ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الثابت و المتغير في الفكر الديني \ الأستاذ كامل الهاشمي

مقدمة:

البحث في إشكالية الثابت والمتغير بحث مهم وخطير في الوقت نفسه، ورغم أهمية البحث إلا أن الباحث يتردد ويتأمل كثيراً حينما يريد الحديث عن إشكالية الثبات والتغير في "الدين" أو في "الفكر الديني"، وذلك لأن الحديث في الثابت والمتغير حديث غير محدد الأبعاد وغير واضح المعالم، أضف إلى ذلك أن أية نتيجة يتوصل إليها الباحث من وراء دراسته لإشكالية الثابت والمتغير سيكون لها انعكاساتها الكلية على مجمل تصوراته الدينية ومفاهيمه العقيدية ومواقفه التشريعية.

وفي الحديث عن الثابت والمتغير تواجه الباحث أسئلة واستفسارات عديدة لا يمكنه التجاوز والأعراض عنها أو التقليل من أهميتها، من قبيل: هل أن في الدين أو الشريعة ثابت ومتغير؟ وما معنى الثبات والتغير فيهما؟ وما هي مجالات الثبات ومجالات التغير؟ والاهم من ذلك كله لمن تكون صلاحية تحديد الثابت من المتغير؟ … إذ ليس من المعقول أن يفتح الباب على مصراعيه لكل أحد من أجل أن يقرر أن هذا الأمر ثابت لا يقبل التغيير وأن الآخر متغير لا يقبل الثبات.

ومما ينبغي الالتفات إليه أن إشكالية الثابت والمتغير ترتبط أشد الارتباط بإشكالية تجديد الفكر الديني، بل تعد بُعداً رئيسياً من أبعادها، لأن أيّة خطوة يراد إنجازها في مهمة التجديد لابد أن يسبقها موقف محدد من مسألة الثابت والمتغير. ومن الواضح أن عملية التجديد لا يمكن قبولها إلاّ في ظل التسليم بإمكانية التغيير ولو بأدنى مستوياته.

ورغم ما كتب عن إشكالية الثابت والمتغير في "الدين" أو في "الفكر الديني" فإنه يبقى البحث محتاجاً إلى مزيد من النظر والتدقيق، لأن المحصلة النهائية للبحث لا يمكن أن تبقى مبهمة وغير مضبوطة، في الوقت الذي يتحرك الكثيرون لحذف الكثير من الثوابت الدينية على أساس قابلية الدين أو الفكر الديني للتغيير، وأن الثبات المطلق أو المقيد على أصول الدين أو فروعه يفقد الدين والفكر الديني قدرة الفاعلية والتأثير في الأوضاع المتغيرة والمتحركة التي يعيشها الإنسان المعاصر. وفي الجهة المقابلة هناك من يصرّ على أن لا متغير في الدين وأن حلال الدين حلال إلى يوم القيامة وأن حرامه حرام إلى يوم القيامة أيضاً، وأن لا مجال أبداً لأي تغير أو تغيير في أحكام الله سبحانه وتعالى، وربما يعمم بعض أصحاب هذا الرأي هذا الحكم على كلّ معارف الإسلام وعلوم الدين، من دون الالتفاف إلى ضرورة التمييز بين الدين والفكر الديني.

ومهما يكن من أمر فقد حاولنا في هذا البحث أن نقدم بعض الأفكار المتواضعة في هذا المجال، سائلين الله تعالى أن يوفقنا للصواب وأن يهدينا طريق الرشاد، وما نأمله من وراء هذا البحث أن نساهم ولو بعض المساهمة في حلّ بعض أبعاد وجوانب هذه المشكلة القائمة.

وأما الأفكار التي نرغب في بيانها في هذا البحث فهي كالتالي:

الفكرة الأولى: منطلقا الإشكالية

الذي نراه أن إشكالية الثابت والمتغير تنطلق من جهتين أو جنبتين رئيسيتين:

الأولى: تتعلق بفهم الإسلام فهي "جنبه مفهومية"، ومبدأ وأساس هذه الجنبة هو القول بأن الإسلام الذي يراد له أن يكون خالداً فاعلاً مؤثراً في حياة الإنسان في كلّ الأزمنة والعصور، لا يمكن لعطائه الفكري وثرائه المعرفي أن يتوقف عند حدّ معين وأفق محدد، لأن البشرية تعيش على الدوام تجدداً في أفكارها واتساعا في مداركها، وليس من المعقول لدين يبتغي الخلود والاستمرار فاعلا مؤثراً في حياة الإنسان أن يعجز في وقت من الأوقات عن تقديم ما يساهم في فتح آفاق مستجدة من التفكير والوعي لمعتنقيه ومتبعيه.

