ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مؤتمرات تقريبية

انعقدت في الأشهر الأخيرة مؤتمرات وندوات تتجه نحو"التقريب"، على اختلاف بينها في أطر عملها، وكان لمجلة رسالة التقريب حضور في ثلاثة منها، ونقدم فيما يلي تقريرا موجزا عنها، على أمل أن نلتقي على صفحات هذه المجلة مع مزيد مما قدمته هذه التجمعات التقريبية من عطاء.

مؤتمر عطاء الأديان

لخدمة الإنسان - الإسكندرية

انعقد هذا المؤتمر في أرض الكنانة خلال الأيام من ١٠ - ١٣ ربيع الأول ١٤١٦ هـ، وهو المؤتمر العام السابع للمجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة في جمهورية مصر العربية واختار القائمون على أمر المؤتمر موضوع "عطاء الأديان لخدمة الإنسان" عنوانا لهذا التجمع، وحضر من الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية في هذا المؤتمر السيد مصطفى مير سليم وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي، والسيد رئيس

التحرير المسؤول لمجلة "رسالة التقريب" الذي قدم للمؤتمر بحثا عن "موقف الإيرانيين من الدعوة الإسلاميّة" يجده القارئ منشورا على صفحات هذا العدد.

أما السيد ميرسليم فقد ألقى كلمة في المؤتمر تحدث فيها عن العلاقات الدولية كما يراها الإسلام، ذكر فيها مقدمات عن التصور الإسلامي للعلاقات الفردية والدولية ثم ذكر العناصر المهمة في العلاقات مع الآخرين وشرح باختصار كلّ واحد منها وهي:

١ - العلم على إبقاء الأمة نموذجاً أعلى للمجتمعات البشرية.

٢ - نفي السبيل على المؤمنين.

٣ - المبدئية في التعامل.

٤ - التوعية قبل كلّ خطوة.

٥ - مراعاة العدل في التعامل.

٦ - مبدأ تأليف القلوب.

٧ - احترام العقود والاتفاقيات الدولية.

٨ - التعامل بالمثل.

٩ - نظام الجهاد بفروعه المختلفة.

وخلال الأيام الأربعة من انعقاد الندوة القيت في صباحها بحوث حول خمسة محاور هي المحور الثقافي والمحور الاجتماعي والمحور السياسي والمحور الاقتصادي والمحور الإعلامي وكان يرأس المؤتمر في أغلب جلساته فضيلة شيخ الأزهر الشريف كما كان السيد وزير الأوقاف المصري في حضور متواصل مع الجلسات والوفود القادمة من شتى أرجاء العالم.

كانت بحوث المؤتمر تدور في الغالب حول إزالة الهواجس التي تثار في الغرب، بل وفي شرقنا الإسلامي أيضاً تجاه العودة إلى الإسلام هذه الهواجس التي

تحاول أن تصور هذه العودة بأنها بداية لحروب دينية بين أبناء الديانات السماوية وركزت بحوث المؤتمر على موقف الإسلام من الديانات الأخرى من الناحية التاريخية ومن الناحية التشريعية، فكان كثير منها موفقا جدا في إماطة اللثام عن الوجه المشرق الإنساني للإسلام في تعامله مع الرأي الآخر، وفي موقفه من أتباع الديانات الأخرى.

كما إن بعض البحوث لم تتناول العلاقة بين الإسلام والأديان الأخرى قدر ما تناولت عطاء الإسلام نفسه في خدمة البشرية عامة والمجتمع المسلم بشكل خاص، حيث اتجهت كلّ المفاهيم والأحكام الإسلاميّة إلى صياغة رائعة للإنسان والمجتمع، تضمن استمرار المسيرة البشرية عل طريق الخير والسلام والنماء والعطاء.

من هذه البحوث على سبيل المثال لا الحصر:

ـ لحماية الكون من إفساد الإنسان الحاجة قصوى إلى عطاء الأديان، للأستاذ الدكتور عبد الصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة ذكر هدفه من البحث في مقدمته إذ قال:

لم أقصد في هذه العجالة أن أكتب بحثا أكاديميا يستشير المراجع والمصادر ويغوص في تحليل الأرقام والأحداث ليخرج بنتيجة مفادها أن الإنسان في عصرنا قد اشتد إفساده في الأرض رغم مايزعمه الأعلام من أننا نعيش أزهى وأرقى العصور في تاريخ البشرية.

لم أقصد إلى ذلك، فمكانه قاعات البحث والدرس، ومجاله هو الدراسات المتأنية التي يعني بها أهل الاختصاص.

لكنني تقدمت لأعلن بأسمى كواحد من أفراد الجنس البشري ثم باسم الملايين ممن يرون ما أرى ويعانون ما أعاني…

أعلن بأسمى وباسمهم صيحة احتجاج قوية ضد هذا الفساد الذي يمارسه الإنسان في الأرض، والذي انتكس به إلى أدنى من مستوى الحيوان في معظم ممارساته وسلوكياته، وأتاح لعنصر الطين في تكوينه أن يطمس أنوار الروح ويقتل أشواقها إلى النور والى الجمال والخير.

تقدمت لأعلن صيحة احتجاج وتحذير من هذا الاندفاع المحموم صوب دمار البشرية وسوء عاقبتها ما لم تعد من جديد إلى الاعتصام بالدين والرسو بسفائنها على شاطئه الآمن…

***

ومن البحوث القيمة التي قدمت إلى المؤتمر:

ـ الشريعة الإسلاميّة والقانون الوضعي في البلاد العربية (الماضي والحاضر والمستقبل) للأستاذ الدكتور صوفي أبو طالب أستاذ بحقوق القاهرة، وفيه استعرض استعراضا موفقا لتاريخ تطبيق الشريعة الإسلاميّة في البلاد العربية منذ القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا، والصعوبات التي تعتري هذا التطبيق، ورد على العلمانيين اعتراضاتهم وتشكيكهم في هذا المجال، غير أن الباحث الفاضل كان غير موفق في نقل رأي الشيعة بشأن طبيعة نظام الحكم الإسلامي في عصرنا الراهن، فتحدث عن الإمامة الوراثية والعصمة و…. مما لا يرتبط بالتطبيق المعاصر الإسلامي للشريعة … ولو قدر له أن ينفتح على الدراسات الحديثة لرأي الشيعة في نظام الحكم لأثرى بحثه إثراء كبيرا، غير أنّه مع ذلك كان ناجحا في دراسته ضمن إطار آراء المذاهب الأربعة.

وتعرض في دراسته إلى ضرورة الانفتاح المذهبي وفتح باب الاجتهاد، ومما قاله:

دفع التعصب المذهبي بعض العلماء المعاصرين إلى المناداة بضرورة

الاقتصار على الأخذ بالرأي الراجح في مذهب معين من مذاهب السنة الأربعة وأنكروا على ولي الأمر حقه في اختيار أنسب الآراء الفقهية وأصلحها لروح العصر دون التقيد بمذهب معين، ولذلك انتهوا إلى عدم الحاجة إلى تقنين أحكام الشريعة والاكتفاء في تطبيقها بنص واحد يلزم القاضي بالحكم بأحكام الشريعة الإسلاميّة.

