ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 بؤر الأزمات في العالم الإسلامي \ الأستاذ عبدالله الفريجي

تطالعنا عدة ثنائيات متقابلة ومترابطة ونحن نتأمل في واقع العالم الإسلامي من قبيل: التخلف والتنمية، أو الاستقلال، التبعية أو الوحدة، التجزئة، يشكل كلّ طرف منها إلغاء المقابلة إذ لا استقلال بدون إلغاء للتبعية ولا وحدة بدو إلغاء التجزئة ولا تقدم بدون محو التخلف.

كما أن الحديث عن أي مفردة يتضمن الحديث عن كلّ المفردات الأخرى إذ أن الاستقلال يعني ضمناً التقديم والوحدة ويمكننا أن نقلب كلّ ذلك فنقول لا استقلال أو تقدم بدون الوحدة والاتحاد.

ولدى التمعن في كلّ مفردة فإننا نلاحظ أنها مشكلة عن واقع اجتماعي موروث ضاعفه واقع عالمي ضاغط ومؤثر باتجاه الأوضاع السلبية.

وبعبارة أخرى أن كافة الأزمات تنشأ عن تظافر نوعين من الأسباب والعوامل فالتجزئة مثلا تنشأ أصلاً عن عوامل تاريخية موروثة ساهمت القوى

الأجنبية في مضاعفتها واخراجها عن الإطار الداخلي لترتبط بالوضع العالمي الذي يمنع إلغاءها لأنه يرى في قيام وحدة بين المسلمين وقيام مجتمع مسلم تهديداً لوجودها القائم على الاستغلال والقمع وبالتالي تسعى إلى منعه واعاقته.

فالتقابل بين هذه الثنائيات يتولد من تظافر العامل الخارجي المباشر مع العامل الداخلي الموروث منتجا أزمة لابد من التأمل في جذورها وأسبابها العميقة قبل الحديث عن حلول لها.

التقابل الذي يظلله الواقع العالمي المعاصر المغرق في الصراع مما يفرض إدراك حقيقة خطيرة أولية مفادها استعصاء البحث عن حل داخلي ولابد من حل داخلي خارجي، إذ لم يعد بإمكاننا الابتعاد عن دائرة الأخر لنكتفي في بحثنا عن حل ذاتي وفي إطار الذات فقط.

فالحل سيكون في إطار عالمي لأن الإسلام إما أن يتغلب داخلياً وخارجياً وأما أنّه سوف لن يتغلب لا داخلياً ولا خارجياً وهذا بغض النظر عن نقطة الشروع أو لحظة الانقلاب التي لا شك أنها ستبدأ من الداخل لكنها قطعاً سوف لا تقف إلاّ عند ما يضرب الإسلام بظلاله على كلّ الأرض وبغير هذه الحالة فإن التراجع سيعود مرة أخرى بغير ما حصل مع المسلمين في العصر الأول حينما بلغوا الأندلس ثم عادوا ليقعوا تحت الهيمنة الأجنبية بعد عدة قرون.

فثمة استقطاب عالمي لا مجال لتجاهله لا يسمح إلاّ بالاستجابة له فإما أن تكون قطبا غالباً أو مغلوبا والغلبة والغربية التي نعيشها اليوم جاءت لأن الغرب بقدرته على فرض نموذجه الحضاري على العالم دون أن يدرك على وجهة اليقين مصداقية هذا الاعتقاد لكنه من خلال التجربة اكتشف عجزة عن هضم الحضارات وإلغائها أو توحيدها في إطار واحد وموحد.

وقبل البحث في حقيقة الواقع العالمي الذي نعني به بناء على ما أسلفنا من عدم إمكان التفكيك بين جوانبه لابد لنا من توضيح بعض المصطلحات الداخلة في دائرة اهتمامنا من قبيل (الاندماج) أو الوحدة (التعدد) أو (التجانس).

فالاندماج: نعني به ظهور أواصر قادرة على ضبط عوامل التفكيك

(الاقتصادي، والسياسي والاجتماعي، والاعتقادي).

والتجانس: هو العناصر المشتركة التي تصلح كمقومات لبناء مجتمع واحد (الأمة) [١].

