلك البلدان بملابساتها الخاصة. ولكن حين تنقل هذه الأفكار لتقحم في مجتمعات ذات هوية قومية وفكرية ونفسية وجغرافية وتاريخية مختلفة كل الاختلاف عن هوية المجتمعات الغربية، فإن ذلك لا يعني سوى المسخ الثقافي، وتزلزل أسس هذه المجتمعات، هذه الوصفات العلاجية المترجمة من الغرب تذكرني بما رواه لي أحد أقاربي فقد ولد له قبل ستين عاما طفل أصيب برمد في العين ولم يكن في قريتنا «رستم آباد» طبيب فأخذوه إلى الطبيب الوحيد الموجود في «تجريش» آنئذ، وكتب له هذا الطبيب وصفة تتضمن قطرة من المحتمل أن تكون من قبيل «السلفاميد» التي بدأت تشيع يومئذ، وبعد ذلك كان كل من يشعر بألم في عينيه يأتي إلى بيت هذا الرجل ويأخذ منه الوصفة للاستفادة منها… حتّى تمزقت هذه الوصفة من كثرة الاستعمال، وألصقوها بالشريط اللاصق، يظهر أن المقلدين لا يؤمنون بوجود ارتباط بين الأمور ما إن سمعوا بوصفة لعين مصابة حتّى راحوا يقلدونها، دون تفريق بين نوع مرض العين وخصائصه المميزة.

وكان للمستشرقين دورهام في نشر روح التقليد هذه، وفي تقديم الوصفة قبل أن يطلبها الشرقيون منهم.

يلاحظ من أفكار طالب أوف أنّه يركز على محور ركز عليه كل المهزومين أمام مادية الغرب، وهو إفراغ الإسلام من محتواه الغيبي، ويحاول تفسير كل تشريعاته تفسيراً فيزيائياً محسوساً.

لقد كانت مساعي هؤلاء «المصلحين» تتجه دائما إلى جر الإسلام نحو ما بهرهم من فكر وخلب أنظارهم من تيار إن استولى على أدمغتهم التيار الليبرالي والحرية الفردية، يهتمون

(١٥٤)

بتفسير القرآن والسنة لتنطبق مع هذا التيار، وإن بهرتهم الماركسية يعكفون على وضع نصوص الدين في قوالب المادية التاريخية… وهكذا تراهم أحيانا يعربون عن حرصهم على بقاء الدين بمثل هذه الأعمال الالتقاطية حتّى كأن خلود الإسلام يتمثل في تحوله المستمر وفق مشتهيات أصحاب المدارس الفكرية المختلفة!!

أمعن النظر في أقوال طالب أوف بشأن الشهادة والشهيد، تراه يسلب من عملية الاستشهاد طابع العمل في سبيل إعلاء كلمة الله ومحاربة أعداء الله، ويجعلها عملية نضال اجتماعي سياسي كنضال أصحاب المدارس الفكرية المادية الأخرى لا أكثر ولا أقل، وخلودهم ليس بسبب ما وفره الله لهم من كرامة، بل بسبب جسيم الأعمال الحميدة التي أدوها للأجيال.

وأنظر إلى حديثه عن عالم الذر، وهو العالم الذي تشير إليه الآية الكريمة: «وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين» [١].

فيفسره بأنه عالم «الذرات»، وهو تفسير ينم عن هذه الهزيمة أمام المكتشفات العلمية والمادية والفيزيائية [٢].

__________________________________

١ - الأعراف: ١٧١.

