ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مذاهب التفسير و اتجاهاتها في القرن السادس الهجري في خراسان \ الدكتور مرتضى الايرواني

اقتسمت خراسان في القرن السادس الهجري المدرستان الموروثتان في التفسير هما:

مدرسة التفسير الأثري أو الروائي، والتفسير بالرأي أو التفسير العقلي.

فالتفسير بالرأي ما يحمّل فيه المفسر النص القرآني ما يراه، أما التفسير العقلي فهو ما يؤدّي إليه اجتهاد المفسر بشروطه وضوابطه.

والاتجاهات التفسيرية التي كانت سائدة في خراسان يمكن تقسيمها على أربعة أقسام:

(٨٩)

الاتجاه الأدبي (اللغوي النحوي) ويمثله مجمع البيان للطبرسي (ت ٥٤٨ هـ)، والاتجاه الروائي القصصي ويمثله معالم التنزيل للبغوي (ت ٥١٦هـ)، والاتجاه البلاغي ويمثله جوامع الجامع للطبرسي (ت ٥٤٨ هـ)، والاتجاه الكلامي ويمثله التفسير الكبير للفخر الرازي (ت ٦٠٦ هـ).

والبقعة الجغرافية التي يتناولها البحث هي خراسان القديمة التي تضم الولايات الأربع نيشابور ومرو وبلخ وهراة. فقد احتضنت هذه المنطقة مفسرين كان لهم شأن خاص في مجال الدراسات القرآنية.

وهذا البحث محاولة متواضعة لدراسة مناهج التفسير في هذه المنطقة لتلك الحقبة الزمنية، واستعراض اتجاهات التفسير فيها.

المنهج الأثري في التفسير

يظهر لمن يقرأ كتب التفسير وموسوعاته، ويطالع كتب تاريخ التفسير ومناهجه أن المفسرين الذين سلكوا هذا الطريق وساروا عليه على قسمين:

القسم الأول: اكتفى بذكر الروايات الواردة في الآية أو في جزء منها دون ان يضيف إليها شيئاً، أو يعلق عليها، وخير من يمثل هذا المنهج ويرسمه فرات الكوفي في تفسيره والسيوطي في (الدر المنثور)، والسيد هاشم البحراني في (البرهان) فإن كلاً منهم درج على ذكر الروايات المنقولة في تفسير آية دون تعليق أو توضيح، وإذا لم يرد في الآية رواية أو أثر أضرب عن تفسيرها صفحا ولم يفسرها، لذلك يُشاهد كثير من الآيات لم تذكر في هذا النوع من التفاسير؛ لعدم ورود رواية تفسيرية فيها.

والقسم الثاني: ما لم يقتصر فيه على إيراد الروايات فحسب، بل يلاحظ القارئ ثمة

(٩٠)

إضافات توضيحية من المفسر، ويمكن ملاحظة نمطين لهذا الصنف من التفسير:

الأول: ما ذكر فيه المفسر الروايات الواردة ويضيف إليه ملاحظاته من جهة، ويصنفها من جهة أخرى، فالطبري (ت ٣١٠هـ) لا يقتصر على ذكر الروايات وإنما يضيف إليها شرحاً وتعليقاً، وفي كثير من الأحيان يصنف الروايات الواردة في موضوع، فعند حديثه عن قوله تعالى: ] ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه… [ [١] يقول:

«اختلفت تراجمة القرآن في تأويل قول الله تعالى ذكره «ألم» فقال بعضهم: هو اسم من أسماء القرآن ذِكْرُ من قال ذلك، حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن قتادة في قوله (ألم) قال: اسم من أسماء القرآن…. » [٢].

ثم ذكر روايتين أخريين، وبعدها ذكر «وقال بعضهم: هو فواتح يفتح الله بها القرآن. ذكر من قال ذلك حدثني…) وهكذا يذكر الآراء ومع كل رأي ما رواه عن شيوخه في هذا الصدد. وبعد أن ذكر ما حضرته من الروايات في تفسيرها قال (وأما أهل العربية فأنهم اختلفوا في معنى ذلك فقال بعضهم: هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكره منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها…. » [٣].

ويلاحظ من النص الأخير أن الطبري لم يكتف بإيراد الروايات، بل عقب عليها بالتعليق والتوضيح، وقد استغرق تعليقه على هذه الآراء سبع صفحات من القطع الكبير في حين أن الروايات التي ذكرها لم تستغرق صفحة ونصفاً.

والطبري مع كل هذا يقف عند حدود الروايات المفسرة روائياً ولا يتعداها إلى تفسير

(٩١)

الآيات التي لم ترد فيها روايات تفسيرية نقلها عن شيوخه.

الثاني: ما لم يلتزم فيه المفسر بذكر الروايات التفسيرية، بل يبدو تصرّفه في الروايات واضحا جلياً حتى يخيل إلى من لم يمارس مناهج المفسرين واتجاهاتهم أنه يسلك الطريقة الاجتهادية في التفسير، خصوصا إذا لوحظ كذلك تفسير الآيات التي لم ترد فيها روايات تفسيرية، فهو يذكر ما يحضره في تفسيرها، فهو على هذا تفسير روائي في طابعه العام، وخير من يمثل هذا الاتجاه الشيخ الطبرسي في (مجمع البيان لعلوم القرآن)، والبغوي في (معالم التنزيل) وهما موضوعا بحثنا الحاضر.