عوامل الاندماج (الأواصر):

هناك أواصر تساهم في ربط فئات المجتمع منها ما يلي:

١ - القوة: ونعني بها السلطة أو القدرة على القهر والغلبة التي تتاح لفئة أو فئات (جماعات، أحزاب، قبائل) في إطار منتظم اجتماعي بحيث ينتج عنها ضبط وسيطرة على عوامل الانفلات والتفكيك وهي تنشأ عن مصلحة الصراعات الداخلية والخارجية بين الفئات نفسها من جهة وبين جهات خارجية.

مما قد يؤثر سلبياً أو إيجابياً على وجود هذه الأمة أو المنتظم الاجتماعي.

٢ - أما المصالح: فهي درجة من (التواثق المصلحي لا تساهم في التآلف بين مختلف الفئات ذات المصلحة في المنتظم السياسي) [٢].

٣ - الوعي: وهو شيوع ثقافة أو معتقدات تساهم سلباً أو ايجابا في تشكيل روابط لصالح بقاء الأمة أو فنائها وتفككها.

كما تختلف الأمم من حيث اعتمادها على هذه العوامل بدرجات مختلفة مما يهدد في النهاية درجة التماسك الاجتماعي والسياسي.

فربما قامت أمة اعتماداً على أساس الوعي الديني أو على أساس الاتحاد المصلحي أو اعتماداً على القهر ويمكننا أن نرى في الدول القومية شكلاً من أشكال التواثق المصلحي المعتمد على وعي أو قوة بعض الفئات بضرورة الارتباط على أساس العرق.

لكن التجانس القومي وحده لا يمكن أن يشكل عنصراً مستقلا لبناء أمة

فالأمة الإيطالية (وجدت وحدتها…. في صراعها ضد السيطرة النمساوية) [٣] وقد سجل التاريخ نزاعات وحروب دامية بين أبناء العرق الواحد على أساس المصلحة ومن أجلها سواء كانت اقتصادية أو سياسية.

ويمكننا أن ندلك على عدم التجانس كعامل أصيل في الاندماج من خلال عجز النموذج العربي المتجانس قومياً على إقامة دولة قومية، لا في العصر الحاضر ولا في الماضي السابق على الإسلام حيث كانت القبائل تعيش نزاعات مستمرة تعدً حرب (البسوس) [٤] أشد نموذجها سوءاً إذ دامت ما يقرب من أربعين سنة متواصلة.

بينما نرى في دولة الولايات المتحدة نموذجاً آخر لا يقوم على التجانس القومي وهناك نماذج تعيش تعدد قومي وعرقي أو ديني دون أن يؤثر ذلك على وحدتها السياسية أو يضعف من أواصرها الاقتصادية ويمكننا أن نضع الدولة الإسلاميّة الإيرانية نموذجاً معاصراً يعتمد على الوعي في إقامة كيان غالب لكل عوالم الضعف العرقية والمذهبية فضلاً عن الأعداء في الخارج.

ومن هنا فإن التجانس يدخل في عداد العوامل الثانوية بكل أنواعه (التجانس القومي، التجانس الديني، التجانس الثقافي) والتي تنقسم بدورها إلى طبيعية أو شبه طبيعية.

والطبيعية هي تلك المقومات التي يجد الإنسان نفسه حاملاً لها دون اختياره من قبيل انتمائه قهراً إلى عرق بشري معين وشبه الطبيعية: هو المقوم الفطري من قبيل الدين والعادات والأعراف.

أما سواها فهي إرادية ولا تشكل عائقاًً في تأخير الأواصر من قبيل الأذواق والتصورات غير الدينية.

ولو تجاوزنا دور التجانس فإننا سنتجه نحو دراسة التعدد الحالي في العالم الإسلامي وعوامل قيامه التي ترتبط أصلاً بنشوء الأمة الإسلاميّة، وبعبارة أخرى

بظهور الإسلام كقوة اقتصادية سياسية عقائدية صبغت العالم بصبغتها الخاصة وفرضت عليه مساراً خاصاً واتجهت نحو إقامة اندماج خاص محكوم بعقيدة دينية.

غير أن التطورات اللاحقة انتهت بنا إلى مواجهة مشكلة التعدد ولهذا فإننا مدعوين إلى متابعة نشوء الاندماج في البداية ثم أسباب التراجع إلى الواقع الحالي المتعدد.

