ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 لقاء مع الأستاذ العلامة السيد محمد باقر الحكيم

سماحة السيد محمد باقر الحكيم عرفته حوزة النجف العلمية أستاذاً وباحثاً و «عضدا مفدى» للسيد الصدر، وعرفته الأروقة الجامعية أستاذاً جامعياًُ في علوم القرآن وسائر العلوم الإسلاميّة، وعرفته ساحة إيران والعراق وسائر أرجاء العالم الإسلامي رساليا ملتزما يحمل هموم المسلمين ويدافع عن شرفهم وكرامتهم كان من المفروض أن تلتقيه «رسالة التقريب» في اعدادها الأولى لأنه المشرف عليها، ولأنه رئيس المجلس الأعلى للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة، لكن التوجه في المجلة نحو المقابلات لم يكن جادا… وإذ بدأنا في هذا العدد مسيرة جديدة للمجلة، بدأنا أيضاً بإجراء سلسلة حوارات مع أصحاب الهموم التقريبية، وهذا هو أول حوار في هذه السلسلة.

(٣٨)

■ باعتباركم واحداً من كبار المفكرين المهتمين بأمر التقريب في العالم الإسلامي، ما هي الأسس التي يجب أن يقوم عليها التقريب بين المسلمين؟

□ هذا الموضوع تناولته باختصار في كتاب: الوحدة الإسلاميّة من منظور الثقلين. ويمكن تلخيص الأسس التي أشرت إليها بالنقاط التالية:

أولاً: لابد في موضوع التقريب من الاهتمام بالبحث عن الحقائق لكل مذهب من المذاهب الإسلاميّة. فكل مذهب له متبنيات خاصة، سواء في الجانب العقائدي أو الفقهي أو في حقل تفسير التاريخ وفهم التاريخ. ولكن حقائق كل مذهب قد اختلطت مع الأسف باتهامات ونسب باطلة والتقريب بين المذاهب يفرض أولا الأخذ بمتبنيات كل مذهب من لسان أصحابه، وهذا أساس هام من أسس التقريب لفرز الصحيح عن المفتعل والمفترى في كل مذهب.

والأساس الآخر: هو التمييز بين الرأي السائد والرأي الشاذ داخل كل مذهب. فآراء رجل المذاهب بعضها يمثل الرأي العام السائد وبعضها شاذ يختلف عن متبنيات المذهب السائدة. والباحث الذي يسند رأيا إلى مذهب معين، لابد أن يأخذ بنظر الاعتبار الرأي السائد، ولا يتشبث بالآراء الشاذة. نعم يمكن أن ينقل هذه الآراء الشاذة وينسبها إلى أفرادها، لا إلى المذهب بشكل عام.

والأمر الثالث الذي يمكن أن يذكر في هذا الصدد هو مسألة احترام الرأي الآخر، ولابد أن تسود الحالة العلمية في المواقف والحوار بين العلماء نعم، الاختلاف طبيعي، والدفاع عن الرأي والاستدلال على صحته حق لكل عالم، ورد الرأي الآخر باستدلال علمي حق أيضاً. ولكن تارة يكون الرد بروح الاتهام والتحامل، وتارة أخرى يكون بروح احترام

(٣٩)

رأي الطرف الآخر وأفكاره. يجب أن يكون تبادل الأفكار والآراء والمناقشات بين علماء المذاهب تماما كما هو الحال بين علماء العلوم التجريبية والفكرية والثقافية، حيث يكون رد العالم على العالم الآخر غالباً بروح الاحترام للرأي الآخر، باعتبار أنّه يرد على جهة علمية بذلت جهوداً حتّى توصلت إلى هذا الرأي، بنفس هذا النفس من الاحترام المتبادل يجب أن يسير الحوار بين علماء المذاهب، إذا شاؤوا التقريب بينهم.

والأمر الرابع في هذا المجال هو الاتفاق على مرجع للتحكيم بين هذه الآراء والمذاهب.

والمسلمون متفقون نظريا على هذا المرجع، ولكنهم لا يلتزمون عملياً أحياناً بهذا الجانب النظري. وهذا المرجع هو الكتاب الكريم والسنة النبوية الصحيحة. المسلمون يتفقون جميعاً على هذا الكتاب الموجود الآن بين المسلمين، ويعتبرونه وحيا نازلا على الرسول الكريم بنصه دون زيادة أو نقيصة ولا قيمة طبعاً لما ينسب إلى الشيعة من القول بتحريف القرآن. فهي نسبة باطلة وغير صحيحة، وآراء علماء الشيعة منذ الصدر الأول وحتى عصرنا الراهن هي الاعتقاد بسلامة النص القرآني من أي تحريف. وهذا هو الرأي السائد. إذن هناك اتفاق على الرجوع إلى القرآن الكريم وهكذا بالنسبة للسنة النبوية، كل المسلمين بكل مذاهبهم يعتقدون بأن ما جاء عن الرسول الكريم حجة لا يمكن لأي شخص أن يجتهد أمامه، ومذهب أهل البيت يركز على هذه المرجعية مرجعية القرآن والسنة، وقد بينا أهمية هذه المرجعية في بحثنا عن: التفسير عند أهل البيت - عليهم السلام - على أي حال، الاتفاق على هذه المرجعية نظريا بين المسلمين يستدعي الاتفاق عليها عملياً عندما يختلف المسلمون في رأي من الآراء، فليرجعوا إلى المتفق عليه بينهم وهو القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، دون اتخاذ موقف تفسيري مسبق تجاه القرآن و

السنة يناصر رأي هذا المذهب

(٤٠)

أو ذاك. ولقد اهتم رسول الله - صلى الله عليه وآله - بهذا الأمر حين وقف ينصح المسلمين في حجة الوداع بعدة أمور كان من جملتها نصيحتهم بالعودة إلى الثقلين.