وهذا الرأي يتجاهل واقع الحياة المعاصرة وينكر سنة التطور فقفل باب الاجتهاد هو الذي خلع على آراء الفقهاء السابقين صفة الإلزام فأصبحت هي المصدر الرسمي للقانون، وهو الذي خلق التعصب المذهبي وأدى إلى جمود الملكات الفقهية والالتزام بالحكم بأرجح الآراء في مذهب معين أدى إلى تعدد القوانين الواجبة التطبيق في البلد الواحد تبعا لتعدد مذاهب القضاة.

وقد عانى العالم الإسلامي من هذا النظام السيء الكثير ولذلك تجاوزه منذ نهاية القرن الماضي وبداية القرن العشرين أخذا بالرأي القائل بجواز أن يتبع المقلد أيسر الآراء وأقربها لتحقيق الصالح العام دون التقيد برأي مذهب بعينه وهذا الرأي هو ما يجري عليه العمل في كلّ البلاد الإسلاميّة فيما أصدرته من تشريعات مأخوذة من الشريعة الإسلاميّة أما انكارهم حق ولي الأمر في إلزام الناس برأي ففهي معين ففيه نظر فالرأي الذي ساد لدى جمهور الفقهاء وجرى عليه العمل وخاصة بعد قفل باب الاجتهاد سلم لولي الأمر بهذا الحق في المسائل الاجتهادية اعمالا لقوله تعالى "يا أيها الّذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" وانتهى هذا الرأي إلى أن من حق ولي الأمر أن يأمر بالمندوب أو المباح إن كانت فيه مصلحة شرعية للناس فيصبح عندئذ واجبا وأن يمنع المباح الذي تنتج عنه مفسدة طالما وجدت المفسدة بسببه والمصلحة في خلافه، وهذا الرأي هو الذي جرى عليه العمل في الدولة العثمانية وفي الدول الإسلاميّة في أيامنا هذه وهو ما عبرت عنه مجلة الأحكام العدلية بقولها:

"لو صدر أمر سلطاني بالعمل برأي مجتهد في مسألة لأن رأيه بالناس أرفق ولمصلحة العصر أوفق فليس للحاكم "القاضي" أن يعمل برأي مجتهد آخر مناف لرأي ذلك المجتهد وإذا عمل فلا ينفذ حكمه".

والقول بالاكتفاء بنص وحيد يلزم القاضي بتطبيق أحكام الشريعة قول يتجاهل الواقع فهذا الرأي يفترض وجود قضاة مجتهدين وهو أمر بعيد المال في أيامنا هذه وترك الأمر لاجتهاد القاضي وهو لا تتوافر فيه شروط الاجتهاد - يؤدي إلى فوضى في الأحكام تذهب بحجيتها وتجعل من القاضي غير المجتهد مشرعا وهو أمر لا يقبله عقل في العصر الحديث.

وإعمالا لمبدأ الاختيار بين المذاهب المختلفة لم تتقيد لجان تقنين أحكام الشريعة الإسلاميّة بمجلس الشعب بمذهب معين وذكرت في كلمتي في تقديم عمل لجان التقنين أمام مجلس الشعب ما يأتي "وأهم الملامح الاسلاسيّة للتقنينات الجديدة أن هذه التقنينات مأخوذة من الشريعة الإسلاميّة نصا أو مخرجة على حكم شرعي أو أصل من أصولها وذلك دون التقيد بمذهب فقهي معين"….

ومن البحوث المقدمة إلى هذا المؤتمر:

ـ الشورى أساس نظام الحكم في الإسلام - الأستاذ الدكتور مفيد محمود شهاب.

ـ الاسرى المسلمون في أوروبا الغربية خلال القرون الوسطى المتأخرة - البروفيسور فإن كونينكسفلد من هولندا.

ـ رعاية الإسلام لتراث الحضارة القديمة روافدها الثقافية ورسالتها الإنسانية

ـ الأستاذ الدكتور إبراهيم احمد العدوي.

ـ الجانب الاجتماعي في الإسلام - الشيخ دعيج بن حمد آل خليفة.

ـ التكافل الاجتماعي - الدكتور عبد المجيد الطرابلسي.

ـ دور الدعاة في ترسيخ القيم المشتركة للأديان - الأستاذ الدكتور أحمد صدقي الدجاني.

ـ حقوق الإنسان في التصور الإسلامي - الأستاذ الدكتور محمود حمدي زقزوق.

المؤتمر العالمي الثامن

للوحدة الإسلاميّة - طهران

في أيام أسبوع المولد النبوي الشريف (١٢ - ١٧ ربيع الأول) ١٤١٦ هجرية، عقد المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة مؤتمره العالمي الثامن، تحت عنوان: "الكتاب والسنة" حضره علماء ومفكرون من داخل إيران ومن جميع أرجاء العالم تناولت البحوث والدراسات والمناقشات ثلاثة محاور:

الأول: بحوث ودراسات مقارنة حول القرآن المجيد، تناولت فيه الأوراق المقدمة الموضوعات التالية:

ـ اتفاق المسلمين حول صيانة القرآن من التحريف، وهي مسألة كنا تحسبها محسومة ومنتهية، خاصة بعد خمود الضجة التي افتعلت - لأسباب سياسية - حول هذه المسألة، لكن القائمين على أمر المؤتمر ارتأوا أن هذه المسألة يمكن أن تصبح موضع إثارة مستمرة متى أراد لها الخراصون أن تثار، فلابد من تناولها وبيان زيف القائلين بالتحريف باستمرار.

والواقع أن اكبر دليل على اتفاق المسلمين بشأن وحدة النص القرآني، هو وحدة المصاحف الموجودة في جميع أرجاء العالم الإسلامي، ولا يوجد مصحف واحد فيه أدنى اختلاف عن المصحف الآخر حتّى في الحروف، اللهم إلاّ ما كان من اختلاف القراءات، وهو اختلاف مضبوط مثبت لا يمس سلامة النص القرآني، ويرتبط غالبا باللهجات.

لقد أدرك المندفعون وراء الضجة السياسية الرامية إلى اتهام الشيعة بالتحريف أنهم لا يوجهون الطعن إلى الشيعة قدر ما يوجهوه إلى القرآن نفسه، إنهم يخدشون إجماع المسلمين على صيانة القرآن من التحريف.

