ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 التقليد عند المذاهب الإسلاميّة \ الشيخ سامي الغريري

القسم الثاني

أدلة القائلين بجواز التقليد:

أورد القائلون بالتقليد أدلة - سمعيّة وعقليّة واختلفوا في ترتيب هذه الأدلة حسب ما يراه كلّ منهم، من حيث قوة الدليل ومتانته - توضح جواز التقليد وتؤيده:

النوع الأول: الاستدلال بالقرآن الكريم:

قال الله تعالى:؟ وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذّكر إنّ كنتم لا تعلمون؟ [١] ومثلها:؟ وما أرسلنا قبلك إلاّ رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذّكر إنّ كنتم لا تعلمون؟ [٢].

فأمر الله سبحانه وتعالى من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه.

وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - من لا يعلم إلى سؤال من يعلم، في حديث صاحب الشجة فقال - صلى الله عليه وآله وسلم - : "ألا سألوا إذا لم يعلموا، إنّما شفاء العي السؤال" [٣].

وقال أبو العسيف إنّ ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاه وخادم ثم سألت رجالاً من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة، وتغريب عام وعلى امرأته هذا الرجم" [٤].

على أية حال نعود إلى الآية الكريمة التي هي عامة لكل المخاطبين، وفي كلّ أمر لا يعلم، لأن الأمر المقيد بسبب (وهو عدم العلم) بتكرر بتكرره فكلما وجد عدم العلم، أمر الشخص بالسؤال، وأدنى الدرجات في قوله تعالى:؟ فاسألوا؟ الجواز كما قال الآمدي [٥].

ولكن لنقف عند الأمر، فماذا وراء الوجوب أو الجواز المذكور، وهو يُراد غير العمل على طبق ما يبينه المسؤول عن الجواب في الأحكام الشرعية.

وقد اعترض على هذا بما يلي:

١ - إنّ في هذه الآية خصوصية لنفس السؤال، تكمن في هذا النوع من التصدي إلى الآخرين، ليسأل هذا فيجيب ذاك، وإن لم يعمل السائل بما يلقيه المسؤول عليه.

وأجيب عن ذلك بأن هذه العملية لا تخلو من اللغوية، إذ ما الفائدة من السؤال وعدم العمل بالجواب، وبما يتعقب ذلك مما تفرضه طبيعة الإجابة،

خصوصاً والمسؤول من أهل الذكر.

لذا فالآية في مقام إرشاد العوام للرجوع إلى أهل الخبرة وهم أهل الذكر من العلماء، لتعليمهم ما يعود إلى أمورهم الدينية، وهو صورة أخرى من عملية التقليد، وتصريح بحجية فتوى العالم بالنسبة إلى الجاهل.

٢ - إنّ المراد بأهل الذكر كما جاء في بعض التفاسير، هم علماء أهل البيت - عليهم السلام ـ، وفي بعض التفاسير هم علماء أهل الكتاب، وهذا الترديد ينافي الاستدلال بالآية على ما نحن فيه، من الرجوع إلى العلماء لأخذ الأحكام الشرعية منهم.

وأجيب عن ذلك: إنّ ورود الآية في مورد لا يوجب اختصاصها بذلك المورد، بل في الحقيقة إنّ الآية في مقام إعطاء ضابطة كلية، كما يصلح انطباقها على أهل الكتاب، في السؤال مع علمائهم فيما يعود إلى الاعتقاد وأصول العقيدة وأمر النبوة، كذلك تنطبق على أهل البيت - عليهم السلام - في خصوص ما يعود إلى السؤال منهم، وفي الوقت نفسه تشمل العلماء والفقهاء فيما يخصهم من السؤال حول الأحكام الشرعية.

٣ - عورضت هذه الآية بآية أخرى: قال الله تعالى:؟ وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون؟ [٦] والقول بالتقليد قول ما ليس بمعلوم، فكان منهيّاً عنه، وأيضاً فقد ذم الله التقليد حكاية عن قوم قالوا:؟ إنا وجدنا آباءنا على أمّة وإنّا على آثارهم مهتدون؟ [٧].

والمذموم لا يكون جائزاً كما بيّنا سابقاً.

وأجيب على ذلك: بأن الآية تحمل على ذمّ التقليد فيما يطلب فيه العلم،

وهي العقائد، جمعاً بينها وبين الأدلة السابقة التي ذكرت.

الآية الثانية التي استدلوا بها:

قال تعالى:؟ فلو لا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون؟ [٨].

إنّ الآية ألزمت النفر، والخروج على البعض من كلّ فرقة حسبما تقتضيه لولا التخصيصية، وأما الغاية من النفر، فسياق الآية يعطي أنّه لأجل التفقه في الدين، ولكن هذه الغاية لم تبق لوحدها، بل عطف عليها لزوم الإنذار من النافرين، فإن التفقه وإن كان غاية للنفر، إلاّ أنّه لا فائدة فيه إذا لم تكتمل هذه الغاية، وهي تقديم النافرين ما اكتسبوه من الفقه إلى قومهم.

وعلى الإجمال فإن الآية دالة على حجية الفتوى، وجواز التقليد مما لا إشكال فيه، ولا يعارضها شيء من الآيات المباركة، [٩] لأن الاجتهاد ملكة لا تحصل إلاّ لنفر قليل من الناس، فإذا كلف بها جميع الناس، كان تكليفاً بما لا يطاق، وهو ممنوع شرعاً لقوله تعالى:؟ لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها؟ [١٠].

النوع الثاني من الاستدلال على جواز التقليد

التقليد جوازه بديهي:

يصور لنا المحقق الآخوند الخراساني، صاحب الكفاية، من الإمامية هذا

الدليل بقوله:

"إنه - التقليد - حكم جبلي فطري لا يحتاج إلى دليل، وإلاّ لزم سد باب العلم على العامي مطلقاً غالباً، لعجزه عن معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة، ولا يجوز التقليد فيه أيضاً وإلاّ لدار أو تسلسل" [١١].

وفي كلامه نظر:

"ألف" دعوى البديهية: فإنه لو كان جواز التقليد في الأحكام الشرعية أمراً بديهياً لم يختلف فيه اثنان، والحال أنّه قد وقع الاختلاف فيه، فقد حكي عن الشهيد في ذكراه وهو من الإمامية أيضاً أنّه قال:

(خالف فيه بعض قدماء الأصحاب، وفقهاء حلب، فأوجبوا على العوام الاستدلال، واكتفوا فيه بمعرفة الإجماع والنصوص الظاهرة، وأن الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار الحرمة مع فقد النص) [١٢].