والأمر الخامس الذي يمكن أن يشكل أساسا من أسس التقريب هو الاهتمام بابراز النقاط المشتركة بين المذاهب الإسلامية. صحيح أن هناك اختلافا بين المذاهب الإسلاميّة في مختلف المجالات، ولكن الاشتراك بينها هو أكثر وأهم مما به الاختلاف المهم التوجه والاهتمام… تارة يكون نحو المشتركات، وتارة يكون نحو إبراز الخلافات وإثارة النزاعات. نقاط الاتفاق بين مذاهب المسلمين مهمة جدا، تعبر عن وحدة الأمة الإسلاميّة وعن هويتها وشخصيتها، فهم يحجون جميعاً حجاً واحداً، ويقفون على صعيد مشاعر واحدة، وهذه نعمة كبيرة من نعم الله على الأمة الإسلاميّة. وهكذا الصلوات الخمسة قد اتفق عليها المسلمون، وصوم شهر رمضان، وغيرها مما لا يحصى من المسائل الرئيسية المتفق عليها بين المسلمين ولابد من إبراز مواضع الاتفاق هذه باعتبارها أساسا من أسس التقريب.

والأمر السادس: هو أن الاختلاف في الأفكار والآراء يجب أن لا ينعكس على موقف المسلمين من القضايا العالمية الكبرى فالاختلاف الفكري بين أمة كبيرة لها تاريخ طويل وعلماء كثيرون طبيعي جداً، كما إن الاختلاف الفكري سنة من سنن الله تعالى ينتج عنه الحركة والتلاحم والنمو والثراء، لكن موقف المسلمين من القضايا الكبرى يجب أن يكون موحدا فالاختلاف هنا يعني ضعف الأمة وتمزقها وهيمنة أعدائها عليها لذلك أعتقد أن من أهم أسس التقريب توحيد موقف المسلمين تجاه القضايا الرئيسية والمركزية. والتوحيد في موقف المسلمين مطلوب في المجالات السياسية وفي المواقف الاجتماعية، كما حدث بالفعل ضمن إطار المؤتمرات التي عقدت أخيراً لمعالجة المشاكل الاجتماعية مثل مؤتمر القاهرة

(٤١)

ومؤتمر بكين ومؤتمر فينا، وكل هذه المؤتمرات عالجت مسائل حساسة هامة مثل مسائل الأسرة والمرأة. والمسلمون مطالبون باتخاذ موقف موحد تجاه هذه القضايا وهو عامل على تقريب المسلمين بكافة مذاهبهم وعلى وحدة الأمة.

والأمر الأخير: الذي أود أن أشر إليه في هذه العجالة هو قضية الأولويات في الحركة الاجتماعية والفكرية والثقافية والسياسية وسائر المجالات الأخرى. لابد للمسلمين أن تكون لهم أولويات، وأن يكون لهم سلّم في القضايا. أي قضية أولى بالاهتمام أو باتخاذ موقف من غيرها؟ لابد من أجل التقريب بين المسلمين من وضع القضايا الهامة في رأس قائمة الاهتمامات والمناقشات وسيكون ذلك عاملاً على التقريب بل على الوحدة. لأن القضايا مهما كبرت فان الاتفاق بشأنها يكبر أيضاً وكلما دخلنا في التفاصيل والجزئيات أكثر اتجهنا إلى الهامش أكثر. قضية الأولويات قضية هامة إذ نجد أعداء الإسلام يحاولون دائما جر المسلمين للدخول في تفاصيل جزئية صغيرة بعيدة عن همومهم الكبيرة، من أجل أن يفرقوهم ويجعلوهم يختلفون ويتباعدون. والحركة الإسلاميّة الصحيحة هي التي تدفع المسلمين باتجاه الاهتمام بالقضايا الكبرى على المستوى السياسي والاجتماعي أمامنا تحديات كبيرة لا على الصعيد السياسي فحسب، بل أيضاً على الصعيد الاجتماعي فأمامنا قضايا المرأة والجنس والمخدرات والآسرة والقضايا الاقتصادية وكثير من القضايا الأخرى تشكل بأجمعها تحديات أمام الموقف الإسلامي. ولقد اتضح عمليا أن المسل

مين حين يدخلون في الحديث عن هذه القضايا الهامة الكبرى يجدون أنفسهم متفقين في الآراء والمواقف. وهكذا على المستوى السياسي يواجه المسلمون قضايا كبيرة مثل الصراع الحضاري بين الإسلام والغرب… بين الحضارة الإسلاميّة والحضارة المادية وهكذا قضية

(٤٢)

فلسطين، والبوسنة والهرسك، وقضية الشيشان وما أشبهها من القضايا ذات البعد الإسلامي. وإعطاء هذه المسائل الدرجة الأولى من الاهتمام يجعل المسلمين متقاربين متعاضدين. هذه في اعتقادي أهم الأسس التي يجب أن يقوم عليها التقريب بل الوحدة بين المسلمين.

■ ما هو رأيكم في إمكان نجاح جهود التقريب بين المذاهب الإسلاميّة في عالمنا الإسلامي الذي تكاثرت فيه معاول التخريب الداخلية والأجنبية؟

□ في الواقع توجد فرصة كبيرة أمام نجاح هذه الجهود إذا أخذنا بنظر الاعتبار عدة قضايا رئيسية:

أولا: السنة التاريخية التي تحكم حركة التاريخ والمجتمع الإنساني، هذه السنة تقول: إن الحق يعلو لا محالة، وأن الباطل زاهق لا محالة. وقضية تقريب المذاهب ووحدة المسلمين هي قضية حقة، ولابد أن تنتصر في حركة السنن التاريخية والكونية التي تحكم حركة الإنسان وحركة المجتمع الإنساني. إنها مسألة غيبية نؤمن بها وركز عليها القرآن في مواضع كثيرة منها قوله سبحانه: ﴿قل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً﴾، ومنها قوله سبحانه: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾.