مجمع البيان لعلوم القرآن

يمكن عدّ «مجمع البيان» ضمن التفسير الأثري إذا أخذنا بنظر الاعتبار التقسيم المار الذكر. ويمكن لمن يراجع «مجمع البيان» ملاحظة ما يلي:

١ - اتخذ الطبرسي طريقة تجزئة المادة العلمية التي يذكرها، فهو يبتدأ البحث بذكر القراءات، ويذكر عادة القراءات العشر وبعض القراءات الشاذة، ويذكر ضمنا الاختلاف في عدد الآيات إن وجد، ثم الحجة وبعدها يعرج على ذكر اللغة فالإعراب، فأسباب النزول، وبعد ذكر كل هذه البحوث التمهيدية التي تعارف المفسرون على ذكرها لخدمة التفسير وتوضيحه يشرع في بحث «المعنى» الذي يشغل الساحة الكبرى من تفسيره، فالبحوث التي تخدم التفسير لا تشغل في الغالب أكثر من نصف المساحة التي يشغلها المعنى. وبملاحظة ما ذكرناه يحق للطبرسي أن يسمي كتابه بـ «مجمع البيان لعلوم القرآن» لأنه يذكر أسماء السورة، وبيان مكان نزولها، وعدد آياتها، وفضلها، ومناسبتها لما قبلها، وسبب النزول والقراءة والحجة، و…. وكل واحد من هذه يشكل فرعاً من علوم القرآن التي درج

(٩٢)

العلماء على ذكرها في كتب علوم القرآن، وبهذا الاعتبار يمكن إطلاق مصطلح «تفسير جامع» على مجمع البيان، لأنه يحوي علوماً مختلفة تتعلق بالقرآن الكريم.

وإذا كان الملاك في تقسيم كتب التفسير إلى نقلي وغيره بملاحظة محتويات «المعنى» من أي تفسير، وليس شيئاً غيره، أمكن اعتبار مجمع البيان من التفسير الأثري، لان أكثر ما يذكره في حقل المعنى من التفسير بالمأثور.

٢ - أولى الطبرسي مسألة تناسب السور عناية خاصة. فقد حرص على ذكر تناسب أكثر السور القرآنية مع ما قبلها، في محاولة لبيان ارتباطها، ويكفي دليلاً على ذلك أن الطبرسي ذكر التناسب بين ١٠٩ سور من بين ١١٤ سورة ذكرت في القرآن الكريم. وإذ استثنينا سورة الفاتحة من العدّ، فإن الطبرسي لم يذكر التناسب في أربع سور فقط وهذا العدد إن دل على شيء فإنما يدل على مدى اهتمامه ببيان تناسب السور فيما بينها.

والطبرسي يذكر هذا بعد ذكر اسم السور أو أسمائها، وذكر مكان نزولها واختلاف المفسرين في ذلك، وذكر عدد آياتها وفضلها، ثم يذكر تحت عنوان «تفسيرها» ارتباط السورة بما قبلها.

٣ - يُولي الطبرسي مسألة تناسب الآيات في السور عناية خاصة، فهو كثيراً ما يذكر ارتباط الآية أو الآيات بما قبلها فعند الشروع في بيان معنى الآية أو الآيات يذكر وجه ارتباطها بما قبلها وقد لا يكتفي بذكر وجه واحد، بل يذكر وجوهاً متعددة [١].

(٩٣)

٤ - سلك الطبرسي طريقة من يذكر آية أو عدة آيات بما يناسب المقام ثم يشرع في تفسيرها، فهو لم يلتزم طريقة ذكر الآية منفردة ثم ينتقل إلى غيرها، بل ينظر إلى السياق والموضوع، وبعد ذلك يقطع الآية إلى مقاطع متناسبة، ويأخذ بتفسير كل مقطع بما حضره من التفسير.

٥ - لا يكتفي الطبرسي بذكر الرأي المعتمد في التفسير، بل يورد ما استطاع جمعه من آراء أو ما يراه قابلاً للذكر، وفي أكثر الموارد يعطي كل رأي رقما، ومن يتصفح أوراق مجمع البيان يلفت نظره في أكثر الصفحات أرقام الآراء المطروحة، وقد يصل عدد الآراء المذكورة إلى ستة، كما في قوله تعالى] …وآتوا حقه يوم حصاده ولا تُسرفوا انه لا يحب المسرفين…. [ [١].

وقد أوصل عدد الأقوال في بعض الموارد إلى ثمانية [٢]، كما في تفسير قوله تعالى] يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله…. [ [٣].

أمّا الآيات التي ذكر فيها أقل من ستة آراء فهي أكثر من أن يسعها مقال ففي بعضها ذكر خمسة أوجه [٤]، وفي بعضها أربعة أوجه [٥] وهكذا.

٦ - ويلاحظ القارئ لمجمع البيان كذلك أن الطبرسي لا ينقل عبارة المفسرين بعينها بل يتصرف فيها، ويصوغها بنفسه ثم ينسبها إليهم، ونراه كذلك يجمع الأقوال المتشابهة مع بعضها تحت رقم واحد، كما في قوله تعالى: ] ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم…. [ [٦].

(٩٤)

ويلاحظ أن الطبرسي في تفسيره لا يقتصر على ذكر الآراء المنسوبة إلى الصحابة والتابعين وأئمة أهل البيت عليهم السلام، بل يضيف إليها ما وصل إليه من آراء غيرهم، كأبي مسلم وأبي علي الجبائي، وأبي هاشم الجبائي والفراء والزجاج وغيرهم.