ـ اتفاق المسلمين حول اختتام الوحي القرآني موضوع آخر تناوله الباحثون في محور الدراسات القرآنية، ونحسب أنّه أيضاً من المواضيع التي لا يحتاج المسلمون اليوم إلى دراستها لأنها من المفروغ منها، وكل خروج على هذا الاتفاق شاذ تافه لا قيمة له غير انه على كلّ حال - من مواضيع اتفاق كلّ المذاهب الإسلاميّة، أي انه من المواضيع التقريبية في مجال القرآن الكريم.

ـ تفسير القرآن المجيد وتأويله قدمت فيه أيضاً بحوث ودراسات تناولت أنواع التفسير والفرق بينه وبين التأويل، وحدود التأويل.

ـ دور أهل بيت النبي - صلى الله عليه وآله - والصحابة في تفسير القرآن.

ـ تقويم التفاسير والأساليب التفسيرية.

ـ استناد المفسرين من كلّ مذهب إلى آراء المفسرين من المذاهب الأخرى.

وكان توجه الأوراق المقدمة في جميع هذه الموضوعات نحو التركيز على المشتركات الموجودة بين المسلمين حول "الثقل الأكبر" الذي يوجه حياتهم الفردية والاجتماعية، ويصوغ فكرهم ومشاعرهم حسب تعاليمه وهداه.

الثاني: والمحور الثاني للمؤتمر هو السنة الشريفة ودارت بحوث هذا المحور حول الموضوعات التالية:

ـ آراء المذاهب الإسلاميّة في السنة.

ـ المعايير العلمية لنقد الحديث والرؤية العامة للصحاح الستة والكتب الأربعة.

ـ الروايات المشتركة بين الفريقين.

ـ الرواة المشتركون بين الفريقين.

ـ الاجازات المتبادلة بين علماء المذاهب الإسلاميّة ودورها في التقريب.

ولقد كانت بحوث هذا المحور اكثر أهمية في إطار التقريب، لأن اتفاق المسلمين على ساحة القرآن الكريم أمر يكاد يكون مسلما لا غبار عليه، غير أن الغبش موجود على صعيد السنة فالمجاميع الحديثية الست لأهل السنة، غير المجموعات الحديثية الأربع لدى الشيعة وهنا تبرز أهمية البحث عن مشتركات هذه الكتب وكانت البحوث موفقة لابراز هذه المشتركات في الرواة والمضامين، حتّى أن الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة فضيلة الأستاذ محمّد واعظ زاده الخراساني اقترح تقديم مجموعة حديثية موحدة تضم أحاديث الصحاح الستة والكتب الأربعة معا …. ليتبين مدى ما بينها من مشتركات وافتراضات … وليكون العلماء على بينة من أحاديث كلّ المذاهب الإسلاميّة، فيختاروا ما هو أقرب إلى روح الشريعة الإسلاميّة حسب اجتهادهم.

الثالث: الثابت والمتغير على ضوء القرآن والسنة ولان كان المحوران الأول والثاني يتناولان قضايا تراثية ترتبط بالماضي، فهذا المحور يدفع بالتراث ليعالج الواقع والمستقبل على ضوء فهم أصيل قائم على أساس القرآن والسنة.

وهي مسألة نقف عندها قليلا، خاصة وأن المؤتمرات الإسلاميّة متهمة بأنها

منشدة إلى الماضي أكثر من الحال والمستقبل، ومثل هذه التهمة توجه إلى عامة فكرنا الإسلامي أيضاً.

والواقع أن هذا الاتهام له أكثر من سند ودليل، فالدراسات الإسلاميّة عن العصور الإسلاميّة السالفة والتي تعالج قضايا تاريخية وتراثية أكثر بكثير من التي تعالج قضايانا الراهنة والمستقبلية. ولعل السبب في ذلك يعود إلى أن الإنسان المسلم يملك ذاكرة تاريخية عميقة وعريقة، فيها الكثير من الصور التي تبعث على الاعتزاز والافتخار، من هنا فإن هذه الذاكرة تفرض نفسها على الدراسات الإسلاميّة متى ما أراد الدارس أن يدافع عن نفسه مباشرة أو بصورة غير مباشرة، حين يتعرض لحملات المسخ والتشويه والطعن والاتهام بالرجعية والتخلف.

وهذه العودة إلى الماضي والتراث فيها خير كبير إن أريد لها أن تكون منطلقا لصنع حاضرنا ومستقبلنا، ولكنها تتحول إلى شر مستطير حين نبقى نجتر ماضينا المشرق، دون أن يكون لهذا الماضي إسهام في مصيرنا ومقدراتنا الاعتزاز بالماضي فيه خير كثير إن ساهم في تقوية هويتنا الثقافية، كي لا ننهزم أمام الهويات الغريبة ولكنه قد يتحول إلى غرور كاذب يفقدنا الإحساس بما نحن فيه من تخلف عن ركب المسيرة البشرية.

بعد هذه الوقفة القصيرة نعود إلى المحور الثالث للمؤتمر وهو دراسة الثابت والمتغير على ضوء القرآن والسنة.

وقد تناولت أوراق هذا المحور الموضوعات التالية:

ـ خلود القرآن والسنة والتغييرات الزمانية والمكانية.

ـ ثوابت القرآن والسنة بالنسبة لحركة المجتمع المسلم في المجالات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، وظروف المسلمين الراهنة.

ـ الأصول والضوابط في القرآن والسنة تجاه متغيرات المجتمعات

الإسلاميّة (أو بالنسبة لمنطقة الفراغ التشريعي).

ولا يخفى أن البحوث التي تناولت هذا المحور تحتاج إلى "أصالة" تفهم القرآن والسنة على مستوى عميق متفتح واع، وتحتاج إلى "معاصرة" لا وضاعنا ومشاكلنا المعاصرة والمستقبلية، وإلاّ فأنها ستكون إلى أقرب إلى العمل "الإنشائي" منها إلى العمل "العلمي" ونرجو أن تركز مؤتمراتنا في المستقبل على هذا التوجه البناء.

البيان الختامي:

وفي الجلسة الختامية أعلن البيان الختامي للمؤتمر على النحو التالي:

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمّد وعلى آله الطاهرين وصحبه المنتجبين وبعد:

في اطلالة ميلاد رسول الإنسانية محمّد - صلى الله عليه وآله - وولادة حفيده الإمام الصادق - عليه السلام - وفي أسبوع الوحدة الإسلاميّة انعقد في طهران بتاريخ ١٥ الي ١٧ من ربيع الأول عام ١٤١٦ للهجرة النبوية المباركة المؤتمر العالمي الثامن للوحدة الإسلاميّة بمشاركة جمع غفير من العلماء والمفكرين وأئمة الجمعة من ثلاثين قطراً، وتدارسوا بموضوعية وعمق علمي بروج من المحبة والاخوة الصادقة المحاور التالية:

المحور الأول: صيانة القرآن الكريم من التحريف وخاتمية الوحي القرآني.

المحور الثاني: السنة والمعايير العلمية لنقد الحديث والروايات المشتركة والرواة المشتركون بين الفرق الإسلاميّة.