٢ - مثل هذه التفسيرات الفيزيائية والمادية لآيات الذكر الحكيم، أو لأحداث الدعوة الإسلاميّة شاعت في العالم العربي أيضاً خلال فترة معينة، وطالت شخصيات إسلامية كبيرة من أمثال محمد عبده، انظر تفسير جزء عم - سورة الفيل للشيخ محمد عبده. (المترجم)

(١٥٥)

ميرزا ملكم خان وإرهاصات المشروطة

يحتل ميرزا ملكم خان مكانة هامة في أحداث تاريخ الحركة التقدمية والإصلاحية قبل المشروطة وفي عمليات التمهيد الفكري للمشروطة، ويندر أن نجد شخصا يرقى إلى مستوى نشاطه في نقل مفاهيم الهيومانية والديمقراطية والبرلمانتارية إلى مجتمعنا. وكان إلى هذا من اكثر الشخصيات السياسية إثارة للجدل في القرن الأخير والآراء بشأنه متناقضة جدا، بعضها أوصلته إلى أعلى عليين، وبعضها أنزلته إلى أسفل سافلين «ظِلُّ السلطان» حاكم أصفهان يكتب حوله قائلاً:

«… هذا الشخص من نجباء إيران. عائلة ملكم مشهورة في إيران ومعروفة كان الفيلسوف الأول، والمعلم الأول، انه - دون مبالغة - مثل أرسطو وأفلاطون بل إنه يفوقهما بالفين أو ثلاثة آلاف سنة من المعلومات التي ظهرت بعد عصرهما ذو كمال فائق، وذو قدرة على عدة لغات أجنبية، كان أستاذا في الفرنسية والإنجليزية وغيرهما قلما يبلغه أحد في قوة قلمه وقوة عسكريته، وإذا بلغه فلا يفوق عليه…. » [١].

ويقول محمد حسن اعتماد السلطنة عنه:

«ملكم عالم بدون عمل، وزنبور بدون عسل، ومتصف بصفات الرذيلة. لا يمكن إنكار قدرته البولتيكية حين لا يكون له غرض ومرض فهو ناصح جيد، وموجّه ماهر، ولكن حين تكون ثمة مصالح شخصية، أو تلوح في الأفق مصلحة، فإن علمه يتلاشى كعمله…» [٢]. ولما كان كثير من المسؤولين ودعاة التقدمية والإصلاح والديمقراطية على ارتباط

__________________________________

١ - ملكم خان، مجموعة آثار (بالفارسية)، طهران، دانش، ١٣٢٧ (مقدمة محمد محيط طباطبائي).

٢ - نفس المصدر (المقدمة).

(١٥٦)

مباشر أو غير مباشر بالميرزا ملكم خان، وأن اسمه مدرج في عدد من الاتفاقيات المثيرة المخزية في العصر القاجاري وخاصة في عصر ناصر الدين شاه، فانه من الضروري أن نقف عند ترجمته ومؤلفاته.

«ملكم ابن يعقوب الأصفهاني ولد سنة ١٢٤٩ هـ. ق في مدينة جلفا موطن الأرمن جوار نهر زاينده (زاينده رود). ميرزا يعقوب سافر في شبابه إلى خارج إيران وتعلم اللغتين الروسية والفرنسية، وتعرف قليلا على أوضاع العالم الجديدة».

يبدو أن ميرزا يعقوب ترك دين آبائه واعتنق الإسلام وأرسل ابنه ملكم منذ صغره إلى أوربا للدراسة فأنهى الدراسة الابتدائية والثانوية في إحدى مدارس الارمن بفرنسا ثم التحق بمعهد التكنولوجيا في باريس.

… ميرزا آقا خان استخدم ملكم في دار الفنون مترجما لدروس الأساتذة الأوربيين ولتدريس الجغرافيا والعلوم التمهيدية.

… ميرزا ملكم خان تعرف على العلوم الطبيعية في فرنسا، وعرض لأول مرة في طهران بعض الأدوات الفيزيائية، منها أنّه قام لأول مرة بتجربة مد خط تلغراف بين مدرسة دار الفنون وقصر الشاه، واعتبر لذلك أول ناقل للتلغراف من أوربا إلى إيران.

هذه التجارب المستمدة من الخواص الفيزياوية والكيمياوية للمواد، كان يجربها ملكم داخل المدرسة وخارجها، وكانت بالنسبة لأهل ذلك الزمان جديدة وغريبة، ولم يكن يعرف أحد عللها وأسابها كما ينبغي ولذلك كانت توحي إلى الأذهان الساذجة بأنها من الخوارق ومن أعمال السحر والشعوذة…» [١].

