ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مشكلات العالم الإسلامي و دور الوحدة في التغلب عليها \ الأستاذ عبد الغني شمس الدين

لقد تناول الكثير من الباحثين والعلماء المسلمين المعاصرين مشكلات العالم الإسلامي بالبحث والشرح بأساليبهم الخاصة، وهناك أيضاً بحوث ودراسات تقدم في الندوات العلمية والمؤتمرات الدولية تتناول بالتمحيص مشكلات وعوامل ضعف الأمة في الماضي والحاضر.

ولم أشأ هنا أن أعيد ما قالوه كله لان ذلك أمر لا يسمح به المقام فضلاً عن مقدرتي المتواضعة فكل ما أرجوه هو أن أوفق في تبيان بعض هذه المشكلات المستعصية بشكل عام، ثم أبين كيفية التغلب عليها ودور الوحدة الفكرية والسياسية والاقتصادية ونحوها في تحجيم هذه المشاكل، واستئصالها من جذورها حسب تصوري الخاص مستعيناً بالاطروحات والدراسات الجادة التي قام بها العلماء.

(أ‌) مشكلة العقيدة أو التشوه العقائدي وعدم اكتمال العنصر الإيماني لدى الفرد المسلم.

إذا أمعنا النظر في جميع بقاع العالم الإسلامي سنجد كثيراً من الخزعبلات والتصورات الفاسدة والمعتقدات التي قد لا تمت للدين بأية صلة تنتشر في عقول العوام وبعض البسطاء من أفراد هذه الأمة هناك البهائية وهناك القاديانية وهناك حركة أنصار منكري السنة النبوية ونحوها ومن المعلوم أن الضلالات والبدع يكون انتشارها اكثر بين الأوساط الشعبية وهم السواد الأعظم دائما للأمة، ومن هنا يأتي خطرها الكبير الذي يتمثل في إسدال الستار على العقل الإسلامي وإيجاد ظلمات بعضها فوق بعض في موكب الحياة العامة وإضاعة الفكر في متاهات غريبة لدى جماهير عريضة من أبناء الأمة وهو ما يحول الأمة المسلمة إلى أمة مقعدة في عالم يجري كالريح المرسلة [١]. ولقد كان من المفروض أن تضمحل هذه الضلالات بفضل التقدم العلمي وكثرة الدارسين والعلماء، إلاّ أن الواقع يثبت عكس ذلك، بل زادت وانتشرت الضلالات والأمية الدينية لدى المثقفين العلمانيين وخاصة فيما يتعلق بأساسيات الدين وما هو معلوم من الدين بالضرورة [٢].

ولعل الضلالات الفكرية التي مني بها المثقفون الجدد أخطر من ضلالات العوام الّذين يروجون المنكرات والتدجيل لأخذ أموال الناس ويتخذون القرآن للتبرك فقط، غافلين عن دوره في الهداية والإرشاد لصراط مستقيم إن الأمية الدينية أخطر بكثير من تلك الخزعبلات القديمة والأمية الدينية تعني عدم معرفة الدين والعلم به وإن أحرز المرء أعلى المراتب في الدرجات العلمية [٣]. وكمثال على ذلك كتب أحد المستشارين في أعلى سلطة دستورية بإحدى الدول العربية المسلمة مقالاً كشف فيه عما يغشي عقله من غفلة وغباء وخبط، وتطاول على الشريعة الإسلاميّة، ذكر هذا الكاتب: إن قياس تحريم المخدرات على الخمر قياس

فاسد لأن الخمر في القرآن الكريم أمرنا باجتنابها، وليست محرمة، فالمحرم على سبيل القطع من الأطعمة والاشربة ورد في الآية الكريمة:

؟ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرماً على طاعم يطعمه إلاّ أن يكون ميتة أو دما مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسق أهل لغير الله به؟ .

والاجتناب في رأي بعض الفقهاء اشد من التحريم ولكنه في الحقيقة أمر يتصل بالمخاطب فهذا المستشار يقول: إن الخمر في القرآن أمرنا باجتنابها وليست محرمة وإنكار حرمة الخمر إنكار لأمر معلوم من الدين بالضرورة، لا يعذر مسلم بجهله.

