ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الوحدة الإسلاميّة و المسار الأحدب \ الأستاذ صائب عبد الحميد

لم يعرف الإنسان الأول إلاّ التوحيد الخالص…

ذلك الإنسان على بساطة تفكيره كان يدرك أنّه موجود، وأنه لم يخلق نفسه.

ويدرك أيضاً أن ما حوله من بهائم وجمادات هي الأخرى عاجزة عن أن تخلق أنفسها أو غيرها، فهناك خالق واحد أو جده وأوجد كلّ ما يراه من حوله.

هناك خالق قدير رحيم، يفزع إليه فيطمئن قلبه" ويستعين به فيجد قوة خفية تسري بين جنبيه" ويستهديه فيرى نور الهدى بين عينيه…

؟ فطرة الله التي فطر الناس عليها؟ [١].

وشيئاً فشيئاً تعاظمت الأهواء، وتكثرت النزعات، وتشعب التفكير، فسما عند بعض فنمت لديهم معاني التوحيد وتجلت، فيما اضمحل عند آخرين فتردوا في ألوان الشرك والوثنية….

وما كان الناس إلاّ أمة واحدة فاختلفوا؟ [٢].

هكذا ظهر الاختلاف متأخراً، وظهر الشرك متأخراً.

هذه الصورة كان يعرفها جميع أهل الديانات السماوية، وتنكر لها أصحاب نظرية النشوء والارتقاء فقالوا: إن التوحيد هو ارتقاء لنشوء الوثنيه، فالناس قد عبدو الأصنام أولاً، وتعددت الأصنام وألوان الوثنية حتّى ترقى الأمر بهم إلى التوحيد.

ولكن هذه ليست سوى نظرية قد أثبت البحث العلمي خطأها كما خطأتها الأديان، فحين اكتشاف اللغة السنسكريتية وتفسير رموزها عرف منها الباحثون أن الناس كانوا في أقدم عهودهم على التوحيد الخالص، وأن الوثنية عرضت عليهم فيما بعد بفعل رؤسائهم الدينيين [٣].

؟ كان الناس أمة واحدةً فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلاّ الّذين أو توه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم؟ [٤].

لقد حدثنا القرآن الكريم عن ذلك كله، كما حدثنا عن وحدة الأنبياء في أصول دعواتهم واجتماع أصل الديانات السماوية على هذه الأصول.

وحدثنا عن افتراق الناس بعد أنبيائهم، وعودة الكثير منهم إلى الوثنية، فعبدوا أصناماً شتى، وعبدو النجوم، وعبدوا حتّى الأولياء الصالحين…

وقالوا لاتذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً؟ [٥].

قال أصحاب التفسير: كان هؤلاء قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أتباعهم: لو صورناهم كان أشوق إلى العبادة إذا ذكرناهم! فصوروهم، فلما ما توا وجاء آخرون فقالوا: إنّما كان من قبلكم يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم! [٦].

وحدثنا عن آخرين:؟ قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة؟ ! [٧].

وآخرين:؟ قالوا إن الله ثالث ثلاثة؟ ! [٨].

وحدثنا أيضاً أن كبريات الرسالات الأولى كرسالة إبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام - أنذرت بأن النبوات سوف لا تستمر إلى الأبد، بل ستقف عند أمد، وعندئذ يكون النبي الذي يختم سلسلة النبوة، فدعا إبراهيم ربه أن يجعل هذا النبي من ذريته، وبشرت التوراة والإنجيل باسمه وصفته.

؟ النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل؟ [٩].

"قالت المرأة - للمسيح - عليه السلام - : لعلك أنت مسيّاً، أيها السيد؟

أجاب يسوع: إني حقاً أرسلت إلى بيت إسرائيل نبي خلاص، ولكن سيأتي بعدي مسيّاً المرسل من الله لكل العالم، الذي لأجله خلق الله العالم" [١٠].

قارن هذا النص الإنجيلي بالنص القرآني القائل:؟ وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي أسمه أحمد؟ ! [١١]

وبعث محمّد - صلى الله عليه وآله وسلم -؟ رسول الله وخاتم النبيين؟ [١٢].

وأنزل عليه القرآن؟ مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه؟ [١٣].

فجاء بالشريعة التامة التي لا مزيد عليها ولا نهاية لحكمها؟ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً؟ [١٤].

فكان الرحمة الكبرى لبني الإنسان:؟ وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين؟ [١٥].

