ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 النظام العالمي الجديد \ الدكتور خضير جعفر

يمثل المشروع السياسي الغربي في ظل النظام الدولي الجديد أحد أخطر التحديات لعالمنا الإسلامي المعاصر، منطلقاً من نزوع الإنسان الغربي للهيمنة والتفوق وإلغاء الآخر ومتكئاً على ما يمتلكه الغرب من مؤسسات إعلام ذات إمكانيات هائلة ومراكز بحوث متطورة وقوى مادية جبارة وذلك بسطاً للنفوذ وتحقيقاً للمصالح والفوائد والعوائد فوق أرض يستعصي أهلها على التبعية والانقياد، ولذلك يخشى الغرب الإسلام الذي يرفض التطويع والاستخدام ويدعو إلى الاستقلال السياسي والحضاري والاقتصادي.

وتندرج مصادر الخوف الغربي من الإسلام فيما يلي:

١ - عقدة التاريخ الكامنة في الوعي الأوروبي الذي كتبت مفرداته ثقافة نافرة من الإسلام وأهله منذ الحروب الصليبية في القرنين الحادي عشر والثاني عشر للميلاد وما صاحبها من تشهير واسع النطاق بالإسلام والمسلمين عبأت أوروبا ضده بحيث يمكن مطالعتها بشكل سافر في الموسوعات والكتب الدراسية

المستخدمة في مناهج التعليم حالياً وبما يعني أن حملة تثقيف واستعداد ضد الإسلام والمسلمين لا زالت تمارس حتّى يومناً هذا في المؤسسات الثقافية والتعليمية الأوروبية فتعبئ الأجيال بالحقد والخوف والكراهية ضدنا يتساوق ذلك مع جهل مطبق بحقائق الإسلام وتعاليمه السمحاء النيرة وهو ما أكدته إحصاءات الرأي العام في أوروبا عموماً والولايات المتحدة بشكل خاص يضاف كلّ ذلك إلى ما يترشح من التعصب الديني الذي تتلبس به بعض الدوائر الكنسية كلما استحضرت ودخول العثمانيين القسطنطينية أو تذكرت فتوحاتهم التي هددت أوروبا، أو كلما أوحت لها نظرتها القائمة للمسلمين الّذين لا ترى فيهم - على أحسن التقادير - غير قطعان بشرية غارقة في الضلال لابد من التبشير في أوساطهم لهدايتهم وكأنهم وثنيون لا يفهمون ألفباء التوحيد ولا تعاليم رسالات السماء.

٢ - لقد أنشأ سقوط الاتحاد السوفيتي المفاجيء فراغاً في الوعي السياسي الغربي فصار يبحث عن عدو آخر يوجه ضده الحشود التي عبأها والأحلاف التي عقدها والاستراتيجيات التي تبناها في مواجهة الاتحاد السوفيتي وقد وجد الغرب السياسي ضالته في الإسلام ليخلق منه في أذهان الغربيين عموماً عدواً بديلاً يستثير العزائم والهمم ضده، وقد كانت الدراسة التي نشرها عالم السياسة الأمريكي صموئيل هانتنغتون بعنوان "صراع الحضارات" تعبيراً عن ذلك الاتجاه وتنظيراً له، ضاعف من ذلك الخوف وأسس له الدور الفاعل للأعلام الصهيوني المروج لمقولة الخطر الإسلامي حيث جندت إسرائيل والصهيونية العالمية كلّ أبواقها الدعائية كي تلقي في أذهان الغربيين بأن رسالتها تتمثل اليوم بحماية المصالح الغربية في مواجهة ما تسميه بـ "الأصولية الإسلاميّة"كما تمثلت بالأمس في مواجهة المد الشيوعي، وقد نجح هذا الأعلام المتعدد القنوات في التأثير على الرأي العام الغربي ومن ثم في تعاطيه مع الإسلام والمسلمين ولم يكن الأعلام الصهيوني وحده في ميدان الدعاية المعادية للإسلام وإنما عضده الأعلام الأوروبي عموماً والأمريكي بشكل خاص حيث أسهم وبشكل جاد في تشويه الصورة الإسلاميّة من

خلال تركيزه على ما يثير الغربيين من ممارسات خاطئة يرتكبها بعض المسلمين حتّى لم يعد الغربيون قادرين على التمييز بين الإسلام والممارسات اللامسؤولة التي يقترفها المسلمون وقد تعامل الأعلام الغربي بمهارة في هذا الميدان من خلال الإلحاح اليومي والإثارات السلبية المدروسة فبث في أعماق النفوس شعوراً بالخوف والتوجس والنفور من كلّ ما هو إسلامي أو يمت إلى الإسلام بصلة فصار الوعي العام الغربي أسير اللافتات والصور التي تفنن الأعلام المعادي للإسلام في صياغتها وإبرازها.