ويبدو لمن يطالع كتاب (مجمع البيان) بدقة وإمعان أن الطبرسي جمع كتب التفسير المختلفة، أو جمع الآراء المطروحة ثم صنفها تصنيفا ضم فيه النظير إلى نظيره - يدل على ذلك نسبة بعض الأقوال إلى أكثر من واحد - ولعل النص التالي يكشف عن مجهود الطبرسي هذا ويؤكده. ففي قوله تعالى: ] …. وآتوا حقه يوم حصاده…. [ [١] ذكر أن (هذا أمر بإيتاء الحق يوم الحصاد على الجملة. والحق الذي يجب إخراجه يوم الحصاد فيه قولان: أحدهما: انه الزكاة العشر أو نصف العشر عن ابن عباس ومحمد بن الحنفية وزيد بن أسلم والحسن وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك وطاوس.

والثاني: أنه ما تيسّر مما يعطى المساكين عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عليهم السلام وعطاء ومجاهد وابن عمر وسعيد بن جبير والربيع بن أنس، وروى أصحابنا أنه الضغث بعد الضغث، والجفنة بعد الجفنة. وقال إبراهيم والسدّي: الآية منسوخة بفرض العشر ونصف العشر لان هذه الآية مكية وفرض الزكاة إنما أنزل بالمدينة، ولما روي أن الزكاة نسخ كل صدقة، قالوا ولأن الزكاة لا تخرج يوم الحصاد، قال علي بن عيسى وهذا غلط لأن «يوم حصاده» ظرف لحقه، وليس بظرف للإيتاء المأمور به) [٢].

فالطبرسي كما يبدو من هذا النص استوعب أقوال المفسرين ووعاها، ثم قسمها تقسيما حاول فيه استقصاء ما طرحه المفسرون في الآية، وكثيرا ما تطالعنا في التفسير عبارة «في

(٩٥)

أحد قوليه» أو «في رواية» وهذا يعني أنه لاحظ قولين نسبا لهذا الشخص فحاول الدقة في ذكر ما وجده.

٦ - والطبرسي حينما ينقل أقوال العلماء في تفسير آية يصوغ العبارة بقلمه، ويقدمها بأسلوبه هو ثم ينسبها كما لاحظناه سابقاً. وهذا الأمر هو الذي يجعل الناظر في تفسير الطبرسي يصنفه ضمن التفسير الاجتهادي، ولا يجعله ضمن التفسير الأثري، والطبرسي في عمله هذا قد اختصر عبارات المفسرين، ولو أراد ذكر عباراتهم بنصها لطال به المقام، وازداد حجم التفسير على ما هو عليه.

٧ - على الرغم من أن تفسير «مجمع البيان» يعد من التفسير الروائي بأنه لم يقتصر على ذكر التفسير المأثور؛ أي لم يقتصر على تفسير الآيات التي وردت فيها أقول تفسرية مأثورة فحسب، فسر القرآن آية آية، بل عبارة عبارة، فالآيات أو العبارات التي لم تفسر روائيا ذكر تفسيرها غير الروائي. وبعبارة موجزة: دوّن الطبرسي تفسيراً مختصراً للقرآن الكريم، ذكر فيه ما حضره من تفسير أئمة أهل البيت عليهم السلام والصحابة والتابعين في آيات من القرآن الكريم. وأكمل ما بقي من آيات لم ترد فيها روايات تفسيرية وهو بهذا يختلف عن كتب التفسير الروائي من الصنف الأول التي حرصت على ذكر الروايات، فأنها تعرضت لتفسير الآيات التي وردت فيها روايات تفسيرية فقط، وسكتت عن الآيات أو المقاطع التي لم ترد فيها روايات، كما في تفسير الطبري، والدر المنثور للسيوطي، وتفسير البرهان للسيد هاشم البحراني وغيرها.

٨ - لا يقتصر الطبرسي في ذكر آراء المفسرين على ذكر الأقوال التفسيرية المأثورة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، بل ضم إلى ذلك الأقوال التفسيرية التي نُسبت إلى غيرهم. وهو بهذا يختلف عن بقية المفسرين من غير الشيعة الذين لا يذكرون عادة ما نُسب إلى أئمة أهل

(٩٦)

البيت عليهم السلام إلاّ نادرا ففي قوله تعالى: ] …. وآتوا حقه يوم حصاده…. [ [١] ذكر قولين نسب القول الثاني إلى الإمام الصادق - عليه السلام - عن آبائه الطاهرين كما نسبه إلى غيرهم، ونسب القول الأول إلى من نسبه وهم: ابن عباس وزيد بن أسلم، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والضحاك، وطاووس اليماني، ومحمد بن الحنفية [٢].

٩ - والطبرسي على عادة المفسّرين قد ينتخب قولاً ويستسيغه ويرجّحه، وهو في انتخابه قولاً من الأقوال لا يغرق في توجيهه، ولا يذكر الأدلّة وردودها كما نرى ذلك في تفسير الفخر الرازي والآلوسي، وغيرهما ممن يغرقون في هذه الناحية؛ بل يشير إلى ما يريد بأقلّ عبارة ممكنة. ففي قوله تعالى: ] قال إني أريد أن أُُنكحك إحدى ابنتيّ هاتين على ان تأجرني ثماني حجج…. [ [٣]، ذكر ان شعيب - عليه السلام - أراد «أي أزوجك] …. إحدى ابنتي هاتين على ان تأجرني ثماني حجج…. [أي على ان تكون أجيراً لي ثماني سنين] …. فان أتممت عشراً فمن عندك…. [أي ذلك تفضل منك وليس بواجب عليك، وقيل معناه على أن تجعل جزائي وثوابي إياك على أن أنكحك إحدى ابنتي أن تعمل لي ثماني سنين فزوجه ابنته بمهر واستأجره للرعي، ولم يجعل ذلك مهراً، وإنما شرط ذلك عليه، وهذا على وفق مذهب أبي حنيفة، والأول أصح وأوفق لظاهر الآية» [٤].

