ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حوار حول العصمة للعلامة السيد محمّد تقي الحكيم \ اعداد: إسماعيل الخفاف

ولد العلامة الحكيم في النجف الأشرف في عاشر شهر رمضان سنة ١٣٤٠ هـ وتعلم المبادئ وقرأ العربية على أساتذتها والكتب الدراسية على مدرسيها وحضر في الفقه وأصوله على العلامة الشيخ حسين الحلي، وفي الفقه على المرجع الكبير السيد محسن الطباطبائي الحكيم وفي أصول الفقه على سيدنا الأستاذ مرجع الطائفة السيد أبي القاسم الخوئي (ره) وقرأ خلالها كتباً كثيرة على اختلاف أنواعها فأصبح كاتباً تمتاز كتاباته بالجودة وغزارة المادة، ونشر في الصحف والمجلات الثقافية، واتجه إلى التأليف وانتخب عضواً وأستاذاً وعميداً في كلية الفقه في النجف الأشرف وعضو المجمع العلمي العراقي ولما صدر كتابه (الأصول العامة للفقه المقارن) في بيروت عام ١٣٨٣ - ١٩٦٣ شكلت جامعة بغداد لجنة من أساتذتها واعتبر الكتاب "رسالة دكتوراه" ومنحوه دكتوراه شرفية دون مناقشة فتعين أستاذاًَ في معهد الدراسات الإسلاميّة العليا في كلية الآداب في جامعة بغداد ودعي إلى

المهرجانات والمؤتمرات الثقافية في البلاد الإسلاميّة فألقى فيها محاضرات كان لها صداها وله أيضاً من المؤلفات: الزواج المؤقت [١]

له في مجال التقريب "بحث" تحت عنوان: "الشيعة وعصمة أهل البيت" [٢]

وأدناه نص الحوار [٣] الذي دار بين أحد العلماء وبين السيد الحكيم حول مسألة العصمة:

قال الشيخ الجزائري - وهو يمهد للسؤال: يسرني أن أحظى بشرف التعرف على أخوان من علماء الشيعة طالما تشوقت إلى لقاء أمثالهم للاتصال بهم ومعرفة واقع ما يبلغوا عن عقائدهم، فإذا سمحتم بتوجيه بعض الأسئلة عن جملة مما يبلغنا عن الشيعة لا قرارها أو تصحيح أفكارنا عنها أكون شاكراً

قلت: يسرني ذلك وأرجو أن أكون صريحاً في الجواب عليها ولك على أن لا أتطفل على الدخول فيما لا أملك القول فيه وارجع معك - إذا شئت - فيما أجهله إلى من هم أكثر مني تخصصا في مبادئ التشيع من أساتذة معاهد النجف الأشرف ومراجع الأمة فيها.

فأومأ برأسه شاكراً، ثم بدأ الحديث بهذا السؤال: هل من الصحيح ما يبلغنا عن إخواننا الشيعة من أنهم ينسبون العصمة إلى أهل البيت كالنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - على حد سواء.

قلت: إنّ الاستدلال على عصمة أهل البيت لا يمكن أن يستوفى بجلسة

واحدة مهما طال أمدها لكثرة ما ساقوه عليها من الأدلة التي استغرق بحثها لدى بعض المؤلفين مئات الصفحات وكتب فيها عشرات المؤلفات ولكن نأخذ منها ما يتسع له الوقت أخذاً بقاعدة الميسور، ولكم جميعاً حرية المناقشة فيما نعرضه من أدلة، وأظن أن صدورنا جميعاً مما تتسع لها، للموضوعية التي أعهدها في إخواني العلماء.

وإذا سمحت - يا سيدي السائل - وجهت إليك ببعض الأسئلة تمهيدا للجواب - عسى أن نتفق على الأوليات - ماذا تريد من كلمة العصمة التي اثبتها للنبي - صلى الله عليه وآله - واستكثرتها على أهل البيت - عليه السلام - كما تنطوي عليه صيغة سؤالك؟

قال: أريد بالعصمة استحالة صدور الخطأ أو السهو أو النسيان أو الكذب أو أي ذنب عليه ما دام في مقام التبليغ.

قلت: طبعاً تريد بالاستحالة هنا الاستحالة العادية لا العقلية.

قال: طبعاً.

قلت: ولكن الشيعة يا سيدي - أو جل علمائهم على الأقل - يوسعون في مفهومها إلى غير مقام التشريع وربما أوضحنا وجهة نظرهم في ثنايا الحديث ولا يهم الفصل فعلا في هذه التوسعة إذ يكفينا لسد حاجتنا الفعلية أن نؤمن بها في خصوص مقام التبليغ.

ولكن هل تسمح لي بسؤال آخر: ما هي الضرورة التي تدعو إلى الإيمان بعصمة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - حتّى بهذا المقدار؟

قال: الإيمان بالعصمة هو الذي يولد اليقين بكون ما يأتي به إنّما هو من عند الله عزّوجلّ ومع تجويز الكذب والسهو والنسيان والغفلة عليه لا يبقى موضع ليقين في حكاية ما يبلغه عن الواقع ومع دخول التشكيك يسقط اعتبار النبوة من الأساس.

قلت - واسمحوا لي أن أستطرد قليلاً بهذا السؤال - وهل كان يفرق الرأي العام في صدر الإسلام بين نوعين من السهو والكذب مثلاً أحدهما يقع في غير مجالات التشريع فيسوغونه والآخر في مجالاته فيحظرونه عليه وهل كان حكم العقل لديهم واضحاً في التفرقة إلى هذه الدرجة؟ !

قال أحدهم: وماذا تريد بهذا الكلام؟ !