٣ - الطبيعة الاستعلائية والاستبدادية للمشروع الحضاري الغربي والنظرة الفوقية للإنسان الأبيض الذي يرى في نفسه الأفضل والارقى والأولى بالحياة مما صيّر من الغربيين أناساً يصنفون "الآخر" في قائمة التخلف السوداء إن لم يحكموا عليه بالإبادة المادية والحضارية وكما فعله الأوروبيون المهاجرون إلى أمريكا بالهنود الحمر، السكان الأصليين لتلك الأرض، ويشهد على هذا التوجه ما كتبه فرنسيس فوكويا ما تحت عنوان "نهاية التاريخ" والذي تعامل مع الآخرين بمنطق الإلغاء والنفي وتتويج الحضارة الغربية على عرش الكون، تلك الحضارة التي لا تؤمن بشرعية غيرها ولا بالتعددية على الساحة الدولية وإن نادت بضرورتها على الصعيد المحلي والإقليمي ذلك لأن الحضارات الأخرى في القاموس الغربي لا تستحق إلاّ أن تكون في الدرجة الثانية والثالثة فما دون وهي في أحسن حالاتها لا ترقى أن يكون نداً لما أنتجه الإنسان الأبيض من رؤى وأفكار وحضارة.

ولذلك يصرّ المشروع الحضاري الغربي على احتواء الآخر وسحقه فيما تستعصي الحالة الإسلامية على الاحتواء ويقف الإسلام متحدياً ذلك الإصرار زارعاً في نفوس معتنقيه بذور الحصانة من الاحتراق ومشاريع الاحتواء ومحاولات الإلغاء وهو موقف يميز الإسلام عن غيره من الحضارات والمدارس الفكرية العاجزة عن مقاومة التطويع والتطبيع ولعل ذلك هو السبب في ما تعانيه الأقليات الإسلاميّة في الدول الغربية وكما يتجلى ذلك على الأرض الفرنسية التي تصرّ حكومتها على تذويب المسلمين في المجتمع الفرنسي وإلغاء هو يتهم الثقافية

والحضارية فيصمد المسلمون هناك بإصرار أمام التذويب الأمر الذي لا يملك معه الأعلام المنحاز إلاّ مواصلة النقد للإسلام والتشهير، بأهله باعتبار موقفهم موقفاً معادياً للحضارة الغربية وليس لأن الإسلام مبدأ يمتاز بالاستقلالية ويستعصي على الاحتواء والتذويب، وفي إزاء ذلك لابد من الاعتراف بأن المسلمين عجزوا عن تقديم أنفسهم للعالم بالشكل الحضاري الصحيح السليم والمقبول كما عجزوا عن أن يقدموا نموذجاً عملياً مقنعاً على صعيد الصناعة والزراعة والإنتاج والتكنولوجيا واكتفوا بالتشنيع بالغرب وما فيه دون أن يعطوا بديلاً لما يشنعون به من أفكار غربية عبر خطاب رشيد، فصار التخلف الذي يغط فيه عالمنا الإسلامي أقوى أدلة الإدانة التي يمتلكها خصومنا في ساحة يتسابق فيها الآدميون نحو الرقي ويقطعون أشواطاً كبيرة في هذا المضمار.