"أنا رحمة مهداة" [١٦]، "إنّما بعثت رحمة ولم أبعث عذابا" [١٧].

فحارب الشرك بأنواعه، صغيره وكبيره، خفيه وظاهره:؟ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء؟ [١٨]،؟ ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيماً؟ [١٩].

حارب الظلم ولعن الظالمين، وحارب النفاق ولعن المنافقين، وحارب الغش والخيانة وقبح أضلهما، وقطع أيدي اللصوص وقطاع الطرق، ونهى عن الفحشاء والمنكر وسدّ السبل دونهما.

وأتم مكارم الأخلاق: "إنّما بعثت لا تمم مكارم الأخلاق" [٢٠] "إنّما بعثت لأتمم صالح الأخلاق" [٢١].

وسخر من الأفاق الضيقة، العرقية والإقليمية، واستهجنها:؟ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم؟ [٢٢].

"ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا

من مات على عصبية"! [٢٣].

تلك في القيم السامية التي حررت الإنسان من ظلمات الجاهلية وتيهها، ظلمات وتيه مازال الإنسان الأوروبي يرسف في أغلالها، فهو حتّى اليوم يبني ثقافته ويصنع سياسته على أساس شريعة هي اكثر لياقة بالغاب لا بالمجتمع الإنساني! فالقيمة الغالبة فيها هي تقديس الشعر الأصفر والعين الزرقاء !!

والأوروبيون لم يحاربوا النازية لأنها فكرة عنصرية، بل لأنها قدمت العنصر الألماني على سائر الأوروبيين أما الغزو الأوروبي لشعوب الدنيا، وقتل أبنائها ونهب ثرواتها فهو من صميم القيم الأوروبية المعاصرة، كما كان سائداً في عهود الجاهلية الأولى في القرون الغابرة!

اللص هو اللص وإنّما تبدل القناع، واستبدل السيف بالصاروخ والمدفع، والنبل بالقنبلة الذرية والنووية.

حارب الإسلام كلّ تلك القيم وإن اختلف ألوانها وظهرت بأزياء العصور الحديثة، حاربها وجاء بالقيم السامية البديلة.

وعلى هذه القيم البديلة مضى المؤمنون في ظلال الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله وسلم - على وحدة العقيدة؟ أشداء على الكفار رحماء بينهم؟ [٢٤].

لا يفت في عزمهم شيء، ولا تأخذ فيهم الفتن، وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والى الرسول يتنافسون في كلّ خير وفضيلة، ويتسارعون إلى امتثال سنن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - واقتفاء أثره، يبكون إذا أذنبوا بكاء تنزل في بعضه قرآن كريم.

أيامهم كدحاً وجهاداً، ولياليهم قياماً وركوعاً وسجوداً؟ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا؟ [٢٥]

هذه سيرتهم، وهذا ديدنهم، غير ثلة من مرضى القلوب؟ مردوا على النفاق؟ [٢٦].

فحاروا؟ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء؟ [٢٧] فضح القرآن خفاياهم في مواضع كثيرة، وكشفت سورة التوبة خفاياهم وبالغت في ذلك حتّى سميت (الفاضحة) ! وحتى ترقبوا أن تذكرهم بأسمائهم!

لكن ذلك لم يحصل، واكتفى النبي أيضاً بذكر بعضهم فقط لحكمة كان يراها ومصلحة اقتضت ذلك، لكنه - صلى الله عليه وآله وسلم - في حال كهذه لم يكن ليترك الأمر يعتريه الغموض التام فيلتبس على كثير من المؤمنين، فوضع لأجل ذلك موازين قسط لا تحيف، يدركها الأعمى والبصير، والصغير والكبير، فقال: "الأنصار آية المؤمنين وآية المنافقين؛ لا يحبهم إلاّ مؤمن، ولا يبغضهم إلاّ منافق" [٢٨].

ثم أضاف - صلى الله عليه وآله وسلم - ما هو اكثر وضوحاً، فدعا علي بن أبي طالب وعهد إليه عهدا أنّه "لا يحبك إلاّ مؤمن، ولا يبغضك إلاّ منافق" [٢٩].

فكان علي - عليه السلام - فاروقا للصحابة ومن بعدهم، به يعرفون المؤمن حقاً والمنافق حقاً وقد تحدث بذلك كثير من الصحابة، فقالوا: "كنا نعرف المنافقين ببغضهم علي بن أبي طالب" [٣٠].