وقد ينتخب رأياً ويرجحه استناداً إلى آية أخرى. وهذا ما يسمى بتفسير القرآن

(٩٧)

بالقرآن ففي قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله…. ﴾ [١]. ذكر أن المراد «أي من مثل القرآن» وعلى قول من يقول الضمير في مثله عائد إلى عبدنا فالمعنى فأتوا بسورة من بشر من مثله لا يحسن الخط والكتابة ولا يدري الكتب. والصحيح هو الأول لقوله تعالى في سورة أخرى: ] فليأتوا بحديثٍ مثله…. [ [٢] وقوله: ] …. فأتوا بسورة مثله…. [ [٣] وقوله: ] …. لئن اجتمعت الأنس والجن على ان يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله…. [ [٤] يعني فأتوا بسورة مثلما أتى به محمد صلى الله عليه وآله في الإعجاز من حسن النظم وجزالة اللفظ والفصاحة التي اختصت به والإخبار عمّا كان وما يكون دون تعلم الكتب ودراسة الأخبار [٥].

١٠ - ويلاحظ في مجمع البيان أن الطبرسي إذا أراد ترجيح رأي وانتخابه من بين الآراء التي يذكرها، وفيها رأي منسوب لأهل البيت - عليهم السلام - فانه ينتخب هذا الرأي، ويفضله على غيره، انظر على سبيل المثال تفسير قوله تعالى: ] … وتُخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه… [ [٦].

١١ - يتعرض الطبرسي لبيان الأحكام الشرعية التي تتضمنها الآيات المفسرة بشكل موجز فهو عند تفسيره آيات الأحكام يذكر الحكم الشرعي الذي تحكيه الآية، ويحاول قدر جهده بيان مختلف الأقوال في المسألة مع بيان مذهب أهل البيت - عليهم السلام - وكثيراً ما يشير إلى هذه المسائل دون الإغراق في الأدلة والردود [٧].

(٩٨)

١٢ - ولا ينسى الطبرسي ذكر أسباب النزول، ولا ذكر بعض قصص الأنبياء بشكل موجز، كذلك لا ينسى ذكر بعض الوقائع كغزوة بدر وغيرها.

والطبرسي في ذكر أسباب النزول لا يقتصر على ما اقتصر عليه الشيعة في هذا الصدد، بل يذكر معه غيره إن روي ففي قوله تعالى: ] ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله…. [ [١]. ذكر قول من قال إنها نزلت في علي بن أبي طالب - عليه السلام - ليلة المبيت وهو المشهور، كما ذكر بقية الآراء حيث «قال عكرمة نزلت في أبي ذر الغفاري وصهيب بن سنان… وروي عن علي وابن عباس ان المراد بالآية الرجل يقتل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال قتادة نزلت في المهاجرين والأنصار وقال الحسن هي عامة في كل مجاهد في سبيل الله» [٢].

أما القصص الحاكية عن بعض المناسبات التي حدثت في المجتمع الإسلامي وأشار إليها القرآن الكريم، وكذلك القصص القرآني فانه يحتل مكانا بارزا في مجمع البيان ويلفت النظر، والطبرسي غالبا ما يعقد لذلك فصلاً خاصاً فيقول «القصة»، فيورد تحتها ما يرد حكايته [٣].

١٣ - قد يتعرض الطبرسي لبعض المباحث الكلامية بشكل موجز ومقتضب وإن بسط الكلام بسطاً ما في بعضها بما يتقضيه المقام، ولكنه ليس كثيراً.

ففي قوله تعالى: ] وقالوا قلوبنا غُلفٌ بل لعنهم الله بكفرهم فقليلاً ما يؤمنون [ [٤]، «رد

(٩٩)

على المجبّرة، لأن هؤلاء اليهود قالوا مثل ما يقولونه من أن على قلوبهم ما يمنع الإيمان ويحول بينها وبينه فكذبهم الله تعالى في ذلك بان لعنهم وذمهم، ولو كانوا صادقين لما استحقوا اللعن والطرد ولكان الله سبحانه قد كلفهم مالا يطيقونه» [١].

ومن هذا يتبين أن الطبرسي لا ينسى عقيدته ومذهبه، بل يحاول الإشارة إليه بقدر الإمكان، ولكنه في هذا لا يجانب عفة اللسان والقلم، ولا يترك طريقته في الحوار الهادئ الرصين.

فالكتاب وإن حوى علوماً قرآنية مختلفة وتطرق إلى مباحث متعددة تجعله ضمن التفاسير الجامعة، لكن الحكم عليه بأنه تفسير أثري يرجع إلى المنهج الذي اعتمده في بيان المعنى، والأصل الذي يعتمد عليه فيه فهو الملاك في تصنيف كتب التفسير إلى أثري أو عقلي، ويمكننا اعتبار «مجمع البيان» وما شابهه - فيما بين أيدينا من كتب التفسير - نُقلت بين التفسير الأثري والعقلي فبينما كان تفسير كل من علي بن إبراهيم القمي، ومحمد بن مسعود العياشي، وفرات الكوفي، ومحمد بن جرير الطبري تفاسير أثرية صرفة، وتفسير الكشاف للزمخشري وتفاسير من سبقه من المعتزلة عقلية صرفة، كما يبدو من أقوال العلماء في شأنها، نرى «مجمع البيان» اعتمد الروايات التفسيرية إضافة إلى أقوال المفسرين المتأخرين كالفراء والزجاج والرماني، والبلخي والجبائي وغيرهم.