٤ - لقد ساهمت بعض الأنظمة الحاكمة في العالم الإسلامي في تغذية الغرب بأسباب الخوف من الإسلام وبذلوا جهوداً كبيرة في اقناع المسؤولين الغربيين بخطورة الحالة الإسلاميّة المتنامية في العالم الإسلامي وما تمثله تلك الحالة المتصاعدة من تهديد جدي لمصالح الغرب ولاستقرار البلدان التي تتنامى فيها الصحوة الإسلاميّة كما أن صحف الغرب ووسائل اعلامه تعج باستغاثات المثقفين العلمانيين وهم يستنجدون بالغرب للتدخل في ايقاف الزحف الإسلامي دفاعاً عن الحضارة الغربية المهددة وهم بذلك يرمون عدة عصافير بحجارة واحدة فهم بذلك يوحون للغرب أن بقاءهم في السلطة مدة أطول يعني ديمومة المصالح الغربية التي سوف يأتي عليها البديل الإسلامي أولاً وهم يغطون على فشلهم الذريع في تنمية المجتمعات والدول التي حكموها ثانياً ومن ثم يسعون إلى التهرب من حل مشكلات مجتمعاتهم المستعصية ثالثاً وتضليل الرأي العام العالمي كي لا يقول كلمة نقد تجاه سياساتهم القمعية ومصادرتهم للحريات واستخفافهم بحقوق الإنسان رابعاً وهم هنا يبررون فشلهم هذا بانشغالهم في مواجهة الإسلاميين والخطر الإسلامي وبذلك تتغذى هذه الأنظمة الفاشلة على حساب الجماهير ولو بالارتماء في الحضن الغربي والص

هيوني وكسب ودّه بأي ثمن مما

يفقدها مصداقيتها وشرعيتها إن كان لها قدر من الشرعية لقد أفرزت كلّ هذه الهواجس والتفاعلات إشكاليات عدة في العالم الإسلامي كان النظام العالمي الجديد مظلة لها والولايات المتحدة الأمريكية رأس الحربة فيها أهمها:

١ - فرض منظومة من القيم الرأسمالية الليبرالية تمثلت باقتصاد السوق ومقولات حقوق الإنسان والتعددية السياسية وتتضمن محاولة الفرض هذه إلغاء ما سواها وبما يعني الشطب على الخصوصية الثقافية والحضارية للعالم الإسلامي الأمر الذي يجعل الساحة مفتوحة على رياح تحدٍ خطيرة تعصف بالاستقرار وتهدد بحرب حضارية أو جدت ظروفها قناعة أمريكية بتفوق حضارتها وسقوط المعسكر الاشتراكي وشعور الأنظمة الحاكمة في العالم الثالث بالحقارة والدونية إزاء هذا القطب المتفرعن وحده على الأرض كلها وهو ما يضع العالم الإسلامي أمام مواجهة لا مفر منها مع الغول الأمريكي لمقاومة الإلغاء والتطويع من جهة ومع الأنظمة التي تدور في فلكه لمقاومة التطبيع من جهة أخرى، وبما يعني لأبدية التعاطي مع الواقع الجديد بثقة عالية بالنفس والمبادئ والإمكانات لإثبات الوجود الحضاري ومن ثم اقتسام الساحة الفكرية العالمية عبر الطرح العلمي والموضوعي الذي يعكس التوجه الإسلامي الرائد والإسهام الجاد في رسم مسارات الفكر الإنساني كرد عملي على محاولات الإلغاء والتذويب والإقصاء والانزواء وهذا ما يدعو إلى العمل الجاد للتمرد على ما يراد لعالمنا أن يستسلم له وهو بلا شك عمل معقد ومسؤولية صعبة

وثقيلة لكنها حياتية وضرورة لا محيص عنها ولا بديل.

٢ - السعي لنزع سلاح العالم الإسلامي وإجباره على إعلان الاستسلام ورفع الرايات البيضاء من خلال انتهاج أمريكا سياسة انتقائية إزاء قضايا ضبط السلاح فبينما تمارس ضغوطها المختلفة على الدول الإسلاميّة للحيلولة دون امتلاكها سلاحاً نووياً للدفاع عن النفس تترك المجال للكيان الصهيوني كي يطور ترسانته النووية وبمساعدة أمريكية وفيما يفرض على دول العالم الإسلام التوقيع على ميثاق حظر السلاح الكيمياوي وكما حدث في تموز عام ١٩٩١ لا يطلب من إسرائيل ذلك، وهو ما يدعو العالم الإسلامي إلى تبني ستراتيجية موحده لبناء قوة

ذاتية للدفاع و إلاّ فإن ميزان القوى في المنطقة والعالم يتجه في غير صالحها وبما يجعلها عاجزة عن العيش بعزة وكرامة عند نشوب أية حرب مفروضة عليها.

