ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مسألة التحسين و التقبيح في المذاهب الإسلاميّة \ الشيخ نوري حاتم

تحتل مسألة التحسين والتقبيح موقعاً مهماً في أبحاث الفلاسفة، والحكماء، وأخيراً في أبحاث الأصوليين منذ بداية تاريخ انطلاق التفكير الفلسفي الإسلامي أي القرن الأول للهجرة، والى عصرنا الراهن…. مما يكشف عن أهميتها على اكثر من صعيد.

وفي الواقع أن سبب اهتمام المفكرين، والفلاسفة، والأصوليين بهذه المسألة يرجع إلى اتصالها بالقضايا التالية:

١ - قضية وجود مقياس موضوعي توزن به الأعمال، وتوضع في صف الأعمال الخيرة، أو في صف الأعمال الشريرة، أو عدم وجود مثل هذا المقياس.

٢ - كما أنها تتصل بتحليل حقيقة العقل، وقدرته على إدراك ذلك المقياس الخلقي على تقدير وجوده.

٣ - وتتصل أخيراً بنظرية التكليف، وان الله هل يكلف طبقاً لمقياس موضوعي يكمن في الأفعال، أم انه بتكليفة يوجد القيمة الخلقية في الفعل؟

وهذه القضايا شغلت الفكر الإسلامي على امتداد مذاهبه واتجاهاته، وتعددت الآراء في تحديد الموقف من كلّ من تلك القضايا تبعاً لاختلاف طريقة قراءة النصوص الدينية والاستفادة منها، وتبعاً لاختلاف المزاج العلمي للأشخاص.

ونحن بدورنا نحاول أن ندرس الاتجاهات والمواقف التي ظهرت إزاء مسألة التحسين والتقبيح.

وفي الواقع ظهرت عدة اتجاهات فكرية، وصاغت مواقف تختلف بعضها عن البعض، من هنا لابد أن نتناول هذه الاتجاهات مع ذكر أدلتها، ومالها، وما عليها.

الاتجاه الأول:

ما ذهب إليه المعتزلة من عقلية الحسن، والقبح إلاّ أنهم اختلفوا حول سبب ذلك، فالأقدمون منهم قالوا: أن الأفعال: حسنها، وقبحها لذاتها، والمتأخرون منهم قالوا:

"ليس القبح والحسن لذاته بل لصفة موجبة لأحدهما" [١]، وذهب الجبائي، وابنه والقاضي، وهم جميعاً من المعتزلة إلى:

"نفي الوصف الحقيقي للفعل بالحسن، والقبح، وقالوا: ليس قبح الأفعال، وحسنها لصفات حقيقية بل لوجوه اعتبارية وأوصاف إضافية بحسب الاعتبار،

ومثل ذلك لطم اليتيم، فأنه إذا كان تأديباً، فهو حسن، وإذا كان ظلماً، فهم قبيح" [٢].

أما أبو الحسين البصري، وهو من تلاميذ القاضي عبد الجبار المعتزلي، فقد ذهب إلى التفصيل بين الحسن، والقبح حيث: "أثبت صفة في القبيح تقتضي قبحة، ولم يثبت ذلك في الحسن، وقال يكفي لحسنه انتفاء صورة القبح عنه" [٣]، واستدل على مذهبة بالقول:

"إنّ الحسن، والقبح لو لم يكونا عقليين، لجاز الكذب على الله، وأنبيائه لان الكذب ليس قبيحاً في ذاته وإنّما صفة القبح ثبتت له بالشرع، وهذا باطل ويترتب عليه فساد الرسالات والأحكام" [٤]. وكذلك استدل على مذهبه بالوجوه التي استدل بها العدلية على التحسين والتقبيح العقليين التي سنستعرضها في محلها.

وفي الواقع: أن قول المعتزلة هو نفس قول العدلية، إلاّ أننا آثرنا عزلهم بالذكر لغرض الإشارة إلى كونهم اتجاهاً فكرياً له أصوله الفكرية رغم وجوه الاشتراك الكثيرة بين هذا المذهب، وبين مذهب الإمامية، ولغرض عرض بعض أدلتهم الواردة في كتبهم على رأيهم في المسألة.

الاتجاه الثاني:

وهو ما ذهب إليه الأشاعرة من:

"إنّ الحسن والقبح إنّما يستفادان من الشرع، فكلما أمر الشرع به، فهو حسن، وكلما نهى عنه، فهو قبيح، ولولا الشرع لم يكن حسن، ولا قبيح، ولو أمر الله تعالى بما نهى عنه لأنقلب القبيح إلى الحسن" [٥] "فليس للفعل نفسه حسن، ولا قبح ذاتيان،

ولا لصفة توجبهما، وإنّما حسنه ورود الشرع بالأذن لنا فيه على سبيل الوجوب، أو الندب، أو الإباحة، وقبحه وروده بحظر من الشارع لنا منه على سبيل التحريم، أو الكراهة، وإذا ورد الشرع بإطلاق الفعل لنا، أو منعنا منه وقلنا:

"أن ما أذن لنا فيه الشارع فحسن وما منعنا عنه فقبيح"، فان هذا الوصف بالنسبة لأفعال المكلفين ليس منشؤه العقل، وإنّما منشؤه حكم الشارع، "فمقياس الحسن، والقبح عندهم (أي الأشاعرة) هو الشرع، لا العقل".

"فالصلاة، والصوم، وأمثالهما مما أمر الله به، فهو حسن، وليس حسنه إلاّ من جهة أمر الشارع به فقط، والزنا، والسرقة، والقتل عدواناً بغير حق، واكل أموال الناس بالباطل كلّ ذلك قبيح لنهي الشارع عند فقط، فلو لم يكن أمر الشارع بما أمر، ونهى عما نهى لما كان حسناً أو قبيحاً" [٦].