قلت: أريد أن اكتشف من اطمئنانهم - وهو ما كان واقعاً فعلا - إلى جميع ما يبلغه النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - انسجام واقعه السلوكي في مختلف مجالاته - تشريعية وغير تشريعية - فهو لا يكذب ولا يسهو ولا يغفل ولا ينسى في جميع المجالات و إلاّ لما أمكن اطمئنانهم إليه في مقام التشريع وهم يرونه عرضة لجميع هذه المفارقات في غير مقامه فالاطمئنان - وهو حالة نفسية - لا يمكن أن يفرق بين نوعين من الأحداث المتشابهة فينبعث عن أحدهما ولا ينبعث عن الآخر وكذلك العلم واليقين، فايمان الشيعة بتعميم مفهوم العصمة إلى مختلف المجالات هو الذي ينسجم مع الواقع النفسي لنوع الناس، وعلى هذا الواقع يبتني حكم العقل بلزوم العصمة لأن الغرض منها تحصيل اليقين بكل ما يأتي به ولا يحصل اليقين من شخص يراه مجتمعه عرضة للوقوع في أمثال تلكم المفارقات على أن إثبات تلك كما قلنا ليس له تلك الأهمية بالنسبة إلينا فعلا وحسبنا أن نتفق على هذا الجزء من العصمة - اعني امتناع صدور الكذب والسهو والغفلة وغيرها من منافيات العصمة عليه في مقام التشريع - فهو يكفينا في مجال التمهيد للجواب عن عصمة أهل البيت.

وسؤال آخر ما هي مصادر التشريع التي تؤمنون بها؟ قال: كثيرة وأهمها الكتاب والسنة.

قلت: أما الكتاب فهو ليس موضعاً لحديث لأنه جمع ودون وحفظ على

عهد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - وعقيدة المسلمين جميعاً أن ما بين الدفتين هو الكتاب المنزل قرانا لم يزد ولم ينقص فيه فجعله مصدراً تشريعياً يرجع إليه في كلّ زمان ومكان أمر طبيعي جداً ولكن ماذا يراد بالسنة؟

قال: السنة هي قول النبي وفعله وتقريره.

قلت: وهذا ما تعتقده الشيعة أيضاً ولكن هل أستطيع أن أسألك عن أسلوبه - صلى الله عليه وآله - في التبليغ كيف كان، وهل كان يعتمد القرائن المنفصلة كاستعمال المخصصات والمقيدات لعموماته ومطلقاته والناسخ لبعض ما انتهى أمد مصلحته من أحكامه.

قال: طبعاً وما أكثر ما يأتي العام في الشريعة ثم يأتي بعد ذلك مخصصه ويأتي المطلق ثم يقيد بعد ذلك وهكذا.

قلت: وهذا ما نعتقده أيضاً وهي الطريقة التي يعتمدها الناس في أساليب تفاهمهم ولو كانت له طريقة خاصة تخالف ما ألفوه لو صلت إلينا عادة وطريقته في التبليغ كيف كانت؟ أكان يجمع الناس جميعاً عندما يريد أن يقول أو يفعل أو يقر أمراً يتصل بشؤون التشريع؟ وهل من الممكن له ذلك؟ وإذا أمكن أن نتصوره عندما يريد أن يبلغ من طريق القول فهل يمكننا تصوره عند الفعل أو الإقرار؟ أي إذا أراد أن يفعل شيئاً أو يقر جمع الناس كلهم ففعل ما يريد فعله أو اقر ما يريد إقراره أمام الجميع ستقول بالطبع: لا وإنّما كان يبلغ على الطرق المتعارفة كان يصدر الحكم أمام فرد أو فردين وهؤلاء يكونون الواسطة في التبليغ وعلى من لم يحضر أن يفحص عما يجد من الأحكام، وهنا ذكرت مضمون كلام لابن حزم أوثر الآن أن انقله هنا بنصه لقيمته يقول ابن حزم وهو يتناول هذه الناحية من التشريع "ولاخلاف بين كلّ ذي علم بشيء من أخبار الدنيا مؤمنهم وكافر هم أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان بالمدينة وأصحابه رضي الله عنهم مشاغيل في المعاش

وتعذر القوت عليهم لجهد العيش بالحجاز وأنه - عليه السلام - كان يفتي بالفتيا ويحكم بالحكم بحضرة من حضر من أصحابه فقط وأن الحجة قامت على سائر من لم يحضره عليه بنقل من حضره وهم واحد أو أثنان [٤] ويقول أيضاً: "وبالضرورة نعلم أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - لم يكن إذا أفتى بالفتيا أو إذا حكم بالحكم يجمع لذلك جميع من بالمدينة، هذا مالا شك فيه لكنه - عليه السلام - كان يقتصر على من بحضرته ويرى أن الحجة بمن يحضره قائمة على من غاب وهذا ما لا يقدر على دفعه ذو حس سليم" [٥].

ثم قلت: وإذا كان حساب السنة هو هذا سواء من حيث الاعتماد على القرائن المنفصلة أو من حيث أسلوب تبليغها، وهي لم تدون على عهده أو عهود الخلفاء من بعده فهل يمكن اعتبارها مصدراً تشريعياً يجب الرجوع إليه؟

قال أحدهم - ولم، ألم يجعلها القرآن من مصادر التشريع؟ كما قال تعالى:؟ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا؟ ؟ وما ينطق عن الهوى؟ الآية.

قلت: لا أشك في ذلك، ومن ينكر حجتها فهو ليس بمسلم لإنكاره أهم الضروريات الإسلاميّة ولكن اسئلك ماذا يصنع من يحتاج إلى معرفة حكم لم يجده في كتاب الله؟ .

قال يرجع إلى النبي - صلى الله عليه وآله - لاستفساره عنه.

قلت وبعد وفاته.

قال: يرجع إلى صحابته.

قلت: هب أنّه وجد عاماً عند أحد الصحابة واحتمل أن يكون له مخصص عند غيره أو وجد حكماً واحتمل نسخه أو مطلقا واحتمل تقييده فماذا يصنع إذ ذاك؟

قال: عليه الفحص من قبل بقية الصحابة.