الثانية: تتعلق بفاعلية الإسلام ودوره في الحياة فهي "جنبة عملية"، ومبدأ هذه الجنبة هو القول بأن فاعلية الدين الإسلامي والفكر الديني على البقاء والاستمرار والتأثير في الممارسات العملية للناس، مرهونة بقدرتها على الاستجابة لتغيرات الظروف الإنسانية التي تتسم بدوام التطور والتبدل والتجدد. والأمر الذي يستدعي إجابات وحلولاً متطورة ومتغيرة لمشاكل ومستجدات كلّ عصر من

العصور، وليس من المقبول أبداً أن تتغير الظروف والأحوال البشرية في الوقت الذي تتوقف أجوبة الإسلام وحلول الفكر الديني عند إثارات الماضي ومشاكل السابقين.

والذي نستطيع قوله في الإجابة على هاتين الاثارتين هو التالي:

أما بالنسبة إلى الإثارة الأولى: أعني "الجنبة المفهومية" فإن ما يمكن قوله هو أن هذه الجنبة أو الإثارة وإن غفل أو تغافل بعض المفكرين عن بيانها وإستثارتها، إلاّ أن الكثير من تعابير النصوص الإسلاميّة تدلنا على اهتمام بالغ بضرورة استجابة الدين لتطورات الوعي البشري وقدرة الدين الإسلامي بشكل خاص على القيام بها الأمر.

وما تطرحه النصوص الإسلاميّة في هذا الشأن هو أن دلالات النص لا تتوقف عند مستوى واحد من الفهم، بل هي تعدد وتتنوع بتعدد وتنوع الأزمان والأشخاص ومستويات الفهم والإدراك. وأن النص له قابلية الانفتاح على قراءات مختلفة، تتجدد وتتسع بتجدد أفكار البشر واتساع مداركهم المعرفية. ويمكننا القول أن النصوص الإسلاميّة جعلت انفتاح النص على الأفهام المختلفة وقابليته للقراءات المتنوعة ميزة أساسية وحيوية من ميزات النص الديني.

وهذا ما يفيدنا إياه الإمام علي - عليه السلام - في حديثه عن القرآن الكريم حينما يصفه بالقول: (وإن القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق، لا تفنى عجائبه، ولا تنقضي غرائبه، ولا تكشف الظلمات إلاّ به)، وفي قوله - عليه السلام - : (واعلموا أنّ هذا القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يضل، والمحدث الذي لا يكذب. وما جالس هذا القرآن أحد إلاّ قام عنه بزيادة أو نقصان: زيادة في هدى أو نقصان من عمى).

ونشير إلى هذه القابلية التي يتمتع بها النص الديني في ما روى العيّاشي

وغيره عن جابر، قال: سألت أبا جعفر - عليه السلام - عن شيء من تفسير القرآن فأجابني، ثم سألت ثانية فأجابني بجواب آخر، فقلت: جعلت فداك … كنت أجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم!

فقال لي: (يا جابر، إنّ للقرآن بطناً وللبطن بطناً وظهراً، وللظهر ظهراً … يا جابر وليس شيء، وهو كلام متصل ينصرف على وجوه). [١]

ونتفهم هذه القابلية أيضاً في قول الإمام الصادق - عليه السلام - : (ولو كانت إذا نزلت آية على رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية لمات الكتاب، ولكنه حيّ يجري في من بقي كما جرى في من مضى). [٢]

وهكذا تعطينا هذه النصوص الإسلاميّة فهماً واقعياً للدور الذي يقوم به النص الديني في فتح آفاق الناس بشكل دائم ومستمر على الجديد والمتغير في فهم خطاب الدين وكلماته.

وأما بالنسبة إلى الإثارة الثانية، أغني "الجنبة العملية" فإن بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً يمثل أفضل حلّ لمعالجة مشاكل الحياة المتجددة، ومن المعلوم أن الإسلام حينما سمح بل أوجب على بعض المسلمين الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية فإنما استهدف بذلك تواصل المسلمين مع مشاكل العصر المستجدة عبر ما يقوم به الفقيه والمجتهد من تعرّف ودراسة لهذه المشاكل المستحدثة ومن ثمّ استنباط الرأي فيها على ضوء القواعد الشرعية المقررة.

ومن الواضح أن الفقيه حينما يقوم بمهمة الاستنباط لا يمكن أن يتغافل عن

حيثيات الزمان والمكان والتغيرات التي تطرأ على مجمل الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. وعلى هذا الأساس يمكن للفقيه أن يختلف مع غيره من الفقهاء السابقين في حكم مسئلة من المسائل الشرعية، وربما أثر تغير الأوضاع وتبدل الظروف في الأسس التي يراعيها الفقيه في عملية الاستنباط نفسها، إذ أننا نلاحظ أن طريقة ومنهجية الاستنباط نفسها كانت تتطور وتنمو بحكم تأثر الفقيه بما يحيط به من ظروف وما يعاصره من قضايا متنوعة.