وعلى هذا الأساس، فإن الأشاعرة لم يجوزوا الحكم بالحسن والقبح على الأفعال قبل ورود الشرع [٧] لان المناط في اتصاف الفعل بالحسن والقبح هو أمر، ونهي الشرع، فلا اتصاف له بهما قبل ورودهما.

يقول أبو حامد الغزالي وهو يقرر أن الوجوب لابد أن يكون بالشرع لا بالعقل:

"أن معرفة الله سبحانه وطاعته واجبة بإيجاب الله تعالى، وشرعه، لا بالعقل - خلافاً للمعتزلة". ويقول:

"انه يجوز على الله سبحانه أن يكلف الخلق ما لا يطيقونه - خلافاً للمعتزلة ـ، ولو لم يجز ذلك لاستحال سؤال دفعه، وقد سألوا ذلك فقالوا "ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به" [٨].

ويقول أخيراً: "أن العقل لا يرشد إلى النافع، والضار من الأعمال، والأقوال، والأخلاق، والعقائد بالنسبة إلى الآخرة، ولا يدعو إلى شيء منها على سبيل

الوجوب، ولا يفرق بين المشقى والمسعد كما لا يستقل بدرك خواص العقاقير، والأدوية" [٩].

فـ "الله وراء الحسن، والقبح، والخير، والشر، فليس الخير، والشر قيماً عقلية مطلقة كما يرى المعتزلة يضطر حتّى الله أن يتقيد بها، وإنّما إرادة الله المتمثلة بالشرع هي التي تعطيها الإطلاق، وتوجب على الإنسان التقيد بها" [١٠] ويقول "أن لله عز وجل أيلام الخلق، وتعذبيهم من غير جرم سابق، ومن غير ثواب لاحق خلافا للمعتزلة".

"وانه تعالى يفعل بعباده، ما يشاء، فلا يجب عليه رعاية الاصلح لعباده" [١١].

ومن الواضح أن الإمامية، والمعتزلة يحكمون بخلاف ذلك في الموارد التي ذكرها لأنهم يعقتدون بأن العقل يحكم بقبيح تلك الأفعال، وسبحان الله عن ارتكاب الفعل القبيح.

وقد استدل الأشاعرة على مذهبهم بعدة أدلة نذكر أهمها:

ألف - لو كان الحسن والقبيح عقليين لاختلف الحكم على الأفعال من ناحية تحسينها وتقبيحها، إذ العقول متفاوتة في حكمها على الأفعال، فقد يعقل البعض حسناً، فيما يقبحه الآخر، والعكس بالعكس بل أن العقل الواحد قد يحكم على الفعل تارة بالقبح، وتارة بالحسن تحت تأثير الهوى، والغرض ومؤثرات أخرى. " [١٢].

ويرد على هذا الاستدلال:

أن الاختلاف في الحكم على الأفعال نشأ بفعل الهوى والأغراض والمصالح التي تدفع بعض العقلاء إلى إنكار حكم عقله، والحكم بقبح الحسن أو

بحسن القبيح، أو لم يقل فرعون عن موسى ودعوته كما يحكي تعالى:

"إني أخاف أن يبدل دينكم، أو أن يظهر في الأرض الفساد" [١٣] أو لم يقل الملأ لفرعون، "أتذر موسى، وقومه ليفسدوا في الأرض"؟

والمفروض أن تطابق العقلاء وحكمهم بالحسن، أو القبح إنّما حصل بما هم عقلاء، فلا مجال لافتراض تدخل الأهواء، والعواطف في حصول التطابق المذكور.

ب - "لو كان الحسن، والقبح من الصفات الذاتية لكان ذلك مضطرداً فيه، ولما تخلف عنه، بل يبقى الفعل حسناً دائماً، أو قبيحاً دائماً، والواقع غير ذلك لأن الكذب قد يكون قبيحاً، وقد يكون حسناً بل يكون واجباً إذا ترتب عليه خير محقق كإنقاذ بريء من يد سلطان جائر، أو من يد ظالم له بطش، ونفوذ، ويقابل ذلك أن الصدق يكون قبيحاً في هذا المقام" [١٤].

ويرد على هذا الاستدلال:

أن حكم العقل بالحسن، والقبح على الشيء له مناشيء كما سيأتي، فقد يكون ذلك المنشأ علة تامة لحكم العقل بالحسن، أو القبح كما هو الحال في حكمه بقبح الظلم، وحسن العدل، وهذا الحكم لا يتبدل مهما اختلف الظروف، والأحوال، ما دام ذلك العنوان (الظلم والعدل) لا يزال منطبقاً على الفعل، وقد يكون المنشأ له اقتضاء في الفعل لحكم العقل بالحسن، والقبح أي لو انتفت جميع الموانع، فإن العقل يحكم بذلك الحكم كحكمه بحسن الصدق، وقبح الكذب، فإن الصدق فيه اقتضاء للحسن، فلو انتفت جميع الموانع، فإن العقل يحكم بحسنه، والكذب فيه اقتضاء للقبح فلو انتفت جميع الموانع، فإن العقل يحكم بقبحه، أما لو طرأت موانع على ذلك الفعل كما لو ترتب على الصدق قتل مؤمن، فأن العقل بحكم بقبح هذا الصدق، أو ترتب على الكذب نجاة نفس محترمة، فإن العقل يحكم

بحسن هذا الكذب، وقد يكون فعل ليس فيه اقتضاء ولا علة للحكم عليه بالحسن أو القبح، فإذا عرض عليه عنوان له علية، أو اقتضاء للحسن، فسوف يحكم عليه العقل بالحسن، أو عرض عليه عنوان له علية، أو اقتضاء للقبح، فسوف يحكم العقل عليه بالقبح كشرب الماء، فإن تناوله مع عدم الحاجة إليه لا يكون حسناً، ولا قبيحاً أما لو تناوله الشخص لرفع عطشه، فإنه يكون حسناً، ولو تناوله لا يجاد الضرر في جسمه يكون فعله قبيحاً….

