ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الجناية على مادون النفس \ الأستاذ محمّد الغراوي

يقصد بالجناية على ما دون النفس قطع الأطراف وما يجري مجراها، وذهاب منافع الأطراف مع بقاء أعيانها، والشجاج، والجراح.

أولا: قطع الأطراف وما يجري مجراها: كقطع اليد، والرجل، والاصبع، والأنف، والظفر واللسان، والأذنين، والشفة، وفقء العين، وقطع الأجفان، والأهداب، وقلع الأسنان وكسرها.

ثانياً: ذهاب منافع الأطراف: كذهاب السمع، والبصر، والشم، والذوق، والكلام، والعقل، والمشي.

ثالثاً: الشجاج: يختص بالرأس والوجه، فإذا كان في غيرهما سمّي جراحة.

رابعاً: الجراح:

والجراح نوعان: جائفة وغير جائفة، والجائفة كلّ جرح يصل إلى الجوف.

والمواضع التي تنفذ الجراحة منها إلى الجوف هي: الصدر، والظهر، والبطن، والجنبان، ولا تكون في اليدين والرجلين والرقبة والحلق جائفة لأنها لا تصل إلى الجوف.

حكم الجناية على ما دون النفس

يجب في الجناية على ما دون النفس إما القصاص، وإمّا الديّة كاملة، وإما أرش مقدّر وإمّا غير مقدّر.

أولا: القصاص:

الأصل في القصاص قوله تعالى:؟ وكتبنا عليهم فيها أن النّفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن والسنّ بالسنّ والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون؟ . [١]

وقوله تعالى:؟ فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم؟ . [٢]

وقوله تعالى:؟ وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به؟ . [٣]

شروط القصاص:

يشترط في القصاص فيما دون النفس الأمور التالية:

١ - أن يكون الجاني عاقلاً، وبالغاً، فلا قصاص على صبي ومجنون.

٢ - أن يكون الفعل عمداً، فإذا لم يكن عمداً فلا قصاص فيه.

٣ - أن يكون المجني عليه مكافئاً للجاني بحيث يقتل به إذا قتله، فأمّا من لا يقتل بقتله فلا يقتصّ منه فيما دون النفس له كالمسلم مع الكافر، والأدب مع ابنه.

٤ - أن يكون طرف المقتصّ منه مساوية للطرف المقتصّ به، فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلاّء، ولا كاملة الأصابع بناقصة الأصابع، ولا إصبع أصلية بزائدة.

ولا يشترط في ذلك التساوي في الصغر والكبر، والصحّة والمرض، لأن اعتبار ذلك يؤدي إلى سقوط القصاص في جميع الحالات وهذا لا يصحّ.

ويقطع الناقص بالكامل لأنها دون حقّ المستوفي، وقال الحنفيّة:

إن كان العيب في طرف الجاني فالمجني عليه بالخيار إن شاء اقتصّ وإن شاء أخذ أرش الصحيح، لأنّ حقّه في المثل وهو السليم، ولا يمكنه استيفاء حقّه من كلّ وجه مع فوات صفة السلامة. [٤]

وكذلك لا تشترط المساواة في الذكورة والأنوثة في القصاص، فيقتصّ من الأنثى للذكر ومن الذكر للأنثى بدون ردّ شيء من الديّة لأنّ المساواة في الديّة غير معتبرة.

وعند الإمامية يقتصّ للأنثى من الرجل من غير ردّ: حتّى تبلغ الثلث ثم يقتصّ مع الرد. [٥]

وقال الحنفية: لا قصاص بين الذكور والإناث فيما دون النفس لأن ديّة

الأنثى نصف ديّة الرجل. [٦]

وما ذهب إليه الإمامية هو الراجح، وهو أن القصاص يجري بين الذكور والإناث فيما دون النفس ولا ردّ لقولـه تعالى:؟ والجروح قصاص؟ [٧] فلم يفصل بين ذكر وأنثى، ولأنّ القصاص يجري بينهما في النفس والطرف أقل من النفس.

ولا يشترط أيضاً المساواة في عدد الجناة، فإذا اشترك جماعة في قطع موجب للقصاص وجب القصاص على جميعهم كما في الجناية على النفس.

وقال الحنفية لا قصاص عليهم، وعليهم الأرش على عددهم بالسواء، لأن المماثلة فيما دون النفس معتبرة ولا مماثلة بين الأيدي ويد واحدة لا في الذات، ولا في المنفعة، ولا في الفعل. [٨]

وما ذهب إليه الحنفية يؤدي إلى أن يشترك الجاني معه غيره إذا أراد أن يعتدي على أحد لكي يتخلص من العقاب، وفي هذا تفويت لمعنى القصاص وهو الزجر والردع.

٥ - الاشتراك في الاسم الخاصّ بين الطرفين:

فلا تقطع يمين بيسار ولا يسار بيمين، ولا إصبع بما يخالفه، ولا أعلى بأسفل، ولا أسفل بأعلى.

٦ - أن يكون الاستيفاء ممكناً من غير زيادة، لأنّ دم الجاني معصوم إلاّ في قدر جنايته، فما زاد على الجناية يبقى على العصمة فيحرم استيفاؤه بعد الجناية كتحريمه قبلها.

وقت القصاص فيما دون النفس

لا يجوز القصاص في الطرف إلاّ بعد اندمال الجرح سواء طلب المجني عليه أو لم يطلب مخافة أن يفضي ذلك إلى إتلاف النفس بالسراية، لأنّ الجرح إذا سرى إلى النفس يصير قتلاً فيكون المجني عليه قد استوفى غير حقّه، وبهذا قال الاماميّة والحنفيّة والحنابلة والمالكيّة والزيديّة. [٩]

واستدلّوا بقول الرسول (ص): "لا يستقاد من الجراحة حتّى تبرأ". [١٠]

وقال الشافعية والظاهرية: إذا طلب المجنيّ عليه القصاص قبل اندمال جرحه أقدنا له في الحال، لأن القصاص من الطرف لا يسقط بالسراية فوجب أن يملكه في الحال. [١١]

وما ذهب إليه غير الشافعية والظاهرية هو الراجح، وهو أن القصاص لا يجوز في الطرف إلاّ بعد أن يبرأ الجرح، لأن الرسول (ص) نهى أن يستقاد من الجروح حتّى يبرأ المجروح. وأنّ الجرح قبل اندماله لا يدرى أقتل هو أم ليس بقتل؟ فينبغي أن ننتظر حتّى نعرف حكمه، فان بريء اقتص من الجاني في طرفه، وإن سرى الجرح إلى النفس ومات المجنيّ عليه اقتصّ من الجاني في نفسه، وما استدل به الشافعية والظاهرية لا يدل على جواز القصاص في الطرف قبل اندمال الجرح وإنما يدل على تحريم القصاص قبل الاندمال لأنّ لفظ (ثم) يقتضي الترتيب، فيكون النهي الواقع بعدها ناسخاً للإذن الواقع قبلها.