نعم … يبقى من اللازم أن نشير في هذا المجال إلى التقصيرات التي ربما تنشأ وقد نشأت في بعض الممارسات الفقهية حينما يبتعد البعض من الفقهاء عن تفهم مشاكل العصر فيعجزون عن تقديم حلول لها، أو يقدمون الحلول التي يعجز الواقع عن قبولها، وبذلك يبقى المكلف تتجاذبه من جهة رغبته في إطاعة الحكم الشرعي، ومن جهة أخرى ضغوطات الواقع التي تمنعه من تحقيق رغبته في امتثال الحكم الشرعي.

وعلى هذا الأساس نستشعر ضرورة أن يفكر المهتمون بالشأن الفقهي الإسلامي في مسئلة تطبيق الإسلام وفاعليته في الحياة بالمستوى الذي يفكرون فيه في الإجابة على أية قضية مستحدثة أو مشكلة مستجدة. لأن الله تعالى لم يرد للإسلام أن يبقي أفكاراً ونظرات في بطون الكتب والأسفار من دون أن يتجسد في الواقع ويشق طريقه إلى حياة الناس وممارساتهم اليومية.

الفكرة الثانية: الثابت والمتغير في الدين والفكر الديني

يبدو من المهم جداً في الحديث عن الثابت والمتغير التفريق بين مجالين مختلفين أشد الاختلاف بينما هما مترابطان أشد الترابط، وهذان المجالان هما:

الدين أولاً، والفكر الديني ثانياً. ونحن إذ نقول باختلاف المجالين لأننا نعي أن الدين يختلف في كثير من سماته عن الفكر الديني، إذ الدين هو تنزيل سماوي من قبل الله سبحانه وتعالى على رسول من رسله أو نبي من أنبيائه، فهو على هذا الأساس يتمتع بقدسية وصيانة يتوفر عليهما بحكم كون المنزل للدين هو الله تعالى الذي ينزهه العقل السليم عن كلّ موجبات التقصير والقصور، وتبرّىء الفطرة المستقيمة ساحته عن كلّ مقتضيات الغفلة والسهو والنسيان والخطأ والاشتباه. والمنزل عليه الدين هو الرسول أو النبي الذي ضمن الله عزّ وجلّ عصمته وأمانته على تبليغ أحكام الدين ومعارفه إلى الخلق.

وبالإضافة إلى حكم العقل الذي يدلنا على ضرورة تنزيه الله سبحانه عن كلّ نقص، وضرورة تنزيه الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل الصلاة والسلام عن كلّ تقصير وقصور في تأدية وإبلاغ رسالاتهم الإلهية إلى الخلق، فإن القرآن المجيد يحفل بما يؤيد هذه الحقائق.

كقوله تعالى:؟ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل؟ [٣]

وقولـه سبحانه:؟ وإنه لتنزيل رب العالمين. نزل به الروح الأمين. على قبلك لتكون من المنذرين؟ [٤]

وقولـه عزّ شأنه في حق المرسلين (ع) بشكل عام:؟ ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون؟ [٥]

وقولـه سبحانه في حق خاتم النبيين - صلى الله عليه وآله - بشكل خاص:؟ إنه لقول رسول كريم. وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون. ولا بقول كاهن قليلاً ما

تذكّرون. تنزيل من ربّ العالمين. ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين؟ . [٦]

وهذه البيانات التي يقدمها الدين عن نفسه تدلنا على أن ثمة فرقاً واختلافاً بين الدين والفكر الديني، لأن الفكر الديني وإن اتخذ من الدين منطلقاً وأساساً في ما يريد تبنيه من أفكار ومفاهيم إلا أنه لا يعدو أن يكون قراءة بشرية للدين قابلة لأن تصيب حيناً وتخطىء أحياناً أخرى، وأن تعي مضمون الدين مرة وتنحرف عنه مرة أخرى. وهذا الأمر يجعل الفكر الديني لا يرقى إلى مستوى الدين إلا بمقدار ما يصيب من حقيقة الدين وواقعيته.

ولقد كنا بحاجة إلى التنبيه على هذا الفرق بين الدين والفكر الديني لشدة الارتباط والتداخل بينهما مما يجعل مسألة التفريق بينهما في كثير من الأحيان مسألة معقدة لا يتيسر خلالها التمييز بين ما هو من الدين وما هو فهم بشري للدين. وهذا ما يؤكده التحسس الشديد من قبل بعض المتدينين للحديث عن إشكالية الثابت والمتغير، على أساس الاعتقاد بأن الكثير من الأفكار التي يجري الحديث عن قابليتها للتغيير أو التطوير هي أفكار من صميم الدين لا تقبل النقاش والمجادلة، ولا يتورع البعض عن وصم كل من أراد مناقشة تلك الأفكار بالخروج عن الدين ومحاولة إفساد عقائد المسلمين.