معالم التنزيل للبغوي

يعد كتاب «معالم التنزيل» لأبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي المتوفى سنة

(١٠٠)

(٥١٦ هـ) من خير ما كتب في التفسير الأثري على طريقة أهل السنة. ولعل إطلاق لقب محيي السنة على البغوي من جهة، ومقالة ابن تيمية في حق تفسيره بأن «أسلمها - أي أسلم التفاسير بين تفسير البغوي، والزمخشري، والقرطبي - من البدعة والأحاديث الضعيفة، البغوي» [١].

من جهة أخرى؛ أقول لعل هذين الأمرين يعكسان قيمة تفسير البغوي، ومنزلته عند أهل الفن.

ويمكن لقارئ «معالم التنزيل» ملاحظة ما يلي:

١ - ذكر في مقدمة تفسيره أسانيده إلى تفسير كل من عبد الله بن عباس، ومجاهد بن جبر، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وقتادة، وأبي العالية، ورفيع بن مهران، ومحمد بن كعب القرظي، وزيد بن أسلم، ومحمد بن السائب الكلبي، والضحاك بن مزاحم الهلالي، ومقاتل بن حيان، ومقاتل بن سليمان، والسدّي) [٢].

ويلاحظ على الأسانيد التي ذكرها:

أ - اقتصر في تخريج تفسير ابن عباس على ما رواه معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة الوالبي عن عبد الله بن عباس، مع ما في هذا الطريق من الانقطاع لـ «ان ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس التفسير، وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير». وكذلك اعتمد في تفسيره على ما روي عن طريق عطية العوفي وعكرمة عن ابن عباس دون ذكر بقية الطرق التي تزيد على ذلك بكثير.

ب - قال عند ذكره سند تفسير الكلبي «وأما تفسير الكلبي: فقد قرأت بمرو على الشيخ أبي عبد الله محمد بن الحسن المروزي في شهر رمضان سنة أربع وستين وأربعمائة، قال: أنا

(١٠١)

أبو مسعود محمد بن أحمد بن محمد بن يونس الخطيب الكشمهيني، في محرم سنة خمسين وأربعمائة، قال: ثنا أبو إسحاق بن إبراهيم بن احمد بن معروف الهرمروزي، ثنا محمد بن علي الأنصاري المفسّر، ثنا علي بن إسحاق وصالح بن محمد السمرقندي قالا: ثنا محمد بن مروان عن محمد بن السائب الكلبي عن أبي نضر عن أبي صالح، أنا ذاذان مولى أم هانئ بنت أبي طالب عن ابن عباس» [١]. وهذا طريق آخر لتفسير ابن عباس وليس طريقاً لتفسير الكلبي خاصة.

ج - لم يذكر أسانيده إلى تفسير بعض الصحابة كعلي بن أبي طالب - عليه السلام - وعبد الله بن مسعود، وغيرهما ممن ذكرهم في تفسيره.

٢ - طريق البغوي في إيراد أقوال المفسرين تقوم على نسبة الرأي إلى المفسر دون ذكر أسانيده إلى المفسرين لأنه ذكر أسانيده في صدر كتابه، واكتفى بذلك عن إيراد السند كل مرة، كما أنه يذكر خلاصة الرأي.

وقد ينسب قولاً واحداً إلى عدد من المفسرين فيقول مثلاً: واليه ذهب فلان وفلان وفلان وهذه الطريقة تخالف ما ألفيناه عند الطبري من ذكر السند كاملاً، وذكر عبارة كل مفسر منفصلة عن عبارة غيره.

٣ - ذكر سند بعض الروايات كاملاً، وهذا الأمر يختص بما عدا ما ذكر من المفسرين في النقطة الأولى، لأنه ذكر في صدر كتابه أسانيده إليهم فلا حاجة إلى ذكر سند ما يرويه عنهم كل مرة، كما أشير إلى ذلك في المقدمة التي كتبها محققا الكتاب. أما غيرهم فإنه قد يذكر أسانيده إليهم ولا يلتزم ذلك، وقد يذكر سنده كاملاً إلى بعض من تقدم ذكره كابن عباس.

(١٠٢)

فعند تفسيره قوله تعالى: ] ان في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآياتٍ لأولي الألباب [ [١]. قال: «أخبرنا الامام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنا أبو نعيم عبد الملك بن الحسين الاسفرايني، أنا أبو عوانة يعقوب بن إسحاق الحافظ، أنا أحمد بن عبد الجبار، أنا ابن الفضل عن حصين بن عبد الرحمن عن حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن عبد الله بن عباس «رضي الله عنهما» أنه رقد عند رسول الله صلى الله عليه وآله فرآه استيقظ فتسوك ثم توضأ وهو يقول…. » [٢].

والبغوي لا يلتزم ذكر السند كاملاً عندما ينقل عمن لم يذكرهم في صدر كتابه، فهو كثيراً ما ينقل عن بعض الصحابة آراء تفسيرية دون ذكر سنده إليهم فعند تفسيره قوله تعالى: ] الذين يذكرون الله قياما وقعوداً وعلى جنوبهم…. [ [٣] قال «قال علي بن أبي طالب وابن عباس «رضي الله عنهم» والنخعي وقتادة: هذا في الصلاة يصلي قائماً فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنب» [٤].