المحور الثالث: المتغير والثابت في التشريع الإسلامي على ضوء الكتاب والسنة.

وفي ختام أعمال المؤتمر قرر المشاركون التوجيهات التالية:

أولاً: يرى المشاركون أن القرآن الكريم وهو كتاب الله الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه يجب أن يكون المصدر الأساس للتشريع الإسلامي لكل مجالات حياة المسلمين، والمنار السامي لكل نشاطاتهم ومواقفهم.

ثانياً: تشكل السنة النبوية الشريفة المصدر الأساس الثاني للتشريع الإسلامي وهي منبع لتفسير القرآن والتفصيلات والقواعد الشرعية الكثيرة التي تنظم حياة المسلمين، فيجب الاهتمام العلمي الشامل بها والاهتمام بالخصوص بجمع الأحاديث المشتركة بين المسلمين، والمنتهية إلى النبي - صلى الله عليه وآله - من طرق السنة والشيعة، والسعي لتدوين القواعد المشتركة والمتفق عليها لنقد الحديث والجرح والتعديل، وكذلك الاهتمام بمعرفة الرواة المشتركين المتفق على وثاقتهم، وأيضاً الاهتمام الشامل بعرض جميع الأحاديث المروية بين المسلمين على القرآن الكريم والسنة القطعية والانصراف عما عداها.

ثالثاً: ولما كان الإسلام الدين الخاتم للأديان، وكانت تعاليمه خالدة رغم الظروف المختلفة، فقد اتصف بالجامعية والشمول والمرونة التي تجعله يستوعب مختلف الحالات الزمنية والمكانية، وتتجلى مرونته في وجود القواعد الأصولية والفقهية واسعة الأبعاد، ووجود الأحكام الثانوية لمواجهة الحالات الطارئة، وذلك في وجود الأحكام الولائية حيث يتمتع ولي الأمر العادل الجامع للشروط بسلطة شرعية لا دارة الحياة الاجتماعية والتغلب على تطورات الحياة، وكل ذلك يتم من خلال حركة اجتهادية واسعة الأبعاد منضبطة القواعد، تعمل على تطبيق القواعد الشرعية على مواردها وتشخيص موضوعات الأحكام وقيودها وتحولاتها وتلاحظ كلّ العناصر المؤثرة، ومنها المصالح الإسلاميّة العليا، فيجب تشجيع حركة

الاجتهاد الحر وفق القواعد والضوابط المعهودة.

رابعاً: يرى المشاركون أن الوحدة الإسلاميّة من خصائص الأمة الإسلاميّة وأنها لا تتحقق هويتها المطلوبة إلاّ في ظلها، ولذلك فيجب تحقيق كلّ العناصر المؤدية للوحدة، ورفع كلّ العوائق التي تقف أمامها، ونفي كلّ عوامل التفرقة اللونية والعنصرية والمصلحية والوطنية الضيقة، والسعي لتحقيق أسمى آيات التضامن والتكافل والتناصح في ظل تطبيق إسلامي مستمر لكل القوانين الإسلاميّة على شتى مجالات الحياة، واتخاذ موقف موحد اجتماعي وسياسي ضد مؤامرات أعداء الأمة والمتربصين بها الدوائر في المجالات الثقافية والسياسية والاقتصادية والإعلامية وغيرها.

خامساً: يعتقد المشاركون أن العلماء يحملون المسؤولية الكبرى في مختلف المجالات ومنها مجال الوحدة الإسلاميّة فيتعين عليهم العمل الجاد للتفاهم والجهد الحثيث لتحقيق التقريب المطلوب بين المذاهب الإسلاميّة التي تعد جميعها من ثروات الأمة الفكرية، كما يتعين عليهم توعية الأمة بأهداف الإسلام ومقاصده ومعالم الشريعة وتطبيقاتها في مختلف المجلات الحياتية ورص الصفوف لمواجهة التحديات الكبرى التي تواجهها من قبل أعدائها الحاقدين.

سادساً: ولما كانت الأمة اليوم تواجه هجوما ثقافيا واسع الأبعاد، وتآمرا سياسياً وعسكريا وإعلاميا، بل وتصفية دموية في بعض الأماكن، فإن من الطبيعي أن تدفعها مشاكلها للتكتل والتلاحم للرد على هذا الهجوم الواسع بكل ثقة وتخطيط وثبات، وتعبئة الطاقات العلمية والعملية والإمكانات المادية والمعنوية، نابذة كلّ عناصر الضعف الممقوتة داعمة لكل الخطوات الوحدوية المخلصة.

سابعاً: ملاحظة للدور الكبير الذي يراه الشرع لولي الأمر في الحياة

الإسلاميّة فهو يقود حركة الأمة الإسلاميّة في مجال تطبيق الإسلام وهو يرعى مصالحها العليا في هذه العملية وهو بالتالي عماد وحدتها ومحور حركتها، فإن المشاركين في المؤتمر يطالبون الأمة الإسلاميّة جمعاء بالسعي الحثيث لتحقيق النموذج الإسلامي الأمثل في مجال الحكومة والإدارة ونبذ القوانين الوضعية، ويقدرون في هذا الصدد الجهود الكبرى التي بذلها الامام الراحل الخميني رضوان الله تعالى عليه في إقامة الحكومة الإسلاميّة رغم كلّ العقبات، ونشر الثقافة الإسلاميّة الأصيلة، كما يعلنون تأييدهم وتقديرهم للخطوات الإسلاميّة التي رفعها سماحة الامام الخامنئي في سبيل تطبيق الإسلام وتقريب المذاهب الإسلاميّة وتحقيق الوحدة الإسلاميّة الشاملة.

ثامناً: وبملاحظة ما تمر به الأمة من ظروف عصيبة وتآمر شرس يستهدف وجودها فإن المشاركين يعلنون رفضهم لكل الحلول الاستسلامية للقضية الفلسطينية وتأكيدهم على أن فلسطين كلها أرض إسلامية لا مجال فيها للصهاينة والعملاء الحاقدين على البشرية، كما يعلنون استنكارهم الشديد للتآمر الغربي الحاقد على شعب البوسنة والهرسك، وتنفيذ خطط التصفية العرقية لهذا الشعب الأعزل من خلال مؤامرة عالمية تشترك فيها الأمم المتحدة وكل القوى الاستعمارية الكبرى، ويطالبون الدول الإسلاميّة بالعمل الحثيث لفك الحصار عن هذا الشعب وفسح المجال لامداده بالمعدات والسلاح ليتمكن من أن يدافع عن نفسه، كما يطالبون بدعمه في مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية كي يستطيع أن يتمتع بحقوقه الإنسانية ….