وفي ضوء هذا البيان تتضح نقاط ضعف الاستدلال المذكور وذلك لأن بعض الأفعال كالصدق يكون حسناً في بعض الأحوال كما لو ارتفعت جميع الموانع، ويكون قبيحاً في أحوال أخرى فيما لو عرض عليه عنوان مقبح كما لو ترتب عليه قتل مؤمن، وهذا التفاوت في حكم العقل حصل بسبب أن عنوان الصدق يقتضي الحسن، وليس علة تامة للحسن، فبسبب عروض عناوين أخرى حصل تبدل في الحكم…. وهذا التبدل ليس فيه تناقض… نعم لو تغير حكم العقلاء من الحكم بالحسن إلى الحكم بالقبح، مع عدم وجود سبب لهذا التبدل يكون ذلك نقضاً على عقلية الحسن، والقبح، ولكن الأمر ليس كذلك كما عرفت.

ج - لو كان القبح، والحسن ذاتيين للزم سلب اختيار المولى حيث لابد أن يحكم بالوجوب، أو الاستحباب على الفعل الحسن ذاتاً، ولابد أن يحكم بالحرمة، أو الكراهة على الفعل القبيح ذاتاً، وسلب اختيار المولى قبيح.

وهذا الاستدلال يرد عليه:

إنّ التشريع على وفق المعقول لا ينافي الاختيار لأن تشريعات المولى على طبق أدراك العقول يحصل باختياره الكامل، وليس هو مجبوراً عليه… إذ من البعيد على العاقل العادي أن يخالف أحكام عقله، ويسير في مسالك على خلاف تلك الأحكام، فكيف يخالف العقل مع عدم وجود مانع، أو دافع للمنع عن التشريع على وفق حكم العقل.

"كيف والإيجاد منه تعالى لأجل الحكمة، ومطابقة الفعل للنظم الصالح من الكمالات، فيجب ثبوته له تعالى، والإيجاد كيف ما اتفق من غير وجوب أمر

مستحيل يجب تنزيهه تعالى عنه، فلا يجتريء مسلم على هذا، والله تعالى اعلم بحقيقة الحال" [١٥] ونحن نقول: كما أن الإيجاد من غير وجوب مستحيل كذلك الحكم من غير ملاك مستحيل فإن الله تعالى لا يحكم إلاّ وفق الحسن، والمصلحة، ولا يحكم كيفما اتفق.

د - ما استدل به بعض الأشاعرة على مذهبهم من انه لو حكم العقل بالحسن، والقبح للزم أن يكون الشيء الواحد حسناً، وقبيحاً في آن واحد، وهو محال؛ بيان ذلك لو قال قائل: سأكذب غداً، وافترض أن الصدق حسن، والكذب قبيح عقلاً فأما أن يفي بما قال، واما أن لايفي، فأن وفي يفعل حسناً لصدقه فيما قاله بالأمس، ويفعل قبيحاً من أجل الكذب، وإن لم يف، فكذلك يفعل حسناً لترك الكذب، ويفعل قبيحاً لعدم الوفاء، وعلى أي الأحوال يلزم أن يكون الشيء الواحد حسناً، وقبيحاً في آن واحد، وهو محال. أذن لا حسن، ولا قبح (عقليان) [١٦]. وهذا الاستدلال يتضح خطؤه في ضوء الحديث السابق عن مناشيء حكم العقل، وتقسيمها إلى ما كان علة، والى ما كان اقتضاء وذلك لان الوفاء بالعهد حسن فيما لو لم يعرض عليه عنوان آخر يجعله قبيحاً، وهنا سوف ينطبق عليه عنوان مقبح هو عنوان الكذب القبيح فيحكم العقل بقبح الوفاء بالوعد، ولا يحكم بحسنه ليقال بأنه سوف يكون قبيحاً في نفس الوقت، في اليوم القادم، فيجتمع الحسن والقبح في فعل.

الاتجاه الثالث:

ما ذهب إليه أكثر الإمامية وبعض المعتزلة من حسن وقبح الأفعال ذاتاً.

قال الشيخ المفيد في بيان حال أهل الآخرة، وأنهم مأمورون أو غير مأمورين، وبالتالي إثبات عقلية الحسن والقبح:

"أقول: إنّ أهل الآخرة مأمورون بعقولهم بالسداد، ومحسن (العقل) لهم ما حسن لهم في دار الدنيا من الرشاد، وأن القلوب لا تنقلب عما عليه، ولا تتغير عن حقيقتها على كلّ حال" [١٧] وتحت فقرة: "أهل الآخرة" وهل يقع منهم قبيح من الأفعال كتب: "….، فأخبر جل اسمه عن كذبهم (أي أهل النار) في الآخرة، والكذب قبيح بعينه، وباطل على كلّ حال" [١٨].

فصريح كلامه الأول أن العقل يحكم بالحسن، والقبح مع قطع النظر عن حكم الشارع، وكذلك ظاهر كلامه الثاني حيث يرى أن الكذب قبيح على كلّ حال أي سواء حكم الشارع بحرمته، أو لم يحكم.

