ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 إسلام واحد لا فرق ولا مذاهب \ الدكتور مصطفى الرافعي

يقول الله تبارك وتعالى: "إنّ الّذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء" صدق الله العلي العظيم.

الإسلام هو منبع النور الفياض الذي أشرق على البشرية منذ تكونت جماعات الناس من لدن أبي الأنبياء "آدم" إلى خاتم الرسل - محمّد - صلوات الله عليهما وعليهم أجمعين.

ولقد ظل الإسلام - عبر العصور كلها - الفخر التاريخي لأمتنا، وطاقة المد الدائمة في حياتنا والأمل الباسم لمستقبل أجيالنا.

والمسلمون الأولون لم يعرفوا شيئاً يدعى "مذاهب" في شريعة القرآن بل قامت وحدتهم على العقيدة الواحدة التي جمعتهم بعد فرقة، وألفت بينهم بعد اختلاف، وأقامت لهم حضارة علمت الإنسانية - لأول مرة - كيف تحيا على العزة والحرية والكرامة.

والوحدة التي يريدها الإسلام لأمته، تقوم أساساً على المساواة التي لا يمتاز فيها مسلم على آخر إلاّ بتقوى الله والعمل الصالح: "إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم".

كما إنّ المسلمين - في سالف الزمان - لم يعرفوا الخلاف بين العلم والدين فقد كان يلتقي الجميع على صعيد واحد، حيث كان يقف على جانب من هذا الصعيد: المفسرون والمحدثون والفقهاء والأئمة المجتهدون، ويقف على الجانب الآخر: الفلكيون والجغرافيون والرياضيون والمؤرخون وعلماء الطبيعة. فإذا ما فرغوا من كدهم واجتهادهم وأخلدوا إلى الراحة، أقبل بعضهم على بعض، يداً تصافح يداً، وقلباً يصافي قلباً، ولقاء لا يشوبة شيء من عوامل الفرقة، بل يرى كلّ في صاحبه عونا له على ما هو بصدده، شأن المفكرين الأحرار، الذي أطلقوا من غل التقيد، وتحرروا من علة التقليد، وترفعوا عن الغمز واللمز والتنابز بالألقاب.

فهذا زيد بن علي - صاحب كتاب المجموع - يتلقى الفقه وأصول العقائد على أبي حنيفة النعمان رغم أن هذا سني والأول زيدي. وأبو حنيفة يأخذ الحديث وبعض مسائل الفقه وعلوما أخرى عن الإمام جعفر الصادق سادس أئمة آل البيت عليهم سلام الله حيث تتلمذ عليه حولين كاملين، وكان يردد كلمته المشهورة: "لولا السنتان لهلك النعمان". كما كان يمتدحه ويطريه فيقول بشأنه: "ما رأيت أفقه من جعفر بن محمّد. "

فالقرآن الكريم الذي هو شريعة المجتمع، والذي هو المرجع الأول لجميع المسلمين قد أنزله الله تعالى أساساً للعلم والمعرفة، وقانوناً ربانياً لشؤون الحياة كافة، وآياته البينات ترسم لنا بوضوح منهاج العلم النافع ليكون سبيلاً إلى العمل النافع.

هذا القرآن يدعو المسلمين إلى إعمال الفكر، وأوجب عليهم الاجتهاد بقوله سبحانه: "فاعتبروا يا أولي الأبصار"، وقوله أيضاً: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول".

ومعنى هذا الرد أن ينظر المجتهد في القرآن الكريم والسنة الصحيحة الأحكام المعللة ويستنبط الحكم على أساسها. ولا يجوز للمسلمين القادرين على الاجتهاد أن يقلدوا غيرهم. وإذا كان العامي - غير القادر على الاجتهاد - قد أباح له الإسلام تقليد غيره من أهل الاجتهاد فانه لم يكرهه على تقليد مذهب معين من المذاهب المعروفة عند السنة أو عند الشيعة، تلك المذاهب التي كان للسياسة دخل كبير في إبرازها وتفضيلها على ما عداها من أقوال منسوبة إلى بعض كبار المجتهدين في زمانهم.