٣ - تغذية الصراعات الداخلية وإطالة أمدها كما هو الحال في البوسنة والسودان وأفغانستان واليمن واستعداء الأنظمة ضد شعوبها وبأساليب ماكرة كما في العراق ومصر والجزائر وتأجيج نار الحروب بين بلدان المنطقة الإسلاميّة وتحريض بعض الأنظمة ذات السلوك العدواني والأطماع التوسعية ضد جيرانها كان قد أفرز حرب الخليج الأولى بين العراق والجمهورية الإسلاميّة والثانية بين العراق والكويت ثم حرب آذربايجان وأرمينيا فيما أبقت الكيان الصهيوني يصول ويجول في المنطقة دونما ردع أو منع وفيما تدور طاحونة الصراعات الداخلية والتهديدات الخارجية تكون المنقطة قد استنزفت كلّ طاقاتها وخيراتها فيما لا طائل معه ولا نفع فيه فضلاً عما تسفر عنه حالات التوتر من آثار سلبية على مشاريع البناء والتنمية والتقدم والاستقرار الأمر الذي يضع العالم الإسلامي في مثل هذه الأوضاع الملتهبة أمام جملة مهام أساسية لابد من السعي لتحقيقها رغم كل ما يقف في الدرب من عقبات وصعاب وأهم تلك المهام:

أ - العمل الجاد على تبني وإرساء صيغة سليمة للآمن الجماعي لعموم العالم الإسلامي.

ب - تطوير نظم وقواعد التسوية السلمية للمنازعات بين الدول الإسلاميّة لحل خلافاتها فيما بينها دون تدخل أجنبي بفرض إرادته وهيمنته على الأمة والمنطقة كلها تحت ذريعة إعادة الهدوء وتوفير الأمن.

ج - المبادرة لبناء وتأسيس منظمة إسلامية عامة أو تطوير المنظمات القائمة كمنظمة المؤتمر الإسلامي وبما يؤهلها للنهوض الحقيقي بالمهمات والمسؤوليات المناطة بها وبما يتلاءم ومتطلبات الأوضاع الدولية الجديدة.

٤ - استطاعت الولايات المتحدة وبشكل سافر فرض هيمنتها على المنظمة الدولية وقراراتها بحيث صار من السهل على أمريكا أن تجر الأمم المتحدة باتجاه قناعاتها المنطلقة أساساً من المصالح الاستعمارية والشعور بالفوقية والاستعلاء

بعيداً عن أي معيار أخلاقي فإذا ما أرادات استصدار قرار هيأت الأجواء للتصويت عليه، وكما حدث في حرب الخليج، وإذا ما أرادت أن تلغي قراراً فلا تكلف نفسها بأكثر من كتابة مسودة قرار وأجراء مشاورات مع من تراه قادراً على تمريرة وكما حدث في إلغائها للقرار رقم ٣٣٧٩ الصادر عن الجمعية الوطنية للأمم المتحدة عام ١٩٧٤ والذي يساوي بين الصهيونية والعنصرية.

أن الاستقطاب الأمريكي للمنظمة الدولية واحتوائها كانت حلقاته قد اكتملت في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي وتلاشي المنظومة الاشتراكية وانتهاء دورها ككتلة موحدة داخل الأمم المتحدة وبذلك خسرت دول العالم الثالث فرصة المناورة وحرية الحركة والتعبير عن الرأي التي كانت توفرها لها تناقضات المعسكرين الغربي والشرقي هناك، الأمر الذي يتطلب من الدول الإسلاميّة بشكل خاص ودول الجنوب بشكل عام أن تمارس قدراً من الفصل الناشط داخل المنظمة الدولية لتقوية دورها والأخذ بيدها للخلاص من ورطة الخضوع للقناعة الأمريكان وإنقاذها من أسر القطب الواحد، وإلا فستظل المنظمة الدولية أداة بيد الأمريكان لتمرير مخططاتهم وتحقيق مآربهم أما مواجهة الحالة الخطيرة هذه بالرفض والانسحاب والإدانة فليس أكثر من انزواء عن الميدان العالمي ولعن للظلام في عالم أحوج ما يكون لإضاءات شموع الأمل إذ لا مكان في هذا العالم للسلبية في ساحة ملتهبة ساخنة بصراع الارادات ولعل هذا الموقف ليس إلاّ تهميش لدور العالم الإسلامي في ساحة التحولات الدولية أما الركون للواقع المر فهو الآخر لا يعني إلاّ التبعية والانسحاق وتحمل استحقاقاتهما وبما لا يخدم المصالح الذاتية لشعوب المنطقة وبلدا