قتل: كيف؟ والصحابة مشتتون أيظل هذا السائل - وافترضه ممن دخل الإسلام جديداً - يبحث عنهم حتّى يتسوعبهم فحصاً وفيهم من هو في الحدود يحمى الثغور، وفيهم الحكام والولاة في البلاد المفتوحة بعيداً عن الحجاز، وفيهم المشتتون في قرى الحجاز وأريافها وربما أنهى عمره قبل أن يصل إلى ما يريد؟ !

وبعد عصر الصحابة ماذا يصنع الناس؟

قال: يرجعون إلى من أخذ عن الصحابة من التابعين!

قلت: إذا امتنع استيعاب الفحص عن الصحابة مع قلتهم نسبياً فهل يمكن ذلك بالسنبة إلى من أخذ عنهم وهم أضعاف مضاعفة وكثير منهم مجهول، وإذا جاز ذلك في عصر التابعين فهل يجوز في العصور المتأخرة عنهم؟ وكيف؟

إلاّ ترى معي - يا سيدي - أنّه ليس من الطبيعي أن يفرض على الأمة - أية أمة - مصدر تشريعي يلزمون بالأخذ به وهو غير مجموع ومدون ومحدد المفاهيم ليمكن أن تقوم الحجة به عليهم.

ثم هل يمكن لأية دولة متحضرة أن تعتبر تصرفات أحد حكامها قولاً وفعلاً وتقريراً في مدى حياته قانوناً يجب الرجوع إليه إلى جنب أحد قوانينها المدونة مع أن هذه الأقوال والأفعال والتقريرات لا تقع إلاّ أمام أفراد محدودين وغير معروفين تفصيلا، ولا الأحاديث التي جرت أمامهم معروفة وهم لم يجمعوها بدورهم ولم ينسقوها كان يضعوا إلى جنب العمومات قرائن التخصيص مثلا وهكذا…؟ !

قال: وكيف نلائم أذن بين اعتقادنا بلزوم الرجوع إليها وبين الواقع الذي تذكره؟

قلت: الصور المتصورة في المسألة أربعة نعرضها ونختار أكثرها ملائمة للواقع العقلي والتاريخي.

الأولى: أن نسقط السنة عن الحجية ونكتفي بالكتاب وفي هذا محق للإسلام من أساسه وأظن أن إخواني العلماء يؤمنون معي أن الكتاب وحده لا ينهض ببيان حكم واحد بجميع ماله من خصوصيات فضلاً عن استيعاب جميع الأحكام بكل ما لها من أجزاء وشرائط.

الثانية: أن نحمل النبي - صلى الله عليه وآله - وحاشاه - مسؤولية التفريط برسالته بتعريضها للضياع عند ما لم يدونها أو يأمر الصحابة بالتدوين والتنسيق.

الثالثة: أن نحاشي النبي - صلى الله عليه وآله - عن تعمد التفريط ونرميه بعدم العلم وحاشاه - بما ينتج عن إهماله التدوين من مفارقات أيسرها ضياع كثير من الأحكام الشرعية نتيجة موت قسم من الصحابة حملة السنة أو نسيانهم أو غفلتهم - وهم غير معصومين بالاتفاق - وهكذا، هذا بالإضافة إلى ما يسببه الفحص عن الأحكام قبل المحتاجين إليها من المكلفين من عسر وحرج بسبب تشتت الصحابة وتشتت رواتهم بعد ذلك أن لم يكن متعذراً أحياناً.

الرابعة: أن نفترض له جمعها وتنسيقها وإيداعها عند شخص مسؤول عنها عالم بجميع خصائصها ليسلمها إلى من يحتاج إليها من المسلمين ثم يورثها من بعده لمن يقوى على القيام بها من بعده كما ورثها هو، حتّى تستوعب من قبل المسلمين تدويناً ويسهل الاعتماد عليها من قبلهم ولو بالطرق الاجتهادية.

فإذا اعتبرنا السنة - بحكم الضرورة - من مصادر التشريع ونزهنا النبي - صلى الله عليه وآله - عن الجهل والتفريط برسالته تعين الأخذ بالفرض الرابع.

ومن هنا نعلم أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ما كان مسوقاً بدوافع عاطفية وهو يؤكد ويحث ويلزم بالرجوع إلى أهل بيته بأمثال هذه النصوص.

"إنّما مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق" [٦].

"إن مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له" [٧].

"إني تركت فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتّى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفونني فيهما" [٨].

وقوله في تحذيرهم وهو يمهد لإعلان النص على الإمام يوم الغديرـ "كأني دعيت فأجبت أني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فانهما لن يفترقا حتّى يردا على الحوض" - ثم قال: أن الله عزّوجلّ مولاي وأنا مولى كلّ مؤمن - ثم أخذ بيد علي فقال من كنت مولاه فهذا وليه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" [٩].

وقوله - صلى الله عليه وآله - في خصوص الإمام علي "علي باب علمي ومبين من بعدي لامتي ما أرسلت فيه" [١٠].

وقال له "أنت أخي ووارثي، قال وما أرث منك؟ قال - صلى الله عليه وآله وسلم - ما ورثة الأنبياء من قبل" [١١].

وفي رواية كنز العمال "ما ورث الأنبياء من قبلي كتاب ربهم وسنة نبيهم" [١٢].

قال أحدهم - وقد قطع علي سلسلة الكلام والتوسع برواية الأحاديث: نحن

لا ننكر علم أهل البيت أو الإمام علي ولا لزوم محبتهم والتمسك بهم بل نحن أكثر تمسكا بهم منكم وإنّما حديثنا في ثبوت العصمة لهم.

قلت: صحيح إنّ حديثنا كان عن العصمة وليس عن العلم وما أظن أننا بعدنا عن الحديث لو تركتموني أتم الكلام وأربط بين حلقاته وما أدري ما دخل المفاضلة هنا والتماس أكثرنا تمسكاً بأهل البيت والحديث ليس مسوقاً لهذه الناحية العاطفية!