__________________________________

١ - فشاهي، مصدر سابق: ٤٣٩ وهذا يذكرنا بما كتبه الجبرتي عن مثل هذه الظواهر إبان حملة نابليون على مصر (المترجم).

(١٥٧)

«في قضية إيفاد فرخ خان أمين الملك إلى باريس لعقد اتفاقية السلام مع باريس، كان الميرزا ملكم خان مترجما ومستشاراً مرافقاً للوفد، وأبدى لياقة وكفاءة ملفتة للأنظار، ونال درجة من الترفيع.

بعد عودته من باريس نظم رسالة تحت عنوان: كتيّب الغيب، وقدّم فيه مقترحات لإصلاح الأمور، عرض فيه أصولا وقواعد لما كان يسمى في الدولة العثمانية باسم «التنظيمات»، وأرسله إلى ناصر الدين شاه عن طريق جعفر خان مشير الدولة» [١].

يجدر أن نسمي الميرزا ملكم خان أبا الماسونية في إيران فهو أول من أسس محفلاً ماسونياً في إيران بين السنوات ١٢٧٦ و١٢٧٧ هـ ق. ولم يكن له طبعاً ارتباط بالمحافل الماسونية البريطانية والفرنسية. بعد فترة قصيرة أساء الشاه الظن بهذا النشاط، فصدر بيان حكومي نشر في الصحيفة الرسمية يهدد كل من تسول له نفسه أن يتحدث عن مثل هذه المحافل «الدنيئة» ونفي ملكم عقب ذلك إلى بغداد، وفي بغداد رفُع عنه تقرير إلى الباب العالي العثماني يقول: «هذا الشخص رجل مفسد، ووجوده في عراق العرب يؤدي إلى الإخلال بالأمن» فاضطر إلى أن يلجأ إلى الميرزا حسين خان مشير الدولة سفير إيران لدى اسلامبول.

وهذا الأخير توسط لدى الشاه فعفا عنه وعينه مستشاراً للسفارة في اسلامبول… بعد مدة أقدم «ميرزا سعيد خان مؤتمن الملك» وزير الخارجية، الذي لم تكن علاقاته حسنة بملكم خان، إلى قطع مرتبة الشهري، وضيق عليه، فاستقال ملكم خان من خدمة الحكومة الإيرانية، وتقدم بطلب وظيفة في البلاط العثماني، فوظفه «عالي باشا». توسط ميرزا حسين

__________________________________

١ - آدميت، مصدر سابق: ٩٧.

(١٥٨)

خان مشير الدولة ثانية وأعاده إلى منصبه السابق، وبقي حتّى سنة ١٢٧٧ هـ، حين أصبح ميرزا حسين خان رئيسا للوزراء في إيران، فاستدعى ملكم وعينّه مستشاراً لرئاسة الوزراء، ومنحه لقب «ناظم الملك»، ومنذ ذلك الوقت علا كعبه في البلاد [١].

في سنة ١٢٩٠ حين رتب ميرزا حسين خان رئيس الوزراء زيارة ناصر الدين شاه إلى أوربا، كان قد أرسل قبل ذلك ملكم إلى لندن بسمة وزير مختار، ليعد مقدمات هذه الزيارة. في سنة ١٢٩٥، بسبب ما أبداه ملكم من حنكة في قضية الاختلاف بين إيران والدولة العثمانية، وما فعله في كسب دعم «بسماوك» رئيس وزراء المانيا لاسترداد منطقة «قطور» من العثمانيين، نال تقديرا، وارتقى إلى منصب سفير كبير، ومنح لقب «پرنس»، ولقب سنة ١٢٩٩ «ناظم الدولة».

ملكم تولى سفارة إيران في لندن خلال الأعوام من ١٢٩٠ إلى ١٣٠٦ حيث كانت واقعة منح امتياز «لا تاري».

