ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حكم بث الفرقة بين الجاليات الإسلاميّة و أمر الشيعة \ فتوى شيخ الأزهر الراحل بشأن حكم بث الفرقة بين الجاليات الإسلاميّة

بمناسبة وفاة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق إمام الأزهر الشريف ننشر هذه الفتوى التي طالعناها في مجلة الأزهر باعتبارها موقفا من المواقف التقريبية للأزهر ومشيخته.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد.

فقد ورد في مجلة أكتوبر بالعدد رقم ٤٦٠١ الصادر بتاريخ ٢٥ من أغسطس ١٩٨٥م تحت عنوان «الأزهر ملاذهم الديني الأول» للسيد عبد العزيز صادق رسالة موجهة إلى فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، وخلاصتها كما يلي:

[٢٤]

في هذا الأسبوع وصلتني رسالة من بعض من يعملون بالمركز الإسلامي بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة، مضمونها أن بعض أعداء الإسلام يعملون على بث الفرقة بين الأقليات المسلمة في أفريقيا وآسيا، وأمريكا، يحاولون صبغ الخلافات - أيا كان نوعها - بالصبغة الطائفية، ويكفرّون الشيعة على اختلاف فرقها، وهي هجمة شرسة تستهدف التفرقة بين المسلمين. وأن بعض الناس يرى أنّه يجب على المسلم - لكي تقع عباداته ومعاملاته صحيحة - أن يقلد أحد المذاهب الأربعة فقط.

فهل توافقون يا فضيلة الامام الأكبر شيخ الأزهر على هذا الرأي على إطلاقه؟

ثم إن بعض الناس قد أخذوا يكفرون الشيعة، ويرون أن الإسلام منهم براء، ترى ما هو رد فضيلتكم على هذا القول؟ وهل يجوز لمسلم أن يكفر غيره من المسلمين؟

ونفيد بالآتي:

أولا: عن حكم التقليد، وهل يلزم تقليد مذهب معين؟ وبيان ذلك كما يلي:

ذهب جمهور الأصوليين إلى أن العامي، وهو الذي ليس له أهلية الاجتهاد في الأحكام وإن كان محصلاً لبعض العلوم، يجب عليه اتباع قول المجتهد والأخذ بفتواه استنادا إلى قوله تعالى: ﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾.

وهي عامة لكل المخاطبين الذين لم تتوافر لهم وسائل العلم بالأحكام، ولأن العامة في زمن الصحابة والتابعين كانوا يستفتون المجتهدين منهم ويتبعونهم فيما بينوه لهم من الأحكام، وكان المجتهدون يبادرون إلى إفتائهم والكشف لهم عما جهلوا ولم ينكروا عليهم استفتاءهم إياهم، فكان ذلك إجماعاً على مشروعية التقليد في الفروع، غير أن العامي في الاستفتاء مقيد باستفتاء من عُرف بالعلم والعدالة وأهلية النظر فيما يستفتي فيه - احتياطا في أمر

[٢٥]

الدين.

كما ذهب جمهور العلماء إلى أنّه لا يجب على العامي التمذهب بمذهب مجتهد معين والتزام جميع عزائمه ورخصه - بحث لا يجوز له الخروج عنه - بل له أن يعمل في مسألة بقول مجتهد، وفي أخرى بقول مجتهد آخر، وعلى ذلك استقر عمل المفتين في كل عصر من زمن الصحابة ومن بعدهم وقد اختار ذلك من علماء الأصول «الآمدى»، و «ابن الحاجب» و «الكمال» في تحريره و «الرافعي» وغيره؛ لأن التزام مذهب معين في كل المسائل غير ملزم، إذا لا واجب إلاّ ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل معين من الأئمة فيقلده في دينه، يأخذ كل ما قال فيه ويذر غيره.

وقد قال ابن أمير حاج - من علماء الأصول - «لا يصح للعامي مذهب لو تمذهب به؛ لأن المذهب إنّما يكون لمن له نوع نظر واستدلال وبصر بالمذاهب على حسبه، أو لمن قرأ كتبا في فروع ذلك المذهب، وعرف فتاوى إمامه وأقواله. وأما من لم يتأهل لذلك البتة، بل قال: أنا حنفى، أو شافعي، أو غير ذلك لم يصر كذلك بمجرد القول».