والقضية الأخرى التي يجب أخذها بنظر الاعتبار هي وجود هذا الكيان المبارك القائم على الساحة الدولية اليوم المتمثل بالجمهورية الإسلاميّة، فقضية التقريب وقضية الوحدة الإسلاميّة أصبح لها أم وأب يرعيانها، ويهتمان بها ويتبنيانها. والدولة الإسلاميّة المباركة لها وجود كبير على الساحة الدولية، وتتبنى أسسا راسخة قوية في العقيدة التوحيدية، وتنطوي على معنويات عالية مدعومة بتضحيات غالية ودماء زكية. وهذه الدولة اليوم

(٤٣)

تشكل رصيدا هاماً لوحدة المسلمين، لأنها تطالب بعزم وإصرار على استعادة عزة المسلمين وكرامتهم، وما ضاع حق وراءه مطالب. وهي مسألة هامة جدا يجب أن نأخذها بنظر الاعتبار في تقويم مستقبل حركة التقريب.

الأمر الثالث: الذي يمكن أن يذكر في هذا الصدد هو أن الوعي الإسلامي العام الموجود لدى الأمة الإسلاميّة حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد، هناك صحوة إسلامية، هناك وعي عام قائم لدى الأمة الإسلاميّة هناك اهتمام لدى الأمة في العودة إلى الله، والعودة إلى الهوية والشخصية الإسلاميّة، والالتزام بما أمر الله سبحانه به. وهذا الوعي يوحد بين فصائل المسلمين ويوجه عواطفهم واهتمامهم نحو هدف واحد.

الأمر الرابع: في هذا الموضوع هو التطور العلمي والتقني الذي يمكن أن يساهم مساهمة كبيرة جدا في تحقيق هذا التقريب. حيث أنني قلت: إن أحد أسس التقريب هو التفتيش عن حقائق كل مذهب. ووجود هذا التطور الكبير في وسائل الارتباطات ونقل المعلومات يوفر فرصة كبيرة للكشف عن هذه الحقائق ومعرفتها.

والأمر الخامس: هو التطور في الجانب الإنساني على الساحة العالمية. رغم أن السلوك العام شهد عالمياً تدهوراً وتدنياً في الجانب الأخلاقي، إذ ازداد الظلم والعدوان والتجاوز وبلغ حداً كبيراً، وشكلا مفزعاً استخدمت فيه الأسلحة الكيمياوية والنووية الفتاكة… رغم ذلك فهذا التدهور مقرون بتطور ونمو وتكامل في الرؤية للقضية الأخلاقية، بما يعبر عنه بحقوق الإنسان والإحساس بضرورة الدفاع عن هذا الحق، هذه الظاهرة سنة طبيعية تحتاج إلى حديث عن حركة التاريخ والمجتمع. فهناك دائماً حالة توازن بين التدهور الأخلاقي والوعي الأخلاقي، تؤدي إلى انفجار تغييري نسميه الثورة والتغيير الجذري، ونحن اليوم

(٤٤)

نشاهد أيضاً تدهوراً في الحالة السلوكية العالمية، والى جانبها تطوراً في الناحية النظرية، وفي الوعي على الحالة الأخلاقية، فيما يرتبط بحقوق الإنسان، والرأي المتبادل، وقضايا الحرية وقضايا التفاهم والتعارف، وغيرها من الأمور التي يمكن أن تكون عاملاً مساعداً في خدمة التقريب وقضية وحدة الإنسانية. ولذلك نشاهد الآن كثيراً من المشاريع الوحدوية المطروحة في العالم على المستوى الإقليمي والعالمي، نتيجة وجود الوعي في هذا الاتجاه.

والنقطة السادسة والمهمة في تصوري هي حاجة الأمة الإسلاميّة اليوم إلى التقريب والوحدة. فالأمة تعيش صراعا مصيريا، والتقريب والوحدة من العناصر الهامة في كسب المعركة في هذا الصراع المصيري. والحاجة - كما يقولون - أم الاختراع. عند الإحساس بالحاجة الحقيقية للوحدة والتقريب ستتحرك الأمة لسد حاجتها. ولذلك فان الفرص كبيرة لنجاح مشروع التقريب ونجاح أطروحة التقريب بين المذاهب ووحدة الأمة. من هنا نجد أن الأصوات الداعية للتقريب هي الأقوى، والأصوات الداعية إلى الاختلاف والتمسك بالفرعيات والتشبث بالجزئيات أصبحت هي الأصوات الخافتة، وأضحت هذه الأصوات السلبية تتحدث بطريقة ملتوية بعيدة عن الواقع، تحاول أن تخفي حقيقة مواقفها… تحاول أن تتخذ موقف النفاق… وحالة النفاق تعبر عن بداية الانتصار. عندما يبدأ الحق بالانتصار والباطل بالانهزام، يعلن الباطل عن نفسه أولا بشكل واضح ويدخل في الصراع، وعندما يُمنى بالهزيمة يحاول أن يدخل في حالة النفاق. وهذه الحالة مشهودة في بداية الدعوة الإسلاميّة، وفي تاريخنا المعاصر إبان الثورة الإسلاميّة، حيث كان العلمانيون والملاحدة والمنحرفون والمرتدون يواجهون الثورة علنيا في البداية وعندما هزموا أخذوا يواجهو

نها بطريقة نفاقية. على أي حال، الإحساس بالحاجة الماسة بين المسلمين للتقريب هي بذاتها.

(٤٥)

عامل على فتح الطريق لتحقيق هذا الهدف.

■ هناك من يتهم النجف وعلماء النجف بأن الهموم المذهبية هناك أكثر من الهموم الرسالية الإسلاميّة. ما هو رأيكم بذلك، وما هي المواقف التقريبية لحوزة النجف إذا كانت هناك مواقف تقريبية؟

□ الكلام عن حوزة النجف ومدرسة النجف وعلماء النجف هو في الواقع الحديث عن الشيعة والتشيع. تعرفون أن هذه الحوزة العلمية ترتبط بما أسسه أمير المؤمنين علي - عليه السلام - في الكوفة من مدرسة ذات أسس علمية وثقافية وعقائدية. وتطورت هذه المدرسة في عهد الصادقين عليهما السلام وأخذت هذه الحوزة موقعها في العالم الإسلامي. ثم حدث لها امتدادات تمثلت في مواقع متعددة أهمها الحوزة العلمية في قم ولذلك فان الحديث عن حوزة النجف هو الحديث عن التشيع وعن حركة أهل البيت - عليهم السلام - فيما يتعلق بموضوع التقريب.