وبعدها عزل من كل مناصبه وألقابه الحكومية، واستدعي للمحكمة في بريطانيا في قضية اختلاس. وحين كان عاطلا عن العمل كتب عدة رسائل يلتمس فيها البلاط أن يعاد إلى منصبه وحين يئس من العودة ثار ضد البلاط، وأصدر صحيفة «قانون» ولم يأل على صفحاتها جهدا في ذم حكومة إيران والحديث عن فساد وزراء ناصر الدين شاه. بقي معزولاً مدة ١٠ سنوات أمضاها في أوربا وفي سنة ١٣١٦ عين على عهد مظفر الدين شاه سفيراً كبيراً لإيران في روما. وتولى هذا المنصب مدة ١٠ سنوات وفي سنة ١٣٢٦ أي بعد سنتين من قيام المشروطة توفي في السويس وهو في الثانية والسبعين من عمره.

__________________________________

١ - فشاهي، مصدر سابق ٤٤١.

(١٥٩)

خان ملك ساساني الذي كان من المشاركين في مراسيم دفن ملكم يقول: «حسب وصيته نقل إلى مدينة بيرن حيث جهاز حرق الأموات، ووضع رماد جسده في جرة لتسليمه إلى الورثة. وبنات ملكم اللائي كن يعملن ممرضات في مستشفيات بريطانيا هُرعن إلى مدينة لوزان حين سمعن بوفاة والدهن. وكان ملكم قد سلم بناته الوثائق المالية منها وثيقة لا تاري بمبلغ ٤٠ ألف پاون التي تحمل على ظهرها مناصب وألقاب وخدمات وتأليفات والدهن أبو القاسم خان ناصر الملك قراگوزلو الذي كان محمد علي شاه قد نفاه إلى أوربا حضر التشييع مع جمع من أصحابه الماسونيين وعدد من الإيرانيين، وكاتب هذه السطور (خان ملك ساساني) كان حاضراً أيضاً في المراسيم».

تظاهر ملكم بالإسلام

رغم كل ما كان يبديه ميرزا ملكم خان من احترام وإجلال للإسلام، فإن سلوكه الشخصي ينم عن عدم إيمانه بالإسلام.

كانت طريقته أن يتعامل مع الإيرانيين الأحرار، أو ضعفاء العقيدة المتهورين بإعزاز واكرام، ويحول أفكارهم في اتجاه أهدافه السياسية.

كما ذكرنا من قبل، كان ملكم خان من زعماء المشروطة على الطراز الغربي، وكانت له علاقات وثيقة مع كثير من مثقفي زمانه، وكان هؤلاء المثقفون يعتبرونه شيخهم ورائدهم.

«… كان بيته محل اجتماع زمرة من العناصر المشكوكة وغير المؤمنة كانت هذه طريقة ملكم منذ سنين خلت، يتعامل مع الإيرانيين التحرريين أو غير المؤمنين المتهورين مثل الشيخ محمد باقر بواناتي (معلم إدوارد براون في الفارسية) وحاج پير زاده وأمثالهم بإكرام

(١٦٠)

وإعزاز، ويدفع بأفكارهم نحو أهدافه السياسية…. ».

كانت له علاقات حميمة مع ميرزا فتح على آخوند زاده الذي ذكرناه سابقاً:

«ملكم خان بعث برسالة «الشيخ والوزير» إلى آخوند زاده فأثنى هذا الأخير على ملكم كثيراً، وكتب له يقول: لو لم تكتب هذه الرسالة لمت هماً… كل من ألقاه لا أتركه حتّى يقرأ هذا الكتيب» [١].

«…. شجع ميرزا حسين خان مشير الدولة على إجراء الإصلاحات وقال له: هذه التدابير الجديدة… لا يستطيع أن يقوم بها أحد في إيران إلاّ جنابكم الأمجد. أعلم أنها تحتاج إلى جرأة وهمة كبيرتين، لكنه على ذمة ذلك الجناب الأشرف أن تكون لكم مثل هذه الجرأة والهمة مم تخافون؟ لو أن جنابكم العالي أيضاً تخشون من لغط عدد من الجهال الجياع، أو من شماتة نفر من العلماء الجهلة وتتركون في هذه الفرصة الكبرى مصلحة الدولة، فما الفرق إذن بين الهمة السامية وبين الضعف والذاتية؟ » [٢].