في الوقت الذي ينبغي أن يعي هؤلاء الأشخاص أن القول بوجود متغيرات في الدين أو في الشريعة لا يعني بحال من الأحوال أن لا ثابت في الدين أو الشريعة، لأن الدين إذا ما فسرناه بمجموع التعاليم والأحكام والعقائد والحقائق الوجودية التي يأتي بها النبي (ع) من قبل الله سبحانه وتعالى مباشرة بواسطة

الوحي الإلهي، أو عن طريق أحاديث النبي أو الرسول الخاصة والتي لا تكون وحياً سماوياً، ولكنها تكتسب مصونية وقدسية بحكم ارتباط النبي أو الرسول بالله تعالى ارتباطاً يمنعه من التحدث بغير ما يرتضيه الله سبحانه، ومن هنا يكون كلام المرسل من قبل الله تعالى كله حجة لأنه يتحدث عن الله جل جلاله وينقل مراده إلى خلقه، وهو ما نعيه من قوله تعالى في شأن نبيه الكريم محمد - صلى الله عليه وآله - :؟ ما ضلّ صاحبكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إنّ هو إلاّ وحي يوحي؟ . [٧]

نقول إذا فسرنا الدين بهذا التفسير الواسع فإننا نلاحظ أن الدين يحتوي حينئذ على أحكام شرعية قابلة في بعض مجالاتها للتغير على أساس تغير الظروف وتبدل الموضوعات الخارجية كما سيأتي توضيحه في الفكرة الثالثة بإذنه تعالى.

وبهذا التفسير للدين يحوي الدين متبنيات عقيدية ورؤى فلسفية، وهذه الجنبة من الدين وإن كانت لا تقبل التغير بلحاظ ما تكشف عنه من واقع وجودي لا يقبل التبدل والتغير، إلا أنها قابلة للتغير على ضوء اتساع آفاق الفكر البشري وتجدد فهمه للدين واكتشافه أبعاداً في الدين لم يكتشفها السابقون ولم يتعرفوا عليها. وهذا ما سنتحدث عنه بشكل مفصل في الفكرة الثالثة أيضاً.

ومن هنا ندرك أن القول بوجود مجالات قابلة للتغير في الدين - على ضوء التفسير المتقدم - لا يعني أننا لا نمتلك ثوابت دينية غير قابلة للتغيير والتحويل، إذ الدين قد جاء لإصلاح الوضع الإنساني في جوانبه المتغيرة والثابتة فلابدّ أن يحمل جنبة ثبات وجنبة تغير.

وبطبيعة الحال حينما نقول بتغيّر الفهم الديني فهذا لا يعني أن لا ثوابت في الفهم الديني، فكما أن الدين يحوي حقائق غير قابلة للتغيير والتبديل فكذا الفهم

الديني فيه الكثير من الحقائق التي لا يمكن اعتبارها حقائق زمانية قابلة لأن تلغى أو تبدل. ولا يستطيع أحد أن يزعم أن لا حقائق ثابتة في فهمنا الديني، وذلك لأننا نجزم أن لبنى الإنسان عقولاً تدرك بها العديد من الحقائق والمعارف، وجملة غير يسيرة من هذه الحقائق والمعارف تتطابق فيها الحقيقة الدينية مع الفهم البشري.

الفكرة الثالثة: مجالات الثبات والتغير في الدين

من أجل أن يكون الحديث في الثابت والمتغير حديثاً محدد الأبعاد واضح المعالم كنا بحاجة إلى الحديث عن مجالات الثبات والتغير بشكل مفصل، وإلاّ يبقى الحديث في العديد من جوانبه يكتنفه الغموض والإبهام، في الوقت الذي يكون عرضة لسوء الفهم من قبل البعض.

والذي نود قوله في هذا المقام أن الدين - بما ذكرنا له من تفسير متقدم - يمكن اعتباره منظومة فكرية شاملة وواسعة، لا يمكن اختزالها في بعد واحد أو جنبة معينة من أبعاد وجوانب الحياة والمعرفة. وسنتكلم عن كل الأبعاد الرئيسية في الدين مع الإشارة إلى طبيعة الثبات أو التغير التي تحكم كل بعد من الأبعاد المذكورة، وما يمكن ذكره من أبعاد رئيسية في الدين هو:

أولاً: البعد العقيدي

إذ الدين يشتمل أول ما يشتمل على رؤية كونية وجودية تستهدف تقديم صورة جلية عن جملة من الحقائق الوجودية، وفي مقدمة تلك الحقائق التي يبينها الدين حقيقة الخالق والرب المطلق وأنه واحد لا شريك له، وأن من صفاته العلم

والحياة والقدرة …. إلى غير ذلك من الصفات الكمالية الوجودية التي لا يمكن أن نتفك ذات الباري سبحانه وتعالى عنها.