أنا أعتقد أن قضية التقريب في نظرية أهل البيت قضية أساسية ورئيسية وواجب من الواجبات الشرعية وأول من رفع شعار التقريب بين المسلمين هم أهل البيت ولم يرفعوه شعارا يتحدثون عنه فحسب، بل جسدوه أيضاً حالة عملية وخارجية وتطبيقية، وقدموا على طريقه تضحيات كبيرة جدا على المستوى الشخصي لهم وعلى مستوى الجماعة والفئة التابعة لهم والملتزمة بسلوكهم ومسيرتهم ولقد تحدثت عن مواقفهم هذه في كتاب: الوحدة الإسلاميّة من منظور الثقلين. وهناك مجموعة من المبادئ الرئيسية المعروفة لدى مذهب أهل البيت تجسد هذه الحالة مثل مبدأ التقية. هذا المبدأ هو مبدأ تقريبي، ولو طالعنا نصوصه مطالعة واعية لوجدنا أنّه لا يقتصر على الجانب الأمني بل يشمل أيضاً البعد التقريبي، والبعد الوحدوي وهو بعد مهم غفل عنه كثير من الباحثين وأشرت في كتابي المذكور إلى

(٤٦)

نصوص التقية التي تكرس هذا البعد التقريبي الوحدوي وثمة مبدأ آخر غفل عنه كثير من الباحثين هو مبدأ التعايش بين المسلمين. وقد نادى أهل البيت - عليهم السلام - بهذا المبدأ وهو من خصائص مدرستهم. هناك تيارات الخوارج وتيارات الجهاز الحاكم وتيارات الانتهازيين وتيارات الثوريين المنتسبين لأهل البيت - عليهم السلام - مثل الزيدية الذي تبناه بعد ذلك الحسنيون بعد زيد وأولاده وتمتاز مدرسة أهل البيت بين كل هذه التيارات بدعوتها إلى مبدأ التعايش السلمي بين المسلمين، ونرى مصاديق هذا المبدأ في دعوة أهل البيت للاشتراك في صلوات الجماعة وزيارة المرضى والاهتمام بالأمور الاجتماعية مثل تشييع الجنائز والوفاء بالعقود وغيرها من المسائل التي دعوا المسلمين جميعاً إليها، من أجل أن يؤكدوا مسألة التعايش. وهذا مبدأ مهم لم يدرس بشكل كامل مع الأسف في أبحاثنا السياسية والاجتماعية.

لقد تبنى أمير المؤمنين - عليه السلام - مبدأ الحرية السياسية ومبدأ التعددية السياسية في المجتمع الإسلامي، وهو تَبَنٍّ فريد يمتاز به عن بقية الحكام وظل أهل البيت يتبنون هذا الرأي. وهي ظاهرة سياسية مهمة. فالإمام يعتقد أن الخوارج على خطأ، وأن الزبير وطلحة وأم المؤمنين عائشة على خطأ في موقفهم، لكنه لم يتخذ موقفا قمعياً لإسكاتهم، وإنما ترك لهم الحرية في أن يتحركوا. وكان يكتفي بإدانة مواقفهم وبقوا يتحركون حتّى رفعوا السلاح بوجه الإمام علي - عليه السلام ـ، عندئذ لجأ إلى ما يحافظ على وحدة المسلمين. وأئمة أهل البيت تبنوا أيضاً مقولة: لا ستسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن الجور إلاّ علي خاصة، وهي مقولة ذات دلائل وحدوية وهذه هي مبادئ التشيع وأفكاره وفي تاريخنا القديم والحديث صورة كثيرة تعبر عن الموقف العملي لهذه الحالة الوحدوية. والنجف في التاريخ المعاصر عبرت عن هذا الاتجاه من خلال مواقف كثيرة منها:

(٤٧)

الموقف من دخول الإنجليز إلى العراق، فالعراق هو البلد الوحيد الذي اجتمع فيه المسلمون جميعاً لمواجهة الغزو البريطاني وقاد هذه المواجهة العلماء في العراق. فاصدر علماء النجف فتوى الجهاد ضد الإنجليز، ووقفوا إلى جانب الدولة العثمانية لصد هذا الغزو. على أن الدولة العثمانية كانت تتبنى مواقف مذهبية متشددة قمعية تجاه غير أتباع المذهب الحنفي، من أجل فرض هذا المذهب على كل المسلمين بالرغم من ذلك وقف علماء النجف هذا الموقف الوحدوي.

وهكذا الأمر في ثورة العشرين، نجد أن الشعار المطروح هو إخراج البريطانيين من العراق، دون التفكير في البديل الحاكم، هل سيكون سنيا أم شيعيا. بل إن علماء النجف ذهبوا وجاءوا بحاكم سني من الحجاز… علماء النجف وشيعة العراق هم الذين قاتلوا، وهم الذين قدموا التضحيات، وهم أصحاب القوة… ولكن كان مهمهم الأول الإسلام، ولم يكن لهم هم طائفي مذهبي ولذلك اختاروا حاكما سنيا على شرط أن يحكم بالإسلام، وحينما نقض هذا الحاكم مبادئ الإسلام نهضوا بوجهه بدافع إسلامي أيضاً.

وفي الحرب العالمية الثانية كان للمرجعية موقف معروف في مساندتها للحركة الوطنية الرامية لتحرير العراق من الهيمنة البريطانية، فقد وقف السيد أبو الحسن الأصفهاني إلى جانب الثوار من أجل الإطاحة بالسلطة العميلة للبريطانيين.