ومضت الأمة على وحدتها وتماسكها مدة حياة الرسول الأعظم - صلى الله عليه وآله وسلم -، وليس ببدع أن تتفرق بعده، فقد تفرقت الأمم بعد أنبيائها!

النبي الأعظم - صلى الله عليه وآله وسلم - الذي حرص كلّ الحرص على أن يؤلف بين قلوب المؤمنين وحذرهم من التفرق والتشرذم، أنبأهم أيضاً أن ذلك

كائن، وكائن عن قريب، ثم إنه سيستشري في ما بعد متى تكون هذه الأمة مطمع الغزاة والناهبين !

"يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كلّ أفق كما تداعى الأكلة إلى قصعتها".

قيل: يا رسول الله، فمن قلة بنا يومئذ؟

قال - صلى الله عليه وآله وسلم - : "لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، يجعل الوهن في قلوبكم، وينزع الرعب من قلوب عدوكم لحبكم الدنيا وكراهتكم الموت"!! (٣١).

وطبع الغثاء أن تعبث به الأمواج كيف تشاء، وهكذا عبثت أمواج الفتن بهذا الغثاء الكثير !‍! اسفاً.

ولكن أشد ما استنكره وحذر منه القرآن الكريم والسنة المطهرة أيضاً أن يعجب كلّ فريق بما عنده، حتّى الأهواء والبدع، فيذهبون أيادي سبأ؟ كلّ حزب بما لديهم فرحون؟ (٣٢). ويتمادى الأمر حتّى"يضرب بعضهم رقاب بعض"! (٣٣).

ولكن هذا كله قد حصل، فحين يكون الجمع الكبير غثاء، وليس للغثاء جذور تربطه بقرار ثابت، فلا مناص مما حصل وإن أنذر القرآن وحذر الرسول !

ثلاث وسبعون فرقة

هل كان قدراً علينا أن نتفرق، فرضينا وسلمنا للقدر المحتوم؟ .

أم نحن بأيدينا رسمنا هذه الخارطة المعقدة؟

إن النبي المصطفى - صلى الله عليه وآله وسلم - إن صح عنه أنّه قال: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " فإنما كان يخبرنا، ولم يكن يأمرنا:

كان يخبرنا بحصاد ما سنبذره بأيدينا من بذور الشقاق.

وبعد كلّ هذا جاء رواد الشقاق فألصقوا بالحديث المروي زيادة تثلج صدورهم، فقالوا: "كلها في النار إلاّ واحدة ".

ولا غرابه إذن أن ينبري أتباع كلّ فرقة من هؤلاء بدعوى أن فرقتهم وحدها هي الناجية، وسائر الفرق في النار!

فالحمد لله الذي تفرد في سلطانه، ولم يضع بأيدينا مفاتيح الجنة والنار!

قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لا مسكتم خشية الإنفاق؟ (٣٤).

قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون؟ (٣٥) !

يدخل من يشاء في رحمته؟ (٣٦).

قل لمن ما في السموات وما في الأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة؟ (٣٧).

لقد طعن بعض أهل التحقيق في حديث افتراق الأمة هذا، ثم ذهبوا إلى بطلان ما الحق به من زيادات فاما الحديث: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" وبهذا القدر من النص دون أدنى زيادة فقد أخرجه أبو داود، والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم، غير أن بعض المحققين لاحظ على هذا التصحيح مأخذاً جديراً بالاعتبار، فقالوا: (هذا الحديث، وإن قال فيه الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان والحاكم، إلاّ أن مداره على محمّد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي وهذا الرجل تكلموا فيه من قبل حفظه، وإن أحداً لم يوثقه

بإطلاق، وكل ما ذكروه أنهم رجحوه على من هو أضعف منه لذا حين أوجز الذهبي كلامهم فيه وصفه بقوله: صدوق له أوهام والصدق وحده في هذا المقام لا يكفي ما لم ينظم إليه الضبط، فكيف إذا كان معه أو هام؟ ) (٣٨).

وأما الإمام ابن الوزير فقد طعن الحديث من وجهة نظر أخرى، حيث رأى أنّه مدعاة لتمزيق الأمة وطعن بعضها في بعض، مما يضعفها جميعاً ويقوي عدوها عليها ويغريه بها! (٣٩).