ومما يعني الدين ببيانه في هذا المجال جملة من المعارف المتعلقة ببدء عالم الخلقة وكيفية صنع الله عزّ وجلّ وإتقانه لعالم التكوين، وبدء خلقة الإنسان باعتباره أشرف مخلوق خلقه الله تعالى بيده، وسخر كل ما في الكون لأجله وفي خدمته. ويهتم الدين في هذا المجال بتعريف الإنسان بكثير من الغيبيات التي يعجز عقل وإدراك البشر عن فهمها والإحاطة بكنهها والاطلاع على حقيقتها، من قبيل تعريفه على تفاصيل المستقبل الأخروي للإنسان، وإطلاعه على كنه الموجودات الأخرى التي يعجز حسه المباشر عن إدراكها كالملائكة والجن والشياطين.

وهذه المعارف وما شابهها هي ما يمكن أن تمثل "البعد العقيدي" في الدين، باعتبارها تكشف عن مجموعة من المعارف التي يلزم الإنسان المؤمن الاعتقاد والتصديق بها، وجملة من وهذه المعارف يكون دور الدين فيها هو دور الهداية والإرشاد لأن العقل الفطري المودع في الإنسان يستقل بإدراكها.

وحينما نريد أن نبحث عن مجالات التغير والثبات في البعد العقيدي فإننا سنجد أن الحقيقة التي يكشف عنها الدين في المجال العقيدي تحكي عن واقع لا يقبل التغير في ذاته، فالوحدة والخالقية والرازقية والقدرة وغير ذلك من الكمالات الوجودية التي يثبتها الدين للخالق عزّ وجلّ غير قابلة لأن تنفى عنه في وقت من الأوقات، وكذا الأمر في بقية الحقائق الكونية التي أشار إليها الدين. نعم ما يقبل التغير هو مستوى فهمنا وإدراكنا - نحن البشر - لهذه الحقائق، فعلى سبيل المثال ربما كان بعض الأوائل يعي أن الله سبحانه واحد بالوحدة العددية، ولكننا اليوم نرى أنه تعالى واحد بالوحدة الحقة الحقيقة وليس واحداً عددياً، وهكذا الأمر في جملة من الحقائق الدينية التي يتغير فهم البشر لكنهها ويتبدل وعيهم

لحقيقتها على ضوء ما يستجد لهم من وعي وما يتطور لهم من معارف وما ينفتح لهم من آفاق.

وتطور الفهم الإنساني وتغير وعي البشر بهذه الحقائق الدينية ربما نلمح الإشارة إليه في ما روي عن الإمام علي بن الحسين السجاد - عليه السلام - من أنه سئل عن التوحيد فقال: (إن الله عزّ وجلّ علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون، فأنزل الله تعال: قل هو الله أحد، والآيات من سورة الحديد إلى قوله: عليم بذات الصدور. فمن رام وراء ذلك فقد هلك). [٨]

ثانياً: البعد التشريعي الثابت

جاء الدين يحمل الكثير من التشريعات والقوانين التي استهدفت تنظيم حياة الإنسان وعلاقاته في ما يرتبط بعلاقته مع ربه ومبدعه، وفي ما يرتبط بعلاقته مع الآخرين من بني جنسه، وفي ما يرتبط بعلاقته مع الطبيعة وما سخر الله له من نعم ومخلوقات. وهذه التشريعات تتأسس على مبدأين رئيسيين هما:

مبدأ الولاية الإلهية: والذي على أساسه يشرع الله سبحانه التشريعات لعباده باعتباره الولي الحقيقي لهم، ولا ولاية لأحد من الخلق على غيره إلاّ بتبع ولا يته عزّ وجلّ. وإلى هذا المبدأ أشارت العديد من آيات الذكر الحكيم، كقوله تعالى:؟ ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير؟ . [٩]

وقوله:؟ إنّ الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من

دون الله من ولي ولا نصير؟ . [١٠]

وقوله:؟ وهو الذي ينزّل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولي الحميد؟ . [١١]

مبدأ الحكمة والغائية: والذي يعني في ما يعنيه أن الله عزّ شأنه لم يخلق الخلق عبثاً وبلا غاية، وأن فعل ذلك في حقه مستحيل. والى تثبيت مبدأ الغائية ونفي مبدأ العبثية أشار تعالى بقوله:؟ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون؟ . [١٢]

ومن المعلوم أن الحياة الإنسانية لا تستقيم من دون تشريع قانون يحدد للناس وظائفهم ويبين حقوق كل فرد منهم بحيث لا يلزم تصادم وتضارب في المصالح، والمبدأ المذكور يستدعي أن يشرع الله سبحانه وتعالى للناس مثل هذا القانون، وهو الأمر الذي تعهد الباري عزّ اسمه به عن طريق إرسال الرسل والأنبياء "عليهم أفضل الصلاة والسلام" بالرسالات السماوية التي اهتمت بتحقيق هذا الأمر.