أما صاحب الفصول، وهو من الإمامية أيضاً فقد قال: (شرذمة أوجبوا على العامي الرجوع إلى عارف عدل، يذكر له مدارك الحكم من الكتاب والسنة، فإن ساعدت لغته على معرفة مدلولهما، و إلاّ ترجم له معانيها بالمرادف من لغته، وإن كانت الأدلة متعارضة، ذكر له المتعارضين ونبهه على طريق الجمع ويعد تعذر ذكر أخبار العلاج).

ثم قال (قدس سره): (ووضوح فساده يغني عن البيان).

"ب" بخصوص كونه حكماً جبلياً فطرياً: فأن الحكم الفطري هو الذي ينشأ من الغريزة، وجواز التقليد في الأحكام لم ينشأ من الغريزة، ولا من مقتضياتها.

نعم يمكن أن يقال: إنّ الأصل يعني - أصل رجوع الجاهل إلى العالم - فطري، فأن حب البحث عن المجهول من فطريات الإنسان.

"ج" بخصوص قوله لدار أو تسلسل: فأنه لو قيل بأن جواز التقليد في الأحكام موقوف على تقليد العقلاء في أمورهم، وذلك لا يتوقف على جواز تقليد العامي في الأحكام الشرعية، ولو قيل بأن جواز التقليد في الأحكام موقوف على سيرة العقلاء في أمورهم، وذلك أيضاً لا يتوقف على جواز تقليد العامي، فلا دور ولا تسلسل.

وفيما يتعلق بجواز تقليد العامي عليه أن يتمسك بالسيرة العقلائية، لأن الارتكاز العقلائي إنّما هو رجوع العامي إلى هذا المجتهد، وإن ذلك من صغريات رجوع الجاهل إلى العالم، أو العامي إلى ذوي التخصص فيما يحيط بشؤونه الدينية وأحكامه الشرعية.

وليس للعامي التخلف عن هذا الارتكاز بما هو فرد من أفراد المجتمع الإنساني، وإن الصفة الدليلية والإمضاء الشرعي لهذه السيرة حاصل على عهد المشرع الأعظم، ولم يصدر ردع عن هذه السيرة من قبله، وهذا بنفسه إمضاء شرعي.

ومن ناحية أخرى، إنّ المكلف يعلم بثبوت أحكام إلزامية في حقه، وفي الوقت نفسه يعلم كلّ مكلف أنّه كإنسان لم يترك وشأنه، كبقية فصائل الحيوان المطلق الراح من ناحية التكاليف الشرعية، بل امتاز عنها بهذه التكاليف التي كلفه بها، وفي مقام إحراز امتثال تلك التكاليف الإلزامية، لابد له من أحد الأمور التالية: اليقين، الاحتياط، الاجتهاد، التقليد.

أما طلب تكليفه الحصول على رتبة الاجتهاد فمحال، لأنه يؤدي إلى أن ينقطع الحرث والنسل لو اشتغل معظم الناس بطلب العلم، وإذا استحال هذا لم

يبق إلاّ سؤال العلماء" [١٣].

النوع الثالث - الإجماع:

ذكر الأكثرون [١٤] من علماء الأمة أن الإجماع قام على جواز رجوع العامي إلى المجتهد.

والظاهر منهم أنّه إجماع سكوتي، حصل من عدم وجود تناكر لما اعتاده العوام من الرجوع إلى المفتين.

النوع الرابع - العقل:

هناك صياغتان لدليل العقل:

الأولى: ذكرها أغلب العلماء، وهي: أنّه لو وجب على العامي النظر في أدلة الفقه، لزم الضرر بأمر المعاش المضطر إليه، بل اختلال النظام، وانقطاع الحرث والنسل [١٥]. فلابد له من تقليد المجتهد في إحراز امتثال التكاليف الإلزامية الشرعية.

الصياغة الثانية: أنفرد بها بعض الإمامية، وأسموه دليل الانسداد وخلاصته: أن التقليد إذا لم يكن، حائزا يلزم سد باب العلم على العامي، لعجزه غالباً عن استنباط الأحكام الشرعية [١٦].

النوع الخامس - السيرة العقلائية:

قامت السيرة على رجوع الجاهل إلى العالم في كلّ مجالات الحياة، ومنها:

أمور الدين وأحكامه، ولم يردع الشارع عنها، فهو دليل الإمضاء [١٧] وقد ذكر أكثر المتأخرين من الإمامية هذا الدليل، ولم تذكره بقية المذاهب الإسلاميّة مستقلاً، وبهذا العنوان.

النوع السادس - الأخبار:

استدل الإمامية والحنابلة ببعض الأخبار على جواز التقليد.

أما الروايات عند الإمامية فهناك طائفتان منها: عامة وخاصة، فمن الأولى قول الإمام المهدي - عليه السلام ـ:

"وأما الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فانهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله " بتفسير أن المراد بالرواة هم العلماء بالحلال والحرام.

ومن الطائفة الثانية: قال - الراوي - قلت لأبي عبد الله - يعني الصادق - عليه السلام - : "ربما احتجنا أن نسأل عن الشيء، فمن نسأل؟ قال: عليك بالأسدي، يعني أبا بصير) [١٨].

واستدل الحنابلة بالخبر الوارد عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - في شأن جابر، الذي أصابته الشجة وهو جنب، فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة؟ فقالوا: لانجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - "قتلوه قاتلهم الله، أو قتلهم، ألا سألوا إذا لم

يعلموا، إنّما شفاء العي السؤال" رواه أبو داود [١٩].

شروط المقلد:

اشترط الفقهاء عدة شروط في المقلد للتقليد هي:

١ - الحياة: اختلف العلماء في جواز تقليد الميّت والعمل بفتواه على أقوال أربعة:

القول الأول: جواز تقليد الميّت مطلقاً ابتداء، وبقاء:

قال الشافعي: المذاهب لا تموت بموت أربابها، لأن الحياة - حياة المذاهب - تقام بقيام الدليل الذي دل عليها، وهو قول الأكثرين ولكن بداهة يشترط صحة النقل عنهم، ولهذا يعتد بها بعدهم في الإجماع والخلاف، ويؤكده أن موت الشاهد قبل الحكم وبعد الأداء لا يمنع من الحكم بشهادته، بخلاف الفسق.