وبغير عملية تحليل علمية وموضوعية للتاريخ فإن البحث سيكون بلا طائل.

ولاشك بان كلّ الحلقات التاريخية اللاحقة اعتمدت على التجربة الإسلاميّة الأولى واقتاتت على الوقود العقائدي الذي يحفظ عناصر اندماجها أساساً على الوعي وتلعب فيه القوة والمصالح أدواراً مكملة بناءاً على أن الإسلام أو الأديان عموماً تتأسس على قوة واحدة هي طريقة وعي وإدراك العالم دون أي سبل أخرى كالدوافع المصلحية أو العرقية أو أي شيء آخر ولهذا فإن أي ضعف في مستوي الوعي يعني بروز الجوانب الأخرى كعوامل مضادة بحكم تواجدها بصورة طبيعية فالإنسان أي إنسان يوجد في إطار عرق معين ينتمي إليه فطريا ويتعصب له، وبنفس الطريقة سيدافع عن مصالح سواء كانت فردية أو مصالح جماعة.

وكل هذه ستستحوذ على وعي الإنسان وتسخره إذا لم تعادلها قيم أخرى أي (دين)، فالدين الإسلامي بناء على هذه الحقيقة كان يعتمد أساساً على قدرة القيم التي أرسلتها التجربة الأولى في نفوس المسلمين في بناء الذات والمحافظة عليها إلى يوم القيامة، هذه الذات التي كان الإنسان موضوعها بغض النظر عن أي فوارق لونية أو عرقية أو طبقية.

ومن هنا فإن الأزمة اليوم هي أزمة وجدت هناك في الأسس ومع اللبنات الأولى عندما جاء الوحي في عمق الصحراء وفي غفلة عن العالم ثم أطلق موجة الحضارة وأرسى قواعدها، أي مع الحدث الذي وقع في الجزيرة العربية قبل ما يقرب من خمسة عشر قرنا عندما انطلقت جيوش القبائل العربية من معاقلها في الرمال القاحلة لتغير وجه العالم وتقيم حضارة على أسس مغيرة للحضارات

المجاورة ثم لتمر عدة قرون حتّى وصلت الآثار إلى كلّ أصقاع العالم حتّى شهدنا في القرون الوسطى قيام حضارة الغرب.

وهكذا ارتبط تاريخ العالم شرقاً وغرباً بذلك الحدث الذي اتخذ من أمة مجهولة أداة له لإرساء قيم، وخلق أوضاع خاصة ثم ليفرضها على العالم تاركاً على التاريخ حتّى عصرنا الحاضر حيث نرى أن الشرق والغرب بات اليوم معني بالإسلام فإذا هبت مصر انتصرت إيران وإذا قتل المسلمون في الجزائر فإنهم انتصروا في بقع أخرى.

فالواقع العالمي اليوم يرتبط بالإسلام بصورة كلية لن يتاح للإسلام البقاء بدون إنجاز مخاضه النهائي ولا يمكن للغرب أن يبقى مسيطراً بدون إزاحة الإسلام.

هذا الدين يمثل أزمة العالم ومن هذه الزاوية فإن كلّ أبعاد الأزمة ترتبط بالفعل الذي أداه حملة الدين آنذاك وعلى هذا الأساس فإن كلّ الأزمة تعود إلى تلك التجربة التي مارستها القبائل العربية وتحمل عناصر قوتها بالمقدار الذي أرسته في تطبيها للوحي الإلهي وتبرز عناصر ضعفها بنفس المقدار الذي أغفلت فيه بعض تعاليم الوحي وقواعده.

جذور الأزمة:

يمكننا افتراض جملة أسباب موضوعية لاختيار العرب كحملة للدين خارج الأسباب الغيبية، منها:

١ - الموقع الجغرافي.

٢ - الخلفية التوحيدية.

٣ - الأمة البكر.

فبالنسبة للموقع الجغرافي فقد امتازت الجزيرة بموقع يساعد على امتداد الدين في العالم القديم (آسيا، إفريقيا، أوروبا) بسرعة مذهلة لقرب الجزيرة من إفريقيا

وأوروبا، وبالفعل فقد ولدت أكبر دولة إسلامية في ذاك العصر بعد أن (كسب إسلام العصر الأول من الأطلسي إلى بحر الصين من جهة، بثورة اجتماعية قطعت مع التصور الروماني للملكية بوصفها (حق استعمال وتفريط وإفراط) وحالت دون تكديس الثورة في قطب من المجتمع وتكديس الفقر في القطب الآخر واكتسبه من جهة ثانية بوحي الهي كنس المذاهب المغلقة وامتيازات إمبراطوريتين فارس وبيزنطة المتحدتين) [٥].