(ب) مشكلة الأفكار:

لا يخفى على أحد أن فساد الفكر يقترن دائما بفساد العقيدة؛ كلياً أو جزئياً. إذ أن الفكر أساس العمل ويتحدث القرآن الكريم عن هذه الظاهرة في كثير من آياته كسبب من الأسباب التي تؤدي إلى سقوط الأمة وخراب عمرانها وحضارتها. كما أن السنة النبوية أيضاً تبين هذه الحالة؛ أي حالة سقوط الحضارات؛ حيث ينغلق الفكر ويختلط الحق بالباطل، وينتشر الكفر الفعلي والانحراف العاطفي ويسود الهوى وتروج النظريات الفاسدة ويتحزب الناس أحزاباً ويتحولون إلى أدعياء دجالين ومن الأحاديث التي تفيد ذلك، ما رواه أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل ولا يدري المقتول علي أي شيء قتل". رواه مسلم وفي حديث آخر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب

بعضكم رقاب بعض". والكفر هنا كفر فكري أي ضلال وانحراف صاحبه مع انه مسلم أو انه على الحق مع انه يرتكب الكبائر وينتهك أساسيات الإسلام [٤]. وفي حديث آخر قال حذيفة سمعت رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول: "تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً. فأي قلب اشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فهي نكتة بيضاء حتّى يصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مر باد كالكوز مجخيا لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلاّ ما أشرب من هواه" رواه مسلم.

والانحراف في هذا الصدد يسميه البعض بمرحلة التيه الفكري.

ففي مرحلة التيه الفكري تظهر طبقة من المثقفين المضلين المتشدقين الّذين يخدعون الناس بنوع من الكلمات المبهمة ويقودونهم بهذه الكلمات الرمزية والشعارات المدوية إلى الهاوية فعن أبي سعيد الخدري وانس بن مالك رضي الله عنهما عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال: "سيكون في أمتي اختلاف وفرقة. قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرأون القرآن الكريم لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتّى يرتد على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، قالوا يا رسول الله ماسيماهم؟ قال: التحليق، (والتحليق هو إخراج الكلام من الحلق تشدقا) [٥].

وفي الواقع أن التمزق الفكري الداخلي للأفراد أو للأمم هو أول داء تصاب به الأمة وعن طريق هذا الخلل الفكري، تدخل صنوف الخلل السلوكية نتيجة حتمية لخلل الفكر والواقع خير شاهد بهذه المشكلة المستعصية.

(ج) الأنظمة العلمانية المتسلطة.

أن قوى الإمبريالية لا تخرج من الدول الإسلاميّة بالبساطة بل دبرت وخططت خرائط الحكم ونصبت الطغمة الحاكمة المتسلطة من ذوي اتجاه علماني للتحكم بمصير الأمة طبقاً لإرشاداتها وتوجيهاتها وهذه الأنظمة تنفذ برامج التعليم العلماني وتخرج جيلاً من الشبان المارقين من الدين وابرز بلد إسلامي حكمته العلمانية ونفذت فيه خططها وضربت بيد من حديد كلّ من يقاومها وخاضت في ذلك بحراً من الدم هو بلد الخلافة الإسلاميّة الأخيرة الذي قهره اتاتورك على تطبيق الأنموذج الغربي في الحياة كلها، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم والثقافة، وسلخه من تراثه وقيمه وتقاليده كما تسلخ الشاة من جلدها.

وأقام دستوراً لا دينياً يعزل الدين عن الحياة عزلاً كاملاً، قامت على أساسه قوانين مجافية للإسلام كلّ المجافاة حتّى في شؤون الأسرة والأحوال الشخصية [٦].

وانتشرت العلمانية الحاكمة في كثير من دول المسلمين شرقاً وغرباً وتاريخ اضطهاد الساسة العلمانيين للدعاة والحركات الإسلاميّة مليئة بالمعاملات غير الإنسانية المنافية للدين والأخلاق فضلاً عن تعارضها مع ابسط الحقوق الإنسانية.