فإسلامنا إسلام بلا مذاهب، وهو يعتمد على القرآن الكريم الذي هو عصب الأمة الإسلاميّة وحجة الله القائمة إلى يوم القيامة، ثم على الحديث النبوي الثابت بيقين، لكونه مبيناً نوع التكليف.

على أن أقوال رسول الله - صلى الله عليه وآله - المروية في الكتب ليست هي السنة، وإنّما سميت بها تجوزاً، لكونها حاكية عنها ومثبتة لها.

وأقوال الرسول - يعني أحاديثه - تنقسم إلى قسمين: متواتر وآحادي. وهذا القسم قسمه علماء مصطلح الحديث إلى: صحيح وحسن وضعيف، ثم فرعوا عن هذه الأقسام الثلاثة مجموعات تابعة لها لا يهمنا كثيراً ذكرها ما دام الحديث المتواتر هو وحده الحديث الذي يعتبره جميع المجتهدين حجة بلا خلاف.

والحديث المتواتر "هو الذي أخبر به أناس كثيرون عن رسول الله - صلى الله عليه وآله -

يستحيل - بحكم العادة - تواطؤهم على الكذب". ويشترط أن يكون التواتر قائماً في جميع طبقات الرواة. وهذا النوع من أحاديث النبي له حجية القرآن شريطة الوثوق من صحته وصدوره عن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - .

أما ما عدا الحديث المتواتر من أقسام الحديث الآحادي، فلم تتفق جميع أقوال الأئمة المجتهدين على صحتها بل اختلفوا بشأنها لأنها لم تكن قد دونت في حياة رسول الله - صلى الله عليه وآله - كما حصل للقرآن - ولا في عصر الصحابة حتّى ولا في عصر التابعين.

الأمر الذي جعل علماء المسلمين يختلفون على صحتها لكونها رويت من طرق متعددة أو بأقوال مختلفة. وربما بلغت الرواية علماء بلد دون بلد آخر فاعتمدها أولئك وأنكرها هؤلاء، إلى غير ذلك من أسباب لم تكسبها قوة الحديث المتواتر وبالتالي لا يكفر منكرها.

أجل، ليس في الإسلام مذاهب بل على القادرين على الاجتهاد أن يعملوا أفكارهم ويستخرجوا الأحكام الشرعية من مصادرها التشريعية. وعلى غير القادرين على الاجتهاد أن يقلدوا من يختارون من الأئمة المجتهدين، لأن جميع هؤلاء العلماء متفقون فيما بينهم على الأصول. وأبرز هذه الأصول:

أركان الإيمان وأركان الإسلام، وأنه ليس بعد الإسلام دين، ولا بعد نبي الإسلام نبي، وأن ما جاء في كتاب الله حق، وما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وآله - حق، وأن الساعة حق، والبعث والجنة حق، والنار حق، والثواب حق، والعقاب حق، وليس بعد الحق إلاّ الضلال.

هذا الأمام مالك بن أنس - صاحب مدرسة الحديث في المدينة - يرفض طلب الخليفة المأمون بجمع المسلمين حول كتابه "الموطأ" وحملهم على اعتماد ما ورد فيه، ويجيب المأمون قائلاً: "دع الناس يا أمير المؤمنين وما اختاروا لأنفسهم. "

وأبو حنيفة - صاحب مدرسة الرأي - كان يقول "لا ينبغي لمن لا يعرف دليلي أن يفتي بكلامي. "

والشافعي كان يقول: "إذا صح الحديث فهو مذهبي". وقال يوماً للمزني: "يا إبراهيم لا تقلدني في كلّ ما أقول وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين".

وكذلك أحمد بن حنبل كان يقول: ليس لأحد مع الله ورسوله كلام".

وقال يوما لإنسان: "لا تقلدني ولا تقلد مالكاً ولا الاوزاعي ولا الحنفي ولا غيرهم وخذ الأحكام من حيث أخذوا: "من الكتاب والسنة".