فقد ذكر في هذا النص علي بن أبي طالب من الصحابة والنخعي من التابعين، ولم يذكر سنده إليهم لا في مقدمة الكتاب ولا عند ذكر الرأي.

ويلاحظ في هذا الصدد أن أكثر ما يذكر سنده كاملا يختص بما يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وآله، أو يرجع تفسيره إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بشكل من الأشكال.

٤ - يلاحظ القارئ في الكتاب كثرة نسبية في عدد القصص يذكرها البغوي إيضاحاً

(١٠٣)

لتفسير ما يريد تفسيره من قوله تعالى من جهة، والاطناب في ذكرها من جهة أخرى. ولو أردنا أن نذكر مثالاً واحداً للتدليل على ذلك لضاق بنا المقام، ولملئت أكثر من صفحة في ذلك. ولكننا نورد مطالب مختصرة من بعض القصص ليتبين مقدار إطنابه في ذلك. ففي موضوع دخول إبليس الجنة وإغواء آدم وحواء - على حد زعمه - ذكر:

١ - دخول إبليس الجنة بواسطة الحية.

٢ - صفة الحية.

٣ - محاورته آدم وحواء وبكائه لخداعهما.

٤ - أكلهما من الشجرة والأقوال في كيفية أكل آدم.

٥ - هبوط آدم من الجنة.

٦ - تعليم الله آدم صنعة الحديد والزراعة.

٧ - جزاء حواء على إغوائها آدم بالأكل.

٨ - بدّو السوءات [١].

وإذا كان في ذكر بعض القصص فائدة منها: توضيح النص القرآني، والاعتبار بقصص الماضين، وبيان نصرة الله أنبيائه وعباده الصالحين، فإن في ذكر ذلك مختصراً مندوحة عن ذكره مفصلاً ما دامت الفوائد المتوخاة حاصلة.

ويُلاحظ في بعض الأخبار التي يذكرها البغوي إضافة إلى الإطالة والإطناب حشوها بمالا فائدة فيه، ولا إيضاح للنص، فطول قوائم الكرسي في قوله تعالى: ] …. وسع كرسيه السماوات والأرض…. [ [٢]، وعدد حملة الكرسي، وعدد وجوه كل ملك، ومكان أقدامهم، وصورة كل ملك، وما يسأله كل ملك من الله تعالى، والمسافة بين حملة العرش وحملة الكرسي، كل ذلك كان يمكن الاستغناء عنه دون أدنى عيب أو نقص يلحق الكتاب، ويمكن لمن أراد المزيد مراجعة ما ذكره في قصة طالوت وجالوت وغيرها [٣].

ومما أخذ على البغوي ذكره الإسرائيليات دون التنبيه على ما فيها، فهو يذكر بعض

(١٠٤)

الإسرائيليات ولا يُعقب عليها ليعلم موقفه منها من جهة، وموقفه مما ينسب إلى الأنبياء - عليهم السلام - من جهة أخرى، وبعض هذه الإسرائيليات يمكن نقدها من جهة المتن لاحتوائها على مالا يستسيغه العقل. فعند حديثه عن قوله تعالى على لسان عيسى عليه السلام: ] …. وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم…. [ [١]. ذكر قول السدي «كان عيسى - عليه السلام - في الكتاب يحدث الغلمان بما يصنع آباؤهم ويقول للغلام: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا ورفعوا لك كذ١ وكذا، فينطلق الصبي إلى أهله ويبكي عليهم حتى يعطوه ذلك الشيء، فيقولون: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى - عليه السلام - فحبسوا صبيانهم عنه، وقالوا: لا تلعبوا مع هذا الساحر فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى - عليه السلام - يطلبهم فقالوا ليسلوا ههنا، فقال: فما في هذا البيت؟ قالوا: خنازير، قال عيسى: كذلك يكونون، ففتحوا عليهم فإذا هم خنازير…. » [٢]. لا أدري كيف جمع الصبيان كلهم في بيت واحد؟ ولو قال: حبست كل عائلة صبيها عنه لكان مقبولاً.

وفيما نقله عن وهب بن منبه عند تفسير قوله تعالى: ] أو كالذي مرّ على قريةٍ وهي خاوية على عروشها…. [ [٣]، خير شاهد ودليل على ما نقول. ولا يهمنا من الخبر الطويل الذي ذكره البغوي سوى فقرتين هما:

١ - اختار بختنصّر من صبيان بني إسرائيل «سبعين ألف صبي فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه، فأصاب كل رجل منهم أربعة غلمة» [٤]. وهذا يعني أن الملوك الذين كانوا معه يزيد عددهم على سبعة عشر ألف ملك. فهل يعقل أن يكون معه هذا العدد من الملوك؟

٢ - والفقرة الثانية «رجعنا إلى حديث وهب، قال: ثم ربط أرمياء حماره بحبل جديد

(١٠٥)

فالقى الله تعالى عليه النوم فلما قام نزع الله منه الروح مائة عام…. فلما مضى من موته سبعون سنة أرسل الله ملكاً إلى ملك من ملوك فارس يقال له نوشك، فقال: ان الله يأمرك ان تنفر بقومك فتعمر بيت المقدس وإيليا حتى يعود أعمر ما كان، فانتدب الملك بألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل وجعلوا يعمرونه…. ) [١]. فهل يعقل ان ينتدب الملك ألف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة ألف عامل، أي ثلاثمائة مليون عامل لبناء بيت المقدس وإعماره؟ فمن أين جيئ بهؤلاء العمال؟ وأين أسكنوهم ليعملوا؟ وكيف أطعموهم؟ وكيف نسقوا العمل بينهم؟ وهل يحتاج بناء مدينة إلى مثل هذا العدد من العمال؟ ولنا في بناء بغداد في زمن المنصور، والقاهرة في زمن المعز الفاطمي شاهدان على عدد العمال الذين استخدموا لبناء كل واحدة من هاتين الحاضرتين المهمتين اللتين لا تقلان عن بيت المقدس أهمية وسعة وعظمة ان لم تزيدا عليها، لأن كل واحدة منهما بنيت لتكون عاصمة للخلافة الإسلاميّة.