استيفاء القصاص فيما دون النفس:

يستوفي القصاص فيما دون النفس من كان عالماً بذلك كالجرّاحين، فان لم

يكن لوليّ المجنيّ عليه علم بذلك يؤمر بأن يستنيب عنه غيره، وإن كان له علم يُمكّن منه لأنه أحد نوعي القصاص فيمكّن من استيفائه كالقتل.

وقال الشافعية:

إذا قطع الرجل أو جرح وطلب المجنيّ عليه أن يقتصّ لنفسه لم يجب إلى ذلك، ولا يقتصّ إلاّ عالم بالقصاص، عدل فيه، وعلى السلطان أن يرزق من يأخذ القصاص ويقيم الحدود من سهم النبي (ص) من الخمس كما يرزق الحاكم. [١٢]

ولا يستوفى القصاص فيما دون النفس بالسيف ولا بآلة يخشى منها الزيادة كالقتل، لأن القتل إنما يستوفى بالسيف لأنه آلته، وليس هناك شيء يخشى التعدّي عليه. فيجب أن يستوفى ما دون النفس بآلة خاصّة بشرط أن يتوقّى فيها ما يخشى فيه الزيادة إلى مكان لا يجوز استيفاؤه، فان كان الجرح موضحة مثلاً فيستوفى بالموس أو بحديدة معدّة لذلك.

ولا يقتص من الجاني في الحر الشديد، والبرد الشديد خوفاً من عدم التئام الجرح فيموت الجاني، فيجب أن يؤخر إلى وقت آخر.

سريان القصاص إلى النفس

إذا استوفى من له القصاص طرفاً يجب فيه القصاص فمات الجاني بسراية الاستيفاء لم يجب عليه شيء.

وبهذا قال أبو يوسف، ومحمد بن الحنفيّة، والحنابلة، والمالكيّة، والإماميّة، والزيديّة، والشافعيّة، والظاهريّة، وحجّتهم في ذلك أنّ السارق إذا مات من قطع يده فلا شيء على الذي قطع يده، وهذا مثله. [١٣]

وقال أبو حنيفة: إذا استوفى الطرف وسرى إلى النفس ومات لا يجب القصاص لأجل الشبهة.

وتجب الديّة في ماله لأنه فوّت نفسه ولا يستحق إلاّ طرفه، فلزمته ديّته، كما لو ضرب عنقه. ولأنها سراية قطع مضمون فكانت مضمونة كسراية الجناية. [١٤]

عفو المجني عليه من القصاص

يجوز للمجني عليه أن يعفو عن القطع وذهاب منافع الطرف والشجة والجراحة إذا لم تسر، وذلك لأنّه حقّه وقد أسقط هذا الحقّ برضاه.

فان سرت الجناية إلى النفس فالعفو باطل عند أبي حنيفة، وعلى الجاني الديّة في ماله استحساناً، وفي القياس يلزمه القصاص.

وحجته في ذلك أنّه عفا عن غير حقّة فلا يصح، لأن العفو إسقاط الحقّ، فإذا صادف ما ليس بحقه كان باطلاً، وأن المعتبر في الجنايات مآلها لا حالها.

وعند أبي يوسف ومحمد بن الحنفية: العفو صحيح ولا شيء على الجاني، لأنّ العفو أضيف إلى الفعل كالقطع والشجّة يراد به موجبه، لأنّ نفس الفعل لا يحتمل العفو وموجبه أحد شيئين:

ضمان الطرف إن اقتصر، وضمان النفس إن سرى، فيتناولهما فصار كالعفو عن الجناية أو القطع وما يحدث منه أو عن الشجّة وما يحدث منها، ولأنّ اسم القطع والشجّة يتناول الساري والمقتصر، لأنّ القطع جنس وهما نوعان فصارت السراية والاقتصار صفة له، ولأنّ العفو في الانتهاء كالأذن في الابتداء بدليل أنه لو اقتصر فيهما جميعاً لم يضمن شيئاً، والأذن في الابتداء بهذه الألفاظ يسقط ضمان

السراية فكذلك العفو في الانتهاء. [١٥]

أما إذا قال المجني عليه للجاني: عفوت عنك عن الجناية أو الشجّة وما يحدث منها، أو عن القطع وما يحدث منه صحّ العفو عند أبي حنيفة، ومحمد، وأبي يوسف ولا شيء على الجاني.

وبهذا قال المالكية والحنابلة، لأنّه اسقط حقّه بعد انعقاد سببه فسقط كما لو أسقط الشفيع حقّه في الشفعة بعد البيع. [١٦]

وقال الإماميّة: إذا عفا المجنيّ عليه عن الجناية سقط القصاص والديّة لأنها لا تثبت إلاّ صلحاً، ولو قال: عفوت عن الجناية ثم سرت إلى الكفّ سقط القصاص في الأصابع، وله ديّة الكفّ، ولو سرت إلى النفس كان للوليّ القصاص في النفس بعد ردّ ما عفا عنه. [١٧]

وقال الشافعيّة: إذا عفا المجنيّ عليه عن الجناية وما يحدث منها، ثم مات المجنيّ عليه سقط القصاص وكان على الجاني ديّة النفس في ماله. [١٨]

وقال الظاهرية: إذا عفا المجني عليه عن الجرح أو عمّا يحدث عنه، فعفوه عما يحدث منه باطل لأنه لم يجب له بعد، وعفوه عن الجرح صحيح لأنه قد وجب له القود أو المفاداة في الجراحة. [١٩]

القصاص في الأطراف ومنافعها

يجري القصاص في الأطراف ومنافعها إذا كانت المماثلة بينها متحققة وكان الاستيفاء ممكناً لقولـه تعالى:؟ وكتبنا عليهم فيها أنّ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسنّ والجروح قصاص فمن تصدق به

فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون؟ [٢٠]

القصاص في العين:

ويجري القصاص في العين لقوله تعالى:؟ والعين بالعين؟ ولأنّها تنتهي إلى مفصل فيكون القصاص فيها ممكناً. وتؤخذ عين الصغير بعين الكبير وبالعكس.