وموقف علماء النجف من حركة الإلحاد في العراق معروفة، فقد وقفوا بوجه التيار الشيوعي واليساري الذي حاول أن يهيمن على مقدرات العراق وعلماء النجف قدموا في سبيل ذلك تضحيات جسيمة، رغم أن الظروف السياسية كانت تفرض أن لا يقفوا هذا الموقف، بل يحصلوا على مكاسب في العهد الجمهوري بعد عهود من الاضطهاد الطائفي

(٤٨)

فالعهد الجمهوري يمثل انفراجا للوضع الطائفي في البلد، وأعطى فرصة للشيعة كي يكونوا في جهاز الحكم وفي الأوساط العسكرية والاقتصادية لكن علماء النجف وقفوا ضد نظام عبد الكريم قاسم المساند لتيار الإلحاد، بل وقفوا ضد هذه الحالة من الانفراج، ليحققوا مكسب وحدة المسلمين في مواجهة تيار الإلحاد الشيوعي.

وموقف علماء النجف من قضية أكراد العراق وهم من أهل السنة واضح، فقد أصدر العلماء فتوى تحريم سفك دماء الأكراد، وتحريم أي عدوان على أعراضهم بينما وقف علماء السلطة ضد الأكراد. علماء الشيعة وقفوا إلى جانب صيانة دم الأكراد وأعراضهم، بينما وقف علماء السلطة إلى جانب العمليات القمعية ضد الأكراد.

أضف إلى كل ما تقدم موقف علماء النجف من قضية فلسطين. فقد واصلوا هذا الموقف في كل مراحل القضية، وأفتوا بجواز إنفاق الأموال والحقوق الشرعية لمناصرة العمل الفدائي ضد الصهاينة. ولا يزال هذا الموقف المبدئي من هذه القضية ومناصرتها قائما حتّى اليوم.

ثم إن موقف علماء النجف من الاشتراكية المعلنة في العراق قد جسد مبدأيتهم في عدم الانجراف نحو الشرق ولا نحو الغرب فقد وقفوا بوجه التيار الاشتراكي الذي أريد له أن يكون بديلا للتيار العلماني الديمقراطي مؤكدين رساليتهم في هذا الموقف ودخلوا في صراع كبير لم يدخله غيرهم.

ومسألة التقريب بين المذاهب، بذلت جهود كبيرة في النجف الاشرف لطرح ثقافة التقريب، ولتأليف الكتب الدراسية التقريبية، ولجعل مادة الفقه المقارن مادة دراسية في الحوزات العلمية وهذا ما حدث في النجف لأول مرة، حيث أصبح كتاب: الأصول العامة للفقه المقارن للسيد محمد تقي الحكيم كتابا دراسيا في النجف وفي كلية أصول الدين ببغداد،

(٤٩)

هذه الكلية التي كانت برعاية المرجعية الدينية. ولقد شهد تاريخ الحوزة العلمية في النجف قديما وحديثا تأليف مثل هذه الكتب الفقهية المقارنة مثل كتاب تحرير المجلة للمرحوم الامام الشيخ كاشف الغطاء في أيام الحكم العثماني ومن قبل ألف الشيخ الطوسي رضوان الله تعالى عليه كتاب الخلاف، والعلامة الحلي، وهو من علماء مدرسة النجف، ألف كتاب التذكرة وكتاب المختلف وهكذا حتّى عصرنا هذا، دأب العلماء في النجف على السير على هذا النهج التقريبي ونهج توحيد المسلمين.

وهناك نشاطات لدى علماء النجف من أجل إقامة علاقات مع علماء الأزهر الشريف، وخاصة شيوخ الأزهر، وكان من نتائج تلك النشاطات التقريبية أن أصدر المرحوم الشيخ شلتوت شيخ الأزهر فتواه المعروفة طبعا كان لسماحة آية الله العظمى السيد البروجردي رحمه الله في قم مسعى خاص في هذا المجال، ولكن التطورات السياسية في إيران والعراق أدت إلى أن تتواصل جهود التقريب مع الأزهر عبر علماء العراق. ولا بأس أن تعرفوا أن فتوى الشيخ شلتوت صدرت في زمن عبد الناصر، وكانت علاقات عبد الناصر بنظام الحكم في إيران آنذاك متوترة بينما كانت حوزة النجف تخوض آنذاك حربا مريرة ضد الشيوعيين مما قرب الحوزة العلمية في النجف من سائر علماء الإسلام وخاصة علماء الأزهر. ولا بأس أذكر شاهدا يمكن أن يعتبر مصداقا لهذا التقارب الذي حدث آنئذ. حين اعترف نظام الشاه بإسرائيل، وفتح الكيان الصهيوني مكتبا له في طهران أرسل شيخ الأزهر الشيخ شلتوت برقية إلى الامام السيد الحكيم رضوان الله تعالى عليه، وأصدر الامام الحكيم على أثر ذلك استنكارا على ما اقدم عليه نظام الشاه.

ومن اهتمامات مرجعية النجف في حقل التقريب، إرسال مصادر كتب الشيعة الهامة إلى

(٥٠)

المكتبات المركزية في مصر ولبنان وسوريا والسودان وغيرها من البلدان الإسلاميّة.

ومن اهتمامات علماء النجف في حقل التقريب حضور المؤتمرات العلمية التي عقدت في القاهرة ومراكش وتونس واللقاء فيها بعلماء المسلمين والمفكرين من جميع أرجاء العالم الإسلامي وكان التمثيل على أعلى المستويات العلمية، حضر بعض هذه المؤتمرات المرحوم الشيخ المظفر، وحضر بعضها السيد محمد تقي الحكيم.

وهناك بعد آخر من هذه النشاطات التقريبية يتمثل في إقامة علاقات بين الكليات والمعاهد العلمية الدينية في النجف الاشرف وبغداد والكليات المماثلة في العالم الإسلامي، أهمها كليات الشريعة في القاهرة وكان للسيد محمد تقي الحكيم والعلامة السيد مرتضى العسكري نشاط خاص ومساع جادة في مجال التقريب على هذا البعد.