فأقصي الإسلام عن الحكم والتشريع في الأمور الجنائية ونحوها وبقي محصوراً فيما سمي بالأحوال الشخصية كما أقصي الإسلام عن التوجيه والتأثير في الحياة الثقافية والتربوية والاجتماعية إلاّ في حدود ضئيلة وفسحوا المجال كلّ المجال للتوجيه الغربي والثقافة والتقاليد الغربية [٧].

(د) مشكلة القيادة أو الإمامة:

الإمامة أو القيادة قضية محورية وجوهرية في معالجة مشاكل المسلمين في

كلّ أقطار العالم الإسلامي فبالإمام التقي ينصلح أمر الأمة وغياب القيادة المؤثرة أو الإمام القائم بتطبيق الشريعة والدفاع عن الحوزة الإسلاميّة يؤدي إلى ضياع كثير من مصالح الأمة وحدوث كثير من الانشقاقات والتحزب البغيض لدى طوائف الأمة على اختلاف مناهجهم ومشاربهم ولقد عاني كثير من الشعوب الإسلاميّة من الاضطهاد والإذلال من جراء القيادة العلمانية التي فرغت السلطة السياسية من محتواها الشرعي وحولتها إلى أداة القمع وتعميق ركائز التغريب والعلمنة في المجتمع الإسلامي كما أن السلطة التي تكون في أيدي العلمانيين دائماً تستخدم من اجل تشكيك الناس في صلاحية العلماء كقيادة، وتشويه سمعتهم ونزاهتهم، حتّى تفر الأمة وتنتفض من حول القيادة الرسالية، ويستأثر هؤلاء العلمانيون بالتوجيه والحكم كما يحلو لهم، ويأملون بذلك أن تزداد القيادة الحقيقية غربة وبعداً عن المجتمع أو عن القاعدة الشعبية.

وقد حسمت القضية بالنسبة للعالم الشيعي؛ وخاصة في إيران الإسلاميّة واستطاعوا أن ينتزعوا الحكم من السلطة المستبدة فيها بفضل مبادرة الإمام الخميني (رحمه الله).

أن التعدد في قيادة منظمات عديدة في مجال الدعوة والسياسة الإسلاميّة يوظفه أعداء الإسلام لضرب المنظمات بعضها ببعض؛ حتّى لا تكون لها قائمة أو على الأقل يضمحل نفوذها وتذهب ريحها وحيث أن القضية من الأهمية بمكان فلا مناص من معالجتها بشكل مستعجل وحاسم فيما لو أريد للحركات والمنظمات الإسلاميّة النجاح والغلبة.

(هـ) الطائفية والعصبية:

أن النزاعات الطائفية والعصبية والنزوح إلى التنازع بدلاً من الحوار الهادي

البناء في حسم الخلافات بين أفراد الشعب أو فيما بين المنظمات لها اثر كبير في تردي الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية إلى مستنقع أسوأ في الأقطار المسلمة.

لقد استطاعت الدول الغربية أن تبني وحدات عديدة، ووضعت صيغ للاتفاق في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي بالرغم من اختلاف مذاهبهم الدينية والسياسية. ولكن فشلنا نحن كأمة واحدة في أن نضع صيغة من الحلول المناسبة حيث يتفق عليها الجميع في مستوى من المستويات.

أن التناحر بين الفئات الإسلاميّة في بعض الأقطار المسلمة قد ترك أثراً أشد فجاعة ومرارة من التي منيت الأمة به في الماضي وهي في طريقها إلى بناء المستقبل وتلمس سبل الرشاد والوحدة ومن المعلوم للجميع "أن العصبية المذهبية أو جدت حواجز كثيفة بين المسلمين في الماضي وأورثت فيما بينهم من العداوات ما شغلهم عن أعداء الإسلام - على اختلاف أنواعهم - وعن الأخطار المحدقة بالإسلام وقد كان أهمها في هذا الأمر الاستعمار والإلحاد والتشكيك بالإسلام [٨].