ولا تؤخذ الصحيحة بالمريضة لعدم المماثلة، ولأنّ المجنيّ عليه يأخذ أكثر من حقّه وإذا فقأ الأعور عين الصحيح يجب عليه القصاص، وإن عفا المجنيّ عليه عن القصاص فله نصف الديّه وبهذا قال: الحنفيّة: والشافعيّة، والإماميّة، والزيديّة، والظاهريّة، وحجّتهم في ذلك قوله تعالى:؟ والعين بالعين؟ ، وأن النبي (ص) جعل في العينين الديّة فوجب القصاص ممّن له واحدة أو نصف الديّة. [٢١]

وللمالكية في ذلك قولان:

الأول: له القصاص، وإن عفا نصف الديّة.

والثاني: له ديّة كاملة. [٢٢]

وقال الحنابلة: لا قود على الجاني وعليه ديّة كاملة.

ولا قصاص في الأجفان والأهداب لأنّه لا يمكن استيفاء المثل فيها.

القصاص في الأنف:

ويجري القصاص في الأنف لقوله تعالى:؟ والأنف بالأنف؟ ، ولأن استيفاء المثل ممكن فيه. والذي يجري فيه القصاص هو المارن وهو ما لان منه،

لأن له حدّاً معلوماً.

وكذلك يجري القصاص في بعضه ويقدّر بالأجزاء لا بالمساحة لئلاً يؤدّي إلى قطع جميع أنف الجاني لصغره ببعض أنف المجني عليه لكبره، فيؤخذ النصف بالنصف، والثلث بالثلث وهكذا. ويؤخذ المنخر الأيمن بالأيمن، والأيسر بالأيسر.

وقال الحنفية: إذا قطع بعض المارن فلا قصاص فيه لتعذر استيفاء المثل. [٢٣]

ويستوي في القصاص الأنف الصغير والكبير، والأقنى والأفطس، والأشمّ والأخشم الذي لا يشم.

القصاص في الأذن:

ويجري القصاص في الأذن لقوله تعالى:؟ والأذن بالأذن؟ ، لأن استيفاء المثل ممكن. وتؤخذ الكبيرة بالصغيرة، وأذن السميع بأذن الأصمّ، وأذن الأصمّ بأذن السميع وبأذن الأصمّ لتساويهما، لأنّ ذهاب السمع نقص في أعصاب السمع وليس في الأذن.

وتؤخذ الصحيحة بالمثقوبة، لأنّ الثقب ليس بعيب وإنّما يفعل في العادة للأقراط للتزيّن بها. فان كان الثقب في غير محله أو كانت مخرومة أخذت بالصحيحة، ولم تؤخذ الصحيحة بها، لأن الثقب إذا انحرم صار نقصاً فيها.

وإن قطعت بعض الأذن فللمجني عليه أن يقتص من أذن الجاني لأنه يمكن تقدير الجزء المقطوع ويقدر ذلك بالأجزاء فيؤخذ النصف بالنصف والربع بالربع وهكذا.

القصاص في السنّ:

وفي السنّ القصاص لقوله تعالى:؟ والسنّ بالسنّ؟ ، ولأنّ القصاص ممكن فيه لأنّه محدود بنفسه فوجب القصاص فيه.

ويؤخذ الصحيح بالصحيح، والمكسور بالصحيح لأنّ المجنيّ عليه يأخذ بعض حقّة.

ولا يقتص في السّنّ إلاّ من الذي سقطت رواضعه ثم نبتت، ولا قصاص في سنّ الصبيّ الّذي لم تسقط رواضعه لأنه يعود، ولا قصاص فيما يعود.

فان لم تعد في مدة يعود مثلها لزم القصاص، وكذلك في سنّ من سقطت رواضعه إذا قال أهل الخبرة أنّها تعود لا يقتص من الجاني في الحال وإنّما ينتظر المدّة التي قرّرها أهل الخبرة، فان عادت فلا شيء على الجاني، وإن لم تعد لزم القصاص.

ويقتص في بعض السنّ كما يقتصّ في كلّه، فإذا كسر بعضه يبرد من سنّ الجاني مثله، لأنّ ما جرى القصاص في كلّه جرى في بعضه إذا كان ذلك ممكناً.

أمّا إذا لم يكن ممكناً فلا قصاص فيه كما إذا قرّر أهل الخبرة بأنّ القصاص في بعض السنّ يؤدّي إلى إتلاف الكلّ كأن يتفّتت أو يتصدّع.

وتشترط المماثلة في الأسنان، فلا يؤخذ ضرس بثنية، ولا ثنيّة بضرس، ولا سنّ في الفك العلوي بسنّ في الفك السفلي، ولا سنّ في جهة اليمين بسنّ في جهة اليسار، ولا أصلية بزائدة، [٢٤] ولا زائدة بزائدة مع تغاير المحل، فإذا كان للجاني مثلها في موضعها فللمجني عليه القصاص فيها.

القصاص في اليد:

وفي اليد القصاص لقوله تعالى:؟ والجروح قصاص؟ . ويشترط لذلك أن يكون القطع من أحد المفاصل كمفصل الكفّ، أو المرفق، أو الكتف لأمكان المماثلة.

أمّا إذا لم يكن القطع من المفصل فلا قصاص فيه. فمن قطع يد آخر من الساعد أو العضد فلا يقتص منه لأنّ المماثلة لا تتحقّق.

وتؤخذ اليمين باليمين، واليسار باليسار، ولا تؤخذ اليمين باليسار ولا اليسار باليمين لأن كلّ واحدة منهما تختصّ باسم خاصّ.