وكذلك فقهاء الشيعة الإمامية فإنهم لا يأخذون بالتقليد، ولا يتبعون في عباداتهم ومعاملاتهم وسائر أحكام مذهبهم إلاّ ما فهموه من كتاب الله وسنة نبيه والأئمة المعصومين من بعده.

هذا ولم يثبت عن فقيه من فقهاء السنة أو إمام من أئمة الشيعة أن أوجب التقيد بمذهبه.

أما الأقوال المتداولة كقول: "فواجب تقليد حبر منهم" وخلافه، فذلك من مقولات المتأخرين الّذين تحكمت فيهم روح الخلاف وسيطرت على نفوسهم العصبية المذهبية لحمل الناس على وجوب الالتزام ببعض المذاهب أو منعهم من الخروج منها الأمر الذي يؤكد هذا ويثبته ما قاله بعض المتأخرين من فقهاء الحنفية: "من ارتحل إلى مذهب الشافعية يعزر" وكلمة الارتحال وكلمة التعزير تنمان عن معنى خطير.

على أن الإمام الشافعي نفسه نهى عن تقليده وتقليد غيره من الأئمة - حسبما ذكره صاحبه المزني في كتابه"المختصر".

وما أروع الانتقاد اللاذع الذي وجهه العز بن عبد السلام إلى مثل هؤلاء حين قال: "لم يزل الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقيد بمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين، إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين، فإن أحدهم يتبع إمامه كأنه نبي أرسل، وهذا نأي عن الحق وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من ذوي الألباب ".

وقال الشارح لكتاب "مسلم الثبوت" لم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس، أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة، فإيجابه تشريع شرع جديد.

وقال الإمام أبو شامه: "ينبغي لمن اشتغل بالفقه أن لا يقتصر على مذهب إمام، بل يعتقد في كلّ مسألة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة، وذلك سهل عليه إذا حصل وسائل الاجتهاد ليتجنب التعصب والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة فأنها للزمن مضيعة ولصفوة مكدرة.

والدليل الأظهر على أن المذاهب المعروفة ليست من مقاصد الإسلام، بل أنّه انقضت على ظهور الإسلام ثلاثة قرون وهي خير القرون - لم يكن موجوداً واحد من الأئمة الأربعة أو غير الأربعة، بل كان سلفنا الصالح في تلك القرون الثلاثة الزاهرة، يدينون بكتاب الله وسنة نبيه الثابتة بيقين دون أن يجدوا عن ذلك حولاً.

ولست أدري من أين جاء ابن الصلاح - وهو من العلماء المقلدين - بأن الواجب على كلّ مسلم أن يقلد أحد الأئمة الأربعة؟ ضارباً عرض الحائط بمشروعية الاجتهاد، علماً أنّه لا يسوغ - شرعاً - أن يخلو عصر من وجود مجتهد واحد على الأقل تتوفر فيه شروط الاجتهاد.

ومثل ابن الصلاح، الكمال بن الهمام الذي نقل في كتابه "التحرير" أن الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأئمة الأربعة".

أي إجماع هذا الذي يدعيه ابن الصلاح أو الكمال بن الهمام والقاضي بأن يحصر الدين الإسلامي في أربعة أشخاص بعد أن كان الفقهاء قبل أصحاب المذاهب الأربعة لا يمكن حصرهم في عدد؟ !!

ولعل من مفاخر الشيعة الإمامية أن يكون باب الاجتهاد ما زال عندهم مفتوحا، وسيظل كذلك إلى أبد الآبدين إنّ شاء الله تعالى.

لقد اتسعت صدور أسلافنا في العصور الوسطى بفضل الاجتهاد الحر الطليق، لمختلف الحضارات العالمية من هندية ويونانية وفارسية. واكتسب الإسلام صفة التفوق على ما عداه من شرائع دينية ودنيوية. ولم تزل النظريات العلمية التي ساقها علماء المسلمين - إذ ذاك - في الطب والجيولوجيا والجبر والهندسة والفلك مرجعاً لعلماء الغرب. ومن أولئك العلماء المسلمين نذكر: ابن بختيشوع وابن حيان وابن إسحاق وابن الهيثم وأبا بكر الرازي وابن رشد وابن

سينا الذي ظلت جامعة "مونبيليية" بفرنسا تدرس كتبه في علم الطب حتّى مطلع القرن العشرين.