وينبغي أن نحد مركز حكم العقل بالحسن، والقبح الذي يكشف عن حكم الشارع به، أو نهيه عنه. إذ صفة الحسن، والقبح تطلق على ثلاثة معان:

أوّلاً: صفة الكمال، والنقص، فالعلم حسن لأنه كمال، والجهل قبيح لأنه نقص، والشجاعة حسنة لأنها كمال، والخوف قبيح لأنه نقص.

ثانياً: ملاءمة الغرض، ومنافرته، فالصحة حسنة لاننا نريدها، والمرض قبيح لأننا لا نريده، والإرادة للأول، وعدم الإرادة للثاني منشأه الانسجام مع متطلبات جسمنا، وكذلك يقال: هذا المنظر حسن جميل، وهذا الصوت حسن مطرب، وهذا المذاق حسن كما يقال الأكل عند الجوع حسن، وذلك لأن النفس تلتذ بهذه الأشياء، وتتذوقها لملاءمتها لها في حين أن مقابلها كالمنظر القذر، والأكل على الشبع يحكم العقل بقبحها لأن النفس تتألم، أو تشمئز منها.

ثالثاً: يطلق الحسن والقبح على الفعل، ويراد بهما المدح والذم، أي أن حكم العقل بالحسن يعني إدراك العقل باستحقاق الفاعل للحسن للثواب، وحكم العقل بالقبح أي إدراك العقل باستحقاق الفاعل للقبح العقاب" [١٩].

إنّ حكم العقل بالحسن، والعقل بالمعنيين الأول والثاني، أي بسبب رجوع

الحسن إلى صفة كمال أو إلى انسجام النفس، ورجوع القبح إلى صفة نقص، أو تنافر مع النفس، يتفق جميع المذاهب على إمكانه ووقوعه، إنّما نشب النزاع بين هذه المذاهب في خصوص حكم العقل بمعنى الحكم على الفعل بأنه ينبغي صدوره، ويثاب فاعله، وعلى الفعل بأنه لا ينبغي صدوره، ويعاقب فاعله، حيث أنكر الأشاعرة إمكان ذلك على خلاف العدلية (الإمامية) والمعتزلة حيث يرون إمكان ذلك، لقد قسم الإمامية مناشيء حكم العقل بالحسن، والقبح إلى ثلاثة أقسام رئيسية وهي:

١ - ما كان علة تامة في التأثير أي أن انطباق ذلك العنوان على الفعل علة لا دراك العقل لحسن أو قبح الفعل، فيتصف هذا الفعل بالحسن، أو القبح الذاتيين مثل العدل، والظلم، فأن العدل بما هو عدل لا يكون إلاّ حسناً دائماً، أي أنّه متى ما صدق عنوان العدل على الفعل، فإنه لابد أن يمدح عليه فاعله عند العقلاء، ويعد عندهم محسناً، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلاّ قبيحاً أي أنّه متى ما صدق عنوان الظلم على الفعل فإن فاعله مذموم عندهم، ويعدّ مسيئاً.

٢ - انطباق عنوان على الفعل يكون فيه اقتضاء التأثير أي لو ارتفعت الموانع لكان العنوان مؤثراً في حكم العقل بحسنه، أو قبحه، ومثاله الصدق والكذب، فالصدق بما هو صدق فيه قابلية على التأثير في حكم العقل بأنه مما ينبغي أن يفعل، ويمدح فاعله عليه بخلاف الكذب، فإنه مذموم عند العقل، ولكن هذا التأثير لا يتم عادة مع وجود مزاحم له يمنع عن تأثيره كان يكون في الصدق ما يوجب قتل نفس محترمة، أو انتهاك عرض، أو تسلط ظالم، أو يكون في الكذب نجاة مؤمن من القتل أو حفظ عرض، أو مال فإن هذه الموانع تصرف العقل عن حكمه بحسن الصدق المذكور، وعن حكمه بقبح الكذب الذي يؤدي إلى نجاة مؤمن، أو عرض أو مال.

٣ - انطباق عنوان ليس فيه اقتضاء ولا عليه لحكم العقل بالحسن أو القبح على الفعل، أي أن انطباق ذلك العنوان على الفعل لا يؤثر سلباً، أو إيجاباً على حكم العقل بالحسن، أو القبح، فلو انطبق عليه عنوان آخر له تأثير بنحو العلية على

حكم العقل بالحسن، أو انطبق عليه عنوان آخر له تأثير بنحو الاقتضاء فإن الفعل يكون حسناً، أو قبيحاً تبعاً لهذا العنوان الطارئ على الفعل [٢٠].

حقيقة حكم العقل بالتحسين والتقبيح:

والسؤال المطروح الآن هو ما هي حقيقة تلك الادراكات العقلية، وهويتها في قائمة الصناعات الخمس فهل هي قضايا ضرورية أي يحكم بها العقل - أي عقل وفي كلّ زمان ومكان - بمجرد تصورها، أو أنها قضايا تأديبية مشهورية ليس لها واقع غير توافق إفراد المجتمع بما هم عقلاء عليها؟

يوجد هنا موقفان:

الموقف الأول: يرى أن الحسن والقبح العقليين قضايا مشهورة أي لا واقع لها غير تطابق العقلاء عليها.

وفي داخل هذا الموقف نشأ تفسيران:

التفسسير الأول: "يرى أن الحسن والقبح قضايا إنشائية من قبل العقلاء لا إخبارية، فهي على حد ساير المجعولات العقلائية غاية الأمر قد تطابق العقلاء عليها باعتبار إدراكهم للمصالح والمفاسد من ورائها" [٢١] والمقصود من الإنشائية أنها لا تحكي عن واقع خارجي قد تنطبق عليه، وقد لا تنطبق عليه.