«… ملكم ترك الحديث لمدة سنة تقريبا عن الإصلاح والتقدم، وقطع مراسلاته مدة مع أصدقائه. فكتب له أمين الدولة كتابة إخوانية قال فيها: حقا أنك أسأت في تركنا بالمرة. وأنا أيضاً عنادا لك قد امتهنت البطالة، لا أكتب ولا أتحدث، وليس لي شأن بالبروگرس (التقدم) ولا بالسيفيلايزيشن (المدنية) … وفي الرسالة التالية كتب جاداً: أنا بحاجة ماسة إلى كتاباتك فلا يحركني شيء ويهيجني شيء سوى كتاباتكم…» [٣].

«…. ميرزا آقا خان كرماني من ذوي الشأن والهمة بين أعوان ملكم جهد كثيراً في توزيع

__________________________________

١ - نورايي، تحقيق در أفكار ميرزا ملكم خان (بالفارسية) ١٠٢، تهران، جيبي، ١٣٥٢.

٢ - نفس المصدر: ١٠٢.

٣ - نفس المصدر: ١٢٢ - ١٢٣.

(١٦١)

صحيفة القانون، وكان يرسل أخباراً ومعلومات لدرجها في الصحيفة…» [١].

ملكم طرح بصراحة موضوع: السلطنة المشروطة، وموضوع: مجلس الشورى الوطني، فيما كتب من مقالات بعد سنة ١٣٠٠ هـ. ق. في سنة ١٣٠٢ ألف كتيبا حول «القوانين الأساسية في البلاد والقوانين الإدارية للمملكة» يكتب ميرزا محمد علي خان فريد الملك كاتب السفارة الإيرانية في لندن في مذكراته اليومية (١٦ شعبان ١٣٠٢): يبدأ هذا الكتيب بالعبارة التالية: «في البلدان المنظمة يوجد نوعان من القوانين. أحدهما قوانين أساسية للدولة، والأخرى قوانين إدارة الممكلة، ثم بعد ذلك يشرع ببيان السلطنة المشروطة والسلطنة المطلقة».

كان ملكم يعتقد أن المجلس الحكومي الإيراني الذي تأسس على عهد ميرزا حسين خان (قائد الجيش) لو أدى عمله بشكل واقعي لقدم خدمات جُلّى في تطوير حكومة القانون كان رأيه أن هذا المجلس يمكن أن يكون مركز نظم جديد في إيران.

وبشأن انفصال السلطة التشريعية عن التنفيذية في الحكومة البرلمانية يقول ملكم: أية حكومة تريد أن تعيش في كنف الأمن المالي والروحي لابد أن يكون لها مجلس قوانين حتّى لو أن جميع القوانين القديمة قد حفظت بشكل صحيح، فإنه يستوجب أيضاً أن تظهر كل يوم قوانين وقواعد جديدة بسبب تطور وسائل الحياة مثل القطارات والتلغراف وتأسيس الشركات ومواقع الحدود وتنظيم الأفواج وآلاف المسائل الأخرى وبفضل الله أصبح من الواضح الجلي في هذا العهد أن ترتيب مجلس للقوانين بمقتضى حكمة المدنية، وأيضا بحكم الشرع الإسلامي المقدس في إيران أيسر من أي مكان آخر، وأكثر ضرورة من أي تدبير

__________________________________

١ - آدميت، مصدر سابق: ١٤٨.

(١٦٢)

آخر. تنفيذ القوانين يحتاج إلى جهاز يسمى في البلدان الأخرى بهيئة الوزراء.