وقال الشهيد الثاني: (وفي جواز تقليد المجتهد الميّت، مع وجود الحي أو لا معه؟ للجمهور أقوال: أصحها عندهم: جوازه مطلقاً، لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها، ولهذا يعتد بها بعدهم في الإجماع والخلاف، ولأن موت الشاهد قبل الحكم لا يمنع الحكم بشهادته، بخلاف فسقه) [٢٠].

والثاني: لا يجوز مطلقاً، لفوات أهليته بالموت، وهذا هو المشهور بين الجمهور كالفخر الرازي في المحصول [٢١]. خصوصاً المتأخرين منهم، بل لا نعلم

قائلاً بخلافه ممن يعتد بقوله، لأنه لو عاش لو جب عليه تجديد الاجتهاد في أحد المذاهب فربما تغير اجتهاده ورأيه فيها.

وقال القاضي وغيره احتمالاً، لاحتمال تغير اجتهاده لو كان حياً هذا إنّ لزم السائل تجديد السؤال بتجدد الحادثة ثانياً [٢٢].

والثالث: (يمنع منه مع وجود الحي، لا مع عدمه) [٢٣].

ونقل الشهيد الأول في الذكرى: القول بجواز تقليد الميّت، ولم يصرح باسم قائله.

ونقل المحقق الشيخ علي: في حواشي الشرائع، عن الشيخ السعيد فخر الدين، عن والده العلامة: جواز تقليد الميّت إذا خلا العصر من المجتهد الحي، واستبعده، وحمل كلامه على الاستعانة بكتب المتقدمين في معرفة صور المسائل والأحكام مع انتفاء المرجع [٢٤].

والرابع: الجواز فيما نقل عنه، إنّ نقله عنه مجتهد في مذهبه، لأنه بمعرفته مداركه يميز بين ما استمر عليه، وما لم يستمر عليه، فلا ينقل لمن يقلده إلاّ ما استمر عليه.

ويضيف السيد الخوئي من الإمامية في كتابه (الاجتهاد والتقليد) قولاً آخر، وهو التفصيل بين الابتداء فلا يجوز، والبقاء فيجوز.

أدلة المانعين من تقليد الميّت مطلقاً:

استدل من منع تقليد الميّت مطلقاً:

الوجه الأول: إنّ المجتهد يجوز له تغيير رأيه واجتهاده لو كان حياً، فإذا جد والنظر، فربما يرجع عن قوله الأول، وإن الميّت لا بقاء لقوله، بدليل انعقاد الاجتماع بعد موت المخالف، فلو كان للميت قول بعد موته، لما انعقد الإجماع، لأن قوله لا يزال باقياً، والمخالفة لا تزال قائمة، وإذا لم يكن للميت قول، فلا يجوز تقليده ولا الإفتاء بما كان ينسب إليه.

وقالوا: أما فائدة تصنيف الكتب في المذاهب بعد موت أربابها، فلاستفادة طريق الاجتهاد من تصرفاتهم في الحوادث، وكيفية بناء بعضها على بعض، ولمعرفة المتفق عليه من المختلف فيه.

ونوقش هذا الدليل: بأنه لا يسلم انعقاد الإجماع بموت المخالف اتفاقاً، فأن بعض العلماء يرى أن قول المخالف لا يزال باقياً، ولا إجماع مع المخالفة، ثم إنّ هذا الدليل منقوض ومعارض بحجية الإجماع بعد موت المجمعين جميعاً، لو كان القول يموت بموت صاحبه لما كان الإجماع حجة، لأن المجمعين قد ماتوا، فلا قول لهم، علماً بأن الإجماع على الحياة، نقل عن جماعة الاتفاق عليه، وأنه بلغ اشتهار القول بعدم جواز تقليد الميّت من العوام حيث قيل: (إنّ قول الميّت كالميّت، وقطع الأصحاب بأنه لا يجوز النقل عن الميّت) [٢٥].

ولكن أجابوا على ذلك أيضاً بأنه:

هذا الإجماع المدعى على تقرير تحققه، ليس إجماعاً تعبدياً لاحتمال أن يكون المدرك فيه الأدلة التي استدل بها القائلون بلزوم الحياة لمرجع التقليد،

كأصالة الاشتغال المانعة من تقليد غير الحي، فيسقط الإجماع عن الحجة.

الوجه الثاني: قوله تعالى؟ وما أرسلنا من قبلك إلاّ رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إنّ كنتم لا تعلمون؟ [٢٦].

وقوله تعالى:؟ وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون؟ [٢٧].

الاستدلال بهاتين الآيتين يبنى على دعوى وجود الإطلاق في عنوان (أهل الذكر)، ليشمل من كان ميتاً، وهكذا ما يمكن في عنوان (المنذر)، وهل ينذر من فقد الحياة أو يجيب من كان ميتاً؟

الوجه الثالث: قال - عليه السلام - : (وأما الحوادث الواقعة فأرجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فأنهم حجتي عليكم) [٢٨].

وقولـه - صلى الله عليه وآله وسلم - : "من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه" [٢٩].

أمرت الأخبار والروايات الواردة عن الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - وكذلك الروايات الواردة عن أهل البيت - عليهم السلام - بالرجوع إلى أشخاص معينين أو غير معينين، ممن تنطبق عليهم الأوصاف الواردة في لسان الأخبار، وفي حق مرجع التقليد.

ويظهر من لسان الأخبار أيضاً بيان صفات أشخاص هم أحياء، فلا انطباق فيها على من كان ميتاً.

وأجيب عن الآيات الواردة في الوجه الثاني، والأخبار الواردة في الوجه الثالث:

بأنها ليست بذات مفهوم لتدلنا على حصر الحجية في فتوى الحي من المجتهدين، وعدم حجية فتوى أمواتهم، ومعه يمكن أن تكون فتوى الميّت حجة كفتوى الحي، وغاية الأمر إنّ الأدلة المتقدمة غير دالة على الجواز، لا أنها تدل على عدم الجواز وبين الأمرين بون كبير" [٣٠].