التفسير الثاني: أن الحسن والقبح قضايا مشهورة بمعنى إنها تصديقات جازمة، ولكن غير مضمونة الحقانية أي ليس التصديق فيها ناشئاً من أحد المناشيء في القضايا المضمونة الصدق التي حصروها في القضايا الست المعروفة في المنطق وهي:

١ - الأوليات.

٢ - المشاهدات.

٣ - التجريبيات.

٤ - المتواترات.

٥ - الحدسيات.

٦ - الفطريات.

فإن ادراك العقل لحسن العدل وقبح الظلم ليس من المدركات الاولية لا للعقل، ولا للحسن، ولا للوهم وإنّما يحصل التصديق الجازم بها نتيجة التأديب، والتربية الاجتماعية العقلائية [٢٢] يقول ابن سينا في تعريف القضايا المشهورة.

"وهي آراء لو خلي الإنسان وعقله المجرد، ووهمه، وحسه، ولم يؤدب بقبول قضاياها، والاعتراف بها لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله، أو وهمه، أو حسه مثل حكمنا: بأن سلب مال الإنسان قبيح، وان الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه" [٢٣].

فهي أذن القضايا التي لا عمدة لها في التصديق إلاّ الشهرة، وعموم الاعتراف بها كحسن العدل، وقبح الظلم، وكوجوب الدفاع عن الحرم واستهجان إيذاء الحيوان لا لغرض" [٢٤].

ويقول الشيخ محمّد رضا المظفر (قده).

"إنّ العدلية - إذ يقولون بالحسن والقبح العقليين - يريدون أن الحسن، والقبح من الآراء المحمودة، والقضايا المشهورة المعدودة من التأديبات الصلاحية، وهي التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء، وهذه القضايا التأديبية لا واقع لها إلاّ تطابق آراء العقلاء [٢٥] (بخلاف) الأوليات، فإن لها واقع خارجي" [٢٦].

والفارق بين التفسيرين هو أن التفسير الأول لا يرى واقعاً موضوعياً للحسن والقبح فهما ليس إلاّ إنشاء العقلاء لهما في حين أن التفسير الثاني يرى تلك الأحكام تصديقات جازمة، ولكنها ليست مضمونة الانطباق مع الواقع الموضوعي… أي قد تكون غير صادقة.

الموقف الثاني: وهو ما اختاره الإمام الشهيد الصدر (قده) حيث يرى أن أحكام العقل بالحسن، والقبح عبارة عن:

"قضايا واقعية دور العقل فيها دور المدرك الكاشف على حد القضايا النظرية الأخرى غاية الأمر أن هذه القضايا واقعية تحققها بنفسها لا بوجودها الخارجي نظير مقولات الإمكان والاستحالة، والامتناع من مدركات العقل النظري"٢.

وكتب في ذلك أن "الحسن والقبح أمران واقعيان يدركهما العقل، ومرجع الأول إلى أن الفعل مما ينبغي صدوره، ومرجع الثاني إلى أنّه مما لا ينبغي صدوره، وهذا الانبغاء إثباتاً، وسلباً أمر تكويني واقعي، وليس مجعولاً، ودور العقل بالنسبة إليه دور المدرك لا دور المنشء والحاكم" [٢٨].

لقد ذكر أصحاب الاتجاه الثالث وهم الإمامية أدلة عديدة لإثبات عقلية الحسن والقبح لابد من الإشارة إلى أهمها وهي:

الأول: ما ذكره العلامة الحلي في تجريده قائلاً:

"أنا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء وقبح بعضها من غير نظر إلى شرع، فإن كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان، ويمدح عليه، وبقبح الإساءة والظلم، ويذم عليه، وهذا حكم ضروري لا يقبل الشك، وليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة

والملاحدة به من غير اعتراف معهم بالشرائع" [٢٩].

ويتابع العلامة الاستدلال في كتابه نهج الحق قائلاً:

"فلو افترض أن إنساناً لم يسمع بالشرائع، ولا يعرف شيئاً عن الأحكام، ثم خير بين أن يصدق، ويأخذ ديناراً وبين أن يكذب، ويأخذ ديناراً أيضاً ولا ضرر عليه فيهما لاختار الصدق" [٣٠].

ويرد على هذا الدليل:

إذا كان مقصود العلامة (قده) إثبات حسن الإحسان وقبح الإساءة بوصفهما كمالا ونقصا؟ فهذا مما يدركه جميع العقلاء بما فيهم الأشاعرة، وأن كان مقصودة إثبات الحسن والقبح بالمعنى الثالث أي استحقاق المدح واستحقاق الذم - والظاهر أن هذا هو مقصودة - فهذا مما لا يمكن إثباته بمجرد حسن الإحسان، و قبح الإساءة، إذ لا ملازمة عقلية بينهما، فقد يحكم العقل بالحسن على شيء لأنه كمال، وعلي شيء بالقبح لأنه نقص، ولا يحكم باستحقاق مرتكب الحسن للثواب، وباستحقاق مرتكب القبح للعقاب.

وقد أجاب بعضهم على هذا الإشكال بدعوى ضرورة حكم العقل بالاستحقاق في مورد حكمه بالحسن والقبح وادعى ثبوت ذلك الاستحقاق عند العقلاء بتواتره (٣١) إلاّ أنّه من الواضح أن دعوى ثبوته بالتواتر، لا يكشف عن ضرورته…. إذ لعل ذلك من جهة العادة لا من جهة الملازمة.