ومما تقدم يعلم أنّه لا يجب تقليد مجتهد معين، وأن التلفيق بمعنى العمل بقول مجتهد في مسألة، وبقول آخر في أخرى لضرورة ولغيرها في العبادات والمعاملات جائز تخفيفا ورحمة بالأمة، بل ذهب الجمهور إلى جواز تتبع رخص المذاهب في المذاهب في المسائل المختلفة، لأن للمكلف أن يسلك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يكن قد عمل يقول مجتهد آخر في ذات المسألة التي يريد التقليد فيها.

والخلاصة أن التقليد واجب على غير المجتهد المطلق لضرورة العمل، وأنه لا يجب على المقلد التزام مذهب معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهب مقلداً غير

[٢٦]

إمامه، وأن مذهب العامي فتوى مفتيه المعروف بالعلم والعدالة، وأن التلفيق بمعنى العمل في كل حادثة بمذهب جائز.

ثانياً: حكم التكفير، وهل يجوز للمسلم أن يكفر غيره من المسلمين؟ وللإجابة على هذا نذكر أولاً بيان حقيقة الإيمان والإسلام، وبيان معنى الكفر. وذلك كما يلي:

أ - الإيمان وحقيقته الإيمان لغة: هو التصديق مطلقاً. وفي الشرع: هو التصديق بالله وبرسله وبكتبه وبملائكته وباليوم الآخر وبالقضاء والقدر:

﴿ءامن الرسول بما أنزل إليه من ربه المؤمنون كلٌّ ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نُفرّقُ بين أحد من رسله﴾ [١].

والإيمان بهذا تصديق قلبي بما وجب الإيمان به، وهو عقيدة تملأ النفس بمعرفة الله وطاعته في دينه ويؤيد هذا دعاء الرسول - صلى الله عليه وآله ـ: «اللهم ثبت قلبي على دينك» وقوله لأسامة وقد قتل من قال: لا اله إلاّ الله: «هلا شققت قلبه» [٢]

ب - الإسلام وحقيقته، يقال في اللغة أسلم: دخل في دين الإسلام. وفي الشرع: كما جاء في الحديث الشريف: «الإسلام أن تشهد أن لا اله إلاّ الله وأن محمداً عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً» [٣].

فالإسلام هو العمل بالقيام بفرائض الله من النطق بالشهادتين وأداء الفروض والانتهاء عما حرم الله سبحانه ورسوله.

فالإيمان تصديق قلبي، فمن أنكر وجحد شيئاً مما وجب الإيمان به فقد خرج من الإسلام

[٢٧]

قال تعالى: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضللاً بعيداً﴾ [١].

أما الإسلام فهو العمل والقول، عمل بالجوارح ونطق باللسان، ويدل على المغايرة بينهما قول الله - سبحانه: ﴿قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾ [٢].

د - متى يكون الإنسان مسلماً؟ حدد هذا رسول الله - صلى الله عليه وآله - في الحديث الذي رواه البخاري في قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا اله إلاّ الله ويؤمنوا بي، وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها، وحسابهم على الله».

هذا هو المسلم، فمتى يخرج عن إسلامه؟ وهل ارتكاب معصية بفعل أمر محرم أو ترك فرض من الفروض ينزع عنه وصف الإسلام وحقوقه؟

قال سبحانه وتعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ [٣].

هـ ما هو الكفر؟ الكفر لغة: كفر الشيء: غطاه وستره، وشرعاً: أن يجحد الإنسان شيئاً مما أوجب الله الإيمان به بعد إبلاغه إليه، وقيام الحجة عليه.

وقد شاع الكفر في مقابلة الإيمان، لأن الكفر فيه ستر الحق، بمعنى إخفائه، وطمس معالمه، ويأتي هذا اللفظ بمعنى كفر النعمة، وأعظم الكفر جحود وحدانية الله باتخاذ شريك له، وجحد نبوة رسول الله محمد - صلى الله عليه وآله - وشريعته والكافر متعارف فيمن يجحد كل ذلك.

وإذا كان ذلك هو معنى الإيمان والإسلام والكفر مستفاداً من نصوص القرى، والسنة،

[٢٨]

كان المسلم الذي ارتكب ذنباً وهو يعلم أنّه مذنب عاصياً لله - سبحانه وتعالى - معرضا نفسه لغضبه وعقابه، لكنه لم يخرج بما ارتكب عن ربقة الإيمان وحقيقته ولم يزل عنه وصف الإسلام وحقيقته وحقوقه.