وفي هذا المجال نجد أن كل رسالة من الرسالات السماوية جاءت بتشريعات معينة، وكانت تلك التشريعات تبقى سارية المفعول في حق أتباع الرسالة إلى أن تاتي شريعة إلهية أخرى ناسخة لها، ولكن مع ذلك كله فقد بقيت الكثير من التشريعات مشتركة بين كل الشرائع الإلهية ولم تكن تتبدل أو تتغير، وبمقتضى الأصل الأولي فإن كل تشريع ثبت أن الله تعالى شرعه فهو حجة على العباد لا يجوز لهم مخالفته وتغييره عما هو عليه.

وفي الدين الإسلامي توجد الكثير من التشريعات - سواء المتعلق منها

بالجانب العبادي أو غيره - تتمتع بصفة الثبات والاستقرار، ولم تكن هذه التشريعات مرتبطة في تشريعها بمصلحة آنية حتى يقال بإمكانية انتفاء ذلك التشريع بانتفاء تلك المصلحة، وربما كانت بعض التشريعات ليس وراءها من غاية غير امتحان العباد في الطاعة والتسليم لله وأمره، فلا معنى للبحث عن قابلية مثل هذه التشريعات للتغيير على أساس القول بوجود مصالح معينة قد استنفذتها تلك التشريعات. فالأصل الأولي يقتضي إذن الالتزام بمضمون كل تشريع إلهي إلاّ أن يثبت نسخه أو انتهاء أمده أو تغير موضوعه أو طروء تخصيص أو تقييد له، وهذه أمور يقررها من نظر في أحكام الله تعالى واستكمل كل ماله مدخلية في معرفة الأحكام الشرعية.

ثالثاً: البعد التشريعي المتغير

ذكرنا فيما سبق أن للإنسان جنبتين: "جنبة ثبات" و "جنبة تغير"، ومن الطبيعي أن تراعي الشريعة الإلهية الجنبتين معاً، فتشرع من التشريعات ما يتوافق وثوابت الإنسان، وهو ما اصطلحنا عليه بـ"البعد التشريعي الثابت"، وتشرع من التشريعات ما يراعي الظروف والأحوال والمصالح المتغيرة للإنسان، وهو ما يمكننا أن نصطلح عليه بـ"البعد التشريعي المتغير"، وتسليم كل فقهاء الإسلام بوجود أحكام أولية وأحكام ثانوية في التشريع الإسلامي يعد تسليماً بهذه الحقيقة وإذعاناً لها. ونحن نجد في بعض الممارسات التاريخية للأئمة - عليهم السلام - ولبعض فقهاء الإسلام ما يدلل على قابلية بعض التشريعات للتعيير على ضوء المصالح والمفاسد المتجددة. وعلى هذا الأساس لا نعتقد أن أصل المسألة يقبل التشكيك أو الرفض، وإنما الكلام في الجزئيات وكون التشريع الكذائي له قابلية الخضوع للتغيير أو التعطيل المؤقت أم أنه لا يقبل التغيير والتعطيل على كل حال،

ومهما حصل من اختلاف بين الفقهاء في مثل هذه الأمور فهو اختلاف طبيعي تقتضيه طبيعة الوسائل المعرفية المتوفرة للفقيه والتي على أساسها يقرر رأيه الفقهي في أيّة مسألة حياتية تواجهه أو تواجه أحداً من المكلفين. ولا يلام الفقيه في أيّ حكم يتوصل إليه مادام قد استفرغ جهده وبدل سعيه في البحث عن الحق والأخذ بما قام عليه الدليل والبرهان.

نعم ما يلزم الفقيه الانتباه إليه في عملية الاستنباط هو عدم إمكانية فصل استحصال الرأي في المسائل الشرعية عن محاولة التعرف على حيثيات الواقع وملابساته، إذ أن تعرف الفقيه على هذه الحيثيات وتلك الملابسات يساهم أولاً في تأسيس عملية الاجتهاد على اطلاع مفصل على كل ما من شأنه أن يكون دخيلاً في استحصال الرأي الشرعي في المسألة مورد البحث، ويساهم ثانياً في ابتعاد الفقيه عن فرض حكم على المكلف يعجز عن امتثاله فيلجأ إلى التحايل على الشرع والتلاعب بأحكامه.

صحيح أن الوظيفة الرئيسية للفقيه هي بيان الحكم الشرعي للمكلف وليس من وظيفته مراقبة امتثال المكلف للحكم الشرعي وعدمه، ولكن ليس من المعقول أن يتجرد الفقيه لإصدار الأحكام الشرعية بحق المكلفين من دون مراعاة لظروفهم الخاصة ومن دون تفهم للإمكانيات المتاحة في الواقع لامتثال الحكم الشرعي من قبل المكلف.