الوجه الرابع: وقد قرره الشيخ الأنصاري من الإمامية: "و أما العقل فلا يدل على جواز التقليد إلاّ بعد ثبوت انسداد باب العلم والظن الخاص للمقلد، والمفروض قيام الأدلة الثلاثة على اعتبار قول المجتهد الحي، فلا يجوز التعدي إلى ما لم يقم عليه دليل، إلاّ بعد عدم كفاية الظن الخاص، والمفروض تمكن المقلد من الحي" (٣١).

وأجيب على ذلك: بأن الدليل المذكور، ذكر أن المفروض قيام الأدلة الثلاثة على اعتبار قول المجتهد الحي، فلا يجوز التعدي منه ما لم يقم عليه دليل، وأريد بعد تقليد الميّت.

ولكن احتج الشيخ علي في حواشي كتاب الجهاد من الشرائع (٣٢) على المنع بوجوه:

الأول: إنّ المجتهد إذا مات سقط اعتبار قوله، ولهذا ينعقد الإجماع على خلافه.

وضعف هذا الوجه ظاهر.

الثاني: إنه لو جاز العمل بقول الفقيه بعد موته، لامتنع في زماننا؟ ، للإجماع على وجوب تقليد الأعلم والأورع من المجتهدين والوقوف على الأعلم والاورع من المجتهدين والوقوف على الأعلم والاورع بالنسبة إلى الإعصار السابقة في هذا العصر غير ممكن.

الثالث: إنّ المجتهد إذا تغير اجتهاده، وجب العمل باجتهاده، الأخير، ولا يتميز في الميّت بين فتواه الأولى والأخيرة.

الرابع: إنّ دلائل الفقه لما كانت ظنية، لم تكن حجيتها إلاّ باعتبار الظن الحاصل معها، وهذا الظن يمتنع بقاؤه بعد الموت، فيبقى الحكم خالياً عن السند، فيخرج عن كونه معتبراً شرعاً.

وجواب المنع:

١ - منع عموم النهي عن التقليد واتباع الظن، بل هو مختص بالأصول.

٢ - إنّ المسوغ لجواز تقليد الحي، ليس إلاّ الوجه الأخير من الوجهين الّذين ذكرهما، وكيف يمكن دعوى الإجماع مع مخالفة كثير من الأصحاب؟

(نهى الكليني عن التقليد والاستحسان (٣٣) وصرح ابن زهرة بعينية الاجتهاد وعدم جواز التقليد، (٣٤) ونسب الشهيد في الذكرى المنع إلى قدماء الأصحاب، وفقهاء حلب (٣٥).

الشرط الثاني "الأعلميّة"

إذا لم يوجد في البلد إلاّ مفت واحد، فعلى العامي سؤاله والرجوع إليه، فأن كان هناك جماعة من المفتين، فمن الذي يستفتى منهم؟

اختلف الأصوليون في هذا الأمر: (٣٦)

ألف - فقال جماعة: يجب على العامي استفتاء الأفضل في العلم والورع والدين، فأن استووا تخير بينهم، وهو مذهب أحمد بن سريج والقفال من الشافعية، وأبي إسحاق الاسفراييني، وأبي الحسن الطبري المعروف بـ "الكيا الهراسي"، واختاره الغزالي، مقرراً أن أحد المفتين إذا كان أفضل وأعلم في اعتقاده فأنه يجب عليه اتباع الأفضل.

قال في المستصفى: (والأولى عندي أنّه يلزمه اتباع الأفضل، فمن اعتقد أن الشافعي أعلم والصواب على مذهبه أغلب، فليس له أن يأخذ بمذهب مخالفه بالتشهي" (٣٧).

واتفق الإمامية على أن تقليد الأعلم واجب، بل أدعي عليه الإجماع (٣٨).

وقد ذهب إلى هذا الرأي الزيدية (٣٩).

وهو ظاهر ابن الهمام في التحرير وشارحيه (٤٠) من الأحناف.

وهو مختار الغزالي (٤١) وابن سريج والقفال (٤٢).

والقاضي المروزي، وابن السمعاني (٤٣).

وأبو إسحاق الاسفراييني، والكيا الهراسي، (٤٤) والرازي والسبكي (٤٥) من الشافعية.

وهو مختار ابن القصار (٤٦) والشيخ عليش (٤٧) من المالكية.

وهو مذهب أحمد بن حنبل (٤٨)،

واختاره ابن عقيل البغدادي (٤٩)، والظاهر من الخرقي (٥٠) واختاره ابن بدران في شرح الروضة (٥١)، من الحنابلة.

وهذا المبنى هو المشهور عند الإمامية، بل زعموا الإجماع عليه، ويقول

"صاحب الذريعة إلى تصانيف الشيعة ": إنه من المسلمات عند الشيعة (٥٢).

والاعتقاد بأن مذهب المقلد صواب يحتمل الخطأ، مبني على أنّه لا يجوز تقليد المفضول، وأنه يلزمه التزام مذهبه.

ب - وقال أكثر الأصوليين والفقهاء، ومنهم الحنفية والمالكية وأكثر الحنابلة والشافعية: يخير العامي في سؤال من شاء من العلماء، سواءاً تساووا أم تفاضلوا، وعبارتهم المشهورة في ذلك: "يجوز تقليد المفضول مع وجود الفاضل في العلم" (٥٣).

وقد استدل الفريق الأول بأن أقوال المجتهدين بالنسبة إلى الناس، كالأدلة والإمارات المتعارضة بالنسبة إلى المجتهد، فيجب على العامي الترجيح، ولا ترجيح إلاّ بالفضل والعلم، لأن الأعلم أقوى، وطريق معرفة الأعلم، إما بالاختبار والتجربة، أو بالشهرة والتسامح ورجوع الناس إليه.

ونوقش هذا القياس بأنه لا يقاوم إجماع الصحابة على عدم إنكار العمل بقول المفضول مع وجود الأفضل.

ونوقش أيضاً بالفرق بين العامي والمجتهد، فأن المجتهد يسهل عليه الترجيح بين المتعارضين بخلاف العامي، فأنه وإن تمكن من تفضيل بعض العلماء أحياناً، فربما لا يتيسر له في أحيان أخرى، وربما يدق الأمر عليه.

ورد هذا النقاش بأن الترجيح قد يكون بالتحري، وهذا أمر ممكن، والطاعة على قدر الاستطاعة.