وتؤخذ اليد الكبيرة باليد الصغيرة لأن المماثلة لا تشترط في ذلك، ولو اشترطت لسقط القصاص في جميع الحالات لأنه لا تشابه بين الاثنين في الكبر والصغر وهذا لا يصح.

وتؤخذ اليد الصحيحة بالصحيحة، والشلاّء بالشلاّء، لأنهما متماثلتان في الصفة فجاء أخذ أحداهما بالأخرى كالصحيحة بالصحيحة. ولا تؤخذ الصحيحة بالشلاّء لأنّ الشلاّء لا نفع فيها فلا يؤخذ بها ما فيه نفع.

وقال الظاهريّة: تؤخذ الصحيحة بالشلاّء لأنّ كلّ واحدة منهما مسمى باسم صاحبه فيؤخذ به [٢٥] ولا تؤخذ كاملة الأصابع بناقصة الأصابع، فلو قطع شخص له خمس أصابع يد شخص له ثلاثة أو أربع لم يجب القصاص لناقص الأصابع في اليد لأنها فوق حقّه، ولو طلب المقطوع قطع أصابع القاطع بقدر أصابعه فهل يجاب إلى طلبه؟

قال الشافعية والحنابلة في إحدى الروايتين: يجاب إلى طلبه لأنه أهون من

قطع اليد كلها. [٢٦] ويؤخذ كلّ إصبع بما يساوية في الاسم، فيؤخذ الإبهام بالإبهام، والسبّابة بالسبّابة، والوسطى بالوسطى، والبنصر بالنصر، والخنصر بالخنصر، ولا يؤخذ الصحيح بالأشل، ويؤخذ الأشلّ بالصحيح، وكذلك لا تؤخذ الأصلية بالزائدة، وتؤخذ الزائدة بالزائدة إذا كانت في محلّها.

وقال الشافعية والظاهرية: إذا قلع رجل ظفر رجل فسأل القود قيل لأهل العلم: هل تقدرون على قلع ظفره بلا تلف على غيره؟ فان قالوا: نعم اقتصّ منه. [٢٧]

القصاص في الرجل:

وفي الرجل القصاص لقوله تعالى:؟ والجروح قصاص؟ . وحكم الرجل وأصابعها حكم اليد وأصابعها. وقد بيّنا ذلك عند كلامنا عن القصاص في اليد.

القصاص في اللسان:

وفي اللسان القصاص لقوله تعالى:؟ والجروح قصاص؟ . ولأن له حدّاً ينتهي إليه فيمكن القصاص فيه. وكذلك القصاص في بعضه لأنّه إنّ أمكن القصاص في جميعه فيمكن في بعضه كالسنّ والأذن، ويقدّر ذلك بالأجزاء أيضاً لا بالمساحة لأن الألسنة تتفاوت في الكبر والصغر.

وقال أبو حنيفة والزيديّة: لا يقتصّ في اللسان لأنه ينقبض وينبسط فلا يمكن استيفاء القصاص فيه بصفة المماثلة. [٢٨]

القصاص في الشفة:

وفي الشفة القصاص لقوله تعالى:؟ والجروح قصاص؟ . ولأن لها حدّاً تنتهي إليه فيمكن معرفة القدر في الاستيفاء. وتؤخذ الشفة العليا بالشفة العليا والسفلى بالسفلى، ولا تؤخذ العليا بالسفلى، ولا السفلى بالعليا لعدم المماثلة.

القصاص في العظم:

لا قصاص في العظم لما روي عن ابن مسعود (رض) أنّه قال: لا قصاص في عظم إلا في السّنّ، [٢٩] ولأنّ القصاص يبنى على المساواة، وأنّ المساواة تتعذر في كسر العظم.

وقال المالكيّة: القود في كسر جميع العظام إلاّ الفخذ والصلب. [٣٠]

وما ذهب إليه المالكيّة لا يمكن الأخذ به لأنّ المساواة لا تتحقّق إلاّ بالقطع من المفصل، وأنّ كسر العظم من غير مفصله يؤدي إلى تصديعه وتفتيته، وأنّ الوصول إليه غير ممكن بدون أن ينال ممّا دونه كالجلد واللحم ممّا لا يعرف مقداره، فيكون المجني عليه بهذا قد استوفى أكثر من حقّه وهذا لا يصحّ.

القصاص في منافع الأطراف:

لا قصاص في منافع الأطراف كالعقل، والسمع، والكلام، والشمّ، والذوق، والجماع، والشلل، لأن الجاني لا يمكن أن يضرب ضرباً تذهب بهذه المنافع، فلا يكون استيفاء المثل ممكناً فلا يجب القصاص.

ويجري القاص في ذهاب البصر فقط، وقد بيّنا ذلك عند كلامنا عن

القصاص في العين.

القصاص في الشجاج:

لا خلاف بين الفقهاء في وجوب القصاص في الجراح الموضحة لقوله تعالى:؟ والجروح قصاص؟ ولأنّه جرح يمكن استيفاؤه من غير زيادة لأنّه ينتهي إلى عظم.

أمّا الهاشمة والمنقلة والآمّة فلا قصاص فيها لقول الرسول (ص): "لا قد في المأمومة ولا في الجائفة ولا في المنقلة"، (٣١) ولتعذر الاستيفاء فيها على وجه المماثلة، لأنّ الهاشمة تهشم العظم والمنقلة تنقله بعد الهشم من موضعه ولا قصاص في هشم العظم، والآمّة لا يؤمن فيها من وصول السكّين إلى الدماغ فلا يمكن استيفاء القصاص على وجه المماثلة فلا يجب.

وقال الظاهريّة: يجب القصاص في جميع الجراحات إذا كانت عمداً لقوله تعالى:؟ والجروح قصاص؟ فلو علم الله تعالى أنّ شيئاً من ذلك لا يمكن فيه مماثلة لما أجمل لنا أمره بالقصاص في الجروح جملة ولم يخصّ شيئاً، ولو أن ربّنا عزّ وجلّ أراد تخصيص شيء من الجروح بالمنع من القصاص في العمد لبيّنها لنا. (٣٢)

أمّا فيما دون الموضحة فقد ذهب الإماميّة والظاهريّة إلى وجوب القصاص، لأنّ استيفاء المثل ممكن، فيمكن معرفة قدر عمق الجراحة فيستوفى منه مثل ما فعل. (٣٣)

ثانياً: الديّة:

إذا تعذّر استيفاء القصاص لسبب ما، أو كان الاعتداء خطأً وجبت الدية.