■ بشأن نشاطاتكم التقريبية، نرجو أن تعطونا صورة عن أبعاد هذه النشاطات؟

□ أنا أؤمن بأن الخطوة التقريبية الأولى هي نشر ثقافة التقريب، فلا يمكن أن نقطع أية خطوة على طريق توحيد المسلمين دون أرضية ثقافية تحول قضية التقريب إلى ثقافة متبناة من قبل المسلمين بكافة مذاهبهم وأعتقد أن أفضل إطار لنشر هذه الثقافة هو إطار أهل البيت - عليهم السلام - بما كانت لهم من أفكار وآراء ونشاطات استهدفت توحيد صفوف المسلمين كما ألمعنا إليه سابقا. ومن الواضح أن هذه النشاطات أثمرت عن عاطفة جياشة يحملها المسلمون في مختلف عصور التاريخ وحتى يومنا هذا تجاه هذا البيت الكريم، وليس هناك من لم يحمل هذه الحرمة وهذه العاطفة تجاه آل البيت من المسلمين سوى نفر قليل من النواصب عرفوا ببغضهم لآل البيت، وهي حالة شاذة، لم تدم طويلا، فقد انقرض هؤلاء.

(٥١)

جدير بالذكر أن أهل البيت عاشوا مجتمعا مليئا بالتناقضات الحادة والصراعات التي تحولت أحيانا إلى شكل مواجهة دموية كما حدث في واقعة كربلاء، ومع ذلك كان موقف آل البيت من هذا المجتمع موقف الدعوة إلى الوحدة والتآلف والتعايش والتعاون مما جعل هذا البيت الكريم ينال كل هذه الحرمة بين المسلمين حتّى يزيد بن معاوية الذي ارتكب هذه الجريمة الشنعاء، ما كان يجرأ على الاستمرار بالتظاهر في عداء أهل البيت، بل أظهر بشكل وآخر ندمه على فعلته.

مما تقدم نفهم أن أفضل طريق لجمع مودة المسلمين على صعيد واحد هو تعريف أهل البيت للمسلمين بمضمونهم الفكري والثقافي والاخلاقي.

فإذا تمكنا أن نعرض فكر أهل البيت وطريقتهم ومواقفهم وأخلاقهم في مختلف القضايا، فذلك أفضل طريق لتقريب المسلمين حول محور واحد. ولكن هذا لا يعني أن المسلمين جميعا سيلتزمون بالضرورة بمدرسة آل البيت، بل يعني أنهم سيقفون جميعا موقف الاحترام من المشروع المطروح وعلى هذا الأساس قمت بعدة خطوات.

الأولى: تأليف كتب تعرض نظرية أهل البيت في المجالات الحساسة الهامة، من أجل نشر ثقافة التقريب كما ذكرت. من هذه الكتب الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق. فقد عرضت مضمون نظرية أهل البيت في الحكم على الصعيد النظري، ودرست التطبيق العملي الراهن لهذه النظرية في إطار الدولية الإسلاميّة القائمة في إيران. كما ألفت كتاب: الوحدة الإسلاميّة من منظور الثقلين. وهو على ما أعتقد من المؤلفات النادرة في موضوعه. وفيه حاولت أن أستخرج نظرية الإسلام في الوحدة مستنبطة من القرآن الكريم ومن السنة ومن أخبار أهل البيت.

(٥٢)

وخطوة أخرى على طريق التقريب نهجتها في مجال الاهتمام بالقرآن الكريم على مستوى التفسير أو على مستوى الدراسات القرآنية، وهو اهتمام يصب في حقل التقريب، لأن القرآن الكريم موضع احترام واتفاق جميع المسلمين وكلما ازداد الاهتمام بهذا المحور من قبل جميع المسلمين ازداد تقاربهم وتفاهمهم ولا بأس أن أشير إلى أن مدارسنا وحوزاتنا العلمية، بسبب ظروف متعددة بعضها سياسية وبعضها اجتماعية وبعضها تنظيمية لم تولِ الدراسات القرآنية الاهتمام اللازم، ومع أن علماء الشيعة ألفوا قديما وحديثا أسفارا هامة في التفسير، أذكر منها في عصرنا الحديث تفسير الميزان. لكن الاهتمام بالدراسات القرآنية ضمن مناهج الدراسة في الحوزة العلمية ضعيف لذلك بذلت جهودا خاصة في حقل القرآن، في النجف الاشرف ومدرستها العلمية فقد دونت دروسا في علوم القرآن وألقيت فيها محاضرات في المعاهد العلمية التي أسست لتنظيم دراسات الحوزة العلمية في النجف. وواصلت هذا العمل العلمي في إيران بعد الهجرة التي حدثت بسبب الظروف السياسية.

وبعد آخر من أعمالي التقريبية يتمثل في مساهمتي في المؤتمرات، فقد اشتركت في مؤتمرات عقدت لقضية فلسطين ومؤتمرات الوحدة الإسلاميّة التي عقدت لدراسة مسائل التقريب، كما حضرت عدداً من المؤتمرات التي عقدت في أرجاء العالم الإسلامي.

وفيما يرتبط بهذه النشاطات أذكر عملي في مواسم الحج، حيث أن الامام الحكيم أول من بادر لتأسيس بعثة حج دنية في موسم الحج في مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ وكنت مسؤول هذه البعثة لمدة تسع سنوات، وكانت البعثة تعمل في أوساط أتباع أهل البيت وأوساط عامة المسلمين.

ومما نشطت فيه على صعيد التقريب المساهمة الجادة في تأسيس المجمع العالمي للتقريب

(٥٣)

بين المذاهب الإسلاميّة وفي كل نشاطات هذا المجمع، وتقديم أطروحات علمية أعتقد أنها - لو نفذت - سوف تساهم مساهمة كبيرة في موضوع التقريب منها:

أطروحة الروايات المشتركة بين السنة والشيعة، المروية عن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام. فهناك كمية كبيرة جدا من هذه الروايات ذات مضامين رائعة هامة مشتركة بين الفريقين وإصدار مؤلفات تضم هذه الروايات المشتركة سيجعل المسلمين أمام واقع لم يعرفوه، وهم أنهم قريبون جدا من بعضهم دون أن يعرفوا ذلك.