نها التي لن تكون اكثر من أسواق لمنتجات الصناعة الغربية ومواطن لنهب خيرات المنطقة التي لا تكتفي - في أحسن الفروض - لتسديد ديونها المستحقة وبما يرمي المنطقة وشعوبها في وهدة التخلف والاستلاب التي لا أمل في الخلاص منها، وحسب المرء أن يطالع الإحصائيات التي أفاد بها تقرير التنمية البشرية لعام ١٩٩٣ حول تردي الأوضاع الاقتصادية ليدرك عمق الكارثة التي تحل بعالمنا الممتحن، فلقد انخفض الناتج القومي للدول النامية من ٢ و٣٢ % من

الناتج القومي العالمي لعام ١٩٧٩م بحيث وصل عام ١٩٩٠م إلى ٦ و ١٥% وهو تراجع خطير يزيد من مسافة الهوة بين هذه الدول المتعبة ودول العالم المتقدمة، كما انخفض معدل دخل الفرد هنا من ٥ و ٩% عام ١٩٨٢ إلي ما مقدار ٤٠ و٦ % عام ١٩٩٠ وذلك قياساً بمعدل دخل الفرد في الدول الغنية وليت الأمر قد توقف عند هذا الحدّ من التردي وإنّما الخطورة تبدأ من هنا حينما تلقي مثل هذه المعدلات المتسارعة نحو الهبوط بظلالها على المجتمع فتفرز من النتائج الاجتماعية والأمنية والأخلاقية والأقتصادية والسياسية والصحية ما هو أخطر واضر الأمر الذي يضع العالم الإسلامي كله أمام تحديات جمة لا تواجه بالسلبية وعدم الاكتراث وإنّما لابد لها من العمل الجاد وعلى كافة الأصعدة للخلاص من ويلاتها ونتائجها.

ومما يدعو إلى التفاؤل في هذا الصدد هو أن الغرب ليس عالماً منسجماً يسوده الوئام الفكري والمصلحي مما يجعل الباب مفتوحاً أمام طرح العديد من البدائل والاحتمالات عبر مدّ جسور الحوار والعلاقات مع بعض الدول الغربية بحثاً عن خواصر ضعيفة في الوضع الدولي لاختراقه وايجاد الثغرات في السدود والقيود التي يراد لها أن تطوق حركة المسلمين وتضعف قواهم، خاصة وأن تناقض المصالح في بلدان العالم الرأسمالي من جهة وظهور الصين وروسيا واليابان كقوة منافسة من جهة ثانية والهاجس الأمريكي من الوحدة الأوروبية وما ستتمخض عنه تلك الوحدة من آفاق من جهة ثالثة تنبئ كلها عن أن لحظة تاريخية أخرى تلوح في الأفق قد تخلف اللحظة التاريخية التي تتربع فيها الولايات المتحدة على عرش الهيمنة العالمية في هذه الحقبة التي لا نعتقد بأنها القدر الذي لا يزول ولا أن أمريكا هي الإله الذي لا يفنى أن التحولات العالمية المتسارعة خلال القرن الجاري أثبتت وبالوقائع والأرقام أن لا ثوابت في عالمنا وأن لا خلود لوضع أو نظام وفوق هذا وذاك أننا على يقين بأن لله تدبيراً آخر غير ما يدبرون وتدبيره سبحانه هو وحده النافذ ولله الأمر من قبل ومن بعد ولله عاقبة الأمور وأن يقيناً كهذا هو

بلا شك رصيد عظيم لأمة لأخيار لها سوى مواجهة التحديات واثبات وجودها في عالم لا يقوى فيه الضعفاء والمتشائمون على تحقيق الأماني

والآمال المشروعة ومن هنا تأتي أهمية وجدوى التفكير الجاد في طرح البدائل واقتراح السياسات التي يمكن من خلالها التعاطي مع إشكاليات النظام العالمي الجديد شريطة أن ينطلق ذلك التفكير من زاوية تحملها بمسؤولية معالجة قضايانا وتبنيها والدفاع عنها وليس من منطلق تكليف الآخرين في الذود عن حقوقنا واستجداء عطفهم واستدرار مشاعر الخير في عالم لا يحترم فيه غير المبادر الكفوء، خاصة ونحن أصحاب حضارة رائدة تؤهل حملتها للدخول في معترك الصراع الحضاري والتعاطي مع العالم بكفاءة عبر حوار حقيقي مع حضارات الدنيا لاستكشاف نقاط الاختلاف والائتلاف معها، وليس من خلال اعتزال العالم والانكفاء على جزيرة الذات المغلقة.