واستدل الفريق الثاني بالكتاب، وإجماع الصحابة، والمعقول:

أما الكتاب فقوله تعالى:؟ فاسألوا أهل الذكر إنّ كنتم لا تعلمون؟ (٥٤)

هذه آية مطلقة لم تفرق بين الأعلم وغيره من العلماء، مع تفاوتهم في تحصيل العلم والمعرفة عادةً.

ونوقش هذا الاستدلال بأن الآية لا تشمل العلماء المختلفين في الفتوى، إذا يمتنع أني يصدر التعبد من الشارع بالأمور المتناقضة، وإنّما هي محمولة على إحالة الاتفاق بالفتوى، وهذا ليس بنادر كما يدعى (٥٥).

أما إجماع الصحابة: فهو انهم متفقون على جواز الإفتاء من كلّ صحابي، الفاضل منهم والمفضول من المجتهدين، دون إنكار من أحد العمل بقول المفضول مع وجود الأفضل، فكان ذلك إجماعاً.

قال الآمدي: "إنّ الصحابة كان فيهم الفضل والمفضول من المجتهدين، فأن الخلفاء كانوا أعرف بطريق الاجتهاد من غيرهم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها".

الأصل العقلي: ذكر كثير من علماء الإمامية هذا الأصل وقالوا: إنه يقتضي الأخذ برأي الأعلم، وذلك لدوران الأمر بين التعيين والتخيير ففي حالة تعارض قولي الفاضل والمفضول، يكون رأي الأعلم معلوم الحجية بينما رأي غيره مشكوك الحجية، والشك في الحجية مساو للقطع بعدمها - كما هو مقرر ـ، فالرجوع إلى الأعلم متعين بمقتضى هذا الأصل.

تقليد الميّت:

ومن جملة الشروط التي وقع البحث فيها بين العلماء في شأن المقلد هو شرط الحياة وقد تعددت الأقوال في ذلك (٥٦). والمهم منها ثلاثة أقوال:

الأول: الجواز مطلقا:

وهو قول الأحناف، والمالكية، وأكثر الشافعية، والمشهور عند الحنابلة، وقول القمي والإخباريين (٥٧) من الإمامية، أما الزيدية فالظاهر منهم ذلك، وإن ذكروا أن تقليد الحي أولى.

وهذا القول يجيز للمكلف الرجوع إلى المجتهد الميّت والعمل بفتاواه.

وقد شذ من بين القائلين بالجواز، ابن الصلاح - وتبعه جماعة ـ، حيث حصر جواز الرجوع إلى الأئمة الأربعة فحسب (٥٨).

أدلة المجوزين: استدل المجوزون لتقليد الميّت بأمور:

١ - الإجماع: ذكروا أن الإجماع قد قام على جواز تقليد الميّت قال في تيسير التحرير: (تقليد الميّت هو القول المختار للإجماع، حيث وقع في مر

الإعصار من غير نكير) (٥٩).

٢ - سيرة المتشرعة: ذكر البعض أن سيرة المتدينين قامت على جواز رجوع العامي إلى المجتهد الميّت.

٣ - الاستصحاب: إنّ الحجية كانت ثابتة لقول المجتهد حال حياته، ويشك في ارتفاعها بالموت فتستصحب، وقريب منه ما عبر عنه البعض بقوله: لبقاء قول المجتهد، أو ما قيل: إنّ المذاهب لا تموت بموت أربابها كما نسب إلى الشافعي.

٤ - إطلاقات الكتاب والسنة: استدل للجواز من خلال الأدلة النقلية المطلقة، بدعوى أنها تشمل الحي والميّت.

القول الثاني: المنع مطلقاًَ:

قال به الإمامية - عدا بعض المتأخّرين منهم - فهم يرون حرمة تقليد الميّت مطلقاً - أي ابتداء واستدامةً وهذا القول هو المحكي عن الرازي في أحد قوليه (٦٠).

أدلة المانعين: استدل المانعون بأدلة:

١ - الإجماع: قيل إنّ الإجماع قام على عدم جواز تقليد الميّت (٦١).

٢ - الأصل: إنّ الأصل عدم جواز العمل والتقليد بالظن، وقد خرج هذا الأصل تقليد الحي بالدليل، وبقي تقليد الميّت ولا دليل عليه فيبقى في عموم المنع عن العمل بالظنّ (٦٢).

٣ - إنّ الميّت لا قول له: والدليل أو المؤيد لذلك أن الإجماع ينعقد مع

خلاف الميّت (٦٣).

٤ - إنّ الميّت لو عاش فلربما غير اجتهاده في بعض المسائل (٦٤).

٥ - إنّ دوران الأمر بين التعيين والتخيير يقتضي اعتبار الحياة (٦٥).

القول الثالث: التفصيل بين البقاء والابتداء:

تبنى هذا القول أكثر المتأخرين من الإمامية، على اختلاف في مقدار ما يمكن البقاء فيه، وفي بعض شروط البقاء وتفصيلاته.

يقول السيد السبزواري (ره): (لا يجوز تقليد الميّت ابتداء، ويجوز البقاء على تقليده بأذن من المجتهد الحي) (٦٦).

بل إنّ بعضهم يرى أن هذا التفصيل كان يراه القدماء كذلك ولكنهم لم يصرحوا به، يقول صاحب الجواهر: (إنّ عدم جواز تقليد الميّت ابتداء مفروغ منه بين أصحابنا، وقد حكى الإجماع عليه غير واحدٍ، إنّما الكلام في جواز بقائه على ما قلده فيه زمن حياته وعدمه) (٦٧).

وقريب منه ما حكي عن أبي الخطاب من الحنابلة قوله: "إنْ مات المفتي قبل عمل المستفتي بفتياهُ فلهُ العمل، وإنْ كان قد عمل بها لم يجز له تركه إلى قول غيره في تلك الواقعة" (٦٨).

العدالة

ينظر الإسلام إلى العدل على أنّه مبدأ تأسيسي وهدف رئيسي، قبل أن يكون فضيلة خلقية أو قيمة حضارية.

والعدل: من استمر على فعل الواجب والمندوب، وللصدق وترك الحرام، والمكروه والكذب، مع حفظ مروءته، ومجانبة الريب والتهم، بجلب نفع ودفع ضرر.

وهي أصل من الأصول التي جاءت بها الشريعة، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالعدل في محكم كتابه في اكثر من آية، قال تعالى:؟ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل؟ (٦٩) وقال تعالى:؟ وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى؟ (٧٠) وقال تعالى:؟ إن الله يأمر بالعدل والإحسان؟ (٧١) وقال تعالى؟ ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى؟ (٧٢).