وهنا التفت أكثرهم إلى القائل بنظرة عتب ثم التفتوا الي وقالوا: تفضل فاستمر بالحديث.

قلت: فإذا كنتم قد اكتفيتم بهذا المقدار من الأحاديث - وفيها فعلاً بعض الكفاية لما نريد - فاني أحب أن أعود إلى السؤال الأول الذي وجهناه في بداية الحديث، ما هو السر في التزاما بعصمة النبي - صلى الله عليه وآله -؟

قال: أحدهم: سد فجوات الشك في أن ما يأتي به النبي - صلى الله عليه وآله - من قول أو فعل أو تقرير فإنما هو من الله عزّوجلّ لا مجال فيه لرأي أو شبهة أو سهو أو غفلة أو تعمد كذب؟ !

قلت: فإذا افترضنا أن أهل البيت كانوا هم الأمناء على السنة وهم ورثتها بمقتضى هذه الأحاديث ونحن مأمورون بالرجوع إليهم باعتبارهم الورثة لها أفلا ترون أن الباعث الذي دعانا إلى الالتزام بعصمة النبي ما يزال قائماً بالنسبة إليهم وهو سد فجوات الشك في أن ما يؤدون إنّما هو السنة الموروثة لا آراؤهم الخاصة ولا ما ينتجه الخطأ والنسيان والسهو وتعمد المكذب.

وإن شئتم أن تقولوا أن فكرة الإمامة امتداد لفكرة النبوة وبقاء لها باستثناء ما يتصل بعوالم الاتصال بالسماء من طرق الوحي فإذا احتاجت النبوة لأداء أغراضها - بحكم العقل - إلى تحصينها بالعصمة احتاجتها الإمامة لنفس السبب ما دامت الإمامة امتداد لها من حيث أداء الوظائف العامة كاملة وأهمها تبليغ السنة وايصالها إلى الناس، على أنا في غنى عن هذا النوع من الاستدلال بالعودة بكم إلى مضمون نفس هذه الأحاديث ليكون استدلالنا بالسنة نفسها على عصمة أهل البيت بدلاً من دليل العقل ولنختر من هذه الأحاديث ما فيه تعميم لجميع أهل البيت كحديث السفينة أو الثقلين.

والأفضل أن نتحدث عن:

حديث الثقلين:

للتسالم على صحته عند جل المسلمين ولوفرة رواته بل ثبوت تواتره، وحسبه أن تصل طرقه لدى الشيعة إلى اثنين وثمانين طريقاً، ولدى السنة إلى تسعة وثلاثين [١٣]. وما أظن أن حديثاً من الأحاديث التي ادعى تواترها بلغ من وفرة الرواة ما بلغه هذا الحديث.

ثم ما أظن أن كتب الحديث والتاريخ والتفسير على اختلافها قد عنيت بمثل ما عنيت بهذا الحديث حتّى بلغت الكتب التي روته في مختلف العصور المئات وألفت فيه وسائل مستقلة [١٤].

والظاهر أن سر هذه العناية البالغة بهذا الحديث هو عناية النبي - صلى الله عليه وآله - واهتمامه البالغ به فقد صدع به في حجة الوداع بعرفة، وفي غدير خم، وبعد انصرافه من الطائف وفي الحجرة قبيل وفاته وهكذا.

قال أحدهم وما نصنع بحديث (وسنتي) لو أخذنا بحديث الثقلين ولماذا تقدم حديث الثقلين عليه وهو معارض له؟ !

قلت: إنّما نقدم حديث الثقلين لأنه حديث متواتر ولا أقل من شهرته وصحة طرقه وعناية الصحاح والمسانيد به بينما لم يرو حديث وسنتي إلاّ أفراد محدودون ورواياتهم لم تخضع لشرائط الاعتبار لوقوع الإرسال فيها.

وعلى فرض صحتها فأين موقع المعارضة بين الحديثين وليس لها منشأ إلاّ توهم التدافع بين مفهوميهما وهما لا يخرجان على كونهما من مفهومي العدد واللقب وكلاهما ليسا بحجة في دفع الزائد فأي محذور في أن يخلف الكتاب والسنة والعترة وهو ما يقتضيه الجمع العرفي بينهما.

على أن أحدهما يرجع إلى الآخر لما سبق أن قلنا من أن أهل البيت لا يأتون بغير السنة لأنهم ورثتها والمسؤولون عن تبليغها وكلام أئمة أهل البيت - عليه السلام - صريح في ذلك وما أكثر ما تردد مضمون هذا الكلام على السنة قائلهم "حديثي هو حديث أبي وحديث أبي هو حديث جدي رسول الله فحديثنا واحد".

ورواية السنة لا يمكن الأخذ بها على ظاهرها لامتناع جعل مصدر تشريعي تسأل الأمة على اختلاف عصورها عن العمل به وهو لم يدون ولم ينسق على عهده ولا العهود القريبة منه لما في ذلك من التفريط بالرسالة وتعجيز المكلفين عن أداء وظائفها كما سبق شرحه.

فالظاهر أن الحديثين يعضد بعضهما بعضا ويؤديان - بعد الجمع بينهما - وظيفة واحدة مرجعها إلزام المسلمين بالرجوع إلى السنة المودعة لدى أهل البيت وعدم جواز إغفالهم لها.

قال أحدهم: ومعنى ذلك أنكم لا تأخذون بغير روايات أهل البيت وتلقون بأحاديث أهل السنة ولا تعتمدونها.

قلت: يا أخي ومن قال ذلك أن السنة حجة على كل حال ثبتت من طريق أهل البيت، أو من طرق غيرهم شريطة أن تشتمل على ما يوجب الاطمئنان بالصدور ولكن أهل البيت معصومون عن الخطأ في أدائها ومستوعبون لكل ما يتصل بها بحكم هذه الأحاديث التي مرت عليك.