إننا لا نخشى الانفتاح على العالم الغربي حضارياً بسبب واضح جلي تتحدث فيه الأرقام عن إرهاصات سقوط تلك الحضارة المادية البائسة التي نهش الانحلال المعنوي والأخلاقي بنيتها الأساسية وشهدت على ذلك زيادة معدلات الجريمة وتصاعد وتائرها ويكفي في هذا الصدد أن نثبت ما سجلته دوائر الشرطة في نيويورك وحدها عام ١٩٨٩م تاركين ما لم تضبطه سجلات البوليس وهو بلا شك اكثر مما تدونه السجلات الرسمية:

فهناك حادث اغتيال في كلّ خمس ساعات وانتهاك حرمة امرأة كلّ ثلاث ساعات واعتداء على شخص كلّ ثلاث دقائق وهذا يعني حدوث ٧١٢٤١٩ جريمة منها:

١٩٠٥ حوادث اغتيال.

٣٢٥٤ حادث انتهاك.

٩٣٣٧٧ عملية سطو في الشارع.

يضاف إلى كلّ ذلك وجود ١٤ مليون مدمن ومدمنة على المخدرات في الولايات المتحدة وحدها ومعهم حيوانات بشرية تفوق هذا العدد بلا هدف ولا مستقبل أما كلمة (لا مستقبل) فقد صارت شعاراً يكتبه (الپونكز) على قمصانهم ليذكر بتشنجات وانحلالات الانحطاط الروماني في أسوأ ساعاته.

أن حضارة منهارة لا ينتظر منها غير ما أفرزته على أرضها كما لا نستغرب أن تسفر هيمنة الغرب الذي هذه هي حضارته عن إدارة مدمرة للكرة الأرضية دامت قروناً فالحفاظ بعد إزالة الاستعمار على علاقات تبعية تفرض من خلال الاستعمار الجماعي المجسد في صندوق النقد الدولي (F. M. I) وبالمصرف العالمي اقتصادات مشوهة لا ترتكز على حاجات الشعوب المغلوب على أمرها، بل ترتكز على المنتوجات الأحادية والزراعات الأحادية المخصصة للتصدير لأجل تسديد فوائد الديون أدى إلى هذه النتيجة ٥٠ مليون من الموتى جوعاً أو بسبب سوء التغذية وهكذا تفرض هيمنة الغرب الاقتصادية هيروشيما يومية على العالم الثالث.

ترى ما العمل إزاء هذا الواقع المأساوي المرّ والذي عجزت معه الحكومات والأنظمة عن مواجهة الإرادة الاستكبارية وانساقت مع التوجهات الغربية لضرورات تقتضيها الرغبة في البقاء على رأس السلطة وان تقاطعت مع خيارات الأمة التي ترفض الخضوع والخنوع لمشيئة القوى الكبرى الطامعة بثروات الشعوب وخيراتها؟ !

أن الواقع السياسي الذي أفرزه النظام العالمي الجديد ميز بين خطين مختلفين ومتقاطعين في عموم الساحة للوطن الإسلامي هما:

١ - خط الضرورات الذي عليه الرسميات في العالم الإسلامي والذي سوغ لنفسه الانخراط في اللعبة الدولية فتقبلها وتعايش معها والتزم أو الزم بنتائجها وصار جزء منها.

٢ - والخط الآخر يتمثل بخط خيارات الأمة الرافضة للتطويع والتطبيع المصممة على المواجهة والتصدي لهاذ التحدي بما تستطيع مع علمها بما لهذا الموقف من استحقاقات وضرائب، هي بذلك لا تملك خياراً آخر حينما تجد نفسها وجهاً لوجه أمام عواصف هو جاء لهجمة حضارية تستهدف وجودها وهويتها وكل عناصر القوة وأسباب الحياة.