تاسعاً: يرى المشاركون أن المسلمين الواعين في كثير من المناطق يعانون من الضغط والتهديد سواء في كشمير أو الشيشان أو في الجزائر أو في أفغانستان أو في العراق أو غيرها ولذلك فانهم يعلنون وقوفهم إلى جانب كلّ المظلومين

ويدعو كلّ القوى المخلصة لدعم القضايا الإسلاميّة العادلة أينما كانت.

عاشراً: يتقدم المشاركون إلى كلّ المسؤولين في الجمهورية الإسلاميّة المباركة وفي مقدمتهم ولي أمر المسلمين سماحة الإمام الخامني بالشكر على رعايتهم لهذا المؤتمر الكريم وكذلك يتقدمون بالشكر إلى المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة على الأعداد لهذا المؤتمر راجين أن ينجح هذا المجمع العالمي في تحقيق أهدافه النبيلة.

؟ وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون؟

من معالم المؤتمر:

١ - كان للمؤتمر ليلة هامة خاصة بالبوسنة والهرسك القيت فيه كلمات وبحوث حول هذه القضية الهامة من قضايا عالمنا الإسلامي، شارك فيها مسلمون من هذه المنطقة الإسلاميّة، وصدر في نهاية هذه الامسية بيان أعلن فيه المشاركون أبعاد الخطة العدوانية الرامية إلى تصفية الوجود الإسلامي في شبه جزيرة البلقان، كما أعلنوا عن وقوفهم إلى جانب إخوانهم المجاهدين الصامدين فيها.

٢ - زار المشاركون الامام الخامنئ فألقى فيهم كلمة ركز فيها على المؤامرة الواسعة الأبعاد في إثارة التفرقة الطائفية، وطالب العلماء والمفكرين المشاركين التصدي لهذه المؤامرة بالتركيز على المشتركات والوعي على الحتميات …

٣ - افتتح سماحة الشيخ الهاشمي الرفسنجاني رئيس الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية المؤتمر بكلمة استعرض فيها حاجة البشرية المعاصرة إلى الإسلام لينتشلها من المآسي المحيطة بها، ثم أهاب بالمسلمين عامة وعلمائهم ومفكريهم خاصة أن يرتفعوا إلى مستوى الدور الذي ينتظره منهم الإسلام، وتنتظره منهم البشرية

المعذبة وبهذا الارتفاع فقط يترفعون عن الصغائر المفرقة الممزقة، ويتجهون إلى ما تتطلبه منهم مسؤوليتهم الكبرى من وحدة وتعاضد وتفاهم وتعاون.

٤ - أقيمت على هامش المؤتمر معارض جيدة للكتب والأفلام والأشرطة المسموعة وبرامج الحاسوب الآلي (الكامبيوتر) وكانت هذه الأخيرة موضع اهتمام الزائرين خاصة فيما يتعلق بالأعمال القرآنية والتراثية في هذه الأجهزة.

٥ - كانت إدارة المؤتمر تتميز في هذه الدورة بأنواع الابتكارات الجيدة، من ذلك إلقاء موجز لكل البحوث في كلّ محور من المحاور الثلاثة لموضوعات المؤتمر، مما جعل المشاركين في صورة كلّ ما قدم من بحوث.

ملاحظة: أعرضنا عن ذكر نماذج من الدراسات المقدمة إلى المؤتمر والكلمات الملقاة فيه لما ستتضمنه الأعداد القادمة من مجلة "رسالة التقريب" من هذه الدراسات والكلمات.

ندوة العلاقات العربية - الإيرانية

الاتجاهات الراهنة

وآفاق المستقبل قطر

من ١٥ - ١٨ ربيع الثاني ١٤١٦ هـ (١١ - ١٤ أيلول / سبتمبر ١٩٩٥ م) انعقدت في جامعة قطر ندوة علمية للحوار العربي الإيراني خطط لهذه الندوة وأقامها "مركز دراسات الوحدة العربية" في بيروت، واستضافتها جامعة قطر.

نشرت الزميلة "الفكر الجديد" في عددها الأخير تقريرا عن هذا المؤتمر، ونكتفي هنا ببعض الإضافات.

قبل ذلك لابد أن نشير إلى أن هذه الندوة هي الأولى من نوعها. فقد ضمت مجموعة من المثقفين والأكاديميين العرب والإيرانيين بمختلف انتماءاتهم الفكرية كما كانت بمعزل عن الارتباط بالدوائر السياسية الحاكمة ولذلك كان الحوار فيها جاداً ساخنا صريحاً، إضافة إلى احتفاظها بمستوى علمي يتناسب مع مستوى المركز الذي أقامها.

كان للسيد رئيس التحرير المسؤول مساهمة في هذه الندوة بورقة عن "موقع العلاقات العربية - الإيرانية في إطار العالم الإسلامي" كما كان له تعقيبان:

الأول: على صورة العرب في الكتب المدرسية الإيرانية للدكتور غلام

علي حداد عادل.

الثاني: على صورة الإيرانيين في الكتب المدرسية العربية للدكتور طلال عتريسي.

وبقدر ما يرتبط الأمر بموضوع "التقريب بين المذاهب الإسلامية"، فقد جاء في ورقة الدكتور آذرشب:

"العالم الإسلامي يرث تجزئة طائفية إلى سنة وشيعة، وهذه التجزئة بدأت في القرن الأول الهجري وتعمقت واتسعت على مر التاريخ، وتحولت إلى اختلاف بعضه يعود إلى اختلاف في الرؤية إلى أحداث تاريخية، وبعضه يعود إلى خلاف في بعض أصول الدين وفروعه ولو اقتصر الأمر على هذا الحدّ لهان، لأنه سيكون خلافا علميا يتناوله العلماء والمتخصصون بالنقاش، وقد يتفقون في النهاية أو يختلفون، وهذا هو الشأن في كلّ حقول العلم والمعرفة، ولكن المسألة تتعدى الإطار العلمي لتأخذ على الصعيد الشعبي طابعا نفسيا عشائريا فثمة العشيرة الشيعية والعشيرة السنية، والانتماء حينئذ لا يكون قائما على أساس فكر وعقيدة قدر ما يكون مستمدا من حالة نفسية وانتماء طائفي عندئذ لا تعالج الحالة بالنقاش الفكري والعلمي والمعرفي فقط، بل تحتاج إلى علاج نفسي أيضاً وأعتقد أن الإيرانيين والعرب أقدر من غيرهم - لما سأذكره - على معالجة الموقف.