وفي ترتيب هيئة الوزراء من الناحية القانونية يجب أن يكون الوزراء مسؤولين أمام مجلس تشريعي مسؤول. الوزراء يجب أن يكونوا في خدمتهم الحكومية متشاركين ومتضامنين في أقوالهم وأعمالهم، بحيث لو أن أحدهم ارتكب خطأ أو خيانة فان كل الوزراء مثل وجود واحد يعزلون دفعة واحدة…».

موضوع الحكومة البرلمانية وتأسيس مجلس الشورى ورد بإجمال في صحيفة «قانون» …. أطلق ملكم أسماء مختلفة على البرلمان منها: مجلس القوانين، ومجلس الشورى الوطني الكبير، ومجلس وكلاء الشعب، مقابل مجلس الأقطاب [١].

في صحيفة قانون (رمضان ١٣٠٩) يقول باختصار: «باقتضاء قرار مطلق، تشخيص القوانين وتدوينها واستقرارها يجب أن يكون إلزاما باستشارة ومصادقة المجلسين، أحدهما مجلس وكلاء الشعب الذي ينتخبه الشعب، والآخر مجلس الأقطاب المكون من فضلاء وكملة القوم».

ويوضح ملكم مهمة مجلس الشورى الوطني في صحيفة قانون (ذي الحجة ١٣٠٧): «لابد من جمع مائة من المجتهدين الكبار والفضلاء والعظام والعقلاء ذوي المعرفة من الإيرانيين في عاصمة الحكومة في مجلس شورى وطني، وإعطائهم الصلاحيات الكاملة لتعيين وتدوين وإعلان تلك الأصول والقوانين التي تلزم على الأقل لتنظيم إيران.

وثانياً: أن توكل لمجلس الشورى الوطني وفق قرار مدون مهمة المراقبة والأشراف على تنفيذ القوانين. وبدون وجود مجلس وطني يراقب دائماً تنفيذ القوانين، فإن أفضل قوانين

__________________________________

١ - نورايي: ٢٠٧.

(١٦٣)

الدنيا تبقى دونما أثر ومعنى. لو أن الشاه كما يقول مرارا يرغب حقاً في إحلال النظم في إيران، فلماذا لا يسرع في عقد مجلس الشورى الوطني هذا؟ ثم إنه - كما قال الشاه نفسه مراراً - لا تكفي رغبة الشاه وحدها لتنظيم الحكومة، نفس الشعب يجب أن يتحلى بدرجة من الوعي تؤهله للمطالبة بالقانون. » [١].

ميرزا ملكم خان من أولئك الأفراد الذين قيل فيهم: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه. كثير من مثقفي القرون الأخيرة - إلاّ قليلاً - أغدقوا عليه الثناء، وأصبح بين أبناء عصره من المثقفين كعمر بن أبي ربيعة بين غانيات زمانه كانت له علاقات وثيقة وحميمة مع كثير من المتجددين والمتغربين في عصره، ولكن التدقيق في تفاصيل حياته تميط اللثام عن حقيقة زيفه رغم ما كان يبديه من احترام للإسلام، يظهر من ارتباطاته الشخصية وسلوكه أنّه لم يكن يؤمن بالإسلام.

ننقل في هذا المجال ما كتبه الدكتور نورايي [٢].

«… ذكرنا سابقاً في شرح عقائد ملكم أن العلوم التجريبية مقدمة لتحرر المجتمع الغربي من القيود وبعد نضال دام طويل فصل منهج التقدم العلمي عن خرافات القساوسة، وبذلك اقتربت الحضارة الأوربية من المرحلة العلمية وملكم يطرح موضوع عدم بلوغ المجتمعات غير الأوربية المرحلة العلمية، ولابد من إعداد أرضية التقدم لهذه الشعوب بترويج التفكير العلمي ولما كانت المعتقدات الإيمانية في هذه المجتمعات راسخة فلا يجوز مهاجمتها، لأن ذلك

__________________________________

[١] - آدميت، مصدر سابق: ١٤٩.