والخارطة الجديدة بتقسيماتها المعقدة هذه وضعت الأمة بين كماشة الأنظمة الحاكمة التي تقاطعت معها ولم تعد تمثل رأيها وإرادتها وبين القوى

الدولية المتحالفة ضد الشعوب وهو أمر غاية في الخطورة والتعقيد ولكن لا سبيل معه إلى عودة أو تراجع أو رجوع وإزاء هذا الواقع لابد للأمة من تحصين نفسها عبر مشروع مصالحة داخلية ينتهي بقيام وحدة إسلامية شعبية تتسلح معه الجماهير بالوعي لا لكي تحمي نفسها فحسب وإنّما لكي تنقل معسكر الضعف والرعب إلى الطرف الآخر وهذا من شأنه أن يلقي على عاتق الأنظمة الإسلاميّة والعلماء والحركات السياسية الإسلاميّة والحوزات العلمية والمنظمات والهيئات الشعبية وكل الجماهير الإسلاميّة مسؤوليات جسام تتناسب وخطورة الموقف وروعة الخيار الذي تبنته الأمة في صراعها ضد من يسعون لإذلالها وسحقها وإلغاء تاريخها ومصادرة حاضرها ومستقبلها.

أن تمحور الجماهير حول هذا الهدف الستراتيجي سيجعل من هذا الكم الهائل قوى ضاغطة تضطر الأنظمة الحاكمة لتغيير مواقفها المتخاذلة في هذه المعادلة السياسية غير المتكافئة فتدفعها نحو المسار الصحيح عبر إيجاد رقابة شعبية تمارسها الأمة بكل فئاتها إزاء الأنظمة وتدعوها لانتهاج سياسة منسجمة مع إرادة الأمة بكل ما يعني ذلك من تغيير في طريقة التعامل مع الجماهير ومع الأنظمة الأخرى ومع الوضع الدولي الجديد الذي لا يمكن أن يقهر أمة كما لا يمكن أن يستدرج حكومة تدعمها الجماهير وبذلك تتعطل معادلة إرغام الشعوب على تبني سياسات الأنظمة وتستبدل بمعادلة جديدة قائمة على تقييد الأنظمة بخط الأمة ومتبنياتها وتتحول مقولة (جئنا لنبقى) التي تطرحها اكثر الأنظمة الحاكمة إلى شعار (جئنا لنخدم) أو (نبقى بقدر ما نخدم) وبذلك تتخلص الأمة من اضطهاد الأنظمة حينما تشعر الأخيرة بأنها أمام تيار يتحرك باختياره وفق إيقاعات متناسقة من الوعي والوضوح في الرؤية والمصلحة العليا وبغض النظر عن التقسيم الجغرافي والإداري المصطنع إذ الأمة على امتداد مساحة الوطن الإسلامي تراقب مسار الأنظمة كلها وطريقة تعاملها مع شعوبها وترصد كلّ التجاوزات على تلك الشعوب فتتصدى لها مؤكدة

بذلك وحدة الأمة وضرورة الحفاظ على الأمن الجماعي لكل شعوبها وهو ما يجنب الجماهير محاولات الاستفراد بها في إقليم

من أقاليم عالمنا الإسلامي أن التعاون الأمني الذي تحاصر به الأنظمة شعوبها يجب أن يتحول إلى تعاون أمني شعبي تقيمه الأمة لمواجهة حالات الاضطهاد الحكومي للجماهير.

ثم أن الوحدة الإسلاميّة الشعبية تختلف تماماً عما تسمى بالوحدة الإسلاميّة للحكومات والأنظمة ذلك لأن مصلحة الجماهير تتحقق بقيام وحدتها الشعبية بينما أثبت الواقع أن تناقضات الأنظمة وتغاير مصالحها وتباين رؤاها وولاءاتها وارتباطاتها لا تسمح بأكثر من توقيع بروتوكولات خالية من المضامين ومفتقرة إلى أبسط مقومات النجاح والاستمرارية والديمومة.