ولما كانت العدالة وليدة العدل المطلق، فهي من أهم الأمور التي ترد في كلّ ما شرعه الله من الأحكام، ومن السلوك الإنساني، وفي القضاء والحكم والإفتاء يكون لها شأن كبير، إذ خاطب الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم - صلى الله عليه وآله ـ:؟ إنا أنزلنا إليك الكتاب لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً؟ (٧٣).

ولا نريد هنا بحث العدالة أمام القضاء الإسلامي، بل نلم بها إلمامةُ صغيرةً،

منا ناحية شروط المقلد، ولذا اختلف الأصحاب في بيان ما هو المراد من لفظها الوارد في كلام المتشرعة، بل والشارع.

والعدالة في اللغة: هي الاستواء أو الاستقامة، أو ما أشبه ذلك مما يراد فهماً أو يقاربهما مفهوماً.

وعند علماء الأخلاق: هيئة وملكة يقتدر بها العقل العلمي على تعديل القوى الثلاث، من العاقلة، والشهوية، والغضبية على حسب ما يقتضيه العقل النظري، فالعدالة عندهم في القلب كاعتدال المزاج في القالب.

والعدالة أيضاً: عبارة عن التوسط في الأمور من غير إفراط في الزيادة والنقصان.

والعدل: هو المتوسط في الأمر، ومنه قوله تعالى:؟ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً؟ (٧٤) أي عدولاً.

وقد تطلق العدالة على ما يقابل الجور، وقد تطلق على الأفعال الحسنة التي يقوم بها الشخص لغيره، فيقال للملك المحسن لرعيته: عادل.

وفي لسان المتشرعة: فكما أنهما ليست مطلق الاستقامة، كذلك ليست الاستقامة الأخلاقية، إذ هي قل ما توجد إلاّ في الأوحدي في كلّ عصر ومصر (٧٥).

وتطلق ويراد بها أهلية قبول الشهادة والرواية عن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - .

وعرف الغزالي هذه الأهلية بقوله: "العدالة عبارة عن استقامة السيرة والدين، وحاصلها يرجع إلى هيئة راسخة في النفس، تحمل ملازمة التقوى والمرؤة جميعاً، حتّى تحصل ثقة النفوس بصدقه، وذلك إنّما يتحقق باجتناب الكبائر

وبعض الصغائر وبعض المباحات" (٧٦).

ونص الخطيب البغدادي في (الكفاية) على أن العدل، من عرف بأداء الفرائض، ولزوم ما أمر به، وتوقي في لفظه مما يثلم الدين والمروءة.

واضاف إلى ذلك: أن من كانت هذه حاله، فهو الموصوف بأنه عدل في دينه واستدل على ذلك بقول النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - : (من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مرؤته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته).

والعدالة من الصفات القائمة بالنفس، التي تعرف بآثارها، كأداء الفرائض، وتجنب المحرمات، ومنافيات المرؤة وغير ذلك.

وقال الدكتور صبحي الصالح: (ولا ريب أن العدالة شيء زائد على مجرد التظاهر بالدين والورع، ولا تعرف إلاّ بتتبع الأفعال، واختبار التصرفات لتكون صورة صادقة) (٧٧).

والنصوص كثيرة تؤكد أن العدالة صفة قائمة في النفس، وأن الطريق إلى معرفتها هو فعل الواجبات وترك المحرمات، كما نص على ذلك العلامة الحلي وأكثر من تأخر عنه.

ونص جماعة على أنها ليست شيئاً آخر وراء فعل الواجبات وترك المحرمات، فمن فعل الواجب وترك الحرام كان عادلاً، وإنْ لم يكن ذلك ناتجاً عن وجود صفة في النفس تدفعه إلى فعل الواجب وترك الحرام.

وتشدد فريق ثالث في تحديدها فقالوا: "بأنها الاستقامة في أمور الدين،

الناتجة عن الملكة القائمة في النفس) (٧٨).

وقد تعرض الفقهاء بالمناسبة في حديثهم عن العدالة إلى تصنيف المعاصي إلى صغائر وكبائر، ونص أكثرهم على أن الإصرار على الصغائر وعدم التوبة عنها نوع من الكبائر، كما جاء عن الإمام محمّد الباقر - عليه السلام -، "إن الإصرار على الذنب أمْنٌ من مكر الله، فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون" (٧٩).

وأما الكبائر فهي ما توعد الله عليها العذاب في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه - صلى الله عليه وآله ـ، كما جاء في رواية عبد العظيم الحسنى، عن أبي جعفر الجواد - عليه السلام - جاء فيها، أن عمرو بن عبيد دخل على الإمام الباقر - عليه السلام - وبعد أن استقر به المجلس، تلا قوله تعالى؟ والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش؟ (٨٠).

ثم قال: أحب أن أعرف الكبائر من كتاب الله، قال أبو جعفر - عليه السلام - يا عمرو، أكبر الكبائر الإشراك بالله، قال سبحانه وتعالى:؟ من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنّة؟ (٨١) وبعد اليأس من روح الله، لأن الله يقول:؟ لا ييأس من روح الله إلاّ القوم الكافرون؟ (٨٢).

ومضى الإمام - عليه السلام - يعدّد الكبائر التي نص عليها القرآن الكريم، حتّى عدّ اثنين وعشرين نوعاً.

وخير تعريف للعدالة ما قاله الأستاذ المحقق السيد محمّد تقي الحكيم: "هي الاستقامة في السلوك بالسير على وفق أحكام الشريعة الإسلاميّة الملزمة، والتي تنشأ عن بواعث نفسية".

ولعل القائلين بالملكة لا يريدون أكثر من هذه البواعث، كما أن القائلين

بالاستقامة لا يريدون إلاّ هذا النوع منها، لا عدم صدور المخالفة الشرعية فحسب) (٨٣).

والإفتاء في الدين من أهم المجالات التي تطلب فيها العدالة، لذلك قل الخلاف في شأنها ويشترط العلماء من السنة والشيعة وجود العدالة في المفتى، وقالوا: لا يستفتي العامة إلاّ من عرف بالاجتهاد والعدالة، فإذا جهل اجتهاده لا يستفتى لأن الاجتهاد شرط لقبول الفتوى، فلابد من ثبوته عند السائل، وكذلك مجهول العدالة لا يستفتي إلاّ بعد البحث والسؤال عن عدالته، بما يغلب على الظن من قول عدل أو عدلين، أو بالاستفاضة والشهرة بين الناس (٨٤).