وهكذا التأليف حول الرواة المشتركين، إذ هناك عدد كبير من الرواة المشتركين يعتمد عليهم أهل السنة والشيعة، والكشف عن هذه الحقيقة يساهم مساهمة جادة في التقريب لأنه يوضح للمسلمين بأنهم كانوا في السابق على وضع أفضل مما عليه في الوقت الراهن.

وكذلك التوجه لتحقيق الأصول المعتمدة عند أهل السنة والشيعة معا تحقيقا تقريبيا. كان يطبع كتاب البخاري وهو من صحاح أهل السنة بطريقة تقريبية، وذلك أن توضع في هامش الكتاب الروايات الواردة من طرق أهل البيت المتفقة مع روايات البخاري، أو تضاف إلى روايات البخاري تعليقات وشروح تقرب الرؤى تجاه هذه النصوص وقد بدأ العمل بالفعل في تنفيذ هذه الاطروحات.

على المستوى الفقهي كتاب ابن رشد مثلاً وهو: بداية المجتهد من الكتب المعروفة لدى إخواننا أهل السنة: ويقوم المجمع الآن بتحقيق هذا الكتاب ووضع الفقه الشيعي استدلالا إلى جانب ما يعرضه ابن رشد.

ومن هذه النشاطات المساهمة في تأسيس جامعة المذاهب الإسلاميّة على مستوى وضع المناهج وبيان الهيكلية وأمور التنفيذ.

(٥٤)

وكذا الأمر بشأن مجلة رسالة التقريب أعطيت من وقتي لمتابعة إصدارها والاشراف على موضوعاتها وهي مجلة رائدة في مجال التقريب آمل أن تتطور أكثر على طريق أداء رسالتها في المستقبل.

هذا إلى جانب خطوات ومشاريع أخرى يطول الحديث عنها. ولابد من التأكيد على أن ما قمت به حتّى الآن هو قليل بحق هذا الهدف الكبير والمشروع الكبير، ونسأل الله توفيق أداء المزيد من الأعمال الصالحة في هذا المجال.

■ العراق من البلدان التي شهدت تصاعد التآمر الطائفي فيها، والساحة العراقية كانت خلال العقود الأخيرة مسرحاً لألوان من المجابهات بين الطوائف والقوميات المسلمة… لا نريد أن ندخل في شؤون السياسة، بل نريد من منطلق الحرص على وحدة المسلمين أن نعرف شيئاً عن أبعاد مؤامرة تفريق المسلمين في العراق الذي تقفون أنتم في قمة استشراف واقعه ومستقبله.

□ العراق كما هو واضح له تاريخه الخاص وتركيبه الاجتماعي والثقافي الخاص، وهو بهذه الخصوصية يعتبر من البلاد الفريدة في العالم الإسلامي، وأخذاً بنظر الاعتبار هذه الخصائص فان نموذج التقريب لو نجح في العراق فسيكون له تأثير كبير على كل العالم الإسلامي هذا البلد نِسب التقسيم المذهبي فيه تكاد تكون متقاربة، كما أنّه ينطوي على التعددية القومية إضافة إلى التعددية المذهبية، أضف إلى ما سبق تاريخ العراق بما له من عراقة وما كانت له من مركزية في العالم الإسلامي حيث كانت بغداد عاصمة المسلمين السياسية، كما كانت الكوفة والبصرة عاصمتي المسلمين الفكرية، ومدرسة الكوفة بشكل خاص وتطورها إلى مدرسة النجف لها أهميتها الفائقة في تاريخ هذا البلد، ووجود مراقد أئمة آل البيت في العراق… كل ذلك وقضايا أخرى تعطي لأرض الرافدين أهمية خاصة ومن هنا كان العراق مستهدفا أكثر من غيره في التآمر الاستعماري والهجوم الاستكباري وعملية

(٥٥)

التفريق والتمزيق في العراق أريد منها تصوير حالة التمزق في جميع الأمة. والإنجليز كرسوا اهتمامهم في العراق بعد هيمنتهم عليه لإيجاد التفرقة المذهبية والطائفية بين أبناء الشعب العراقي، تماما كما فعلوا في شبه القارة الهندية، حيث أسفرت خططهم بين المذاهب والطوائف، بل حتّى بين أبناء الطائفة الواحدة في شبه القارة الهندية إلى تمزق فظيع ولا تزال هذه الحالة قائمة حتّى الآن، ويسقط جراؤها بين آونة وأخرى القتلى والضحايا باستمرار.

نفس الشيء حاولوا تطبيقه في العراق لكن علماء الإسلام في العراق، وخاصة علماء النجف وقفوا ضد هذا المخطط وأفشلوه على المستوى الشعبي ويمكن القول الآن أن العلاقات بين فصائل الأمة في العراق علاقات مودّة وأخوّة، حتّى لم يعد الإنسان يشعر بوجود اختلافات طائفية بين أبناء الشعب أهل السنة يتزوجون من أبناء الشيعة والشيعة يتزوجون من بنات أهل السنة بل إن بعض العشائر العراقية تجد أبناء الشيعة والشيعة يتزوجون من بنات أهل السنة بل إن بعض العشائر العراقية تجد أبناء عشيرة واحدة نصفها من أهل السنة وتصفها آخر ينتمي إلى مذهب أهل البيت والمدن فيها اختلاط بين أبناء المذاهب، وكثير من المؤسسات الثقافية والمشاريع التجارية يشترك فيها أهل السنة وأهل الشيعة. وهكذا في مختلف المجالات تجد هذا الاشتراك موجودا، وهذا التداخل قائماً ولا يكاد الإنسان يشعر بوجود اختلاف.

أما على مستوى الحكومة فالأمر مختلف تماما مع الأسف فالسياسات الحاكمة تقوم على أساس التفرقة المذهبية والطائفية وتتطرف هذه السياسات أحيانا إلى حد رفع شعار: لا شيعة بعد اليوم !! كما فعل النظام الحاكم الحالي في العراق فقد حاول هذا النظام أن يقضي على كل معالم أهل البيت في العراق، فقتل العلماء وألغى المؤسسات ومنع طباعة الكتب ونشرها وأصدر قائمة في الكتب المحظورة تزيد على الألف كتاب، بينها كتب يعود تأليفها إلى أحد عشر قرنا خلت مثل مؤلفات الشيخ الطوسي ومؤلفات الشيخ الصدوق وتدخل النظام في تفاصيل حياة الناس لأحداث الفجوة بين أبناء الشعب، وليثبت وجوده من خلال

(٥٦)

عملية التمزيق.