أن وحدة الجماهير الإسلاميّة من شأنها أن تتمخض - بالإضافة إلى ما تقدم - عن نتائج أساسية مهمة نذكر أهمها:

١ - إنقاذ الأمة من مخاطر الانزلاق في المشاريع المذلة التي يراد لها أن تمرر عليها رغم أرادتها ومن ثمن تفادي النتائج المترتبة على تلك المشاريع والتي تستهدف حقوق الأمة ومصالحها وكرامتها ولو كان للوحدة الإسلاميّة وجود لما قدر لمهزلة غزة - أريحا أن تمثل على الأرض الفلسطينية لتصادر حقوق شعب، وارادة أمة، ولما كان بإمكان الأنظمة العربية أن تتقاطر على مدريد أو واشنطن لتوقيع معاهدة سلام مذل مع الكيان الصهيوني أنست لخطورتها مأساة كمب ديفيد وعظت على سوءة السادات المقبور أن الوحدة الإسلاميّة الشعبية بمثابة قوة ردع تحول دون تداعي الأنظمة وسقوطها في وهدة التساوم والاستسلام ولذلك ونظراً لعدم وجود قوة الردع هذه فقد تسابقت الأنظمة وتبارت للحاق بركب الهزيمة والهوان دون أدنى مراعاة لمشاعر الجماهير وأحاسيسها.

٢ - تقليص نسب التفاوت الاقتصادي والثقافي بين شعوب العالم الإسلامي كنتيجة طبيعية للإحساس بالمسؤولية التضامنية بين أبناء الأمة الواحدة وبما يقضي على الواقع الطبقي المفروض على شعوبنا التي يرفل بعضها في النعيم فيما يتضور البعض الآخر جوعاً ويعض وجوده الحرمان المميت.

٣ - إيجاد حالة من التكامل على مختلف الأصعدة الزراعية والصناعية

والاقتصادية لسد حاجات الأمة وتوطيد مبدأ الاكتفاء الذاتي من خلال سوق إسلامية مشتركة ورأسمال مشتركة يجنب الأمة شراك الاحتكارات الدولية وابتزاز القوى الكبرى التي حولت رغيف الخبز إلى مادة ستراتيجية في مجال الابتزاز والقهر السياسي وفرض الشروط على الشعوب.

٤ - ولادة مؤسسات ثقافية تستجيب لحاجات الأمة ومتطلباتها وتحصنها من عواصف الغزو الثقافي والاختراق الحضاري شريطة أن تدار تلك المؤسسات من قبل حملة الهم الإسلامي وأصحاب الوجدان الحرّ وليس من قبل موظفين حكوميين يرتزقون في تلك المؤسسات ويلتزمون بالخط الذي ترسمه الحكومات وفقاً لمصالحها وأهوائها ورؤاها.

٥ - وأخيرا وليس أخراً تنقية الأجواء مما يعكرها من تعصب قومي أو مذهبي أو إقليمي والانطلاق من فهم للمبادئ التي تصلح بالأساس أن تكون قواسم مشتركة للفهم والعمل ومن ثم الارتفاع إلى مستوى التحدي والى مستوى الأحداث والطموح وترجمة ذلك من خلال انبثاق أمانة عامة تتفرع عنها لجان عمل تجعل الأهداف العليا والقواسم المشتركة والتفاهم والإيجابية خطوط حمراء لا يمكن بحال من الأحوال تجاوزها أو التخلي عنها مهما كانت الضرورة والتنوعات وبالشكل الذي يوسع الأفق ليستوعب كلّ الرؤى والألوان المختلفة فيضمها في طيف إسلامي متجانس يجعل مرضاة الله ومصلحة الإسلام والأمة الإسلاميّة فوق كلّ حساب ويتعامل مع الواقع بروح مسؤوله وبرؤية موضوعية شاملة تحتضن كلّ مالا يتنافى وروح الشريعة ومكونات الشخصية الحضارية والثقافية للأمة، ومسؤولية كهذه تحتاج إلى طول نفس وبرنامج عمل تتعاضد على تحقيق مفرداته وتنفيذ بنوده أجيال من المخلصين لأنه ليس فورة انفعال ولاردة فعل متشنجة وإنما هو مشروع حضارة يستدعي توظيف كلّ القوى والخيرات والإمكانات وتوفير كلّ شروط النجاح والديمومة والبقاء.

والله يتولى الصالحين.

١ـ باحث واستاذ جامعي.



[ Web design by Abadis ]