وأياً كانت هذه الذنوب التي يقترفها المسلم خطأ وخطيئة، كبائر أو صغائر فإنه لا يخرج بها عن الإسلام ولا من عداد المؤمنين، ذلك مصداقه قول الله سبحانه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾.

و - هل يجوز تكفير المسلم بذنب ارتكبه؟ أو تكفير المؤمن الذي استقر الإيمان في قلبه؟ ومن له الحكم في ذلك إن كان له وجه شرعي؟

قال الله سبحانه: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة﴾ [١]

وفي حديث رسول الله - صلى الله عليه وآله - الذي رواه أبو داود أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: «ثلاث من أصل الإيمان، وعدَّ منها الكف عمن قال لا الإله إلاّ الله لا نكفره بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بعمل».

وما رواه الامام أحمد أن رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: «لا يرمى رجل رجلا بالفسق، أو يرميه بالكفر إلاّ ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك».

ومن هذه النصوص يتضح أنّه لا يحل تكفير مسلم بذنب اقترفه سواء كان الذنب ترك واجب مفروض، أو فعل محرم منهى عنه، وأن من يكفر مسلماً أو يصفه بالفسوق، يرتد عليه هذا الوصف إن لم يكن صاحبه على ما وصف.

[٢٩]

ز - من له الحكم بالكفر أو الفسق. قال الله تعالى: ﴿فإن تنزعتم في شيءٍ فردوه إلى الله والرسول﴾ [١].

وقال سبحانه: ﴿فلو لا نفر من كل فرقةٍ منهم طائفة ٌ ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ [٢].

﴿فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ [٣].

وفي حديث رسول الله - صلى الله عليه وآله - الذي رواه الزهري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «سمع النبي - صلى الله عليه وآله - قوماً يتمارون في القرآن (يعني يتجادلون في بعض آياته) فقال: إنّما هلك من كان قبلكم بهذا، ضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وإنما نزل كتاب الله يصدق بعضه بعضاً ولا يكذب بعضه بعضاً، فما علمتم منه فقولوا: وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه».

هذا هو القرآن، وهذه هي السنة، كلاهما أمر بأن النزاع في أمر من أمور الدين يجب أن يرد إلى الله ورسوله، وإن من يتولى الفصل وبيان الحكم هم العلماء بالكتاب والسنة، فليس لمسلم أن يحكم بالكفر أو الفسق على مسلم، وهو لا يعلم ما هو الكفر ولا ما يصير به المسلم مرتداً كافراً بالإسلام، أو عاصياً مفارقاً لأوامر الله إذ الإسلام عقيدة وشريعة، له علماؤه الذين تخصصوا في علومه تنفيذاً لأمر الله ورسوله فالتدين للمسلمين جميعاً، ولكن الدين وبيان أحكامه وحلاله وحرامه لأهل الاختصاص به وهم العلماء قضاء من الله ورسوله.

هذا: ولا ينبغي اتخاذ المذاهب الفقهية الإسلاميّة وسيلة لكسب سياسي أو تأييداً لدولة،

[٣٠]

أو فئة من الناس، وأولى بالمسلم بدل أن يدعو أخاه المسلم إلى مذهبه - والمذاهب الصحيحة كلها من رسول الله - صلى الله عليه وآله - ملتمسة - أن ينشر الإسلام وفضائله، عقيدة وشريعة بين غير المسلمين.

والأزهر ينكر على هؤلاء - الذين يجاهدون في غير عدو - صفتهم. فليس للمسلم الشيعي أن يطلب إلى المسلم السني ترك مذهبه الشافعي أو الحنفي أو المالكي أو الحنبلي، ليتابعه على المذهب الشيعي، وليس للسني - أيضاً - ذلك الصنيع، وما دام الكل من المسلمين فعليهم أن يكونوا أخوة وأن يعملوا على نشر الإسلام بين غير المسلمين، ويكفوا عن توسيع شقة الخلاف والفرقة بين صفوف الأمة وعن اتخاذ المذاهب الإسلاميّة الفقهية مذاهب سياسية للدول، فإن المسلمين الأوائل لم يفعلوا ذلك، لأنه يتناقض مع قوله تعالى: ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون﴾ [١].



[ Web design by Abadis ]