لابد أن أذكر أولا أن بعض الدراسات القومية المتعصبة، إيرانية كانت أم عربية ذهبت إلى أن نشأة التشيع إيرانية من قال ذلك من العرب قصد به الإساءة إلى التشيع باعتباره ذا نشأة بعيدة عن جو الرسالة وأصحابها، ومن ذهب إلى ذلك من الإيرانيين استهدف به الاشادة بالروح القومية الإيرانية التي تحايلت فحافظت على نفسها وقوتها ووجودها في إطار ديني صنعه الإيرانيون على نهج الثقافة الساسانية واتخذ صفة التشيع ومنهم من قال إن ولاء الإيرانيين لآل البيت إنّما كان بسبب

انتماء علي بن الحسين نسبيا إلى الإيرانيين إذ إن أمه أميره إيرانية هي شهر بانو بنت آخر الملوك الساسانيين يزد جرد ليس هنا موضع إجابة تفصيلة على هذه الادعاءات بل نشير إليها فقط بقدر ما يوضح أن الانقسام المذهبي لم يكن ذا طابع قومي.

أولاً: إن الشواهد التاريخية الكثيرة تدل على أن إقبال الإيرانيين على الإسلام كان تدريجيا وعن رضا وقناعة منهم، ولم يكن بحد السيف والإجبار كي يضطروا إلى التحايل على الدين.

ثانياً: أن آخر الاكاسرة الإيرانيين يزجردفر من عرشه متنقلا بين المدن الإيرانية فلم يؤوه أحد، دلالة على رفض الشعب الإيراني لهذا الحاكم الظالم.

ثالثاً: لو كان الإيرانيون مجبرين على إخفاء هويتهم خلال القرنين الأولين فلماذا واصلوا خدماتهم للإسلام وتعميق هويتهم الإسلاميّة بعد ضعف الخلافة المركزية؟ !

رابعاً: قضية زواج شهربانو من الحسين بن علي - عليه السلام - مشكوكة لا تسندها الحقائق التاريخية.

خامساً: لو كان احترام الإيرانيين لآل البيت يعود إلى انتسابهم للعائلة الساسانية لكان من الأولى أن يتجه ولاءهم إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك وابنه يزيد بن الوليد لأن هذا الخليفة تزوج من أميرة إيرانية ولدت له يزيد هذا، ولاتجه ولاءهم إلى عبيد الله بن زياد لأن أمة إيرانية شيرازية هي "مرجانة" ولاتجه ولاءهم أيضاً إلى الخلفاء العباسيين لأن اكثر أمهاتهم إيرانيات.

سادساً: والاهم من كلّ ما تقدم أن أكثرية الإيرانيين الساحقة كانت قبل العصر الصفوي سنية، بل وكان فيها توجه ناصبي معاد لآل البيت، وهذا التوجه أبي أن يمتنع عن سب علي بعد أن منعه الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز وكبار

العلماء الإيرانيين قبل العصر الصفوي من المفسرين والفقهاء والمحدثين والمتكلمين والأدباء اللغويين كانوا على مذهب أهل السنة ومن الطريف في هذا المجال أن أهل مصر كانوا يتبعون فتوى فقيه إيراني هو الليث بن سعد، بينما جل الإيرانيين كانوا على مذهب فقيه عربي هو الشافعي وكان بعض العلماء الإيرانيين يناصرون مذهب الشافعي العربي بشدة ويعارضون مذهب أبي حنيفة الإيراني بشدة مثل امام الحرمين الجويني والغزالي.

ومن الطريف أيضاً في هذا المجال أن أبا حنيفة الإيراني يفتي بأن الإيرانية ليست كفوا للعربية، انطلاقا من ترجيح العنصر العربي فلا يجوز أن يتزوج العربي من إيرانية، بينما مالك بن أنس العربي يرفض هذه الفتوى ويرى عدم وجود تفاضل بين الجنسين !

يطول بنا البحث لو أردنا إحصاء كلّ هذه المفارقات لكننا أردنا أن نخلص إلى نتيجة هي إن مسألة التسنن والتشيع ما كانت ذات طابع قومي، لكنها اتخذت هذا الطابع بعد النزاع الصفوي العثماني، فأصبحت إيران في العصر الصفوي تمثل الدولة الشيعية بينما الدولة العثمانية بما فيها البلدان العربية تمثل الجانب السني.

وكان للدول الطامعة في العالم الإسلامي دور في تغذية هذه التجزئة، ومن المؤسف فإن التوجه القومي في إيران والعالم العربي وهكذا الاستشراق راح يبحث عن كلّ المفردات التاريخية التي تزيد الحساسيات الطائفية اضطراما ثم إن الموجة العالمية السائدة اليوم لمواجهة ما يسمى بالخطر الإسلامي تتجه فيما تتجه إلى تمزيق العالم الإسلامي، وربما لا يمكن في القريب العاجل تبديل فكرة الصراع الحضاري إلى الحوار الحضاري بين الإسلام والغرب، ولذلك فإن الاحتمال كبير في أن ينفذ الغرب خطة التمزيق بشكل متقن سريع كما أوصى بذلك مفكروه من أمثال هانتنغتون.

وسواء عزونا الصراع الطائفي المشهود في العالم الإسلامي إلى عوامل داخلية أو اجنبية، فإن الواقع القائم يشهد في الإطار الطائفي مذابح في باكستان وافغانستان، كما يشهد صراعا بين المؤسسات الإسلاميّة العاملة في افريقيا وشرق آسيا وفي آسيا الوسطى والمعلومات تذكر أن هذا الصراع يترك آثارا سيئة على المسلمين العائدين أخيراً إلى حضيرة العالم الإسلامي، كما يترك آثارا سيئة على اتباع الأديان المختلفة في شرق آسيا، فهناك طوائف دينية أرادت أن تعتنق الإسلام فلما وقفت امام مفترق طريقين ورأت النزاع بين الفريقين آثرت البقاء على نحلتها حفظا لوحدة طائفتها.

الحوار الإيراني - العربي يمكن أن يتخذ من مسألة التفاهم المذهبي محوراً من محاوره وسواء توصل إلى نتيجة أم لم يصل، فإن نفس الحوار المذهبي يدفع بقضية الاختلاف من الحالة النفسية العشائرية إلى حالة علمية فكرية.

ولقد كان للعرب والإيرانيين تجربة ناجحة في هذا المجال عبر "دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة" في القاهرة، وتجري المحاولات اليوم في إيران لمواصلة هذه التجربة عبر "المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة " وعسى أن يكون الحوار العربي - الإيراني عبر المثقفين والجامعيين خطوة أخرى على طريق تجاوز سلبيات التمذهب في العالم الإسلامي.

وكان لرئيس التحرير المسؤول مساهمة في الجلسة الختامية للمؤتمر، قوم فيها جلسات المؤتمر وقدم بعض الاقتراحات ومما جاء فيها:

"اعتقد أن هذه هي التجربة الأولى والرائدة في حقل الحوار العربي الإيراني، وقد كشفت لنا عن مواطن قوة كنا نجهلها وعن مواطن ضعف كنا نجهلها أيضاً، وأود أولا في هذه الفرصة القصيرة التي أعطيت لي في نهاية الندوة أن أتقدم بالشكر لكل القائمين على أمرها من مركز دراسات الوحدة العربية وجامعة قطر

وأخص بالذكر الأستاذ الدكتور خير الدين حسيب … وأتقدم ببعض الملاحظات:

أولاً: أن الظروف الدولية والإقليمية والمصلحة العربية والإسلاميّة تفرض فرضا واجبا لأخيار آخر لنا فيه إجراء هذا الحوار ومواصلته وتعميقه، وإلاّ فسنعرض أنفسنا وأجيالنا القادمة لمزيد من الضعف والهوان والدمار.