وأما عن الزيادة "كلها في النار إلاّ واحدة" والتي لم ترد في حديث أبي هريرة المتقدم، فقد حكموا ببطلانها: قال ابن حزم: إنها موضوعة، غير موقوفة ولا مرفوعة!

وقال ابن الوزير: إياك والاغترار بـ"كلها في النار إلاّ واحدة" فإنها زيادة فاسدة، غير صحيحة القاعدة، ولا يؤمن أن تكون من دسيس الملاحدة! (٤٠).

وقد أخرج الشيخ الصدوق - ابن بابويه القمي - الحديث بهذه الزيادة من طريقين (٤١)، ولكن الطريقين معاً فيهما عدة مجاهيل ومجروحين لا اعتبار برواياتهم (٤٢).

ثم تلت هذه الزيادة زيادة أخرى مرتبة عليها جاءت لتحديد هذه الفرقة الناجية، فبعد زيادة "كلها في النار إلاّ واحدة" قالوا: ما هي: "ما أنا عليه وأصحابي".

قال الألباني: الحديث بهذه الزيادة "ما أنا عليه وأصحابي" أخرجه العقيلي في (الضعفاء)، وأخرجه الطبراني في (المعجم الصغير) وقال: لم يروه عن يحيى إلاّ عبدالله بن سفيان، قال العقيلي: لا يتابع على حديثه (٤٣).

وقد نوقش هذا الحديث على فرض صحته نقاشاً حسناً من قبل كثير من أهل العلم:

فذهب الدكتور الشيخ القرضاوي فيه مذهباً جميلاً حيث رأى أنّه يدل على أن هذه الفرق كلها جزء من أمته - صلى الله عليه وآله وسلم، بدليل قوله - صلى الله عليه وآله وسلم - : "تفترق أمتي" ومعنى هذا أنها برغم بدعتها لم تخرج عن الملة.

ولم تفصل عن جسم الأمة المسلمة، قد يعفو الله عنهم بفضله وكرمه، ولا يسمى إذا كانوا قد بذلوا وسعهم في معرفة الحق ولكنهم لم يوفقوا وأخطأوا الطريق (٤٤).

والى أعمق من هذا ذهب الشيخ لطف الله الصافي، فقال: أنّه لا ريب في تقييده بغيره من الأدلة العقلية والنقلية كالأحاديث الدالة على نجاة الموحدين (٤٥).

كلمتان جامعتان:

١ - يقول الإمام جعفر الصادق - عليه السلام ـ: "الإسلام: ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها ! وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج، فخرجوا بذلك من الكفر وأضيفوا إلى الإيمان" (٤٦).

فلندع إذن تلك الزيادات التي لم ترد بإسناد صحيح، ولا أصل معتبر، ولنتخل عن العصبية لمعان وصنعناها بأيدينا ثم صرنا نقدسها!

٢ - يقول أبو حامد الغزالي - أحد أبرز أئمة الأشاعرة - في حديثه عن الفرق كلها: هؤلاء - أي الفرق كلها - أمرهم في محل الاجتهاد، والذي ينبغي أن يميل إليه المحصل الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً، فإن استباحة الدماء

والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول لا اله إلاّ الله محمّد رسول الله" خطأ…. وإن أكثر الخائضين في التكفير إنّما يحركهم التعصب، وأتباع تكفير المكذب للرسول، وهؤلاء ليسوا مكذبين أصلاً، ولم يثبت لنا أن الخطأ في التأويل موجب للتكفير، فلابد من دليل عليه وثبت أن العصمة مستفادة من قول "لا إله إلاّ الله" قطعاً، فلا يدفع ذلك إلاّ بقاطع وهذا القدر كاف في التنبيه على أن إسراف من بالغ في التكفير ليس عن برهان (٤٧).

من هنا افترقنا ومن هنا نلتقي:

السياسة، سواء كنا نحبها أو ننفر منها، هي التي ترسم واقعنا وتحكم إلى حدّ ما على مستقبلنا، فحين كانت السياسة هي التي زرعت بذرة الخلاف الأولى فخرجت بمسار الإسلام من نواة تجمعه الأولى يوم كان المسلمون جمعاً قوياً راسخ الأساس، هذه السياسة هل سنعرف - حين صرنا أشلاء ممزقة عرضة لصولات الوحوش الكاسرة - كيف سنوجهها لتلم شعثنا على الأصول التي كانت تجمعنا، وهي تجمعنا إلى اليوم، والى الأبد: التوحيد والنبوة والمعاد، أضف إليها وحدة الدستور (القرآن)، ووحدة المصير، ووحدة الغاية (مرضاة الله)؟ .