لأن العدل يكون غالباً موفقا إلى اختيار الصواب، وليطمئن الناس إليه.

بخلاف الفاسق فأنه مذموم، ويتطرق الشك إلى أقواله كثيراً، فلا يصلح قدوة حسنة لمحاكاة المجتمع له، وتقليدهم إياه فيما يصدر عنه من فتاوى، ومن هنا قالوا: زلة العالِم زلة العالَم، أو (ذنب العالِم كالعاَلَم) لأنه في مركز الصدارة والقيادة، والناس تبع لقوادهم.

١ - النحل: ٤٣.

٢ - الأنبياء: ٧.

٣ - رواه أبو داود في باب الطهارة ١: ١٤٢ رقم: ٣٣٦.

٤ - البخاري ٤: ١٦٧٢، مسلم ٢: ٦٩ باب الاعتراف بالزنى.

٥ - مقالات الأصول للعراقي ٢: ٢٠٧، منتهى الأصول والأمل: ٢٢٠، روضة الناظر: ٢٠٦، والأحكام للآمدي ٤: ٢٥٠، الآمدي ٣: ١٧٠، القول المفيد من أدلة الاجتهاد والتقليد: ٤٠٣، أعلام الموقعين ٢: ٢٣٧.

٦ - البقرة: ١٦٩.

٧ - الزخرف: ٢٢.

٨ - التوبة: ١٢٢.

٩ - التنقيح - الاجتهاد والتقليد للسيد الخوئي (ره): ٩١.

١٠ - البقرة: ٢٨٦.

١١ - الكفاية ٢: ٣٥٩، معارج الأصول: ٢٠١.

١٢ - الذكرى للشهيد الأول.

١٣ - المستصفى ٢: ١٢٤.

١٤ - المحصول ٢: ٥٢٧، والذريعة للمرتضى: ٧٩٦، وتيسير التحرير ٤: ٢٤٧، ومنتهى الأصول والأمل: ٢٢٠، وشرح الكوكب المنير: ٤١١، وشرح الأزهار للمرتضى ١: ٥.

١٥ - المعارج: ١٩٧، وحقائق الإيمان: ١٩٩، وصفة الفتوى والمفتي: ٥٣، روضة الناظر: ٢٠٦، ومنتهى الأصول والأمل: ٢٠٢، وأحكام الفصول: ٧٢٦، ٧٢٨، والتبصرة: ٤١٤، والأحكام للآمدي ٤: ٤٥٠، ولم يذكره الأحناف.

١٦ - الرأي السديد للسيد الخوئي (ره): ٢٥.

١٧ - التنقيح للسيد الخوئي (ره) ١: ٥٨، ٩٠، ونهاية الأفكار ٤: ٢٤٠، كفاية الأصول: ٥٣٩، وعناية الأصول ٦: ٢١٨.

١٨ - انظر بصائر الدرجات للصفار: ٢٩٩، إثبات الهداة للحر العاملي ٣: ٧٦٧.

١٩ - صفة الفتوى والمفتي: ٥٣.

٢٠ - أدب العالم والمتعلم.

٢١ - المحصول ٢: ٥٢٦.

٢٢ - أصول الاستنباط: ٢٥٦، العناوين في المسائل الأصولية ٢: ٩٤، الأصول العامة للفقه المقارن: ٦٤٩، الوسيط في أصول الفقه: ٧٠٤.

٢٣ - منية المزيد: ١٦٧ باختصار.

٢٤ - الحاشية: ٦٣٩ مخطوط، وأنظر الوسيط في أصول الفقه: ٧٠٤، مسلم الثبوت ٢: ٣٥٦، فواتح الرحموت ٢: ٤٠٧، أعلام الموقعين ٤: ٢٥١، شرح الاسنوي ٢: ٢٥٧، عمدة التحقيق في التقليد والتلفيق: ٨٠، تحفة الرأي السديد: ٥٤ مواهب الجليل في شرح مختصر خليل ١: ٣١.

٢٥ - رسالة الاجتهاد والتقليد والعدالة للبروجردي: ٤٥.

٢٦ - النحل: ٤٣.

٢٧ - التوبة: ١٢٢.

٢٨ - بحار الأنوار ٥٣: ١٨١، ط بيروت.

٢٩ - إثبات الهداة للحر العاملي: ٧٨٧.

٣٠ - الاجتهاد والتقليد للسيد الخوئي (قدس سره): ١٠٥.

٣١ - المصدر السابق: ٩ - ٢٠.

٣٢ - حاشية المحقق الكركي على شرائع الإسلام: ٦٣٥. مخطوط.

٣٣ - أول الكافي ١: ٨.

٣٤ - عنية النزوع: ٤٨٥.

٣٥ - الذكرى: ٢ الإشارة الثانية.

٣٦ - اختلف العلماء في شرط الأعلميّة على خمسة أقوال، وهي:

أولاً: جواز تقليد المفضول مطلقا (أي التخيير بينه وبين الفاضل).

ثانياً: وجوب تقليد الفاضل مطلقاً.

ثالثاً: وجوب تقليد الفاضل، إنّ ظهر للعامي ذلك. قد ذهب إليه ابن حمدان في صفة الفتوى: ٧٠، وابن تيمية في المسودة: ٤١٣، والمرادوي في تحريره وشارحه: ٤١٨.

رابعا: وجوب تقليد الفاضل إنّ سأل العامي أكثر من واحد، واختلفت إجاباتهم. وقد حمل صاحب الروضة قول الخرقي عليه: ٢٠٧.

خامساً: جواز تقليد المفضول لمعتقده فاضلاً، كما ذهب السبكي في جمع الجوامع ٢: ٣٩٥، وصاحب المعيار المعرب ١٢: ٤٤.

٣٧ - راجع الامدي ٢: ١٧٣، مسلم الثبوت ٢: ٣٥٤، فواتح الرحموت ٢: ٤٠٢، التقرير والتحبير ٣: ٣٤٥، روضة الناظر ٢: ٤٥٢ اللمع للشيرازي: ٦٨، رسالة في أصول الظاهرية لابن عبد ربه: ٣٢، أصول الفقه للخضري: ٣٧٢، المدخل إلى مذهب أحمد: ١٩٤، التبصرة ١: ٥٧، فتاوى الشيخ عليش ١: ٦١.