قال: المعروف عنكم أنكم لا تأخذون بأحاديث غير الإمامية ولا تعتمدونها.

قلت: لا اعرف مصدراً لهذا القول كيف وفي كتب الدراية ما يسمى بالحديث الموثق وهو ما كان في طريقه غير إمامي واعتماد الموثقات عندنا أشهر من أن يتحدث عنه، وحسبك أن تفتح أي كتاب فقهي شيعي لترى مدى الاعتماد عليه وما أكثر ما اعتمد فقهاء الشيعة على الأحاديث النبوية التي لم يقع في طريقها إمامي واحد إذا ثبتت لديهم وثاقتها والمقياس في الاعتماد على الحديث عندهم حصول الاطمئنان لديهم بصدوره عن المعصوم نبياً كان أو إماماً من أي طريق حصل ومزية أهل البيت - كما قلنا - استيعابهم كل ما يتصل بالسنة وعصمتهم في أدائها.

وبتعبير أدل إنّ الرجوع إلى أهل البيت قاطع للعذر وموفر للحجة، فإذا حصلت الحجة من غير طريقهم لزم الأخذ بها.

نعم إذا تعارض كلام أهل البيت مع غيرهم قدم كلام أهل البيت وتقدم كلام المعصوم على غيره للقطع بحجيته بحكم أدلة العصمة والشك - على الأقل - في حجية معارضه والشك في الحجية من أسباب القطع بعدمها لما ذكر وقرر في علم الأصول من أن القطع مقوم للحجية فمع الشك فيها يقطع بعدمها لعدم توفر عنصر العلم فيها.

قال: وحديث الثقلين أين موقع دلالته من العصمة وفي أي موقع من فقراته وجدتهم ذلك؟

قلت: أن جل فقرات الحديث تدل عليها منها اعتبارهم في الحديث قرناء للكتاب "إني قد تركت فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله وعترتي" وحيث أن الكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فكذلك قرناؤه.

ومنها جعل العصمة للأئمة بالتمسك بهم عن الضلالة "ما إنّ تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي" وفاقد الشيء لا يعطيه بداهة وهنا أحب أن أقف قليلا عند هذه الفقرة لأنبه على ما سبق أن أشرنا إليه من أن الاكتفاء بأحدهما عن الآخر ت اعني الكتاب والعترة - لا يكفي في توفير الحجة القاطعة غالبا حيث اعتبرت العاصمية على الإطلاق للتمسك بهما معا لا بأحدهما بل وحدت في الضمير العائد على الموصول فيما إنّ تمسكتم كناية عن تكوينهما وحدة لا تحقق المعذرية أو المنجزية في الجميع إلاّ بها.

والفقرة الثالثة وهي قوله " ولن يفترقا حتّى يردا علي الحوض" فانها من أدل ما يمكن أن يساق في هذا المجال عن العصمة.

قال: أحدهم وكيف؟

قلت: أسألك إذا صدر الذنب من العبد أو سها عن أحد الأحكام مثلاً فهل هو متفق في حالة سهوه أو عصيانه مع الكتاب أو مفترق عنه؟ .

قال: بل هو مفترق لأن الالتقاء لا يكون إلاّ مع التوافق والانسجام بين الحكم المتبنى في الكتاب والسلوك الذي صدر عنه ومع المخالفة - مهما كان شأنها - لا انسجام بينهما ولا وفاق.

قلت: وأضيف إلى ما تفضلتم به أن السهو والغفلة وأن أوجبا لا صحابهما المعذرية شرعاً إلاّ انهما لا يمنعان من صدق الافتراق لأن الافتراق المعنوي كالافتراق الحسي مداره ابتعاد أحدهما عن الآخر فالشخص الذي يُقسر على ترك صديقه والابتعاد عنه يصدق عليه الافتراق عنه وان كان معذورا في مفارقته وهكذا

من يخالف الكتاب.

وإذا صح هذا عدنا إلى تذكر ما سبق أن اتفقنا عليه من مفهوم العصمة التي أوجبناها للنبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بحكم العقل - وهي استحالة صدور الكذب أو الخطأ أو السهو عليه في مقام التبليغ لنسأل على ضوئه هل يجوز وقوع افتراق العترة عن الكتاب لأي سبب كان وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن عدم وقوعه بمفاد لن التأبيدية "ولن يفترقا حتّى يردا على الحوض"؟ !

قال أحدهم: وما في ذلك من محذور؟

قلت: اليس في تجويز وقوع الافتراق عليهما تجويز للكذب أو السهو على الرسول الذي أخبر عن عدم الافتراق - وهو في معرض التبليغ لا لزامه - صلى الله عليه وآله - بالتمسك بهما - وهو ما سبق أن اتفقنا على منافاته لعصمة النبي - صلى الله عليه وآله - فأهل البيت أذن بمقتضى هذا الحديث معصومون وبخاصة فقرته الأخيرة.

وما يقال عن هذا الحديث يقال عن حديث السفينة وباب حطة والكثير من نظائرهما.

والواقع: يا سيدي - أن هذه الأحاديث وامثالها مما ورد في أهل البيت كانت مبعث حيرة ومعاناة لي في التماس بواعثها عندما حاولت اكثر من مرة أن أتحلل من رواسب العقيدة التي درجت عليها في أهل البيت وأخضعها للمقاييس المنطقية التي افهمها.