وقد تكون الدية كاملة، أو إرثاً مقدّراً، أو إرثاً غير مقدّر.

ويسمى الأرش إذا كان غير مقدّر بالحكومة أو حكومة العدل.

والحكومة: تقويم الجنايات والمتلفات، وجزاء التي لم يشرّع فيها تقدير معيّن، وتفتقر إلى عدلين، فيلزم الحاكم الحكم بتقديرها. (٣٤)

قال الكرخيّ من الحنفيّة: تقرب الجناية إلى أقرب الجنايات التي لها إرش مقدّر، فينظر ذوا عدل من أطباء الجراحة كم مقدار هذه الجراحة بالنسبة إلى التي لها أرش مقدّر بالحزر والظن؟ فيأخذ الحاكم بقولهما ويحكم من الأرش بمقداره من أرش الجراحة المقدّرة. (٣٥)

والتقويم لا يكون إلاّ بعد برء المجروح من الجرح لأنّ أرش الجرح المقدر يكون بعد البرء. فان لم تنقصه الجناية شيئاً بعد البرء فلا شيء على الجاني، لأنّ الحكومة وجبت لأجل جبر النقص، ولا نقص بعد البرء.

ديّة الأنف:

وفي الأنف الديّة إذا قطع مارنه - وهو ما لان منه - لقول الرسول - صلى الله عليه وآله - : "وإنّ في الأنف إذا أوعب جدعه الديّة" ولأنّه عضو واحد في الجسم فبقطعه تفويت الجمال والمنفعة، وفي قطع أحد المنخرين نصف الديّة. وفي الحاجز حكومة، وذهب الإمامية إلى القول أنّ في الحاجز نصف الديّة. (٣٦)

وإذا قطع المارن مع القصبة ففيه الديّة أيضاً. وقال الشافعية والزيدية: في

المارن الديّة وفي القصبة حكومة لأنّ المارن وحده موجب للديّة فوجبت الحكومة في الزائد وهو القصبة. (٣٧)

وإذا قطع وذهب شمّه فعلى الجاني ديّتان لأنّ الشمّ في غير الأنف فلا تدخل أحداهما بالأخرى.

وقال الظاهرية: إذا قطع الأنف خطأً فلا شيء فيه لأنه لم يصحّ نصّ لا في القرآن ولا في السنّة. (٣٨)

ديّة اللسان:

وفي اللسان الديّة لقوله - صلى الله عليه وآله - : "وفي اللسان الديّة"، ولأنّه عضو واحد في الجسم، وبقطعه تفوت منفعة مقصودة وهي النطق، فانّ الإنسان يمتاز به عن سائر الحيوانات، وبه منّ الله تعالى على الآدميين بقوله:؟ خلق الإنسان علّمه البيان؟ . (٣٩)

وكذلك تفوت مصالحة لأنه لا يتمكن من إقامة مصالحه إلا بالتفاهم بواسطته مع الغير، فبواسطته تستخلف الحقوق وتدفع الآفات وتقضى به الحاجات، وتتمّ العبادات في القراءة والذكر والشكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وبقطعه يفوت الجمال، روي أنّ النبي (ص) سئل عن الجمال فقال: "في اللسان". ويقل جمال الرأس في لسانه، والمرء بأصغريه قلبه ولسانه، ويقال ما الإنسان لو لا اللسان إلا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة. (٤٠)

وتجب الديّة بقطع بعضه إذا منع الكلام، لأن الديّة تجب لتوفيت المنفعة لا لتفويت العضو، وكذلك تجب الديّة إذا ذهب الكلام بدون قطع.

فإذا ذهب بعض كلام المجني عليه وقدر التكلم ببعض الحروف دون البعض الآخر تقسم الديّة على عدد الحروف كلها فما قدر عليه من الحروف أسقط بحسابه من الديّة، وما لم يقدر عليه الزم الجاني بها. وقد روي ذلك عن الإمام علي (ع) حيث قسّم الديّة على الحروف. (٤١)

وقيل: تقسم الديّة على الحروف التي تتعلق باللسان وهي: إلقاء والثاء والجين والدال والذال والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والقاف والكاف واللام والنون والياء، ولا تدخل الحروف الحلقية وهي: الهمزة والهاء والعين والغين والخاء، ولا الشفويه وهي: الباء، والفاء، الميم والواو. (٤٢)

وفي لسان الأخرس إذا قطع حكومة، وقال الإماميّة والحنابلة في إحدى الروايتين: فيه ثلث الديّة. (٤٣)

وإذا قطع لسان صغير لم يتكلم بعد لطفولته وجبت الديّة لأن الظاهر كماله.

وقال أبو حنيفة: لا تجب فيه الديّة لأنه لسان لا كلام فيه كلسان الاخرس. (٤٤)

وإذا قلنا: لا تجب الديّة في لسان الصغير لأنه لم يتكلّم بعد فهذا يؤدّي إلى القول أنه لا تجب الديّة في يديه لأنّه لم يتمكّن من البطش بها ولا في رجليه لأنه لم يتمكن من المشي بعد، وهذا لا يصحّ ولم يقل به أحد.

وذهب الظاهرية إلى انه لا يجب في اللسان شيء إذا كان عمداً إلاّ القود والمفاداة لأنه جرح ولا مزيد، وأما الخطأ فمرفوع بنصّ القرآن. (٤٥)

ديّة الأذنين:

وفي الأذنين الديّة، وفي إحداهما نصف الديّة لما ذكر البيهقي عن الزهري أنه قرأ في كتاب عمرو بن حزم: "وفي الأذن خمسون من الإبل" لقضاء الإمام

علي (ع) بذلك. (٤٦) ولأن الرسول (ص) قضى بالدية في كل اثنين في الإنسان كالعينين واليدين والرجلين وفي إحداهما بنصف الديّة.