٣٨ - مطارح الانظار ٣٠٣٠، ومستمسك العروة الوثقى ١: ١٩، والأصول العامة: ٦٦٤.

٣٩ - شفا غليل السائل ٢٧٧، ٢٧٨، وشرح الازهار ١: ١٥.

٤٠ - تيسير التحرير ٤: ٢٥٣ التقرير والتحبير ٣: ٣٤٩.

٤١ - الأصول العامة: ٦٥٩، (نقلا عن المستصفى ٢: ١٢٥).

٤٢ - المصدر السابق نقلا عن المستصفى ٣: ١٧٣، المسودة: ٤١٢.

٤٣ - التبصرة للشيرازي: ٤١٥ - الهامش.

٤٤ - شرح الروضة ٢: ٤٥٣.

٤٥ - تيسير التحرير ٤: ٢٥٣، والتقرير والتحبير ٣: ٣٤٩.

٤٦ - حكاه في نشر البنود ٢: ٣٤٢.

٤٧ - أصول الزحيلي ٢: ١١٦٣، نقلا عن فتاوى عليش ١: ٧٢.

٤٨ - المسودة: ٤١٢، ومنتهى الأصول والأمل: ٢٢٢، ونشر البنود ٢: ٣٤٢.

٤٩ - المسودة ٤١٢.

٥٠ - روضة الناظر: ٢٠٧.

٥١ - شرح الروضة لابن بدران ٢: ٤٥٣.

٥٢ - راجع الآمدي ٢: ١٧٣، مسلم الثبوت ٢: ٣٥٤، فواتح الرحموت ٢: ٤٠٢، التقرير والتحبير ٣: ٣٤٥، روضية الناظر ٢: ٤٥٢، اللمع للشيرازي: ٦٨، رسالة في أصول الظاهرية لابن عربي: ٣٢، أصول الفقه للخضري: ٣٧٢، المدخل إلى مذهب أحمد: ١٩٤، التبصرة، فتاوى الشيخ عليش ١: ٦١، مستمسك العروة الوثقى ١: ١٩.

٥٣ - انظر المصادر السابقة.

٥٤ - النحل: ٤٣.

٥٥ - لا حظ الأصول العامة للفقه المقارن محمّد تقي الحكيم: ٦٦٠.

٥٦ - ذكر في اشتراط الحياة أقوال:

أولاً: جواز تقليد الميّت مطلقاً.

ثانيا: منعه مطلقاً.

ثالثاً: جواز البقاء وحرمة الابتداء.

رابعا: لاجواز فيما نقل عنه، إنّ نقله عنه مجتهد في مذهبه.

خامساً: الجواز عند فقدان الحي. وغيرها من الأقوال.

٥٧ - الاخباريون ينظرون إلى المجتهد كناقل للروايات، لذلك لا يفرقون بين الميّت والحي (الفوائد المدنية: ١٤٩).

٥٨ - يرى ابن الصلاح وجوب حصر التقليد بالأئمة الأربعة مدعياً عليه الإجماع، ولكن رده المراغي (الأصول العامة للحكيم: ٦٠٢ - ٦٠٣) ولعل ما حصل في عهود التقليد عند السنة هو عين ما كان يراه ابن الصلاح بوجوب تقليد الأئمة الأربعة وحرمة تقليد غيرهم، وهذا ما استمر قروناً طويلة (الأصول العامة للحكيم: ٦٤١).

٥٩ - تيسير التحرير ٤: ٢٥٠.

٦٠ - شرح الجلال على جمع الجوامع ٢: ٣٩٦.

٦١ - مطارح الأنظار: ٢٨٠، مفاتيح الأصول ٦١٩، ٦٢٠.

٦٢ - مفاتيح الأصول: ٦٢٠، ومطارح الأنظار: ٢٨١، كفاية الأصول: ٥٤٥.

٦٣ - شرح الاسنوي ضمن كتاب شرح البدخشي ٣: ٢٨٧، والزحيلي ٢: ١١٦٠، ومفاتيح الأصول: ٦٢٠.

٦٤ - صفة الفتوى والمفتي: ٧٠، ومطارح الأنظار: ٢٨٥، وأصول الزحيلي ٢: ١١٦٠.

٦٥ - الأصول العامة للحكيم: ٦٥٥، ومطارح الأنظار: ٢٨١.

٦٦ - جامع الأحكام للسبزواري ٣ - ٥.

٦٧ - جواهر الكلام ٢١: ٤٠٢.

٦٨ - صفة الفتوى والمفتي: ٧١.

٦٩ - النساء: ٥٨.

٧٠ - الأنعام: ١٥٢.

٧١ - النحل: ٩٠.

٧٢ - المائدة: ٨.

٧٣ - النساء: ١٠٥.

٧٤ - البقرة: ١٤٣.

٧٥ - بحوث في الأصول للشيخ محمّد حسين الاصفهاني: ٧١.

٧٦ - المستصفى ١: ١٠٠.

٧٧ - علوم الحديث للدكتور صبحي الصالح: ١٣٣.

٧٨ - الوجيزة في دراية الحديث: ١٢٦.

٧٩ - الأعراف: ٩٩.

٨٠ - الشورى: ٣٧.

٨١ - المائدة: ٧٢.

٨٢ - يوسف: ٨٧.

٨٣ - انظر الأصول العامة: ٦٦٩، الحدائق الناضرة للبحراني ١٠: ٢٣، العروة الوثقى ١: ١٠، رسالة الاجتهاد والتقليد والعدالة للبر وجردي: ٤٥، الذريعة إلى أصول الشريعة: ٨٠، معالم الدين ٢٤٤، اللمعة الدمشقية: ٨٩ باب القضاء، مفاتيح الأصول ٦١١، المستمسك للسيد الحكيم ١: ٤٢ مهذب الأحكام ١: ٣٩، إيضاح الحجة ١: ٦٧، مبادئ الأصول ٢٤٨، مطارح الأنظار: ٢٩٦ الأقطاب الفقهية: ١٦٣.

٨٤ - المستصفى ٢: ١٢٥، الأحكام للآمدي ٣: ١٧١، مسلم الثبوت ٢: ٣٥٢، أصول الفقه للخضري: ٣٧١.



[ Web design by Abadis ]