وقد يطيب للبغوي ذكر القصص الإسرائيلي الذي يسود به صفحات من تفسيره من جهة، ويكمل به القصص القرآني، ويشرح به ما أبهم منه، ويسد به الثغرات بسرد الوقائع من جهة أخرى، فيجري وراء الإسرائيليات ناسباً إياها إلى أهل الكتاب المشهورين بذكر القصص الإسرائيلي كوهب بن منبه أو ناقلاً لها عمن اشتهر عنه الأخذ عن أهل الكتاب كابن عباس وغيره. وقد يستغرق بعض ما ذكره البغوي ما يزيد على ثلاث صفحات من الحجم الكبير كقصة طالوت وداود وجالوت [٢].

٥ - يمتاز كتاب معالم التنزيل بقلة بحوثه المتعلقة بعلوم العربية، كالنحو والصرف واللغة

(١٠٦)

وعلوم البلاغة، حتى انه قد تمر الصفحات دون ملاحظة شيء منها والبحوث اللغوية أكثر هذه البحوث حظاً في معالم التنزيل، ولكنها على كثرتها - بالنسبة لغيرها من البحوث - لا تستغرق شيئا يذكر. ويبدو لمن يقرأ «معالم التنزيل» ان البغوي يذكر ما يزيل الغموض عن معنى الكلمة دون الإغراق في البحث اللغوي، أو متابعة اشتقاقات الكلمة، وتتبع نظائرها، وتفسيرها بأضدادها، أو بعقد فصل خاص بها كما فعل الطبرسي» [١].

والمباحث النحوية هي الأخرى قليلة من جهة ومختصرة من جهة أخرى. ففي سورة الفاتحة ذكر أعراب «بسم الله الرحمن الرحيم» ومحله من الأعراب، وما يتعلق بـ «الله» و «إياك» [٢].

والبغوي قد يشير إلى بعض النكت البلاغية ليفسر بها النص ويوضح المراد منه دون الإغراق في ذلك. فعند تفسير قوله تعالى: ] الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون [ [٣].

ذكر ان المقصود من يستهزئ بهم يجازيهم جزاء استهزائهم، سُمّي الجزاء باسمه لأنه بمقابلته كما قاله الله تعالى] وجزاء سيئة سيئة مثلها [ [٤].

٦ - والبغوي رغم كونه من أهل السنة، وتفسيره قائم على ذلك، لا يغرق في بيان المسائل الكلامية التي اختلف فيها أهل السنة مع المعتزلة، ويتحاشى ذكر المسائل الكلامية المتعلقة بصفات الله تعالى، ويذكر رأي أهل السنة في ذلك غالبا دون الإشارة إلى غيره، أو التشهير بغير أهل نحلته، ففي قوله تعالى حكاية عن أم مريم عليها السلام] …. وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم [ [٥].

(١٠٧)

ذكر ان المعنى «امنعها وأجيرها…. أخبرنا عبد الواحد المليحي أنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل أنا أبو اليمان أنا شعيب، عن الزهري حدثني سعيد بن المسيب قال: قال أبو هريرة سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «ما من بني آدم من مولود إلاّ يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل الصبي صارخاً من الشيطان، غير مريم وابنها…. » [١].

وقد يشير البغوي إلى رأي غير أهل السنة على أنه رأى مأثور منقول عن السلف، فعند تفسيره قوله تعالى] …. وسع كرسيه السماوات والأرض…. [ [٢] ذكر أن المراد «ملأ وأحاط به، واختلفوا في الكرسي، فقال الحسن هو العرش نفسه، وقال أبو هريرة رضى الله عنه: الكرسي موضوع أمام العرش…. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس «رضي الله عنهما» قال: أراد الكرسي علمه [٣]، وهو قول مجاهد، ومنه قيل لصحيفة العلم كراسة، وقيل: كرسيه ملكه وسلطانه والعرب تسمي الملك القديم كرسياً» [٤].

وقد يذكر رأي المعتزلة وينسبه إليهم صراحة دون ان يعلق على ذلك بكلمة ففي قوله تعالى: ] ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة…. [ [٥]. اختلف المفسرون في الختم الذي ذكر، وقد أشار البغوي إلى ذلك بقوله «طبع الله على قلوبهم؛ فلا تعي خيراً ولا تفهمه…. قال أهل السنة أي: حكم على قلوبهم بالكفر لما سبق من علمه

(١٠٨)

الأول فيهم، وقال المعتزلة: جعل على قلوبهم علامة تعرفهم الملائكة بها» [١].

٧ - ويتعرض البغوي لذكر المسائل الفقهية في الآية، فيطيل الحديث عنها ذاكراً ما وصلت إليه من روايات وأحاديث تتعلق بذلك الحكم الشرعي. وهو يتطرق عادة إلى ذكر أهم الآراء المختلفة في المسألة، وذكر فروعها مع عدم الاستدلال لكل رأي.