(و) مؤامرات قوى مناوئة للإسلام:

لاشك أن هناك كثيراً من المؤامرات والشراك تقوم بها قوى مناوئة للإسلام والحركات الإسلاميّة في العالم من قبل الاستعمار والصهيونية والمؤسسات الدولية، سواء كانت ثقافية أو اقتصادية لمنع الإسلاميين من تولي السلطة السياسية في الأقطار الإسلاميّة. لقد حاولوا قطع جذور الانبعاث الإسلامي بكل الطرق وفي كلّ مكان وقدموا مساعدات ضخمة اقتصادياً وإعلامياً بل وعسكرياً من أجل توطيد

أركان الحكام العلمانيين المتسلطين وشوهوا سمعة الرموز الإسلاميّة والشخصيات الحركية الناشطة بل أساءوا إلى سمعة الإسلاميين ككل في أبواق إعلامهم مما ينطلي الأمر على الكثير ويختلط الحابل بالنابل ونظل في متاهات التضليل والخداع.

(ز) الفقر الاقتصادي وضعف الصناعة:

ابتلي العالم الإسلامي بسلسلة من المشكلات المستعصية من الفرقة والحرب الأهلية والاستعمار وكيد الأعداء من الصهيونية وغيرها مما نتج عن ذلك ركود في الثقافة وانحسار في مستوى التعليم وندرة الأيدي العاملة الكفؤة وضعف الصناعة وتدني مستوى الإنتاج، وذلك ما أدى إلى وقوع الأمة في الحلقة المفرغة بين الفقر والتأثر التعليمي والجهل والمرض ونحوها ومما يزيد الطين بلة أن القروض الخارجية التي تقدمها الدول الغربية والبنوك الدولية للدول النامية في الغالب مقترنة بالسياسة الاقتصادية التي تكرس التبعية ومزيداً من التعلق بالدول الغربية ومزيداً من الفقر بالإضافة إلى ضياع الاستقلال الحقيقي للدول المعنية ومن هنا كانت المشكلة الاقتصادية من أكبر المشاكل.

ومن ناحية أخرى فإن انعدام الاستقرار؛ سواء على مستوى السياسة الخارجية أو الداخلية وانعدام الشعور بالأمن، وانتهاك حقوق الأفراد وانعدام حرية التصرف، يحول دون تقدم العالم الإسلامي في الاقتصاد والصناعة ثم أن تغرير الدول النامية وكتب طاقاتها وتحجيم حقيقتها وخلق الأعذار في طريقها من قبل الدول المستعمرة، كزعمهم أن صناعات الآلات الحقيقية تحتاج إلى وقت طويل، وإن على الدول النامية أن تقوم بصناعة الحاجات الأساسية لصرف البلاد إلى

الصناعات الاستهلاكية وإن التقدم يحتاج إلى مراحل متعددة ومتوالية، وتثبيط عزائم الأمة، يؤدي إلى تخلف واضح وبالتالي جعل البلاد الإسلاميّة وعموم البلاد النامية سوقا رائجة لمنتجات الغرب، ثم ربط هذه الدول بصفقات قروض بحجة تحويل المشاريع والذي له مخاطر وخيمة على الاقتصاد أن هذا الأسلوب ابتكرته أوروبا الغربية للسيطرة على العالم فيما استغلت أمريكا الضعف المالي لمنظمة تحرير فلسطين كي ترضى الأخيرة بالحل الامريكي الصهيوني لمشكلة فلسطين بالرغم من بعده عن العدالة ومبادئ حقوق الإنسان وهناك من رضخ تحت وطأة الديون والفقر الاقتصادي لمخططات القوة الغربية لكي يقوموا بتنفيذ برامج ثقافية وسياسية واجتماعية التي من شأنها أن تضاعف من وطأة العلمنة والتغريب في شخصية أفراد الأمة.