أما بالنسبة للثقافة فقد امتاز العربي آنذاك بثقافة توحيدية عريقة موروثة عن ديانتهم التي عرفت بالحنيفية التي طعمت بالوثنية قبيل ظهور الإسلام بقليل هذا فإن الوثنية كانت ديانة حديثة لم تنتشر في كافة القبائل وأن انتشرت في بعضها، فإن هذا البعض ظل يحافظ على الكثير من معالم دين التوحيد القديم فقد (كانت أديان العرب مختلفة بالمجاورات لأهل الملل والانتقال إلى البلدان والانتجاعات فكانت قريش وعامة ولد معد بن عدنان على بعض دين إبراهيم [٦].

أما بالنسبة للمؤهل الثالث فهو الانسجام مع الدور المفترض أي بناء حضارة عالمية تستند إلى الوحي وهو دور يحتاج إلى قدر من الانسجام مع الذات أي عدم وجود ثقافة وحضارة سابقة تعيق قبول القيمة الجديدة أو تساهم في استيعابها في الموروث الحضاري والثقافي الخاص.

ولهذا استطاع العرب الذي هم بلا موروث تقريباًُ استيعاب الإسلام لولا الموروث القبلي الذي كان وحده عنصر إعاقة ومع ذلك فقد أصبح الإسلام وحده عنصر بناء الأمة الإسلاميّة بعد خوضه صراعاً ضد ثقافة القبيلة والديانة المحلية (مزيج الحنفية والوثنية المستوردة).

ثم تأسيسها لقوة سياسية حاربت استقلال القبائل ودويلات المدن في الجزيرة ثم بنت دولة متفوقة من خلال ممارسة أول تجربة اندماج إسلامي قوامه

(دولة دينية وعقيدة إنسانية ومصالح تمزج بين المادي والروحي في تناغم واضح).

فالإسلام حين أراد اندماجاً اجتماعياً على أساس الوعي بدرجة رئيسية وليس على أساس المصالح وحدها أو القوة القهرية للسلطة بل عبر استخدام كلّ هذه العناصر بحسب الضرورات التي تفرض أساسية وأهمية الوعي، لأن الإنسان كائن واعي يتحرك بالوعي وتبعا له.

كان لابد من إنتاج عقل مسلم وثقافة إسلامية تنتج الاندماج وتحافظ عليه في العصور التاريخية التالية لعصر الوحي.

وبما أن الدين الإسلامي دين يمتد إلى يوم القيامة فإن الثقافة المنتجة للاندماج لأبد أن تكون مستوعبة لفترة تاريخية ممتدة من البعثة إلى القيامة وهي لا شك فترة طويلة بالتطورات.

وهكذا نرى أن التقابل الأول كان بين قيم الدين الموحى به من السماء وقيم القبيلة التي كانت تمثل الواقع الاجتماعي آنذاك.

وبناء على العوامل التي أسلفناها فإن هزيمة سريعة وقعت بالقيم القبلية لصالح الدين الجديد لأسباب منها:

١ - أنّه يلتقي مع الموروث.

٢ - أنّه يلتقي مع الفطرة الإنسانية.

٣ - ضعف المقابل القبلي.

ومع ذلك فإن الانتصار السريع لم يكن يمثل انتصاراً نهائياً لأن الوعي القبلي الذي عمره عدة قرون لا يمكن إلغاؤه خلال الفترة القصيرة التي عاشها النبي - صلى الله عليه وآله - بعد البعثة فلا بد من ترسيخ هذا الوعي وتركيزه لكي يستوعب العرب ويخلق لديهم أعمق حالات الوعي وليخلقوا بدورهم حالة نامية منه لدى الأمم السابقة والشعوب الأخرى.