وكان أكثر ما يقف أمامي ويلح علي في طلب التفسير هو اختصاص النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - هذه اللمة من بين أمته بل من بين أهل بيته بالذات وفيهم أعمامه وأولاد عمه ليؤكد كلّ هذا التأكيد ليؤكد كلّ هذا التأكيد على لزوم اتباعهم والتمسك بهم بالخصوص ويعتبرهم اعدال الكتاب تارة وسفن النجاة أخرى والعروة الوثقى ثالثة،

والامان لأهل الأرض من الاختلاف رابعة، ويختصهم بالتطهير من الرجس ولا يكتفي دون أن يؤكد ذلك بمختلف صور التأكيد ويتخذ شتى المحاولات لابعاد كلّ من يحتمل في حقه شبهة المشاركة حتّى يبلغ به الحال أن يبعد زوجته أم سلمة - وهي من هي في مقامها من الإيمان والتقوى - عن المشاركة في الدخول تحت الكساء الذي طرحه عليهم وهو يتلو؟ إنّما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً؟ ثم لا يكتفي أيضاً دون أن يقف في كلّ يوم على باب علي وفاطمة في أوقات الصلوات ليرفع صوته بتلاوته لهذه الآية وقد أحصيت عليه تسعة أشهر وهو يكررها دون انقطاع.

إلى عشرات بل مئات من امثال هذه الأحاديث التي ينهي بعضها عن مخالفتهم ويحذر من عدائهم وبغضهم ويلزم باتباعهم واخذ العلم عنهم "فلا تقدموهم فتهلكوا ولا تقصروا عنهم فتهلكوا ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم" [١٥].

والصور العقلية التي تصورتها في مجالات التفسير ثلاثة نعرضها لنختار أمثلها وأكثرها اتساقا مع ما اتفقنا عليه من إثبات العصمة للنبي بالمفهوم الذي حررناه في بداية الحديث.

أولاها: الأجمال في كلامه وعدم إعطائه أية دلالة تشريعية وهذا ما تأباه صراحة النصوص بلزوم اتباعهم والتمسك بهم، والتعلم منهم، واثبات العصمة لهم وقد مرت نماذج منها قبل قليل وهي ليست موضعا لنقاش.

الثانية: أن نسلم الدلالة التشريعية إلاّ إننا لا نسلم صدورها عن الله عزّوجلّ بل نعتبرها صادرة عن النبي - صلى الله عليه وآله - لا سباب عاطفية محضة اقتضتها علقته القريبة

بهذا النفر من أهل بيته.

وهذا النوع من الحمل مما تأباه أدلة العصمة لأن دخول العاطفة وتحكمها في مجالات التشريع مما يهير فكرة العصمة من أساسها وأي ذنب أعظم من أن يفتئت على الله عزّوجلّ ما لم يقله مجاراة لعواطفه وميوله وحاشاه؟ !

على أن هذا النوع من الإغراق في العاطفة تجاه نفر معين مع وجود غيرهم من أهل بيته لو كان له ما يبرره في الواقع النفسي فليس هناك ما يبرر التعبير عنه - بهذه الأساليب - لمجافاته لما عرف به النبي - صلى الله عليه وآله - من الخلق العظيم وهل من الخلق أن يلحف في إبراز عاطفته تجاه نفر معين ليس فيهم ما يميزهم من سائر أقربائه وفيهم من هو أكبر منهم كالعباس مثلاً؟ أليس في هذا النوع من إبراز العاطفة تحد لهم لا مبرر له وهو لا يصدر من أقل الناس عادة؟

الثالثة: أن نسلم دلالته التشريعية ونعود بها إلى أسبابها المنطقية، وأهمها ما توفروا عليه من العلم والعصمة وهذه المحاولات التأكيدية كان مبعثها تركيز هذا المعنى في النفوس وترويضها لتقبله…

فإذا امتنع الفرض الأول لصراحة النصوص وامتنع الثاني لأدلة العصمة في النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - تعين الأخذ بالفرض الثالث والتعبد به.

قال أحدهم: وهل كانت هذه الصفات - أعني العلم والعصمة - واضحة لدى معاصريهم، أي أن واقعهم التاريخي هل ينسجم مع ما يفهم من هذه النصوص؟

قلت: هذا أهم سؤال يمكن أن يوجه - يا أخي - لأنه يفتح أمامنا مجال التطوير في الإجابة على أمثال هذا النوع من الاستدلال.

فقد كان نوع الباحثين في الشؤون العقائدية عندما يريدون أن يتحدثوا أو يستدلوا على آية مسألة من مسائل الفكر التي ترتبط بشؤون العقيدة فإنما يتحدثون عما يجب أن يكون ولا يفكرون فيما هو كائن.

وإذا فكروا فيه فإنما يفكرون في إخضاع ما هو كائن لما يجب أن يكون.

ولست اعرف فيهم من حاول تقييم أدلته على أساس من عرضها على الواقع المحسوس - فيما يكون له واقع محسوس منها - ويلتمسون مدى انسجامها معه ثم ينطلقون من وراء ما ينتهون إليه إلى الحكم على صحة الدليل وعدمه.

وقد كانت لي محاولة - عندما كنت مدرساً لمادة التاريخ الإسلامي - في كلية الفقه - أن أجعل من وسائل النقد المضموني لبعض الأحاديث عرضها على طبيعة زمنها ثم بيئتها ثم الشخص الذي قيلت فيه فان انسجمت معها جميعا أمنت بصحتها - إذا لم يكن في أسانيدها مما يوجب التوقف.

وكأنك - يا أخي - تريد أن تشير إلى نفس هذا المقياس في إيمانك بهذه الأحاديث.

ومثل أدلة عصمة أهل البيت - آيات وأحاديث - إذا كان فيها مجال لتردد ما - من تقبل بعض من عاصروا ولادتها حيث أنها افترضت في الأئمة واقعا لم يخضع - إذ ذاك - لتجربة كاملة فهي أشبه بالتحدث عن عوامل الغيب - فلا يقتضي أن يظل التردد قائما بعد أن أخذ الأئمة من أهل البيت واقعا تاريخيا عرضهم في مختلف مجالات السلوك والمعرفة وبوسع الباحث أن يقطع تردده بدراسة سيرهم والحكم لهم أو عليهم على ضوء ما ينتهي إليه.