ومما له دلالته الخاصة في اعتراف الإسلام بالبعد المتغير في حياة الإنسان ومراعاته لهذا الأمر هو مبدأ الاجتهاد الذي حث الإسلام على ممارسته حتى أن فقهاء المسلمين اعتبروه واجباً كفائياً لابد أن يتفرغ للقيام به بعض المسلمين شأنه شأن أيّة وظيفة حياتية لا يستغني الناس عمّن يقوم بها. وهذا الشأن الذي أعطي لمهمة الاجتهاد من قبل الإسلام ليس لغرض جعل الشرعية حيّة فعالة في حياة

الناس وممارساتهم العملية، ومن أجل أن لا تتحول قوانين الشريعة إلى مقررات جامدة تفتقد الفاعلية والتأثير.

وخلاصة ما يمكن قوله في هذه النقطة من البحث أن إثبات أو نفي قابلية حكم من الأحكام للتغير مرهون بما يستفيده الفقيه من أدلة إثبات الحكم المعني بالبحث، فهل أن الحكم وارد مورد التعبد المحض بحيث لا يمكن أن يطلع الفقيه على ملاك تشريع الحكم؟ أم أن الحكم في تشريعه وإثباته خضع لمراعاة مصلحة آنيّة معنية بحيث يطمئن الفقيه بأن الحكم يدور مدارها نفياً وثبوتاً؟

فإن كان الحكم من القبيل الأول فلا يمكن للفقيه أن يخضع هذا الحكم للتغيير إلا بعنوان ثانوي آخر يدعي الفقيه حكومته على العنوان المثبت للحكم الشرعي المنظور، كعناوين نفي العسر والحرج والضرر.

وإن كان الحكم الشرعي من القبيل الثاني الفقيه لا يمتنع عليه أن ينفي أو يغير الحكم الشرعي على ضوء انتفاء المصلحة المثبتة له أو تبدلها إلى مفسدة لا يرضى الشارع بتحققها في الخارج، وفي واقع الأمر أن الفقيه لا يقوم بأيّ تغيير لحكم من أحكام الله تعالى، وإنما هو يشخص أن موضوع الحكم المعين قد تغير عما هو عليه فمن الطبيعي أن يتغير الحكم لأن الحكم يتبع موضوعه نفياً وثبوتاً.

رابعاً: البعد الاجتماعي

الحديث عن الثابت والمتغير في البعد الاجتماعي من الدين حديث له أهميته الخاصة باعتبار أن البعد الاجتماعي يستوعب قسطاً كبيراً من تعاليم الدين، إذ أن جميع الممارسات السلوكية والآداب الخلقية ومظاهر التعامل الاجتماعي التي يتميز بها المجتمع المسلم وتمثل تشخصه الاجتماعي العام تندرج ضمن هذا البعد.

ولقد حرص الإسلام على صبغ المجتمع المسلم بصبغة متميزة تعكس طبيعة القيم الدينية والإنسانية والخلقية التي يؤمن بها هذا المجتمع، وهذه الصبغة التي أراد الإسلام أن يصبغ بها المجتمع المسلم لم تكن تستهدف إيجاد قطعية وانفصال بين المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى ممن يعايشون المسلمين ويجاورونهم، وإنما استهدف الإسلام إظهار المجتمع المسلم بمظهر اجتماعي وخلقي وإنساني يجسد من خلال نوعية علاقاته الاجتماعية طبيعة القيم الخلقية التي أراد الدين الإسلامي أن يدعو البشرية إليها، وبذلك يتحول المجتمع بوصفه كتلة اجتماعية متناسقة ومتوافقة إلى أمة واحدة تدعو الآخرين إلى قيم الإسلام والسماء بما تمثله من سلوكيات وممارسات على أرض الواقع. ومن هنا تتعدد الدعوات الإلهية لأفراد المجتمع الإسلامي بوصفه أمة واحدة تتحمل مسؤولية تسجسيد قيم رسالة ربانية قيمة بضرورة امتثال وتحقيق تلك القيم في حياتهم الاجتماعية من أجل أن يمثلوا القدوة للآخرين على مستوى الأمة كما يرغبون أن يمثلوها على مستوياتهم الفردية والذاتية. وهناك العديد من الخطابات الإلهية التي وجهت إلى المسلمين بوصفهم أمة واحدة، كقولـه تعالى:؟ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمع

روف ينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم؟ . [١٣]

وقولـه سبحانه:؟ يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون؟ . [١٤]

ولقد سعى الإسلام لإعطاء المجتمع الإسلامي تمايزاً خاصاً على أساس استشعار أفراده بأنهم أمة واحدة يتحد جميع أفرادها في المصير ويشتركون في تحمل المسؤولية الإلهية في الاستخلاف على الأرض وأعمارها وإصلاحها وهداية البشرية إلى الصراط المستقيم فقال تعالى:؟ كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ….؟ . [١٥]