هذا هو نداء القرآن، ونداء السنة، ونداء الضمير…

ولهذا النداء جذوره الثابتة وإن تباعد عنها الغثاء!

فإن الله تعالى قد تعهد بحفظ دينه وحفظ كتابه، وأن يبعث في كلّ جيل دعاة حق ينفون عن هذا الدين أهواء المضلين وبدع المبتدعين.

لقد صححت النظرية النسبية فهماً كان سائداً حول الخطوط المستقيمة، فأثبتت أنّه لا يوجد في الكون خط مستقيم، فالخطوط كلها منحنية، وكل مسار تراه مستقيماً هو في الحقيقة أحدب، والكون كله أحدب، ويجري في مسار أحدب

وكلما امتد الخط اقتربت نهايتاه.

فلماذا لا يكون مسار السياسة هو الآخر أحدب حتّى إذا ازداد امتداده عاد طرفه إلى النقطة التي انطلق منها أولاً، وتلاقت نهايتاه من جديد متى تشكلان نقطة تجمع واحدة هي من سنخ النواة الأولى على عهد الرسول الأكرم؟ ؟

إننا نستطيع إذن أن ندخل من نفس الباب الذي خرجنا منه متفرقين، فنعود كما كنا أمة واحدة، ونعود وكأن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قائم بيننا، وهو قائم بيننا حقا ولكنا شد هنا عنه !

إنه قائم بيننا بسنته الحية الثابتة، وبهذا القرآن المحفوظ الذي لا تجف الألسن من تلاوته.

إن هذا التصور الذي نطرحه هنا ليس هو من قبيل أماني الحالمين، ولا هو من أبواب الخيال العلمي المجرد، بل هو حقيقة كائنة نستطيع أن نعبر عنها بأنها (حتمية) بكل ما لهذه الكلمة من معنى.

نقول حتمية يقيناً منا بالوعد الصادق الذي قطعه رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - لنا بأننا سنجتمع يوماً على قائد واحد يملك الأرض ويصلي خلفه المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: "لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتّى يبعث رجلاً من ولدي يواطئ اسمه اسمي، ويملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً"! (٤٨).

إنها إذن حتمية كائنة ولو في آخر يوم من أيام الدنيا.

ولكن هذا الوعد لا يلغي عنا التكليف، فالتكليف قائم وكأن هذا الوعد لم يكن، فالأمل إذن قائم قيام التكليف، ثابت ثبات الشريعة.

ومن ناحية أخرى فإن منظر الغثاء المفجع الذي صرنا إليه لهو خير حافز إلى ذلك الأمل.

صحيح أن الحوافز إنّما تؤثر في الأجساد الحية، ولا شأن للغثاء بذلك، لكن

الصحيح أيضاً أن الذي تحت هذا الغثاء الطافي ماء!

؟ وجعلنا من الماء كلّ شيءٍ حي؟ (٤٩).

وقد نهضت الأجساد الحية حقاً، وهي تشق طريقها من بين أكداس الموتى والمخدرين والمغشي عليهم والمصعوقين، وما تراكم بين هذه الأكداس من أوباء وأدواء.

لقد أظهرت الصحوة الإسلاميّة المعاصرة كلّ ما ينسجم مع ذلك الأمل…

أظهرت وعيا بالإسلام كان غائباً طوال قرون عديدة منذ خفت نجم الحضارة الإسلاميّة من على هذا الكوكب.

وعلى الصعيد السياسي أظهرت وعياً لم تعرفه الأمة في عهود طاعتها المطلقة للسلطان (ولي الأمر) براً كان أو فاجراً مجاهراً بالفسق والعصيان، عدلاً كان أو ظالماً جائراً !!

وعلى صعيد الوحدة العقائدية أظهرت نضجاً لم تشهده الأمة طيلة قرون التناحر الطائفي البغيض.

وبكلمة واحدة: لم تعد الصحوة الإسلاميّة ظاهرة حضارية وحسب، بل أصبحت القوة المرشحة لقيادة البناء الحضاري المستقبلي المشرق بإذنه تعالى؟ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا؟ (٥٠).

١ - الروم: ٣٠.

٢ - يونس: ١٩.

٣ - أحمد أمين: يوم الإسلام: ١٥.

٤ - البقرة: ٢١٣.