ويعجبني بهذا الصدد ما قاله المؤرخ الإنجليزي "ويلز": "إنّ كلّ دين لا يسير مع المدنية في كلّ طور من أطوارها فاضرب به عرض الحائط ولا تبالي به لأن الدين الذي لا يسير مع المدنية جنباً إلى جنب إنّما هو شر مستطير يجر أصحابه إلى الهلاك. وأن الديانة الحقة التي وجدتها تسير مع المدنية كيفما سارت وأبحرت، هي في نظري الإسلام. ومن أراد أن يحقق ذلك بنفسه فليتصفح القرآن وما فيه من نظريات علمية وقوانين تشريعية ومدنية وأنظمة لترابط المجتمع الإنساني. فالقرآن - والحق يقال - كتاب ديني علمي اجتماعي تهذيبي خلقي تاريخي وأكثر نظمه وقوانينه نستعملها نحن الآن في وقتنا الحاضر. وسيستعملها غيرنا ممن هم بعدنا حتّى فناء الدنيا ولو طلب مني أحد القراء تحديد تعريف الإسلام في عبارة واحدة، أحدده له في العبارة الآتية: (الإسلام هو المدنية المرتقبة) ".

فهل لدعاة المذهبية وأنصار التقليد بعد هذا أن يقوقعوا الإسلام ويسمروه عند الأئمة الأربعة؟ وأن جميع من أتوا من كبار الفقهاء لا يحق لهم أن يجتهدوا بعد عصر الأئمة الأربعة؟ لقد تجلى علم الله في القرآن بأسماط ذهبية، تنتظم جميع الأحكام الفقهية والمعارف الروحية والحقائق الكونية. ونحن إذا تأملنا القرآن الكريم نجد آياته تزخر بالمعجزات المختلفة، وهي في آن تحفزنا إلى مداومة البحث والتنقيب والتدبر والتأمل، وعندها لابد وأن نخرج بنتيجة ذلك بالوصول إلى معرفة الله مصداقا لقوله سبحانه "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتّى يتبين لهم أنّه الحق".

أما ما يتعلق بعلم الفقه من عبادات ومعاملات فهل نكتفي بما انتهى إلى معرفته الأئمة الأربعة، ونسد باب الاجتهاد، ونعطل مفعول الآية القرآنية: "فلولا نفر من كلّ فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون"؟

نحن اليوم في أحرج الأوقات. فليس أمامنا إلاّ حركة وإمكانات لشعب

أصيل يتمسك بعقيدته ويعتصم بدينه. ولابد لتحقيق هذه الحركة وتلك الإمكانات من اللجوء إلى الطرق في الاجتهاد التي كان يلجأ إليه من سبقوا أئمة المذاهب لتصلح أمتنا الإسلاميّة الممزقة على ما صلح عليه أولها. وأعني به القرآن الكريم والسنة الصحيحة. وهذان المصدران للتشريع هما فخر المسلمين وعماد الإسلام لا المذاهب التي عاشت عصرها وأعطت ما عندها في إطار إمكانات ذلك العصر.

لأن القرآن الكريم والسنة الصحيحة هما المعين الذي لا ينضب إلى الأبد، وهما المرجع العلمي الأول الذي يتكفل بإيجاد الأحكام الملائمة لأهل كل زمان، ولا سيما القرآن الذي هو معجزة المعجزات بما أودعه الله من علوم وآداب، ومما يحمل في طياته من مكنونات قرأها من قبلنا ونقرؤها نحن في عصرنا فنحسبها أسراراً مطلسمة، لأن وقت حدوثها لم يحن، وسيستمر من يأتي بعدنا في تدبر هذا القرآن فيستخرجون منه من ألوان المعارف ما يسد حاجاتهم ويساير تطور أزمنتهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها مصداقاً لقوله تعالى "أفلا يتدبرون القرآن و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه أختلافاً كثيراً. "