وقال عز شأنه:؟ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس؟ . [١٦]

وقال جل جلاله؟ إنّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون؟ . [١٧]

وقال سبحانه:؟ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخواناً وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون؟ . [١٨]

وعلى هذا الأساس ندرك أن الأمة الإسلامية تتحمل مسؤولية عظيمة في تجسيد القيم والمثل الأخلاقية والإنسانية التي دعى إليها الإسلام على أرض الواقع، ومن الضروري لهذه الأمة التي تريد النهوض بهذه المهمة الثقيلة أن تعي متطلبات الدور التاريخي الذي تريد الحركة والانطلاق في أجوائه، والذي يعطي للأمة هذا المستوى من الوعي هو معرفتها بخصائص المجتمع ونوعية القيم والأفكار التي تتحكم في صياغة مواقف أفراده وردود أفعالهم، والمرونة في التعامل مع المجتمع وتفهم الأساليب المناسبة لتغييره وتطويره، والانفتاح على مشاكل كل عصر وظروفه الخاصة به هي الأمور التي تمنح من يرغب في تغيير مجتمعه إلى الأفضل، القدرة على إنجاز هذه المهمة.

ومراعاة تغيرات الأحوال والظروف الاجتماعية في الأداء الاجتماعي

التغييري نلمح إشارات جزئية إليه في بعض مواقف أئمة أهل البيت - عليهم السلام - من بعض قضايا عصرهم، كما في موقف الإمام علي - عليه السلام - من إصرار بعض المسلمين على خضب لحاهم باعتباره سنة كان يمارسها رسول الله (ص)، بينما رأى أمير المؤمنين - عليه السلام - أن مبررات الالتزام بهذه السنة والإصرار عليها بوصفها مظهرً اجتماعياً يميز المسلمين عن غيرهم قد انتفت، فقد سئل - عليه السلام - عن قول رسول الله (ص): (غيروا الشيب، ولا تشبهوا باليهود).

فقال - عليه السلام - : (إنما قال - صلى الله عليه وآله وسلم - ذلك والدين قلّ، فأما الآن وقد استع نطاقه، وضرب بجرانه، فامرؤ وما اختار).

ففي هذا الإرشاد الاجتماعي من قبل أمير المؤمنين - عليه السلام - نلاحظ استجابة مرنة لمقتضيات الزمان، فإذا كان ما يبرر في زمن رسول الله (ص) الاهتمام بتغيير الشيب وإخفائه وهو إخفائه وهو إظهار المسلمين بمظهر الشباب المقتدرين في مواجهة الأعداء المحيطين بهم مما يساهم في إضعاف حالة الاستقواء لدى العدو الحاصلة من موقع الشعور بقلة عدد المسلمين وندرة الشباب المجاهدين بينهم، فإن هذه الحالة قد انتفت وصار المسلمون هم الكثرة المسيطرة والفاعلة في المجالات الاجتماعية العامة، مما يدفع الحاجة للتظاهر بمظهر القوة والاقتدار أمام الأعداء بعد أن اتسع نطاق الإسلام وقويت شوكة المسلمين وكثّر الله قلتهم وأظهرهم على عدوهم.

وعلى كل حال فان الاستلهام من موقف أمير المؤمنين - عليه السلام - هذا يهدينا إلى مجالات التغيير التي يمكن لنا الانفتاح عليها في تفعيل عملية التغيير الاجتماعي على ضوء وعي وإدراك المقاصد الكلية للإسلام وشريعته السمحاء.

١ - أبو الحسن العاملي: مقدمة تفسير مرآة الأنوار ومشكاة الأسرار، المطبوعة في مقدمة البرهان في تفسير القرآن للسيد هاشم البحراني، ص٤، مؤسسة مطبوعاتى اسماعيليان، إيران - قم، بلا تاريخ.

٢ - نفس المصدر، ص٥.

٣ - الإسراء: ١٠٥.

٤ - الشعراء: ١٩٢ - ١٩٤.

٥ - آل عمران: ٧٩.

٦ - الحاقة: ٤٠ - ٤٧.

٧ - النجم: ٢ - ٤.

٨ - عبد علي بن جمعة الحويزي: تفسير نور الثقلين، ج٥، ص٧٠٦، المطبعة العلمية، إيران - قم، بلا تاريخ.

٩ - البقرة: ١٠٧.

١٠ - التوبة: ١١٦.

١١ - الشورى: ٢٨.

١٢ - المؤمنون: ١١٥.

١٣ - آل عمران: ١٠٤ و ١٠٥.

١٤ - المائدة: ٨.

١٥ - آل عمران: ١١٠.

١٦ - البقرة: ١٤٣.

١٧ - الأنبياء: ٩٢.

١٨ - آل عمران: ١٠٣.



[ Web design by Abadis ]