وقال المالكيّة في المشهور عندهم: لا تجب الديّة في الأذنين إلاّ إذا ذهب سمعهما، فان لم يذهب ففيهما حكومة لأنّ الشرع لم يرد فيهما تقدير، ولا يثبت التقدير بالقياس. (٤٧)

وإذا قطع بعض الأذن فبحسابه من ديّتها، ففي نصفها النصف، وفي ربعها الربع وهكذا. وتجب الدية في أذن الأصم إذا قطعت لأن السمع نقص في أعصاب السمع وليس في الأذن فلم يؤثّر في ديتها.

وإذا قطعت الأذنان وذهب سمعهما وجبت ديّتان، ديّة للأذنين وديّة للسمع، وإذا ذهب سمع أحداهما ففيه نصف الديّة. وإذا ذهب السمع فقط ففيه الديّة.

وذهب الظاهريّة إلى القول أن لا شيء في الأذنين إلا القوّد أو المفاداة في العمد لأنه جرح ولا شيء في الخطأ في ذلك. (٤٨)

ديّة الشفتين:

وفي الشفتين الديّة لقول الرسول (ص): "وفي الشفتين الديّة" ولأنهما عضوان ليس في البدن مثلهما، وفيهما منفعة وجمال فانهما يقيان الفم والأسنان، وينفخ بواسطتهما، ويتم بهما الكلام لأن فيهما بعض مخارج الحروف.

وفي كلّ واحدة منهما نصف الديّة، وفي رواية عن الإمام أحمد وعن الأماميّة أنّ في الشفة العليا ثلث الديّة وفي السفلى الثلثين وقد روي ذلك عن زيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيّب والزهريّ، لأنّ المنفعة بالسفلى أكثر لأنها تدور

وتتحرّك وتحفظ الريق والطعام والعليا ساكنة لا تتحرّك. (٤٩)

وإن شلّت وجبت الديّة لا تلاف منفعتهما، وكذلك إذا تقلصتا فلم تنطبقا على الأسنان أو استرختا فصارتا لا تنفصلان عن الأسنان لأنّ ذلك يعطّل منفعتهما ويذهب بجمالهما وإن تقلصتا بعض التقلص وجبت الحكومة لأنّ منافعهما لم تذهب بالكليّة.

وذهب الظاهرية إلى القول أن الواجب في الشفتين القود في العمد لأنّه جرح، وأمّا في الخطأ فلا شيء لرفع الجناح عن المخطيء وتحريم الأموال إلاّ بنصّ أو إجماع. (٥٠)

ديّة العينين:

وفي العينين الدية لقول الرسول (ص): "وفي العينين الديّة" وفي الواحدة نصف الديّة لأنّه ليس في البدن منهما إلاّ شيئان ففيهما الديّة وفي الواحدة نصف الدية. ولأنهما أكثر الأعضاء نفعاً وجمالاً.

ولا فرق بين العين الصغيرة والكبيرة، والصحيحة والمريضة، واليمنى واليسرى، وعين الصغير والكبير.

وإذا فقئت عين الأعور الصحيحة ففيها ديّة كاملة وبهذا قال الحنابلة والمالكية والإمامية لأنها في حقه في معنى العينين. (٥١)

وقال الشافعيّة والحنفيّة والزيديّة: تجب في عين الأعور الصحيحة نصف الديّة لأن الرسول (ص) قضى في العين الواحدة بخمسين من الإبل وهي نصف الديّة، وعين الأعور لا تعتبر أكبر من عين واحدة فيقتضي أن لا يجب فيها أكثر من

ذلك.

وإذا ذهب بصرهما ففيه الديّة، وفي ذهاب بصر إحداهما نصف الدية.

وليس في إذهابهما بنفعهما أكثر من ديّة واحدة.

وإذا قلعت العين القائمة التي لا تبصر ففيها حكومة لأنه لم يرد فيها أرش مقّدر.

وقال الظاهرية: لا يجب شيء في العين بالخطأ لأنه لم يصحّ نصّ في ذلك. (٥٢)

ديّة اليدين:

وفي اليدين الديّة، وفي إحداهما نصف الديّة لقضاء الرسول (ص) بذلك، ولأنّ فيهما جمالاً ومنفعة وليس في الجسم من جنسهما فكان فيهما الديّة. وتستوي فيهما اليسرى واليمنى، ويد الأعسر ويد غيره.

واليد التي يجب فيها نصف الديّة هي التي تقطع من مفصل الرسغ، لأن اسم اليد يتناولها عند الإطلاق بدليل قوله تعالى:؟ والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما؟ . (٥٣) وكان الواجب قطعهما من الرسغ.

وإذا قطعت اليد من نصف الساعد وجبت نصف الديّة وحكومة عدل، نصف الديّة في الكف والأصابع، والحكومة في نصف الساعد، لأنّ الديّة تجب في قطع اليد من الرسغ فتجب في الزائد حكومة كما لو قطع ذلك بعد قطع الكف.

وذهب الحنابلة والمالكية إلى القول أنّه لا يجب في ذلك أكثر من ديّة اليد لأنّ المنفعة المقصودة في اليد من البطش والأخذ والدفع بالكف وما زاد يكون تابعاً للكف. (٥٤)

وقال الظاهرية: لا يجب شيء في اليد بالخطأ لأنّ الخطأ مرفوع. (٥٥)

ديّة الرجلين:

وفي الرجلين الديّة، وفي إحداهما نصف الديّة لقول الرسول (ص): "وفي الرجل الواحدة نصف الديّة". وتستوي فيهما اليسرى واليمنى، ورجل الأعرج ورجل الصحيح، لأن العرج ليس في القدم فلا يعدّ ذلك عيباً في القدم.

والرجل التي يجب فيها نصف الدية هي التي تقطع من مفصل الكعب، لأنّ اسم الرجل يتناولها عند الإطلاق بدليل قوله تعالى:؟ واسمحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين؟ . (٥٦)

وإذا قطعت الرجل من الساق أو من الركبة فهو على الوفاق والخلاف الذي ذكرناه في اليد.

وقال الظاهريّة: لا يجب شيء في الرجل بالخطأ لأنّ الخطأ مرفوع. (٥٧)

ديّة الأسنان:

وفي كلّ سنّ خمس من الإبل لقول الرسول (ص): "وفي السنّ خمس من الإبل".