(ح) ضعف فعالية التنظيمات الإسلاميّة

لقد تناول علماؤنا الإجلاء ودعاتنا الأبرار بالتمحيص والتشخيص مظاهر الضعف في كيان المنظمات الإسلاميّة في كتبهم فمنهم الدكتور السيد محمّد نوح في كتابه آفات على الطريق، حيث ذكر فيه الآفات التي تعتري العاملين الإسلاميين كأفراد مثل الفتور في الحماسة والإسراف والاستعجال والعزلة والإعجاب بالنفس والغرور والتكبر ونحوها وتناول الشيخ يوسف القرضاوي أيضاً هذه القضية حيث قال إن مصدر الخلل في الحركة الإسلاميّة هو ضعف النقد الذاتي والانقسام والاختلاف وغلبة الاتجاه العاطفي على الاتجاه العقلي والعلمي والخوف من التجديد ونحوها.

أن العمل الجماعي الناجح يتطلب في الواقع توافر شروط معينة مثل وجود

الطاقة العاملة النشيطة والتنظيم الفعال بالإضافة إلى وجود وسائل تكنولوجية تتناسب ومتطلبات العصر وأخلاقيات حركية تحول دون تصدع المنظمات الإسلاميّة من الداخل ومن الملاحظ أن اكثر هذه المنظمات والحركات الإسلاميّة تعاني كثيراً من أنواع العجز في مجالات شتى؛ سواء في التخطيط أو التنظيم أو الرجال أو المال.

(ط) ضعف تواجد الكيانات الدولية الإسلاميّة.

ومن ناحية أخرى فإن المنظمات الدولية الإسلاميّة كمنظمة مؤتمر العالم الإسلامي وغيرها ضعيفة من حيث تأثيرها في الأحداث وإمكانيتها في تسيير دفة السياسيه العالمية لصالح الأمة المستضعفة لقد رأينا كيف فشلت في معالجتها لقضية المسلمين في البوسنة والهرسك وفي الصومال وفلسطين وغيرها وحيث أن العوامل التي تضعف قوة هذه الكيانات الدولية الإسلاميّة كثيرة فينبغي النظر ومعالجة مسبباتها واقتلاع هذه العلل من جذورها.

(ي) الأعلام الإسلامي دون مستوى المواجهة.

أن الجرائد والمجلات والنشرات أو المطبوعات وحتى الإذاعات الإسلاميّة مازالت محدودة من حيث تأثيرها في تكوين العقلية الإسلاميّة الصافية في كثير من أقطار العالم الإسلامي والأعلام الإسلامي أضعف ما يكون في الدول الغربية أو دول آسيا الوسطى، ذلك لأن العوامل الحيوية التي تساعد على نشاط الأعلام وتوسيع دائرة نفوذه تكاد تكون مفقودة، من هنا فإن المنظمات الإسلاميّة

وأجهزتها ينبغي أن تعمل جاهدة من أجل تعزيز جهاز الأعلام الإسلامي كي يكون في مستوى العصر.

(ك) غياب الممارسات السياسية الناضجة والصحية.

من الملاحظ أن محاولات تطوير المجتمع طبقا للمسار الإسلامي دائما ترتطم بالتدابير القمعية في الدول العربية والإسلاميّة ثم أن الممارسات السياسية هناك ليست في مستوى من النضج والانفتاح والديمقراطية بحيث تسهل العمل من اجل تطوير المجتمع طبقا للمشروع الإسلامي والغريب أن طلائع العمل الإسلامي دائماً يواجهون الصعوبات الجمة من اجل ممارسة حقوقهم السياسية والاجتماعية بالمقارنة مع فصائل أخرى علمانية أو قومية أو طائفية فهؤلاء دائما ضحية المطاردة والإقصاء والتنكيل والإذلال من قبل حكوماتهم فكان الساسة في أقطار العالم الإسلامي أكثرهم ينظرون إلى الحل الإسلامي وطلائع العمل الإسلامي بعين التخوف والشكوك والريب ومن هنا فلا غرابة إذن أن يتحول الوضع السياسي والاقتصادي فيها إلى أسوأ ما يكون.