٥ - نوح: ٢٣.

٦ - تفسير الطبري ٢٩: ٩٩، مجمع البيان للطبرسي، الكشاف للزمخشري ٤: ٦١٩.

٧ - الأعراف: ١٣٨.

٨ - المائدة ٧٢.

٩ - الأعراف: ١٥٧.

١٠ - إنجيل برنابا - الفصل ٨٢: ١٥ - ١٦، عنه نظرات في إنجيل برنابا - محمّد علي قطب: ٨٤.

١١ - الصف: ٦.

١٢ - الأحزاب: ٤٠.

١٣ - المائدة: ٤٨.

١٤ - المائدة: ٣.

١٥ - الأنبياء: ١٠٧.

١٦ - مصنف ابن أبي شيية ١١: ٥٠٤.

١٧ - كنز العمال: ٣١٩٩٧.

١٨ - النساء: ١١٦.

١٩ - النساء: ٤٨.

٢٠ - البخاري: الأدب المفردح: ٢٧٣، كنز العمال ٣ ح - ٥٢١٧.

٢١ - كنز العمال ١١ ح: ٣١٩٩٦.

٢٢ - الحجرات: ١٣.

٢٣ - سنن أبي داود ٤: ٥١٢١.

٢٤ - سورة الفتح: ٢٩.

٢٥ - سورة السجدة: ١٦.

٢٦ - سورة التوبة: ١٠١.

٢٧ - سورة النساء: ١٤٣.

٢٨ - كنز العمال ١٢: ح ٣٣٧٤٨ وأحاديث أخرى بهذا المعنى.

٢٩ - صحيح مسلم - كتاب الإيمان ج ١ ٨٦ ح: ١٣١، سنن الترمذي ٥ح ٢٧٣٦، سنن النسائي - كتاب الإيمان ج ٨: ١١٦، سنن ابن ماجة ١: ٤٢ ح - ١١٤، مصابيح السنة ٤: ١٧١ - ٤٧٦٣، أمالي الطوسي ج ١ - باب ٣ ح - ٢١، باب ١٠ ح ٢.

٣٠ - سنن الترمذي ٥: ٦٣٥ - ٣٧١٧، الاستيعاب ٣: ٣٦، اسد الغابة ٤: ١٢٩ عن أبي ذر، وصححه على شرط مسلم، وابن عساكر كما في ترجمة الإمام علي من تاريخه ٢ ح: ٧٢٩ - ٧٣٨ عن جابر بن عبدالله الأنصاري، وعبادة بن الصامت، ومالك بن أنس، والمغازلي في المناقب ح ٧٥ عن أم سلمة وعبد الله بن مسعود.

٣١ - سنن أبي داود - الملاحم ح: ٤٢٧٦.

٣٢ - الروم: ٣٢.

٣٣ - من خطبته - صلى الله عليه وآله وسلم - في حجة الوداع.

٣٤ - الإسراء: ١٠٠.

٣٥ - الزمر: ٤٤.

٣٦ - الإنسان: ٣١.

٣٧ - الأنعام: ١٢.

٣٨ - الدكتور يوسف القرضاوي: الصحوة الإسلاميّة: ٣٤. وأنظر ترجمة محمّد بن عمرو بن علقمة في (ميزان الاعتدال) و (تقريب التهذيب) و (تهذيب التهذيب).

٣٩ - الصحوة الإسلاميّة ٣٥.

٤٠ - الصحوة الإسلاميّة: ٣٥، وراجع سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ١: ٣٥٦ - ٣٦٢.

٤١ - الخصال: ٥٨٤ - ٥٨٥.

٤٢ - راجع أيضاً: حديث افتراق المسلمين على ثلاث وسبعين فرقة: للشيخ لطف الله الصافي.

٤٣ - سلسلة الأحاديث الصحيحة.

٤٤ - الصحوة الإسلاميّة: ٣٨.

٤٥ - حديث افتراق المسلمين: ١٥ - ١٦.

٤٦ - الكافي ٢: ٢٢ - ٥.

٤٧ - الاقتصاد في الاعتقاد: ١٥٧ - ١٥٨.

٤٨ - سنن أبي داود: ٤ ح: ٤٢٨٢، سنن الترمذي: ٤ ح ٢٢٣١، الإرشاد للمفيد ٢: ٣٤٠.

٤٩ - الأنبياء: ٢٠.

٥٠ - العنكبوت: ٦٩.



[ Web design by Abadis ]