ولا يفضل سنّ على آخر في الأرش لأنّ الأسنان كلّها سواء لقوله (ص): "الأسنان سواء، الثنية والضرس سواء". (٥٨) وقوله (ص): "في كل إصبع عشر من الإبل، وفي كل سنّ خمس من الإبل، والأصابع سواء، والأسنان سواء". (٥٩) ولأن

الكلّ في المنفعة سواء فلا يعتبر التفاوت فيها كالأصابع.

ولو قلعت كلّها ففيها ديّة وثلاثة أخماس الديّة لأنّ عددها اثنتان وثلاثون سنّاً، عشرون ضرساً وأربعة أنياب وأربع ثنايا وأربع ضواحك. فإذا وجب في الواحدة نصف عشر الديّة فيجب في الكل ديّة وثلاثة أخماس الديّة.

وقال الأماميّة: فيها الديّة فقط وتقسمّ على ثمانية وعشرين سنّاً، اثني عشر في مقدّم الفم وهي: ثنيتان ورباعيتان ونابان ومثلها من أسفل، وستة عشر في مؤخّره، وهي: ضاحك وثلاثة أضراس في كلّ جانب ومثلها من أسفل.

ففي المقاديم ستمائة دينار، حصّة كلّ سنّ خمسون ديناراً وفي المآخر أربعمائة دينار، حصّة كلّ ضرس خمسة وعشرون ديناراً. (٦٠)

هذا في أسنان من سقطت أسنانه اللبنية وبقيت أسنانه الأصلية، أمّا إذا قلعت أسنان الصغير الذي لم تسقط أسنانه اللبنية بعد فينتظر فان نبتت فيها حكومة، وإن لم تنبت ففيها الديّة.

وإذا ضربت السنّ فاسودّت أو احمرّت أو اصفرّت أو صدعت ففيها الديّة.

وقال الشافعية والإمامية وأبو يوسف محمّد: فيها حكومة. (٦١)

وقال الظاهريّة: لا يجب شيء في سواد السنّ واخضرارها واحمرارها واصفرارها وصدعها وكسرها إذا كانت الجناية خطأ لأنّ الخطأ مرفوع بنصّ القرآن والأموال محرّمة بالقرآن والسنّة فلا يجوز البتة إيجاب غرامة في ذلك. (٦٢)

ديّة كسر العظم:

وفي كسر كلّ عظم من الإنسان غير السن حكومة لأنه لا تقدير فيها.

وقال الإمامية: إذا كسر عظم من عضو ففيه خمس ديّة ذلك العضو، وإذا كسر عظم فجبر على غير عيب كانت ديته أربعة أخماس كسره. (٦٣)

وقال الحنابلة: لا تقدير في العظام إلاّ في الضلع والترقوة والزند، فيجب في الضلع بعير، وفي الترقوة بعير، وفي العظم الواحد من الزند بعير، وفيما عداها ففيها حكومة عدل. (٦٤)

وقال الظاهرية: لا يجب شيء في العظام في الخطأ. (٦٥)

ديّة الشجاج:

ليس فيما قبل الموضحة من الشجاج أرش مقدّر لأن الرسول - صلى الله عليه وآله - لم يجعل فيها شيئاً مقدّراً فتجب فيها حكومة عدل إذا كان لها أثر باقٍ من جرح أو خدش لأن الأرش إنما يجب بالشين الذي يلحق المشجوج بالأثر.

وبهذا قال الشافعية والحنابلة والمالكيّة وأبو حنيفة، (٦٦) وذهب أبو يوسف ومحمد من الحنفية إلى وجوب الأرش في الشجاج سواء ترك أثراً أو لم يترك.

فقال أبو يوسف: على الجاني حكومة الألم لأنّ الشجّة قد تحقّقت ولا سبيل إلى إهدارها، وقد تعذّر أيجاب أرش الشجّة فيجب إرش الألم.

وقال محمّد: على الجاني أجرة الطبيب لأنّ أجرة الطبيب إنّما لزمته بسبب هذه، فكأنّه أتلف عليه هذه القدر من المال. (٦٧)

وقال الظاهريّة: لا يجب فيها شيء لأنه لم يرد بها نصّ من القرآن أو السنّة، وأنّ الأموال محرّمة. (٦٨)

وقال الأماميّة: يجب في الخارصة بعير، وفي الدامية بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة. (٦٩)

وقال الزيديّة: يجب في الخارصة نصف بعير، وفي الدامية بعير، وفي الباضعة بعيران، وفي المتلاحمة ثلاثة، وفي السمحاق أربعة. (٧٠)

ديّة الأنثى فيما دون النفس:

وديّة الأنثى فيما دون النفس على النصف من دية الرجل التي مرّ ذكرها، لأنّ ديتها في النفس على النصف من ديّة الرجل فتتنصّف في أطرافها، ولأنّ ميراثها وشهادتها بمنزلة النصف من الرجل فكذا في الديّة.

وبهذا قال الحنفيّة والشافعيّة والزيديّة والظاهريّة، واستدلّوا بما روي عن معاذ بن جبل عن النبي (ص) أنّه قال: "دية المرأة نصف ديّة الرجل". (٧١)

وقال الحنابلة والمالكيّة والإماميّة: تساوي جراح المرأة جراح الرجل إلى الثلث، فان جاوز الثلث فعلى النصف من ديّة الرجل لقول الرسول (ص): (عقل الرجل حتّى يبلغ الثلث من ديّته). (٧٢)

١ - المائدة - ٤٥.

٢ - البقرة - ١٩٤.

٣ - النحل - ١٢٦.

٤ - انظر: الكاساني: بدائع الصنائع ٧: ٢٩٨.

٥ - شرائع الإسلام: ٤: ٢٧٩.

٦ - بدائع الصنائع: ٧: ٣١٠.

٧ - المائدة: ٤٥.

٨ - بدايع الصنائع: ٧: ٢٩٩.

٩ - انظر: شرائع الإسلام: ٤: ٢٣٥، وبدائع الضائع: ٧: ٣١٠ - ٣١١، والمغني: ٩: ٤٤٦ - ٤٤٧، وبداية المجتهد: ٢ - ٤٤٤، والبحر الزخّار: ٥: ٢٣٨.