الثاني: لو انتفى الحسن، والقبح العقليات انتفى الحسن والقبح الشرعيان، واللازم باطل اتفاقاً فكذا الملزوم، وبيان الملازمة بانتفاء قبح الكذب حينئذ من الشارع، إذ العقل لم يحكم بقبحه وهو (أي الشارع) لم يحكم بقبح كذب نفسه، وإذا انتفى قبح الكذب منه انتفى الوثوق بحسن ما يخبرنا بحسنه، وقبح ما يخبرنا بقبحه (٣٢).

الاتجاه الرابع:

ما ذهب إليه الأخباريون من العدلية وبعض الأصوليين منهم كصاحب الفصول ومن أجل بيان حقيقة دعواهم لابد من استعراض بعض أقوال كبار مفكري هذا الاتجاه وتحديد مدلولاتها:

قال الاسترآبادي، وهو رائد الأخباريين:

"أن العلوم النظرية قسمان قسم ينتهي إلى مادة قريبة من الإحساس، ومن هذا القسم علم الهندسة، والحساب وأكثر أبواب المنطق، وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء، والخطأ في نتائج الأفكار، والسبب في ذلك أن الخطأ في الفكر أما من جهة الصورة، أو من جهة المادة، والخطأ من جهة الصورة لا يقع من العلماء لأن معرفة الصورة من الأمور الواضحة عند الأذهان المستقيمة، والخطأ من جهة المادة لا يتصور في هذه العلوم لقرب المواد فيها إلى الإحساس، وقسم ينتهي إلى مادة هي بعيدة عن الإحساس، ومن هذا القسم الحكمة الإلهية، والطبيعية، وعلم الكلام، وعلم أصول الفقه، والمسائل النظرية الفقهية، وبعض القواعد المذكورة في كتب المنطق، ومن ثم وقعت الاختلافات، والمشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهية، والطبيعية، وبين علماء الإسلام في أصول الفقه، وعلم الكلام وغير ذلك، والسبب في ذلك: أن القواعد المنطقية إنّما هي عاصمة من الخطأ من جهة الصورة لا من جهة المادة، وليست في المنطق قاعدة بها يعلم أن كلّ مادة مخصوصة داخلة في أي قسم من الأقسام، ومن المعلوم امتناع وضع قاعدة تكفل بذلك، فإن قلت لا فرق في ذلك بين العقلبات والشرعيات والشاهد على ذلك ما نشاهده من كثرة الا

ختلافات الواقعة بين أهل الشرع في أصول الدين، وفي

الفروع الفقهية قلت: إنّما نشأ ذلك من ضم مقدمة عقلية باطلة إلى مقدمة نقلية ظنية، أو قطعية، ومن الموضحات لما ذكرناه من أنّه ليس في المنطق قانون يعصم من الخطأ في مادة الفكر:

إنّ المشائيين ادعوا البداهة في أن تفرق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه، وإحداث لشخصين آخرين، وعلى هذه المقدمة بنوا إثبات الهيولى، والاشراقيين ادعوا البداهة في انه ليس إعداماً للشخص الأول وإنّما انعدمت صفة من صفاته وهو الاتصال… إذا عرفت ما مهدناه من المقدمة الشريفة فنقول: أن تمسكنا بكلامهم فقد عصمنا من الخطأ وأن تمسكنا بغيرهم لم نعصم عنه" (٣٣).

وقال السيد الجزائري في أوائل شرح التهذيب على ما حكي عنه بعد أن نقل كلام المحدث الاسترابادي المتقدم.

"وتحقيق المقام يقتضي ما ذهب إليه، فإن قلت: عزلت العقل عن الحكم في الأصول، والفروع، فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل؟ قلت: اما البديهيات، فيه له وحده، وهو الحاكم فيها، وأما النظريات فإن وافقه النقل، وحكم بحكمه قدم حكمه على النقل وحده، وأما لو تعارضا هو، والنقلي، فلا شك عندنا في ترجيح النقل، وعدم الالتفات إلى ما حكم به العقل" (٣٤).

وقد نقل الشيخ يوسف البحراني كلام السيد الجزائري واستحسنه وقال معقباً عليه:

"لا مدخل للعقل في شيء من الأحكام الفقهية من عبادات، وغيرها، ولا سبيل إليها إلاّ السماع عن المعصوم - عليه السلام - لقصور العقل المذكور عن الاطلاع عليها، نعم يبقى الكلام بالنسبة إلى مالا يتوقف على التوقيف، فنقول أن كان الدليل العقلي المتعلق بذلك بديهياً ظاهر البداهة مثل الواحد نصف الاثنين، فلا ريب في صحة العمل به، فإن عارضه دليل عقلي آخر فإن تأيد أحدهما بنقل كان التأييد بالدليل النقلي، وأن عارضه دليل نقلي، فإن تأيد ذلك العقلي بدليل نقلي كان

الترجيح للعقلي إلاّ أن هنا في الحقيقة تعارض في النقليات، وإلا (أي لم يؤيد الدليل العقلي دليل نقلي)، فالترجيح للنقلي، وفاقاً للسيد المحدث الجزائري (قده) وخلافاً للأكثر هذا بالنسبة إلى العقلي بقول مطلق، أما لو أريد المعنى الأخص، وهو الفطري الخالي عن شوائب الأوهام الذي هو من حجج الملك العلام وأن شذ وجوده في الأنام، ففي ترجيح النقلي عليه أشكال" (٣٥).