ثانياً: إن المشاركين في هذا الحوار يجب أن تكون لهم الإرادة التامة والإيمان الكامل بمثل هذا الحوار، وإلاّ فسوف يؤدي إلى مجابهة بين جانبين يدافع كلّ منهما عن مواقفه في حالة متشنجة لا تنفتح على الرأي الآخر، بل تستثيره وتستفزه مما يزيد في الطين بله … كما يجب أن يكون المتحاورون متحلين بقدر كاف من الشجاعة يجعلهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، والضعيف عادة لا يكون كذلك بل يكون كما قال الشاعر العربي: "أسد علي وفي الحروب نعامة".

ثالثاً: أرى أن الجانب السياسي قد طغى على الندوة ولعل ذلك يعود إلى التوجه العام لمركز دراسات الوحدة العربية في بيروت ومركز الدراسات الاستراتيجية في طهران وأعتقد أن المركزين يجب أن يستوعبا في نشاطهما المراكز المهتمة بالدراسات الثقافة والإسلاميّة وبالدراسات المقارنة الإيرانية العربية أيضاً، لاعتقادي أن المجال الثقافي أبعد عن المؤثرات الدولية المشهودة في عالم السياسة وأقرب إلى مسؤولية الشرائح المثقفة والجامعية الحرة.

رابعاً: أعرب في هذه الندوة عن استعداد المؤسسات الإيرانية التالية على التعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية لمواصلة هذا الطريق اللاحب:

١ - أقسام اللغة العربية في كلّ من جامعة طهران وجامعة تدريب الأكاديميين.

٢ - المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة.

٣ - منظمة الثقافية والتعاون الإسلامي.

خامساً: أقترح أن تتشكل لجنة عربية - إيرانية لو ضع ميثاق عمل مشترك واقترح أن يكون تشكيل اللجنة بشكل بحيث تستطيع أن تواصل أعمالها في كلّ ظروف التشنج المحتملة في ساحة المنطقة، وأن تكون قادرة على الفعل في هذه الظروف لا الانفعال بها.

سادساً: أعترف أن الموقف الشعبي العربي من الثورة الإسلاميّة - بسبب عواطفه الإسلاميّة - كان أشرف موقف، فلا نرى ين أي شعب من الشعوب كالشعب العربي في تعاطفه مع إيران الإسلام فكريا وعاطفيا حتّى إن أحد طلابنا أراد أن يستجمع ما قيل من الشعر العربي المعاصر بشأن الثورة الإسلاميّة وقادتها فوجده يستوعب مجلدات، رغم كلّ الظروف المعروفة التي سادت في العالم العربي تجاه الثورة الإسلاميّة وهكذا الموقف الشعبي الإيراني لم يكن بأقل تعاطفا مع القضايا العربية من العرب أنفسهم، لكن الخطاب الرسمي لم يكن كذلك، فكان محزنا في كثير من الأحيان وكان قويا بحيث غطى على الصوت الشعبي وغطى أو استوعب صوت النخب أيضاً ن وهذه الندوة جاءت بداية جيدة وفي ظروف جيدة - كما قال الأستاذ محمّد فائق - لكي تعلن النخب المثقفة عن كلمتها الموضوعية المستقلة، ولكي توفر الجو المناسب لتفاهم بين أصحاب القرار السياسي.

سابعاً: كشفت لنا الندوة عن قصور أو تقصير عند الجانب الإيراني في أسماع صوته ورأيه إلى الاخوة العرب على الصعيد السياسي والثقافي، ولعل ذلك يعود إلى عدم وجود اهتمام بهذا الموضوع والى الحاجز اللغوي الذي كان من المفروض على الثورة الإسلاميّة أن تتغلب عليه خلال ما يقرب من عقدين من عمرها ومثل هذا القصور والتقصير موجود عند العرب أيضاً وينقصنا نحن الإيرانيين أيضاً تنظيم قنوات الاتصال السياسي والإعلامي والثقافي والاهتمام بها، كي تتاح الفرصة كل من يريد أن يرى ويفهم ويبحث من العرب للحصول على ما

يريد من المعلومات والمصادر وعلينا أن ننظم هذه القنوات.

ثامناً: مع أن مركز دراسات الوحدة العربية حاول أن يوجه الندوة وجهة علمية موضوعية عقلانية، فقد كان للعواطف والمشاعر المكبوتة دور كبير في تكييف مسير الحوار في المؤتمر … وهذا أمر طبيعي جدا، فدور العقل في مسيرة حركة الإنسان ضعيف جدا بالنسبة لدور العاطفة والشعور، المشاعر هي التي تحرك العقل، والعقل - إن أدى دوره - فهو لا يتجاوز تعيين مسار الحركة ومن الطبيعي أيضاً أن تكون هذه العواطف ذات حالة انفجارية وانفعالية في بدايات الحوار، لكنها اتجهت فيما أرى إلى حالة طبيعية بعد أن أفرغت شحنتها المكبوتة وأظن أن اللقاءات القادمة ستشهد مزيدا من هذا التعادل في العواطف والمشاعر.

واقترح أن يكون بين مجموعة الحوار اتصال دائم وتزاور وتبادل الكتب والمعلومات من أجل خلق مناخ نفسي مناسب للقاءاتنا القادمة بأذن الله.

تاسعاً: نحن عازمون بأذن الله على إصدار مجلة الدراسات الثقافية الإيرانية العربية، وعنوان مركز الدراسات الثقافية الإيرانية العربية موجود في قائمة عناوين المدعوين فامديد الاستعانة إلى كلّ الاخوة ليرفدوا المجلة".

ولا بأس أن أنقل في نهاية هذا التقرير تقويما آخر للندوة كتبه الأستاذ فهمي هو يدي على صفحة "الرأي" في "الشرق الأوسط" تحت عنوان:

أخيراً: كسر الحاجز النفسي بين المثقفين العرب والإيرانيين:

جاء فيه: انكسر الحاجز النفسي بين المثقفين العرب والإيرانيين في الأسبوع الماضي، حيث التقت نخبة منهم في الدوحة، العاصمة القطرية، لأول مرة منذ ستة عشر عاماً، وطيلة أربعة أيام متواصلة أدار الجميع حوارا واسعا، شارك فيه خمسون من المثقفين الّذين توافدوا من مختلف إنحاء العالم العربي، وعشرون من

الباحثين الإيرانيين.