بينما نرى أن أغلب الناس يتفقون على أن الانكفاء قد حصل بعد ثلاثين سنة فقط من تجربة التطبيق أي أن الأزمة الحالية والتعدد المعاصر يعود إلى اندماج ناقص وقع في هذه السنين يقرّ به أغلب المهتمين بالتاريخ الإسلامي على تعدد

مشاربهم الفكرية، فالدكتور حليم بركات يقول في كتابه المجتمع العربي المعاصر (ص ٢٢٦):

(تحولت الثورة مع الوقت إلى مؤسسة ومملكة وذلك خلال ثلاثين سنة فغلبت الدولة وسخرت الدين كما سخرت القبيلة لغايتها)

فالكاتب المحسوب على الاتجاه العلماني يقول: أن الثورة التي أطلقها الوحي تحولت إلى مؤسسة سخرت الدولة والقبيلة لغايتها كما سخرت الدين أي استخدمته لأغراض غير أغراضه.

وبغض النظر عن المؤاخذات على هذا القول فإنه يقر بالانفصال بعد ثلاثين سنة وبروز القبيلة إلى جانب الدولة وتسخير الدين بدلاً عن الخضوع له.

أما الدكتور عبد الحميد وهو محسوب على الاتجاه الإسلامي فإنه يقول في كتابه: (أزمة العقل المسلم) الصادر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي: أن من أهم ما يجدر التنبيه إليه في مقام فهم ظاهره التاريخي هو أهمية فهم جذور نشاتها التاريخية فأصل هذه الظاهرة بداً حين حدثت الفرقة بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية للأمة وذلك في أعقاب الفتنة التي اجتاحت عهد الخلافة الراشدة نتيجة الصراع بين قيادة دولة الخلافة الراشدة والعصبيات والتوجهات القبلية البادية العربية وما تبعها من حركات الردة والعصيان السياسي المتكرر منها والذي انتهى إلى المواجهة السافرة بين رجال دولة المدينة الملتزمين بسياسات الإسلام العامة، كأمثال الحسين بن علي وعبدالله بن الزبير ومحمد ذي النفس الزكية وزيد بن علي وسواهم (رضي الله عنهم أجمعين) [٧].

وفي هذا القول إشارة إلى الانقسام بين اتجاه سياسي وآخر فكري وهذا نفسه يعني التعدد الذي سيفاقم فيما بعد ويتحول إلى مذاهب وآراء وعقائد ستصارع فيما بعد لتكرس التراجع وينشأ عنها التفكك وبعبارة أخرى الأزمات المعاصرة.

ومن هنا فأننا نلاحظ أن الاندماج الذي كان يفترض فيه الاستمرار حتّى يستوعب الإنسان وحتى يوم القيامة تعثر بعد ثلاثين سنة ولم يتواصل، أي أن الاندماج ظل ناقصاً.

لأننا كما قلنا كان الاندماج يعتمد على الوعي كعنصر أساسي بحيث أن طبقة اجتماعية ما تظل منتجة لمنط خاص من الوعي يوائم كلّ عصر ومصر وهي لذلك قادرة على إنتاج الجديد دون إغفال الأسس والثوابت التي يريدها الوحي.

ونحن نعلم أن هذا النمط لا ينتج بدون حالة مقدمية تهيء لإنتاج هذا الوعي وهي ما نسمية بالاعتراف وكل ذلك لابد أن يأتي من خلال برنامج إذ لا يمكن أن يسيطر الإسلام على كلّ الأرض وكل إنسان، والى يوم القيامة بدون برنامج.

وعلى صعيد الواقع رأينا الإسلام قد بشر بأنه سيوحد البشرية ويقيم حكومة العالم الواحد ولم يبشر بذلك فقط بل سعى فعلاً لأن ينجزها على يديه مشعرا بوجود الاستعداد الكافي لدين من ناحية الوسائل والأدوات و إلاّ كانت ادعاءات توحيد العالم مجرد أماني وأحلام ورغبات لا يصدقها الواقع المعاش وهذا لا يجعل للإسلام فرقاً عن الأيدلوجيات الأخرى التي تدعي مدعيات كثيرة ثم تعجز عن تنفيذها لوجود قصور طبيعي فيها، الأمر الذي لا يصح افتراضه بالنسبة لوحي الله الكامل والمعصوم.