١٠ - رواه الدار قطني.

١١ - الأم: ٦: ٤٧، والمحلّى: ١١ - ٤٣.

١٢ - الأم: ٦: ٥٢.

١٣ - ينظر: تحفة الفقهاء: ٣: ١٢٨، والمغني ٩: ٤٤٣، وبداية المجتهد: ٢: ٤٤٤، وشرائع الإسلام: ٤: ٢٢٩، والبحر الزخّار: ٤١: ٥، والأم: ٦: ٥٤، والمحلى: ٣: ١٢٨.

١٤ - تحفة الفقهاء: ٣: ١٢٨.

١٥ - المبسوط ٢٦: ١٥٥.

١٦ - بداية المجتهد ٢: ٤٣٩، والمغني ٩: ٤٧٢.

١٧ - شرائع الإسلام ٤: ٢٤١ - ٢٤٢.

١٨ - الأم: ٦: ١٣.

١٩ - المحلّى ١: ٤٩١.

٢٠ - المائدة: ٤٥.

٢١ - ينظر: بدائع الصنائع ٧: ٣٠٨، والأم ٦: ٥١، وشرائع الإسلام ٤: ٢٣٦ والبحر الزخّار ٥: ٢٣٨، والمحلّي ١٠: ٤٠٣.

٢٢ - بداية المجتهد ٢: ٤٦٠ - ٤٦١.

٢٣ - بدائع الصنائع ٧: ٣٠٨.

٢٤ - الزائدة: هي التي تنبت فضلة في غير سمت الأسنان وتكون خارجة عنها امّا إلى داخل الفم وإمّا إلى الشفة.

٢٥ - المحلّى ١٠: ٤٠٣ - ٤٠٤.

٢٦ - الأم ٦: ٥٦، والمغني ٩: ٤٥٢.

٢٧ - الأم ٦: ٥٥، والمحلّى ١٠: ٤٤٦.

٢٨ - ينظر بدائع الصنائع ٧: ٣٠٨، والبحر الزخّار ٥: ٢٣١.

٢٩ - تبيين الحقائق ٦: ١١١ - ١١٢.

٣٠ - بداية المجتهد ٢: ٤٦٢.

٣١ - رواه ابن ماجة.

٣٢ - المحلّى ١٠: ٤٦١.

٣٣ - ينظر: شرائع الإسلام ٤: ٢٣٤ - ٢٣٥، والمحلّى ١٠: ٤٦١، وبدائع الصنائع ٧: ٣٠٩.

٣٤ - بدائع الصنائع ٧: ٣٢٧.

٣٥ - المصدر السابق.

٣٦ - المختصر النافع ٢: ٣٠٧ - ٣٠٨.

٣٧ - الأم: ٦: ١٠٤ - ١٠٥، والبحر الزخّار: ٥: ٢٧٨.

٣٨ - المحلّى ١٠: ٤٣٢ - ٤٣٣.

٣٩ - الرحمن: ٣ - ٤.

٤٠ - المغني ٩: ٦٠٤.

٤١ - تبيين الحقائق ٦: ١٢٩.

٤٢ - تبيين الحقائق ٦: ١٢٩.

٤٣ - المختصر النافع: ٢: ٣٠٨، والمغني: ٩: ٦٠٩.

٤٤ - تبيين الحقائق: ٦: ١٢٩ - ١٣٠.

٤٥ - المحلّى ١٠: ٤٤٣.

٤٦ - سبل السلام ٣: ٢٤٧.

٤٧ - بداية المجتهد ٢: ٤٥٨.

٤٨ - المحلّى ١٠: ٤٤٩.

٤٩ - المغني ٩: ٦٠٢ - ٦٠٣، والمختصر النافع ٢: ٣٠٨.

٥٠ - المحلّى: ١٠: ٤٤٦.

٥١ - المغني ٩: ٥٨٩ - ٥٩٠، وبداية المجتهد ٢: ٤٦٠ - ٤٦١، والروضة البهية ٢: ٤٣١ - ٤٣٢.

٥٢ - المحلّى ١٠: ٤١٩.

٥٣ - المائدة: - ٣٨.

٥٤ - المغني: ٩: ٦٢٠ - ٦٢١، وشرح الموطأ للزرقاني: ٥: ١٥١.

٥٥ - المحلّى: ١٠: ٤٣٨.

٥٦ - المائدة: - ٦.

٥٧ - المحلّى: ١٠: ٤٤٢.

٥٨ - رواه أبو داود، وابن ماجة.

٥٩ - رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجة.

٦٠ - شرائع الإسلام ٤: ٢٦٦.

٦١ - ينظر: الأم ٦: ١١٣، وشرائع الإسلام ٤: ٢٦٦، وتحفة الفقهاء ٣: ١٣٩ - ١٤٠.

٦٢ - المحلى ١٠: ٤١٧.

٦٣ - النهاية ٧٧٦.

٦٤ - المغني ٩: ٦٥٥ - ٦٥٦.

٦٥ - المحلّى ١٠: ٤٥٣ - ٤٥٤.

٦٦ - ينظر: الأم ٦: ٦٧، والمغني ٩: ٦٥٩، وشرح الموطأ للرزقاني ٥: ١٥٢ وبدائع الصنائع ٧: ٣١٦.

٦٧ - ببدائع الصنائع ٧: ٣١٦ - ٣١٧.

٦٨ - المحلّى ١٠: ٤٠٣ - ٤٠٤.

٦٩ - شرائع الإسلام ٥: ٢٧٥.

٧٠ - البحر الزخّار ٥: ٢٩٣.

٧١ - ينظر: تحفة الفقهاء ٣: ١٥٠ - ١٥١، والأم: ٦: ٩٦، والبحر الزخّار: ٥: ٢٨٦ - ٢٨٧، والمحلّى: ١٠: ٤٤١.

٧٢ - المغني: ٩: ٥٣٢، وشرح الموطأ للرزقاني: ٥: ١٤٢ - ١٤٣، وشرائع الإسلام ٤: ٢٧٩، روى الحديث النسائي والدار قطني.



[ Web design by Abadis ]