٢ - نورايي، وآدميت، وفشاهي، وبينا… ممن ينقل عنهم الكاتب هم من أنصار «التقدمية» بمفهومها الغربي.

(١٦٤)

لا يساعد في دفع عجلة التقدم، بل سيزيد في مقاومة المؤمنين بها.

من هنا فان ملكم في حديثه إلى آخوند زاده يؤكد أن الإرشاد والتوجيه والتعليم «لسكنة المملكة العثمانية وإيران والقفقاس الذين يدينون بأحد الأديان الثلاثة: الإسلام والنصرانية واليهودية، ينبغي أن لا يبدأ بالانتقاد الديني». «واعلم يا ميرزا فتح علي أنك لا ينبغي أن تتعرض لدين أحد، ولا يجوز أن تقول له: إن اعتقادك باطل وأنت ضال… فبهذه الطريقة الجافة سوف تخلق لك آلاف الأعداء والشاتمين، ولا تحقق ما تصبوا إليه.

كل واحد من هؤلاء سوف يواجهك بلجاج وعناد ويدعي أن كلامك خاو ودلائلك باطلة، فتذهب أتعابك هدراً لماذا تتعرض لدينهم؟ دعك عن دينهم ولا تتحدث عن بطلانه» ملكم في عبارته هذه يذهب - دون شك - مذهب عدم الإيمان بما وراء الطبيعة، ويعتقد أن ماهية الأديان واحدة. وهو - في نفس الوقت - فهم المنطق الأخلاقي للأديان ويقول: «كل دين يتضمن ثلاثة أمور مختلفة: العقائد والعبادات والأخلاق. والهدف من الدين هو الأمر الثالث والعقائد والعبادات فرعان لذلك المقصد الأصلي… ولو عثرنا على وسيلة تجعلنا أصحاب أخلاق حسنة دون افتراض مستوجب التعظيم والتعبد عندئذ سقط عنا ذلك الفرعان وهما العقائد والعبادات» [١].

__________________________________

[١] - نورايي، مصدر سباق: ٤٦ - ٤٧.

(١٦٥)

المقالات

الملخص

يشتمل هذا العدد على المقالات التالية:

١ - المناقصات، للأستاذ العلامة الشيخ محمد علي التسخيري وهو عرض لدراستين مقدمتين لمجمع الفقه الإسلامي وإعطاء الرأي في كل منهما، الأولى للشيخ حسن الجواهري والأخرى للدكتور رفيق المصري، والمقارنة بين الدراستين لها قيمتها لان أحداهما تستند إلى مدرسة أهل البيت والأخرى إلى مدرسة أهل السنة والجماعة.

٢ - الاجتهاد في التفسير، الأستاذ العلامة محمد هادي معرفة، وفيه يبين الكاتب الأسس الصحيحة التي يقوم عليها الاجتهاد في فهم كتاب الله تعالى، والاتجاهات الخاطئة في هذا الفهم.

٣ - الاستعمار وأساليبه في الغزو الثقافي للعالم الإسلامي للدكتور تبرائيان وفيه يستغرض الكاتب أساليب الهجمة الثقافية الاستكبارية ويذكر نصوصاً عن النوايا الخفية وراء التبشير والاستشراق.

٤ - آراء المذاهب الإسلاميّة في السنة النبوية، للأستاذ عبدالله عيظة، ويذكر رأي السنة والشيعة الإمامية والزيدية في السنة النبوية، وعوامل التفرق في الموقف من السنة، والقواعد الثابتة التي يمكن أن يجتمع حولها المسلمون بشأن سنة الرسول - صلى الله عليه وآله ـ.

٥ - الصحوة الإسلاميّة بين التطرف والاعتدال، الدكتور محمود هرموش، وفيها يوضح الموقف الإسلامي من التعامل مع الرأي الآخر، وحرمة تكفير المسلمين وتفسيقهم، ويستعرض موقف كبار الفقهاء والمحدثين من هذه المسألة الحساسة، التي تحولت إلى معول هدم للتفريق بين المسلمين.



[ Web design by Abadis ]