ويقول صريحاً: "لا ريب أن العقل الصحيح الفطري حجة من حجج الله سبحانه، وسراج منير من جهته جل شأنه، وهو موافق للشرع من داخل كما أن ذلك شرع من خارج ما لم تغيره غلبة الأوهام الفاسدة، وتتصرف فيه العصيبة أو حب الجاه، أو نحوهما من الأغراض الفاسدة، وهو (أي العقل) قد يدرك الأشياء قبل ورود الشرع، فيأتي الشرع مؤيداً له، وقد لا يدركها قبله، ويخفى عليه الوجه فيها فيأتي الشرع كاشفاً له ومبينا" (٣٦).

وفي الواقع أن التأمل في هذه الكلمات يجعل الباحث يميل إلى الاعتقاد، بأن حقيقة دعواهم تلك ليست ظاهرة في نفي الحسن والقبح العقليين إنّما يمكن تفسيرها بما يلي:

١ - انهم يرون صعوبة أدراك العقل لحسن أو قبح الأفعال، وذلك لأن الحكم المرتبط بقضايا الحكمة، والفقه، وأصوله، ومنها أحكام العقل بالحسن والقبح و ينتهي إلى مادة بعيدة عن الإحساس (لبعد مادة هذه العلوم عن الأذهان) فمن الطبيعي أن تقع الاختلافات، والمشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة، وبين علماء الإسلام في أصول الفقه كما يقول المحدث الاسترآبادي (قده) (٣٧).

ولعل قول المحدث المذكور التالي أوضح برهان على أن غرضه الحقيقي نفي تطابق العقلاء على حكم عقلي واحد حيث قال:

"أن المشائين ادعوا البداهة في أن تفرق ماء كوز إلى كوزين إعدام لشخصه،

وأحداث لشخصين آخرين، والاشراقيين ادعوا البداهة في أنّه ليس إعداماً للشخص الأول، وإنّما انعدمت صفة من صفاته، وهي الاتصال" ثم يعلل عدم تمسكه بحكم العقل بالقول:

"إنّ تمسكنا بكلامهم (أي الأئمة - عليهم السلام - ) فقد عصمنا من الخطأ وان تمسكنا بغيرهم لم نعصم عنه" (٣٨) وهذا يعني أنّه لو حصل حكم عقلي ولم يقع فيه نزاع، فإنه يحظى بتأييد المحدث المذكور، ويحمل قيمة موضعية من وجهة نظره…، ويكون أساساً لحكم العقل بالمدح، والذم على فاعل العدل، ومرتكب الظلم.

٢ - أن مقصود هم من إنكار الأحكام العقلية إنكار الملازمة بين الحكم العقلي والحكم الشرعي، فهم لا ينكرون اصل قدرة العقل على إدراك الحسن، والقبح في الأفعال إنّما ينكرون حكم الشارع تبعاً لذلك الإدراك، ولعل قول المحدث الجزائري حول العقل وإحكامه:

"أما البديهيات، فهي له وحده، وهو الحاكم فيها" (٣٩).

منطبقاً على حكم العقل بالحسن، والقبح إذا قلنا أن الحكم بالحسن والقبح هو تطابق العقلاء عليه بما هم كذلك، فيكون حصول هذا التطابق في قضايا هي قريبة من البديهيات إذا لم نقل أنها تندرج في القضايا البديهية التي قد يدعيها ذلك الذي اتخذ الموقف الثاني أي الذي يرى أن الحسن، والقبح أمران واقعيان.

وسبب نفي الملازمة بين الإدراك العقلي، وبين الأحكام الشرعية عند الأخباريين، أما لأن ملاكات الأحكام الشرعية شيء آخر غير الحسن، والقبح في الفعل كما فسر بذلك كلام المحقق صاحب الفصول في نفيه للملازمة" أو لأن الأحكام الشرعية أحكام توقيفية غير منوطة بالحسن، والقبح، ولعل إلى هذا المعنى يشير قول المحدث البحراني:

"لا مدخل للعقل في شيء من الأحكام الفقهية من عبادات وغيرها ولا سبيل إليها إلاّ السماع عن المعصوم لقصور العقل عن الاطلاع عليها (ثم قال) نعم يبقى

الكلام بالنسبة إلى مالا يتوقف على التوقيف…" فإن ظاهر جملته الأخيرة أن مراده من قصور العقل عن الاطلاع عليها ليس بسبب عجزه عن إدراك الحسن، والقبح إنّما لأن الأحكام الشرعية أحكام توقيفية من الشارع غير مربوطة بأحكام العقل….

وهذا الكلام لا ينفي عقلية الحسن والقبح إنّما ينفي تلازم أحكام الشارع معها لأن ثبوت هذه الأحكام مقيدة بصدورها من الشارع، وعلى هذا الأساس من الفهم يمكن حمل الأحكام العقلية التي رفض الأخباريون الاعتقاد بها على تلك الأحكام التي لا يتطابق عليها العقلاء بما هم عقلاء، أما هذه الأحكام أي التي يتطابق عليها العقلاء بما هم كذلك ومنها أحكام العقل بالتحسين، والتقبيح، فهي تحمل قيمة موضوعية. فقول المحدث الاسترابادي (قده):

"أن العلوم النظرية قسمان: قسم ينتهي إلى مادة قريبة من الإحساس، ومن هذا القسم علم الهندسة، والحساب وأكثر أبواب المنطق، وهذا القسم لا يقع فيه الخلاف بين العلماء، وقسم ينتهي إلى مادة بعيدة عن الإحساس، ومن هذا القسم الحكمة الإلهية والطبيعية وعلم الكلام وعلم أصول الفقه والمسائل النظرية الفقهية… ومن ثم وقعت الاختلافات والمشاجرات بين الفلاسفة في الحكمة الإلهية والطبيعية وبين علماء الإسلام في أصول الفقه وعلم الكلام".