ولهذا فإن افتراض العكس يعني أن الله أنزل وحياً غير متكامل طبقة المسلمون ووصلوا إلى المأزق والأزمة العالمية الحالية وهذا يستحيل على الله فيقتضي أن نفرض الكمال في الوحي وهو ما نصت عليه الآية؟ اليوم أكملت لكم دينكم؟ [٨].

وان أحد أشكال الكمال يفترض الأعداد وضع البرامج للتنفيذ لإنجاز الأهداف.

وعليه فإن الإسلام افترض سبيلين للوصول إلى الأهداف:

الأول: هو المباشر وعن طريق اتباع البرنامج الموحى به من السماء والذي لا مناص من بلوغ نتائجه في حال تطبيقه أما إذا لم يطبق فإن الله بالغ أمره ولكن عن طريق غير مباشر وبواسطة الاحتياطات التي وضعها الوحي أيضاً والفرق بين الاثنين هو طول المدة والتعاسة التي يدفعها البشر في الطريق غير المباشر.

ويبدو أن الوحدة التي أرادها الإسلام قد جاءت إرهاصاتها في عصرنا الحاضر، وهانحن نرى العالم يسير نحو الوحدة قسراً وبات ما عرف من عالم (القرية الكونية) على مرمى حجر. ولكنها وحدة يريد الغرب بناءها على أساس القوة المادية وبالاعتماد على القهر المادي وفرض الفكر المادي التبريري المسوغ والاتصعاف للاستغلال والقهر.

فالإسلام إذن فعل فعله على صعيد التاريخ سواء كره المشركون أو رضوا حين قال بوقوع الوحدة.

وأن الخطورات التي اتخذها والبذور التي زرعها قد نبتت ولكن ليست بالشكل الذي يريده الإسلام لأنه أراد وحدة تتم على يديه وبواسطة أفكاره، وعبر الوعي الاندماجي المستند إلى دين الله.

فعندما اختار أمة بكراً تصرف في أغلب معالمها وقفز في غفلة عن الحضارات التي كانت تؤول إلى انطفاء، ليفر ويترك لها أن تزرع أفكاره وعقائده في عقل الإنسان وفي دنياه كلها فإنه يكون قد وجه التاريخ بالوجهة التي يريد بغض النظر عن رضا الناس أو رفضهم.

وهكذا نجد الوحي دائماً مؤثراً ولكن تأثيره يتفاوت، فالمناطق القريبة من الوحي تتأثر بدرجة أكبر بينما لا تنتفع مناطق أخرى إلاّ من بعض نتائجه.

لقد سعى الإسلام بقيادة الرسول - صلى الله عليه وآله - لإنجاز آخر حلقات التطور الإنساني على يديه وهو على وعي كامل بالآثار التي سيؤديها على صعيد المستقبل وهو حين أخبر ببعض الأخبار لم يخبر بها من باب التمني بل لعلم الله بكافة النتائج المترتبة على وصول كتاب كالقرآن الكريم إلى الإنسان.

ولهذا خطط لحصر هذه الآثار بين يديه وعدم السماح لها بالانتقال إلى بقية أقطار الأرض إلاّ بعد أن يهيء الموانع اللازمة لمنع الانحراف ولهذا فإنه وضع برنامج يعتمد على عنصرين الأول هو (الاعتراف) والثاني هو (التركيز).

فالاعتراف هو عملية إخضاع الناس موقتاً كضرورة لتنفيذ الوحي ونشره في كلّ الأرض.

والثانية: عملية التركيز أي عملية تطوير الوعي البشري بأهداف الوحي ومراميه وإزالة المعوقات النفسية والفكرية التي تحول دون وصول الإنسان إلى هذا الوعي الضروري لأداء الوحي لمهامه.

ومن الواجب الإشارة إلى أن التركيز على الاعتراف كان ضرورة لأنه بدون الاعتراف لا يمكن مواصلة عملية تركيز الوعي ولهذا رأينا أن الوحي خاض صراعات سريعة ومتواصلة فبعد السيطرة على المدينة وتأسيس أول كيان سياسي عقائدي كان لأبد من تأمين المدينة بالسيطرة على مكة لإلغاء التهديد المتواصل الذي تمثله مكة ثم أردف ذلك بمحاولة الحصول على اعتراف العرب في الجزيرة للحفاظ على خضوع مكة ونفهم ذلك من خلال اشتراك المكيين في حرب ضد القبائل بعد عدة أيام من دخولهم في الإسلام قهراً بحيث أن بعض المقاتلين كانوا لا يزالون يضمرون العداء للإسلام وآمن البعض إيماناً سطحياً لم يلامس أعماق قلوبهم التي تشكلت في إطار الشرط إذ لا يعقل تحولهم إلى أنصار مخلصون بمجرد خسارتهم لمعركة زال فيها ملكهم.