(ل) ضعف التربية الإسلاميّة:

الحركات والمنظمات الإسلاميّة تزداد باطراد بفعل الانقسامات والانشقاقات الداخلية أو ظهور جيل جديد لا يؤمن بصلاحية قوالب من سلفهم ولذا فإن ضعف مستوى التربية الحركية في كثير من هذه المنظمات أمر ملحوظ ومشهود.

ثمة عوامل عديدة تساهم في أحداث هذه الظاهرة منها قلة الخبراء والعلماء الّذين صقلتهم الخبرة والتجربة، وكذلك ضعف الموارد المالية والرجال، بالإضافة إلى احتكاكات فردية بين عناصر القيادة، ومحاربة رجال الحركات الإسلاميّة، أما في مجال التعليم الرسمي في هذه الدول فما زال تكتنفه الازدواجية وتسرب المفاهيم العلمانية والقومية في تدريس المواد الدراسية مما يضعف رابطة الاخوة الإسلاميّة العالمية وتتضاءل نزعة التدين ويتدنى مستوى الالتزام الخلقي وينسلخ المراهقون والشبان من التراث والأصالة ولقد دلت الإحصاءات التي نشرت من قبل المسؤولين من حين لآخر إلى أن مقدار الجريمة والزنا والجنح والمخالفة التي ارتكبها الجيل الناشئ والشبان في هذه الدول يزداد باطراد.

(م) ضعف مستوى التسلح وانعدام التقنية لصناعة الأسلحة المتطورة.

أن اغلب الدول النامية تعاني من العجز الاقتصادي والتأخر في الصناعة وقلة الخبراء وخاصة فيما يتعلق بصناعة الأسلحة الحديثة المتطورة والدول الإسلاميّة أيضاً تعاني من هذه المشكلة مما يجعلها فريسة سهلة لقوى الاستعمار والدول الكبرى في الهيمنة عليها عند نشوب النزاع أو الحرب، والتحكم في مصيرها السياسي والاقتصادي والعسكري أن حادثة بناما وهاييتي وغيرها تعكس مدى هيمنة القوى الكبرى ليس فقط على الدول الضعيفة بل على أجهزة ولجان الأمم المتحدة.

(ن) غياب البعد النظري الموفق تجاه مخططات القوى الإمبريالية فيما يتعلق بالقضايا الدولية التي تمس مصالح المسلمين.

من البداهة أن القوى الإمبريالية والدول الغربية تضع مخططات بعيدة المدى

من اجل تحجيم قوى الدول النامية والأمة الإسلاميّة على وجه الخصوص في مجالات عديدة سواء كانت في الاقتصاد أو في التكنولوجيا المتطورة أو في السياسة وغيرها، فعلى رؤساء الدول الإسلاميّة أن يكونوا على وعي ويقظة وبصيرة لمخططات الأعداء، ثم عليهم أن يتخذوا موقفاً موحداً من اجل مواجهة هذه المخططات غير أن الواقع - مع الآسف - يعكس خلاف ذلك فهم يتصرفون بصورة انفرادية مما يسهل على قوى الاستعمار إخضاع الأمة الإسلاميّة وإذلالها.

وهناك مشاكل أخرى تتعلق بالحدود والنزاع حول السيادة على منطقة البترول وما إلى ذلك من المشاكل تنذر بانفجارات عديدة فيما بين الدول الإسلاميّة في المستقبل وفي الواقع إن قائمة هذه القضايا ستطول إلى ما لا نهاية فيما لو أردت استعراضها بالتفصيل ولكن المهم الآن هو: كيف تحل هذه المشكلات أو يقلل من غلوائها إلى حد أدنى؟ وحيث إننا نلتزم بالبحث عن الوحدة كأساس لحل هذه المعضلات فلا مناص أذن أن نستشف الحل من خلال هذا المدخل أي مدخل الوحدة.