أنا لا أنكر أن المذاهب التي انبثقت عن دوحة الإسلام: سواء أكانت على الصعيد الفقهي، أو على الصعيد السياسي، قد اشتملت على مجموعة من المعلومات القيمة التي أفادت المسلمين، غير أنها أججت نار الخلاف بينهم وأفضت - في كثير من الأوقات - إلى تنابذهم واقتتالهم. وقد استغلت الصهيونية والاستعمار - بشقيه القديم والجديد - الخصب التشريعي في الإسلام، فاغتنموا تعدد المذاهب سبباً للإيقاع بين المسلمين. ذلك أنّه يشق على المستعمرين والصهاينة أن تشدّ الألفة المسلمين جميعاً وهم يريدونهم أشتاتاً مبعثرة لا يجمع شملهم دين، ولا يلم شعثهم نظام، ولا تبيد أحقادهم دعوة.

وإنه لما يؤلمنا أكثر أن تظل السياسية التفريقية للاستعمار والصهيونية، نشطة وفاعلة على ساحاتنا العربية والإسلاميّة، بل وأن تتبنى هذه السياسية المرذولة طغمة من تجار المذهبية، زاعمين أنهم بتعصبهم المذهبي البغيض يدافعون عن الدين، والدين منهم ومن مخازيهم براء.

إنّ من أقوى العوامل التي تؤذن بزوال أمة واندثارها هو تفرق أفرادها وتجمعهم في مذاهب وشيع وأحزاب: "كلّ حزب بما لديهم فرحون. "

إنّ المذاهب الإسلاميّة كافة - من سنية وشيعية - متفقة على أركان الإيمان وأركان الإسلام التي هي أصول الدين، وفيما عدا هذه الأصول لا تثريب على المسلمين إذا اختلفوا، فالاختلاف سنة من سنن الاجتماع، وإنّما التثريب عليهم أن يتخاصموا بسبب تعدد مذاهبهم، ويتنازعوا ويتقاتلوا في عصر تنشط أمم الأرض إلى الترابط والتعاون والتناصر ليسند بعضها بعضاً ويدفع بعضها عن بعض ويكون بعضها في خدمة بعض. ونحن المسلمين أولى بهذا منهم، اعتمادا على ما يشد بعضنا إلى بعض من وشائج كبيرة، تأتي طليعتها وشيجة الأخوة الإسلاميّة التي لا تعترف بالفرق والشيع والمذاهب: "إنّما المؤمنون أخوة، فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون".

١ - لقد عرفنا الدكتور الرافعي من خلال كتاباته في الصحف والمجلات، وتلمسنا في تلك الكتابات روحا تقريبية وحماساً رساليا لجمع كلمة المسلمين. لقد أتحفنا الدكتور بمقال قيم ننشره بنصه، رغم ما لنا عليه من ملاحظات بسيطة تتلخص في دعوته إلى إسلام بلا مذاهب.

نحن نعتقد بعدم جدوى هذه الدعوة، وعدم إمكان تحققها، لان طبيعة الاجتهاد تفضي إلى تعدد الآراء الفقهية والمدارس الفقهية. وما شهده المسلمون على مر التاريخ من نزاع لا يعود إلى تعدد هذه الاجتهادات بقدر ما يعود إلى تعصب المقلدين لهذه المدارس تعصبا جاهلاً أعمى بعيدا عن كلّ الأساليب العلمية في البحث والنقاش وبعيداً عن كلّ الأخلاق الإسلاميّة في التعامل مع الرأي الآخر.

إننا إذ نشكر للأستاذ الدكتور الرافعي مساهمته نتمنى أن يشارك على صفحات الأعداد المقبلة من مجلته ببحوث ومقالات علمية جادة. (التحرير).

٢ - أستاذ جامعي وقاضي سابق.



[ Web design by Abadis ]