فأنه يمكن درج مسألة التحسين والتقبيح بناء على أنها تطابق العقلاء بل، وكذلك بناء على أنها حقائق خارجية في قسمه الأول الذي لا يقع فيه الاختلاف لأن ذلك التطابق، أو ذلك الإدراك لهذه القضايا لا يحصل إلاّ في القضايا الواضحة التي توازي في وضوحها قضايا الرياضيات، والهندسة، أو قريباً منها، ولو بعد التأديب عليها ولا تدخل في القسم الثاني الذي تكون مواده بعيدة عن إدراك العقل.

وقول المحدث الجزائري: "…. فإن قلنا عزلت العقل عن الحكم في الأصول والفروع فهل يبقى له حكم في مسألة من المسائل؟ قلت: أما البديهيات فهي له وحده وهو الحاكم فيها" فإنه يمكن درج مسالة التحسين والتقبيح تحت هذه البديهيات أو ما في حكمها لأن الحكم بالحسن والقبح إنّما يحصل بعد تطابق العقلاء، وهو لا يحصل إلاّ في القضايا بعد التأديب عليها، أو يحصل التطابق عليها

لوضوحها في عقل الإنسان بحيث ادعي بعضهم تواتر المدح والذم على فاعل الإحسان وفاعل الظلم.

وكذلك قول المحدث البحراني (قده): أما لو أريد (بالعقل) المعنى الأخص وهو الفطري الخالي عن شوائب الأوهام الذي هو حجة من حجج الملك العلام وأن شذ وجوده في الأنام ففي ترجيح النقلي عليه أشكال " حيث يقال أن الحاكم بحسن العدل وقبح الظلم هو هذا العقل الفطري الخالي عن شوائب الأوهام والذي هو حجة الله على الإنسان.

وهكذا يمكن فهم موقف الأخباريين بأنهم لا ينفون قدرة العقل على إدراك حسن أو قبح الفعل إنّما ينفون صعوبة تحقق ذلك الحكم لكثرة الأهواء والميول التي تحول دون ذلك الحكم أي إنّما ينفون الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع.

١ - نظرية التكليف: ص ٤٣٩.

٢ - نظرية التكليف: ص ٤٣٩.

٣ - نظرية التكليف: ص ٤٣٩.

٤ - مباحث الحكم: ج ١ ص ١٧٣ نقلاً عن كتاب الأصول العامة ص ٢٩٥.

٥ - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص ٣٢٧.

٦ - الأصول العامة للفقه المقارن: ص ٢٨٤.

٧ - نظرية التكليف: ص ٤٣٧.

٨ - البقرة: ٢٨٦.

٩ - الاقتصاد في الاعتقاد: ص ١٩٧ نقلا عن منهج البحث عن المعرفة عند الغزالي ص ١٩٦.

١٠ - منهج البحث عن المعرفة عند الغزالي ص ١٩٥.

١١ - أحياء علوم الدين: ج ١ ص ١٣٣.

١٢ - الأصول العامة للفقه المقارن ص ٢٨٥ نقلا عن كتاب مباحث الحكم عند الأصوليين ج ١ ص ١٦٩ محمّد سلام مدكور.

١٣ - غافر: ٢٦.

١٤ - الأصول العامة للفقه المقارن ص ٢٨٥ نقلا عن كتاب مباحث الحكم عند الأصوليين ج ١ ص ١٦٩ لمحمد سلام مدكور.

١٥ - المستصفى: ج ١ ص ٢٦ لأبي حامد الغزالي.

١٦ - فلسفات إسلامية: ص ٣٧٣.

١٧ - اوائل المقالات: ص ١٠٦ للشيخ المفيد.

١٨ - اوائل المقالات: ص ١٠٨.

١٩ - فلسفات إسلامية: ص ٣٧٢ وراجع أصول المظفر: ج ٢ ص ٢١٩ للشيخ محمّد جواد مغنية.

٢٠ - الأصول العامة للفقه المقارن ص ٢٨٦.

٢١ - بحوث في علم الأصول: ج ٤ ص ٤٥ تقرير بحوث السيد محمّد باقر الصدر بقلم تلميذه السيد محمود الهاشمي.

٢٢ - بحوث في علم الأصول: ج٤ ص ٤٦ تقرير بحوث السيد محمّد باقر الصدر بقلم تلميذه السيد محمود الهاشمي.

٢٣ - منطق الإشارات لابن سينا نقلا عن أصول الفقه ج ٢ ص ٢٢٥.

٢٤ - المنطق ج ٣ ص ٢٩٣ للشيخ محمّد رضا المظفر.

٢٥ - أصول الفقه: ج١ ص ٢٢٥ وص ٢٣١ على الترتيب.

٢٦ - أصول الفقه: ج١ ص ٢٢٥ وص ٢٣١ على الترتيب.

٢٧ - بحوث في علم الأصول: ج٤ ص ٤١.

٢٨ - دورس في علم الأصول الحلقة الثانية: ص ٣٠٢ للإمام الشهيد السيد الصدر (قده).

٢٩ - كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: ص ٣٢٨.

٣٠ - فلسفات إسلامية: ص ٣٧٤.

٣١ - أصول الفقه ج ٢ ص ٢٣٣.

٣٢ - شرح الباب الحادي عشر: ص ٤٥.

٣٣ - الرسائل: ص ٩ للشيخ الأنصاري.

٣٤ - الرسائل:

٣٥ - الحدائق: ج١ ص ١٣٣.

٣٦ - الحدائق: ص ١٣١.

٣٧ - الرسائل: ص ٩.

٣٨ - الرسائل: ص ٩.

٣٩ - الرسائل: ص ٩.



[ Web design by Abadis ]