دور الوحدة في معالجة هذه المشاكل

الوحدة لها أبعادها العديدة ولعل البعد الجذري منها هو البعد الفكري أو العقائدي إذ أن الفكر أساس العمل والتصرف والفكر في حد ذاته يعتمد على عناصر وعوامل عديدة فبالإضافة إلى رصيد العلم والفهم ووضوح التصور في شأن القضية المعنية، والموضوعية فإن الفكر ينبني على المنهج أو الأسس المنطقية السليمة للتوصل إلى خلاصة فكرية صحيحة.

وعلى ذلك كان من الضروري تأصيل المنهج الفكري المستقيم في

المجتمعات الإسلاميّة ليتبناه أفراد الأمة، كي يصلوا إلى مستوى معين في التماثل الفكري وبذلك يستطيعون أن يتوحدوا فكرياً إلى حد ما وإذا استطعنا أن نحقق نوعا من التقدم في مجال الفكر والوصول إلى مستوى معين في التماثل الفكري عن طريق تقريب الهوة وإزالة الفجوة الحاصلة فيما بين المناهج الفكرية المتباينة أو على الأقل عن طريق الاتفاق على المنطلقات الجوهرية في فهم المشاكل؛ دونما تكفير أو تفسيق بعضنا بعضاً، نكون قد قطعنا شوطاً لا بأس به في الاتجاه نحو التوحد.

ومن ناحية أخرى، لابد أن تتضافر الجهود من أجل محاربة البدع والخزعبلات أو الفكر الخرافي والأمية الدينية والأفكار العلمانية والرضوخ إلى الأقاويل والاتجاهات الانهزامية والاستسلامية المفروضة من لدن قوى الاستكبار العالمي أن الطاقة الذهنية لمفكري الأمة ينبغي أن توظف توظيفاً سليماً بحيث تعالج قضايا حيوية ومصيرية لصالح الأمة بدلاً من أن تبدد في قضايا فرعية وهامشية لا تسمن ولا تغني من جوع.

وفيما يتعلق بالعلمانية فإن الوحدة في الفكر فقط قد لا تأتي بالثمار المرجوة فلابد من إقامة قلعة أو قلاع إسلامية لندك حصونها بشكل مؤثر أقول لابد أن نقيم كياناً سياسياً إسلامياً قوياً في كلّ أقطار العالم الإسلامي ليكون قاعدة للانطلاق الرسالي وبداية للتغيير الاجتماعي على نهج شامل في مختلف مناحي الحياة الإسلامية.

ووجود هذا الكيان السياسي مرتبط بوجود قيادة دينية سياسية موحدة تحترمها جميع فصائل العمل الإسلامي فوق مستوى التأثر بنزاعات مذهبية أو طائفية أو عنصرية ومن المعلوم أن الوحدة الفكرية قد تساهم في تعزيز قناعات إيجابية لدى الأمة من اجل التغلب على نزاعات الانفراد والتشرذم أو الفرقة، وذلك بواسطة تنصيب قيادة دينية سياسية عالمية وبالرغم من أن هذا الاتجاه قد يحاربه

كثير من القوى المناوئة شرقاً أو غرباً بيد أنّه قد يعيد الأمة إلى مجدها وقوتها اثر غياب الخلافة العثمانية من الساحة الدولية.

أرى أن القيادة الإسلاميّة الموحدة أمر حيوي وملح في مواجهة ظواهر ارتداد كثير من الأنظمة القائمة في العالم الإسلامي الآن وما لم تحسم هذه القضية فإن الصحوة الإسلاميّة ما زالت في طور الوهن والضعف المستمر لا حول لها ولا قوة.

أن الوحدة الفكرية السياسية أذن تعتبر برنامجاً من برامج العمل المستعجل تمهيداً لوجود الكيان السياسي الموحد وقيادة العمل الإسلامي العالمي التي يلتزم بأمرها الجميع.