٨ - قد يورد البغوي إشكالاً على ظاهر النظم القرآني ثم يجيب عليه. ففي قوله تعالى: ] يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلاّ أنفسهم وما يشعرون [ [٢] استعمل النص القرآني لفظ «يخادعون» وهو مما يستعمل في المشاركة، وهي غير متصورة في حقه تعالى فقال (فان قيل: ما معنى قوله «يخادعون الله» والمفاعلة للمشاركة، وقد جل الله تعالى عن المشاركة في المخادعة؟ قيل: ترد المفاعلة لا على معنى المشاركة كقولك: عافاك الله وعاقبت فلاناً وطارقت النعل، وقال الحسن: معناه يخادعون رسول الله صلى الله عليه وآله) [٣].

٩ - تفسير البغوي من النوع الأثري الذي لم يلتزم فيه بالأثر فقط، بل ذكر إضافة إلى ذلك بعض التفسير العقلي، كالتفسير الذي نقله عن المعتزلة، إضافة إلى أنه فسر الآيات التي لم يرد فيها شيء عن السلف؛ كما هو ملاحظ لمن يطالع التفسير ويقرؤه.

١٠ - ولا ينسى البغوي استقصاء الآراء التي نقلت عن السلف في الآية. فكثيراً ما نرى في معالم التنزيل عبارة «قيل» أو «وقال فلان».

وبعد تلك السياحة في آفاق هذين التفسيرين تبين ان التفسير الأثري في خراسان في القرن السادس عشر الهجري تمخض عن اثرين جليلين من طائفتين من طوائف المسلمين

(١٠٩)

كان كل تفسير منها يمثل قمة في تفسير تلك الطائفة، فتفسير (مجمع البيان) غني عن التعريف، وألفاظ الاحترام والتقدير، وعبارات الإعجاب بمجمع البيان وصاحبه من قبل علماء الشيعة ومحققيها فضلاً عن علماء بقية المذاهب الإسلاميّة، كشيخ الجامع الأزهر الشيخ سليم البشري ووكيله الشيخ محمود شلتوت. وما وجد على ظهر نسخة الشيخ سليم البشري الخاصة من ان (هذا التفسير من خير التفاسير التي قرأتها) [١]، وما ذكره الشيخ محمود شلتوت عند تقديمه لمجمع البيان من انه (نسيج وحده بين كتب التفسير، وذلك لأنه مع سعة بحوثه وتنوعها وعمقها له خاصة في الترتيب والتبويب والتنسيق والتهذيب لم تعرف لكتب التفسير من قبله ولا تكاد تعرف لكتب التفسير من بعده) [٢] خير دليل على ذلك.

أمّا نظرة علماء أهل السنة إلى تفسير البغوي (معالم التنزيل) فيكفي فيها قول ابن تيمية (واما التفاسير الثلاثة المسؤول عنها - الزمخشري، البغوي، القرطبي - فأسلمها من البدعة والأحاديث الضعيفة: البغوي).

ويمثل هذان الكتابان حلقة واحدة من سلسلة التفسير التي امتدت من زمن الرسول صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا. وهي التفسير بالمأثور للآيات التي ورد فيها قول مأثور إضافة إلى تفسير ما لم يرد فيه شيء عن السلف، بما يصل إليه اجتهاد المفسر، كما ان التفسير المأثور في هذين يتمركز حول نسبة الأقوال لأصحابها دون ذكر السند، أو ذكر المتن كاملاً، فلا يكتفيان بذكر الروايات التفسيرية دون ذكر ما يوضحها، ويقربها إلى الأذهان، كما لا

(١١٠)

يتركان الآيات التي لم يفسرها السلف دون تفسير.

ورغم اتفاق هذين الكتابين في هذه النقطة بالذات فإن ثمة فوارق يمكن ملاحظتها، نستطيع الإشارة إليها بسرعة:

١ - ان المطالع لمجمع البيان تظهر له قدرة الطبرسي الفائقة على عرض الآراء وتنسيقها، كما يمكنه استخلاص: ان اطلاع الطبرسي - على أقوال المفسرين واختلافهم - أكثر من اطلاع البغوي.

٢ - تنظيم الطبرسي مطالب كتابه وبحوثه المختلفة بعكس البغوي الذي لم ينسق بحوث كتابه أبداً. هذا إضافة إلى ان (معالم التنزيل) يخلو مما نراه شائعاً في (مجمع البيان) من بحوث نحوية ولغوية وبلاغية وغيرها. وبهذا يمكن بحق القول ان (مجمع البيان) تفسير جامع بينما لا يمكن إطلاق ذلك على (معالم التنزيل).

٣ - ان الطبرسي عندما يطرق بحثاً فإنه يحاول ان يوفي البحث حقه من العرض، بعكس البغوي الذي يبقى بحثه النحوي واللغوي أبتراً، لا تعمّق فيه، وكذلك المباحث التفسيرية.

وليس ببعيد ان يكون البغوي قصد إلى ذلك قصداً ليخلص تفسيره مما شحن به المفسرون كتبهم من مباحث تكميلية تزيد في حجم الكتاب ومباحثه، ولكن الأمر على كل حال يبقى، ملاحظاً من ان أحد الكتابين يزيد على الثاني في بعض بحوثه.

٤ - ولأن (مجمع البيان) تأليف عالم شيعي ينتمي إلى طائفة لها نظراتها الخاصة في بعض الأشياء، منها تنزيه الأنبياء وعصمتهم من الصغائر فضلاً عن الكبائر نراه يعلق على بعض القصص القرآني التي ينسب من خلالها إلى بعض الأنبياء - عليهم السلام - ما لا يليق بمنزلتهم ومكانتهم.



[ Web design by Abadis ]