والشيء الذي وددت التنبيه عليه أن التاريخ لم يكن في يوم ما ملكا لهم ولشيعتهم واتباعهم يسيرونه كيفما يريدون وإنّما كان - كشأنه في أي عصر - ملكا للفئة الحاكمة تسيره كيفما تريد.

ونحن نعلم أن أهل البيت كانوا يشكلون في جميع أدوار حياتهم جبهة المعارضة للسلطة الزمنية، المعارضة الشريفة التي لا يمكن أن تهادن على منكر تراه كما لا تبخل في إرسال كلمة معروف في مشورة أو سلوك.

وكانت السلطة تعلم منهم ذلك وتحسب له حسابه وربما حسبت له أكثر من حسابه فاتخذت له الحيطة الكاملة وكثيرا ما تستبد بها الأوهام والظنون فتوسع في مخيلاتها إلى أن هذا البيت ما يزال يعد عدته للعمل على الاستيلاء على السلطة والنهوض بالحكم وهم يعلمون أن الحكم حق من حقوقه المفروضة.

وكان من وسائل الحيطة التي اتخذتها السلطات على اختلافها محاربة شيعتهم واتباعهم، وضرب نطاق الحصار الاقتصادي عليهم، ومنع وصول الحقوق والأموال إليهم جهد ما يستطيعون، وجعل العيون والرقباء لإحصاء حتّى عدد أنفاسهم. وربما توسعوا فحملوا أئمة أهل البيت إلى عواصمهم ليكونوا تحت الرقابة المباشرة وقد يدخلونهم السجن ليحولوا بينهم وبين ما يتخيلونه من نشاط وقد أنهت حياة أكثرهم بالاغتيال والقتل.

وبالبداهة أن فكرة العصمة والاعلمية كانتا من أهم الركائز لفكرة التشيع منذ وجد التشيع لأهل البيت وكان أهل البيت أنفسهم يصرحون بذلك.

ومن الطبيعي أن يبعث هذا النوع من التصريح الحزم واليقظة في مدوني التاريخ لتسليط الأضواء على كلّ ما يتصل بحياتهم الخاصة أو العامة للعثور على شيء من التناقضات بين واقعهم وما يدعون لتكون لهم وثيقة بيد السلطة للإجهاز بها على جبهة المعارضة والقضاء عليها بسهولة.

وما أيسر الاختلاف لو كان هناك مجال لتزيد واختلاق.

ولكن التاريخ - وهو ملك أيديكم فعلا وبوسعكم تتبع أحداثه - لم يحتفل - فيما قرأت منه - بتسجيل حادثة واحدة على أحد من أئمة أهل البيت "الاثني عشر" تتنافى مع دعوى العصمة أو علمية.

وهناك شيء - وددت التنبيه عليه - وقد سبق أن نبهت عليه في مبحث سنة أهل البيت من كتاب "الأصول العامة للفقه المقارن" والتمست تفسيره الطبيعي فلم اعثر عليه وعسى أن يعثر سادتي على تفسير طبيعي له - وهو تولي بعض الأئمة منصب الإمامة وهم صغار السن بل كان بعضهم لا يزيد على العشر سنوات حين توليه لمنصبها الخطير.

ونحن نعلم أن ابن ثمان أو عشر مثلاً مهما بالغنا في إعطائه صفة النبوغ والعبقرية وأحطناه بالبيئة الصالحة والتربية السليمة فإننا لا نستطيع أن نوفر له صفة الاستيعاب لمختلف مجالات المعرفة وهي المدعاة لأئمة أهل البيت - عليهم السلام ـ، أو صفة العصمة عن ارتكاب كلّ ما يتنافى مع أحكام الشريعة مهما كانت المغريات لاستحالة أن يتسع الوقت لذلك ولقصورنا نحن عن مجالات الاستيعاب.

وقد تولى الإمامان الجواد والهادي - عليهما السلام - الإمامة وهما ابنا ثمان وكانت المعارضة في عهدهما للحكم على أشدها حتّى أضطر المأمون أن يظهر التنازل عن الحكم للإمام الرضا - عليه السلام - والد الجواد حتّى إذا أبى عليه ألزمه بقبول ولاية العهد كسبا لعواطف الملايين من شيعته، ثم عمد إليه بعد ذلك فقتله بالسم لئلا ينتهي الحكم إليه.

وكانت اقصر الطرق وأيسرها للقضاء على المعارضة - لو كان هناك مجال - أن يعمد الحكام إلى هذين الإمامين الصغيرين فيعرضونهما إلى شيء الامتحان العسير في بعض وسائل المعرفة أو السلوك ثم يعلنون أمام الرأي العام عن سخف الشيعة التي ما تزال تؤمن بفكرة الإمام المعصوم وقد ولت عليها أئمة صغاراً هم بهذا المستوى من المعرفة أو الانحراف والعياذ بالله.

وأظن أن القضاء على فكرة التشيع بإعلان فضيحتهم من هذه الطريق أجدى على الحكام من تعريض أنفسهم لحرب قد يكونون هم من ضحاياها.

وهؤلاء الأئمة لو كانوا في زوايا تحجبهم عن أعين النظار، وكان لا يمكن الوصول إليهم إلاّ من طريق أتباعهم لأمكن أن يبالغوا في إضفاء المناقبية عليهم كما هو الشأن في بعض أئمة الإسماعيلية والباطنية، فكيف وهم مصرحون بعقائدهم ومبادئهم وسلوكهم أمام الراي العام وبمرأى من السلطة ومسمعها، وما لنا نطيل ونحن نعلم أن دعوى استيعاب المعرفة لا يمكن أن يثبت عليها إنسان متعارف مهما كان له من العلم والسن؛ لأن مجالاتها أوسع من أن يحيط بها عمرنا الطبيعي والامتحان كفيل بإحباط كلّ دعوى من هذا القبيل، ومثلها دعوى العصمة بل اشد منها لتحكم كثير من العوامل اللاشعورية - وهي غير منطقية - في سلوك الإنسان.