لقد حاولوا أن يستثيروا أبناء السنة في العراق، بل أبناء السنة في العالم الإسلامي ضدّ شيعة العراق بأساليب مختلفة، من أجل أن يعطوا الصراع فيه طابعا مذهبيا طائفيا وكأنه صراع بين أهل السنة والشيعة. بعد أن فشل النظام في سياسته العلمانية الموجهة لكل علماء الإسلام ولكل التراث الإسلامي حاول أن يعطي لحربه الظالمة ضد الإسلام والصحوة الإسلاميّة والتراث والتراث الإسلامي طابعا مذهبياً. لقد بذلنا جهودا كبيرة من أجل فضح هذا المخطط، وأسفر - والحمد لله - عن انفضاح النظام. وأصبح الموقف الشعبي داخل العراق موحّدا من النظام، فقد تبيّن أنّه ليس سنياً؛ بل ولا هو عراقي أصلا. اتضح أنّه يعادي الجميع ويبطش حتّى بأولاده وأصهاره وأقرب الناس إليه من أجل أن يبقى على الحكم، وجهودنا في هذا المجال امتدت إلى العالم الإسلامي لتوضيح هذه الحقائق. لقد احترقت ورقته الطائفية بعد أن حاول أن يلعب بها زمنا، كما حاول أن يلعب بالورقة القومية في حربه ضد الجمهورية الإسلاميّة بأن يعطي الحرب حالة صراع بين العرب والفرس. لقد انكشفت كل الأوراق والحمد لله رب العالمين، وأصبحت طبيعة النظام واضحة في الداخل والخارج، ولا نزال نبذل الجهود في هذا المجال.

■ نشكركم على هذه الفرصة التي وفرتموها لمجلة رسالة التقريب، لقد اطلعنا في هذه المقابلة على حقائق جديدة بشأن أفكاركم وتصوراتكم ونشاطاتكم بشأن التقريب، ونأمل أن تكون لنا معكم في المستقبل جولات فكرية ممتعة أخرى، ونسأل الله سبحانه أن يوفقكم في مساعيكم الرسالية الهادفة.

□ وأنا أيضاً أشكركم وأسال الله أن يوفقكم لخدمة مشروع التقريب عبر مجلتكم الرائدة.

(٥٧)

دراسات

ملخّص

في دراسات هذا العدد دراستان قرآنيتان:

١ - أثر القرآن على الحركة الفكرية والنهضة العلمية والحضارة الإنسانية، الأستاذ العلامة الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة، وفيه عرض واسع لوضع الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، ودور القرآن في خلق أمة متحركة على طريق الفكر والحضارة، ومتخلقة بأخلاق جعلتها تتشر الخير والعدل في ربوع العالم.

٢ - مذاهب التفسير واتجاهاتها في القرن السادس الهجري في خراسان، الدكتور مرتضى الايرواني، من أساتذة جامعة مشهد، وفيه تحدث عن مدارس التفسير في خراسان خلال القرن المذكور، ووقف في هذه الحلقة من دراسته عند التفسير الاثري أم الرواني، واستعرض منهج تفسيرين من هذه التفاسير الروائية، الأول - مفسره من اتباع مذهب أهل البيت وهو الطبرسي وتفسيره مجمع البيان، والثاني: مفسره من أهل السنة وهو البغوي وتفسيره معالم التنزيل.

والدراسة الأخرى فقهية تحت عنوان:

منطقة الفراغ في التشريع الإسلامي، الأستاذ العلامة السيد علي اكبر الحائري من أساتذة الحوزة العلمية في قم.

ومنطقة الفراغ في التشريع الإسلامي عبارة عن المساحة التي خول فيها الإسلام الحنيف حق التشريع والتقتين لولي الأمر الشرعي في كل زمان ومكان، وتعرض الكاتب لتوضيح المراد بهذه الفكرة وحاول استكشاف جذورها وأسبابها بنحو يتضح انها من مظاهر كمال الشريعة الإسلاميّة وليست نقصا فيها، ثم أشار إلى الموازين والأطر الثابتة في الشريعة الإسلاميّة لملء منطقة الفراغ من قبل ولي الأمر، ضمن

(٥٨)

ثلاث نقاط رئيسية، ثم تعرض لبيان الفرق بين ملء منطقة الفراغ من قبل ولي الأمر وبين معالجة المجتهد لمشكلة (العوز في النص) عند استنباط الأحكام الشرعية، ثم عرج على بيان الشبهات والإشكالات التي قد تورد على هذه الفكرة وحاول حلها والإجابة عليها بالشكل الصحيح.

وفي هذه المجموعة من الدراسات دراسة تاريخية تحت عنوان:

مقدمة فكرية لحركة المشروطة، الدكتور علي اكبر ولايتي وزير خارجية الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية، وأستاذ جامعة طهران. وهي في الواقع دراسة تاريخ الفكر الذي نشأت عنه الحركة الدستورية الإيرانية (المشروطة). وفي مقدمة الحلقة السابقة من هذه الدراسة ذكرنا أن الهزيمة النفسية أمام الغزو الأوربي كانت وراء كثير من أحداث عالمنا الإسلامي، وتكاد كل بلدان العالم الإسلامي قد شهدت في تاريخها الحديث هذه الظاهرة بشكل وآخر، والكاتب يدرس هذه المسألة في إيران وفي هذه الحلقة يسلط الضوء على اثنين من قادة الفكر المهزوم هما عبد الرحيم طالب أوف وميرزا ملكم خان، ويعتمد على مصادر معظمها من مؤلفات المتغربين أنفسهم.



[ Web design by Abadis ]