بالإضافة إلى ذلك لابد أن نقيم مراكز العمل في كلّ قطر مزودة بجميع الإمكانات اللازمة لتحقيق إنجازات جزئية ومستمرة في هذا الاتجاه وإذا كان أعداء الصحوة الإسلاميّة لهم مراكز عمل ومراصد ومرافق في جميع أقطار العالم ولهم عيون ورجال من جميع الجنسيات فلا أقل أن يكون لنا نحن أيضاً مثل هذه الإمكانيات، ثم لابد من مواجهتهم بما يواجهوننا به.

وإذا ما نجحنا في بناء قلعة أو قلاع إسلامية، وتحولت دولة ما إلى حصن من حصون العمل الإسلامي فبالتعاضد والتكاتف ووحدة الصف والعمل نستطيع أن نواجه المؤامرات ونتغلب على كثير من الافخاخ المنصوبة من قبل المستعمرين وأذنابهم في كلّ المستويات.

وفيما يتعلق بمشكلة الفقر الذي يعاني منه كثير من الدول الإسلاميّة فيمكن التغلب عليه بواسطة إيجاد نوع من التحالف على المستوى الإقليمي أو العالمي فيما بينها، وتنسيق السياسة المالية والتنموية والتصنيع بما يكمل النقص وتسديد احتياج الدول من قبل الدول المسلمة الأخرى طبقاً لبرنامج تنموي شامل وسياسة

التصنيع المتكاملة ثم أن تطبيق فكرة إقامة السوق المشتركة كما اقترحها الأستاذ نجم الدين اربكان حفظه الله قد يساهم بدوره أيضاً في حل هذه المعضلة.

علاوة على ذلك فإن وحدة الفكر الحركي الإسلامي بدورها تساهم في تقريب وجهات النظر فيما بين فصائل العمل الإسلامي في كلّ قطر، ومن ثم يمكن وضع صيغة لميثاق الدعوة الإسلاميّة تقلل من أثر الانشطار الحركي واختلاف قوالب الدعوة وتباين نوعية القيادة أن الوحدة الإسلاميّة إذا تحققت سواء كانت في السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو العمل الحركي أو الإعلامي أو في المجال السلوكي يمكن أن تذلل كثيراً من الصعوبات أو المشاكل التي يواجهها المسلمون كأمة واحدة، وهي بمثابة درع واق مهم لمواجهة تحديات المستقبل ولذلك حاول الأعداء باستماتة - من حين لآخر - بث عوامل الفرقة والتباغض فيما بين المسلمين مستغلين تباين المواقف والمدارس والمناهج والعرق والأقطار والانتماءات وإذا استطاع المؤمنون أن يرتفعوا بأنفسهم دون الانشغال بالقضايا الهامشية، وركزوا جهودهم في تحسين مصائرهم والانكباب على الأعمال التي من شأنها أن توحد صفوفهم وتكرس جهودهم لصالح الأمة كل فيومئذ يتحقق النصر الموعود لهم إن شاء الله. قال الله جل جلاله في محكم تنزيله: "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز".

١ - د. عاصم احمد "حرية الفكر وترشيد الواقع الإسلامي" مطبعة نهضة مصر١٩٩٠ / ١٤١٠ القاهرة ص ٣٧.

٢ - مناع القطان "معوقات تطبيق الشريعة الإسلاميّة" مكتبة وهبه القاهرة ١٩٩١ / ١٤١١. ص ٨.

٣ - المصدر نفسه ص ١٩.

٤ - د. عبد الحليم عويس "تفسير التاريخ علم إسلامي" دار الصحوة للنشر القاهرة ١٤٠٦ ص ٧٢.

٥ - المصدر نفسه ص ١٧٣.

٦ - يوسف القرضاوي "الإسلام والعلمانية" دار الصحوة للنشر مصر ١٩٨٧ / ١٤٠٨. ص ٦٠.

٧ - يوسف القرضاوي "نحو وحدة فكرية للعاملين الإسلاميين " مكتبة وهبة مصر، ١٩٩٢ / ١٤١٢. ص ٥٤.

٨ - محمّد المبارك "المجتمع الإسلامي المعاصر" دار الفكر بيروت ١٣٩١ / ١٩٧١. ص ٨٩.



[ Web design by Abadis ]