وهاتان الدعويان كانتا شعارا لأهل البيت وشيعتهم منذ عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لم نسمع بتسجيل حادثة واحدة تتعارض مع طبيعة ما ادعياه فيهما.

وما أكثر ما حفل التاريخ بتعريض هؤلاء الأئمة كباراً وصغاراً لأشق أنواع الامتحان من قبل السلطة وأقطاب مخالفيهم من العلماء وبخاصة مع الإمام الجواد مستغلين صغر سنة.

وما رأيك بأمثال يحيى بن أكثم - ومن هو من أكابر علماء عصره - عندما يأمره الخليفة باعداد أعقد المسائل وأخفاها ثم يتعرض بها لطفل لا يتجاوز عمره العشر فهل ينتظر أن يخرج الطفل معافى من هذا الامتحان؟ ! اقرأ بعض هذه المحاورات في الصواعق المحرقة لابن حجر وغيرها وانظر تصاغر السائل فيها أمام هذا الطفل الصغير والتماس تفسيرها الطبيعي.

قال أحدهم: أنظن أن هذا غير طبيعي ! وعيسى بن مريم كان أصغر منه عندما بعث نبياً والقرآن صريح في ذلك.

قلت: يا سيدي وهذا ما تقول به الشيعة، ولكن بعثة عيسى وهو بهذه السن هل تملك تفسيرها الطبيعي.

الحقيقة يا سيدي - أن قضايا الدين لا تخضع دائما ً للمتعارف من المقاييس فمن آمن بالدين أمن بكل ما يأتي به من شؤون الغيب وإن خرج على ما لديه من تجارب ومقاييس.

وأخبار العصمة والاعلمية - بعد ثبوتها بالضرورة عن النبي - صلى الله عليه وآله - فانها تصلح أن تكون من أعظم دلائل النبوة؛ لصدقها في الأخبار عن عوامل الغيب وبخاصة لأمثالنا من الناس الّذين أدركوا صدقها وتحققت لديهم مضامينها - بعد أن أخذ أهل البيت واقعاً تاريخياً محساً لدى الجميع وقد رسمت أمثال هذه الأحاديث أهم خطوطه عندما قالت "اني تركت فيكم الثقلين ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتّى يردا علي الحوض".

ثم قلت: وقد أوشكت الشمس أن تغرب - لقد أخذت من أوقاتكم كثيراً وأفسدت عليكم نزهتكم في الإسكندرية لكثرة كلامي فاسمحوا لي أن نؤجل الحديث في بقية الأدلة على العصمة إلى جلسة أخرى أن أمرتم.

قال أحدهم: بالعكس لقد كانت هذه الجلسة من أثرى ما مر علينا من جلسات، لما دار فيها من حوار علمي مفيد.

قلت: ولكن لي سؤال أحببت أن أوجهه إلى الأخوين الجزائري والصومالي هل فيما سمعتم من عقائد إخوانكم ما لا يسر سماعه أو قل ما يتنافى مع مبادئ الإسلام.

قالوا: كلا إنّما هو من الإسلام وضمن إطاره العام والخلاف فيه لا يتجاوز الخلاف في كلّ مسألة اجتهادية تقع ضمن نطاق تعاليمه المقدسة.

قلت: هذا يكفينا فعلاً ولا يضرنا بعد ذلك أن نختلف، ولكم بعد هذا أن تتأملوا في نتائج ما انتهى إليه الحديث وتواجهونا بملاحظاتكم عليه في جلسة أخرى أن رأيتم فيه ما يوجب ذلك.

قال: أحدهم دعنا نتأمل.

وافترقنا ونحن أكثر ألفة واحتراما لبعضنا من ذي قبل.

١ - مستدرك الذريعة، السيد عبد العزيز الطباطبائي، مخطوط.

٢ - ننشر هذا البحث الرصين والحوار العلمي الموضوعي الهادئ ليس على سبيل الاحتجاج، بل للتأكيد على أهمية الحوار العلمي والروح الموضوعية، وللتأكيد على أن الشيعة عندما يتبنون مسألة العصمة فذلك لاعتبارات شرعية وعلمية تنطلق من أفق الإسلام وروحه واسسه (التحرير).

٣ - لقد جرى هذا الحوار في القاهرة مع ثلة من العلماء المسلمين، ونقله العلامة الحكيم نفسه بقلمه.

٤ - تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة لمصطفى عبد الرزاق ص ١٣٢ نقلا عن الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم ص ١١٤.

٥ - المصدر السابق.

٦ - أحياء الميّت في فضائل أهل البيت - السيوطي - حديث ٢٧.

٧ - تاريخ بغداد - الخطيب البغدادي - ١٢ - ٩١.

٨ - راجع الصواعق المحرقة - لابن حجر - ص ١٤٨ - المطبعة اليمنية بمصر.

٩ - سنن الدارمي - ٢: ٤٣١ كتاب فضائل القرآن، وراجع المستدرك ـ٣: ١٠٩.

١٠ - تراجع هذه الأحاديث وعشرات أمثالها في كتاب المراجعات ص ٢٠ فما بعدها من صفحات.

١١ - المراجعات ص ٢١٥.

١٢ - السقيفة للمرحوم الحجة المظفر ص ٤٩ ط ٢.

١٣ - أصول الاستنباط ص ٢٤.

١٤ - من الرسائل التي الفت فيه رسالة أصدرتها دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة بمصر وفيها عرض لطرقه وأسانيده على اختلافها ومنها رسالة للمرحوم الحجة (الشيخ محمّد حسين المظفر) باسم (الثقلان).

١٥ - مضامين لأحاديث حفلت بها كتب الحديث الشيعية والسنية إقراها وعشرات من أمثالها في كتاب (دلائل الصدق ج ٢ لآية الله الشيخ محمّد حسن المظفر والمراجعات لآية الله شرف الدين والأصول العامة للفقه المقارن - للكاتب ـ.



[ Web design by Abadis ]