كان اللقاء مثيرا من جوانب عدة، فلك أن تتصور حجم القضايا التي يمكن أن تدرج على جدول أعمال الطرفين، اللذين لم يتح لهما أن يتبادلا أي كلام منذ عام ٧٩، أي منذ نجاح الثورة الإسلاميّة الإيرانية، نعم كان هناك حوار لا ريب، لكنه كان في أحسن أحواله محصورا بين الدبلوماسيين والرسميين، بينما جرى بالسلاح حينا، واتخذ شكل التراشق والقصف الإعلامي في حين آخر، الوحيدون الّذين لم يتح لهم أن يتحاور واهم المثقفون من الجانبين، ولولا هذه المبادرة التي تمت بالتعاون بين مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت وبين جامعة قطر، لما كان للمثقفين أن يتلاقوا، ولظلت ساحة الحوار مغلقة دونهم.

حين جلسوا وجها لوجه في قاعة واحدة، استحضر لقاؤهم ملفات التاريخ والجغرافيا والسياسة والثقافة والاقتصاد، وكل ما هو معلق بين الطرفين، الأمر الذي كان طبيعيا في ظله أن يحسم شيء واحد فقط، بينما تظل تلك الملفات مفتوحة، وكان هذا الشيء هو حاجة الطرفين إلى مواصلة الحوار، واحسب أن الّذين رتبوا الاجتماع لم يطمحوا لأكثر من ذلك، فلا هم توقعوا أن يذوب الجليد المتراكم عبر ١٦ عاما في أربعة أيام، ولا خطر ببالهم أن يخرج الجميع متفقين على بعض أو كلّ ما هو معلق بينهم، وحسبما ذكر الدكتور خير الدين حسيب، مدير مركز الدراسات العربية في افتتاح الندوة يوم ٩ / ١١ فإن مجرد التلاقي - لكسر الحاجز النفسي - كان هدفا مرصودا، يفترض أن يؤدي إلى مدجسور الحوار وإثارة الاهتمام المشترك، ومن ثم فتح الباب لا مكانية الفهم والتفاهم بين الطرفين في المستقبل.

طبيعة الطرفين المتحاورين كانت مثيرة للاهتمام أيضاً، فمركز دراسات الوحدة العربية كان ولا يزال إحدى المؤسسات التي تتبنى المشروع القومي العربي وتدعو إليه بإصرار تُحسد عليه، بينما الطرف المقابل قادم من موقع آخر يتبنى

مشروعا إسلاميا وأن بدأ أن اللقاء حلقة أخرى من حلقات الحوار القومي الإسلامي الذي دعا إليه المركز وتم في بيروت خلال العام الماضي، إلاّ أن الإسلاميين كانوا موجودين في الطرف العربي، بقدر ما أن القوميين كانوا موجودين في الجانب الإيراني!

غير أن مناخ اللقاء كان أكثر إثارة ذلك أن الذي تم لم يكن أول حوار بين الطرفين فحسب، بل انه بالنسبة لبعض المشاركين كان المرة الأولى التي يلتقون فيها مع إيرانيين ويستمعون إليهم، على الأقل فهذا ما قالته لي باحثة عربية تعمل أستاذة للعلوم السياسية، ولها كتابات عن إيران، وهو ما انسحب بصورة أخرى على نفر من العراقيين الّذين ظلوا طيلة السنوات الست عشرة الماضية يعتبرون الإيرانيين "عدوا" لا سبيل للقاء معه، ولا يرونهم إلاّ عبر شاشات التلفزيون ومن خلال الكتابات التعبوية….

ورغم أن المشاركين أتوا بصفاتهم الشخصية، ولم يكن لهم أي تمثيل رسمي، إلاّ أن الحوار كان يتم في بعض الأحيان وكأنه في محفل رسمي، يتحدث فيه وزراء خارجية دول مختلفة كان ذلك ظاهر ابوجه أخص بين الإيرانيين، الّذين بدت حساسيتهم شديدة إزاء أي نقد يوجه إلى السياسة الإيرانية، فكلما أشار أحد العرب إلى ملحوظة من ذلك القبيل، تصدى له واحد أو اكثر من الإيرانيين مدافعا عن حكومته….

بدرجة أقل فعل العرب نفس الشيء، الأمر الذي دعا أحد المتحدثين إلى تنبيه الجميع إلى انهم يشاركون في الندوة كمثقفين لا كرسميين، وان أحد شروط نجاح الحوار أن يتجرد المتحدثون من أي صفة باستثناء دورهم كمثقفين مشغولين بهم الأمة ومصالحها الاستراتيجية العليا.

هذا المستوى من الخطاب عبر عن حالة الحساسية أو التوتر التي ظهرت

بين البعض أثناء الجلسات، وكانت تلك الحساسية أظهر ما تكون بين الغلاة من أصحاب التوجه القومي على الجانبين، إضافة إلى بعض العراقيين الّذين جاءوا من جامعتي بغداد والموصل.

لم تكن مستغربة تلك الحساسية في لقاء من ذلك القبيل، يتم بين مثقفي الطرفين بعد انقطاع طويل، ومنهم من شارك بدرجة أو أخرى سواء في تنظير الاشتباك الثقافي والإعلامي ا، أو في ممارسة ذلك الاشتباك ….

لم يكن مستغربا أيضاً أن تتباين مواقف المثقفين العرب الّذين قدموا من أقطار عدة، لكن ما لفت النظر حقا أن ذلك التباين كان قائما بين المثقفين الإيرانيين، الّذين كانوا خليطا من أصحاب التوجه الإسلامي والقومي والليبرالي الغربي، وكان الأولون الأكثر حرصا على التفاهم مع الطرف العربي، انطلاقا من أن وشيجة الإسلام المشتركة توفر فرصة أفضل للتلاقي مع العرب، وقد نبه إلي أهمية هذه النقطة السيد هاني الحسن - القيادي الفلسطيني وأول سفير لمنظمة التحرير في طهران - الذي قال أن فرصة تلاقي العرب مع إيران الإسلاميّة افضل بكثير من فرصتها مع إيران القومية والوطنية، حيث هناك لغة مشتركة يمكن الخطاب بها مع الأولى، بينما تنعدم تلك اللغة بالنسبة للأخرى!

في الجلسة الأخيرة قلت أن ما أنجزته الندوة أنها فتحت طريقا مسدودا بين الطرفين بعدما أدرك المثقفون انهم لابد أن يتحاوروا ويتفاهموا، قبل أن يجرف الطوفان الجميع، وهذا الإنجاز لن يحقق هدفه المنشود ما لم يتقدم الطرفان على الطريق ويواصلا الراحلة إلى المستقبل.

لم أكن وحدي صاحب هذا الرأي، لكنه كان تعبيرا عن قناعة الأغلبية الساحقة من الحاضرين، وكانت تلك أهم نتائج الندوة.



[ Web design by Abadis ]