وهكذا وجدت العقيدة نفسها أمام سلسلة صراعات متوالية تصاعدية فبعد إخضاع الجزيرة لزم إخضاع الإمبراطوريات لتأمين الجزيرة العربية معقل الدين الجديد ومن هذه الزاوية نفهم إصرار النبي - صلى الله عليه وآله - واهتمامه بإنفاذ حملة أسامة.

وكان من اللازمة أن يتم دعم عمليات الاعتراف بعملية التركيز أي إنتاج مستلزمات الاندماج وتقوية الأواصر التي يعتمد عليها بناء الأمة والتي أهمها كما قلنا هو الوعي.

وهذا ما نسميه بالاندماج الناقص لأن الأمة الإسلاميّة كانت تتأسس على مرحلتين:

الأولى: مرحلة التأسيس التي تعتمد الاعتراف ويكون فيها للوعي دور معين على أن يتزايد هذا الدور تدريجياً حتّى تنتهي الأمة إلى توفير طبقة واسعة من الواعين للوحي تفسيراً وفهماً وتطبيقاً لتحول بين الأمة وأي محاولات ارتداد أو تحريف أو تفكيك وقيام تعددية مذهبية وفكرية واعتقادية ساهمت بشكل مباشر في صراعات أدت في النهاية إلى تراجع ونكوص أي أن الوحي ومقاصده ومراميه سيصبح واضحاً لا يمكن لأي (فقيه) (أو سلطان) أن يضيف إليها أو يحذف منها كما حصل بعد فترة قصيرة من تأسس المجتمع انتهاءاً بالمأزق الحالي حيث استجدت طبقات تدعو إلى إلغاء الوحي من حياء الأمة (المتغربين).

وهذا الوضوح والتركيز كان يجب أن يمتد على نطاق عالمي لأن الإسلام لم يرسل للشرق خاصة وبالتالي فإن توقف الإسلام سمح باستمرار الغرب على تراثه الحضاري القديم فلما انتقلت إليه المنجزات العلمية الإسلاميّة تحوّل إلى قوة مادية هائلة غير منضبطة بالضوابط التي جاء بها الشرع مسفرة عن قيام أخطر مأزق تمر به البشرية خلال كلّ تاريخها.

ولهذا فإن الاندماج الناقص سيكون هو السبب وراء مشكلات وأزمات العالم اليوم بأقطاره الأربع لأنه مسؤول عن تعطيل الشرق وهو مسؤول أيضاً عن تحول الغرب إلى قوة مادية بمعزل عن القيم.

الاندماج الناقص:

الاندماج الناقص كما أشرنا يعني التوقف في البرنامج الإلهي لبناء الأمة والسماح لبعض القيم القديمة في النفوذ إلى البناء الجديد من خلال استبعاد القادة المستوعبين لمرامي الوحي والقادرين على نقله إلى الناس أجمعين فضلاً عن وضع الحلول للمستجدات وتوجيه التطورات بالطريق الذي يريد الله له أن يتوجه فيه.

وعليه يتجلى الاندماج الناقص من خلال بعدين:

الأول: إبعاد القادة الواعين بمرامي الوحي.

الثاني: إبعاد النص والانفلات عنه إلى سواه.

ولهذا فإن الحل يتضمن معكوس هذين البعدين ولأننا نعلم بأن الله بالغ أمره وأنه سيظهر دينه على الدين ومن خلال نفس ما أشرنا إليه من إبداعه لقوى وبذور ستتفجر عاجلاً أو آجلاً.

لكن هذا لا يعني أن نقف بالانتظار بل نحن سنكون جزءاً من هذه البذور التي تستطيع التخلص من دائرة الانفلات، ومن خلال دائرة داخلية تنتج تركيزاً عالمياً لقيم الوحي السلوكية والفكرية والتطبيقية وعلى الصعيد الاجتماعي والفردي.

ويمكننا أن نخلص إلى أن الحل كلّ الحل يكمن في إنتاج طبقة تعد حصيلة جهود خمسة عشر قرناً من التاريخ الإسلامي حيث سقطت كلّ الدعوات من خلال التجربة ولم يعد صعباً على الأمة اكتشاف النعرات.

فمثلاً لم يعد الاتجاه الأموي يمثل اتجاهاً مقبولاً كما إننا نجد أن الاتجاهات المعاصرة أيضاً أخذت تلفظ أنفاسها من قبيل الاتجاهات التي تؤمن بتطعيم الإسلام بأفكار من خارجه كما أن الغرب نفسه يأس من إمكانية الاتجاهات التغريبية في تطويع المسلمين لصالحه وصارت المواجهة واضحة وعلنية وهو أهم ما يعين على النصر.

ومن هنا فإن ظروف مؤاتية لبناء طبقة الوعي المركز ستعيننا على إنتاج الطبقة التي تعي المرامي العميقة للنص وتحكيمه من خلال ما يلي:

١ - الاعتماد على النص بصورة أساسية واعتماد المشترك من آليات الفهم.

٢ - معالجة نقاط الاختلاف على أنها مسألة علمية تحتاج إلى الدليل ولا نحتكم إلى المواقف الطائفية المسبقة.

٣ - مراجعة التاريخ ونقده انطلاقاً من المشتركات التي يمكن التوصل إليها سواء كانت أحداثاً أو روايات أو رجال ثم اعتماد ذلك في كتابه تاريخ مشترك يعلو على تاريخ الطوائف.

٤ - إنتاج نظريات سياسية معاصرة لحل مشكلات الواقع المعاشي يمكن أن تتبنى من قبل جميع المسلمين.

٥ - إعادة إنتاج الآراء والعقائد بأسلوب معاصر وعالمي وخطاب موحد للإنسانية.

٦ - إيجاد روابط بين المؤمنين بالاتجاهات المنتجة كمقدمة لاندماج جديد.

٧ - عدم التخلي عن إنجاز الاعتراف من باب المقدمة أيضاً حتّى على صعيد فردي.

خاتمة:

ويمكننا أن نراهن على أن اتساع هذه الطبقة واتكائها على المشترك كأرضية لاندماج جديد يحاول الاقتراب من النص الذي غلبت عليه الإضافات والتفاسير من خلال المراحل السابقة من التطور الإسلامي ثم التصاعد نحو الوحدة النهائية دون التفريط بالاعتراف باعتباره مقدمة لكل ما ننوي إنجازه لا يمكن بدونها بل العكس سيكون هو الممكن سيقود إلى حالة تصاعدية من النمو.

لأننا ورغم الغلبة الغربية التي نراها اليوم يمكننا أن نتحرك في الآفاق التي لا يمكن له الحركة فيها بل أنّه فاشل تماماً وأهمهما دائرة العقيدة التي خطط لأزالتها لمدة ثلاثة قرون وانتهى إلى الإقرار بالفشل الذريع شرقاً وتظل أهم الثغرات في أساس المجتمع الغربي الذي لا يزال يوماً بعد يوم يتحسس حاجته إلى العقيدة الإلهية والى الارتباط بالسماء وأن كلّ ما يقدم له كبدائل لا يسد هذه الحاجة.

وأخيراً علينا أن لا نخشى البطش الذي سيواجهنا به الغرب لأنه سوف لا يمتلك شيئاً عداه.

١ - حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر: ١٤، مركز دراسات الوحدة العربية.

٢ - علم السياسة، الدكتور حسن صعب: ٣٢٧.

٣ - حليم بركات٥٩، المجتمع العربي المعاصر.

٤ - تاريخ اليعقوب ١: ٢٢٥، عن دار الثقافة والنشر، قم - إيران.

٥ - مجلة دراسات عربية، الجوامع المشتركة بين الأصوليات الإسلاميّة المعاصرة، رجاء (روجية) غارودي، تعريب جليل أحمد خليل: ١١.

٦ - تاريخ اليعقوبي: ٢٥٤.

٧ - أزمة العقل المسلم، الدكتور احمد أبو سليمان: ٣٩.

٨ - سورة المائدة: ٣.



[ Web design by Abadis ]