ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دور المحتسب في السوق \ الدكتور عبد الهادي التازي

يعتبر إطار "المحتسب" من أهم الأطر التي تعتمد عليها الدولة الإسلاميّة في السهر على مصلحة المسلمين وازدهارهم، وهي تعني: المراقبة، رقابة العمران، ورقابة الأسواق، وما قد يجري فيها من الغش، بما فيه الغش التجاري والغش الصناعي.

وهذه الوظيفة ولو أنها لم تعرف باسمها الذي عرفت به في القرن الثالث الهجري، لكنها في سماتها العامة عرفت في عهد الرسول - صلى الله عليه وآله - والعصر الذي يليه، وقد وجدنا: أن الإمام عليا - عليه السلام - كان في صدر الّذين نبهوا إلى ما يجب أن تتوفر عليه الأسواق والطرق، من ترتيب وعناية على ما ورد في "كنز العمال" [٢].

وينبغي أن نرجع إلى ابن عبدون [٣]. الذي يبرز الشروط التي يجب أن تتوفر في الشخص الذي يرشح لهذه المهمة، من عفة وورع وعلم ومعرفة شاملة بالأمور، وفطنة وعزة نفس وشهامة. هذا إلى ما ينبغي أن يتوفر عليه أعوان هذا المحتسب كذلك: من نزاهة ومروءة وكتمان للسر وإخلاص للمهنة.

وقد دخل علم الحسبة مرحلة استقلت فيها بعض مسائله بالتأليف، وهكذا ظهر في بلاد المغرب كتاب "أحكام السوق" ليحيى بن عمر، المتوفى أواسط القرن الثالث الهجري.

وبالنسبة للبلاد المشرقية كان من أقدم ما وصلنا عن وظيفة الاحتساب هو:

الفصل الرابع الذي كتبه أبو الحسن الماوردي، من أهل القرن الخامس في كتابه "الأحكام السلطانية".

وقد برز نظام الملك الحسن بن علي - ت ٤٨٥ هـ - ١٠٩٢ م - بما قدمه الينا في كتابه "سياسة نامه" عندما ذكر: أنّه يجب تعيين المحتسب في كلّ مدينة؛ لمراقبة أوزان الأسواق ومقاييسها وأسعارها، منعاً للغش، وحماية للمستهلكين… وهو يقول: (إنّ على من ولاه أمر المسلمين أن يعزز جانب المحتسب، ويسنده بكل ما يوجد تحت سلطته من موظفين؛ حتّى لا يتصرف أهل السوق على حسب هواهم، وحتى لا يتلاعب الوسطاء بمصالح الناس…).

وقد توالى الإنتاج الغزير في موضوع الحسبة، وتعدد المصنفون فيه من المشرق والمغرب، بل إنّ التأليف حول الموضوع لم يقتصر على اللغة العربية، ولكنه تجاوز إلى اللغات الأجنبية: كالفرنسية والإنجليزية [٤].

وكان ما وصلنا من إنتاج عن الحسبة أو الاحتساب موزعاً بين قسمين:

الأول: قسم نظري يعرض لأنباء وظيفة المحتسب، وما ينبغي أن يتوفر عليه من صفات [٥].

الثاني: قسم تطبيقي يعرض أصحابه ضروبا من الحيل التي يلجأ إليها بعض الحرفيين، وفي هذا القسم يمكن أن نعد مثلاً: ما كتبه عبد الرحمان بن نصر الشيزري، من أهل القرن السادس الهجري في كتابه "نهاية الرتبة في طلب الحسبة" [٦]. وما كتبه محمّد القرشي المعروف بـ "ابن الأخوة" صاحب كتاب "معالم القربة في أحكام الحسبة"، وقد توفي عام ٧٢٩ هـ [٧]. وكذا ما ألفه حسين واعظ الكاشفي المتوفى أول القرن العاشر الهجري، والذي كتب عن التيموريين، والذي اعتبر أن وجود المحاسب، الضمانة الوحيدة لرفاهية الأسرة الإسلاميّة [٨].

وقد تحدث "غودفروا" عن هذين القسمين من كتب الحسبة، فيذكر: أن القسم الأول ذو طابع فقهي، بينما القسم الثاني يتضمن نوازل تعبر عن الحياة الاجتماعية والاقتصادية….

ونظراً لما يفرضه علينا الموضوع الذي نتناوله اليوم، والذي يقصد مباشرة إلى السوق، فإننا سنقتصر على ما يتصل بالسوق مما نجد له ذكراً في كتب الحسبة التي كانت متداولة.

ونبدأ بكتاب - نهاية الرتبة - للشيزري سالف الذكر، والذي كان معاصراً

للسلطان صلاح الدين الأيوبي، ونأتي بعده على كتاب ثان يحمل نفس العنوان، ولكنه من تأليف محمّد بن بسام المحتسب الذي عاش في القرن الثامن الهجري، على أن نتعرض لمؤلفات أخرى من التي تناولت السوق في المغرب، وقد قصدنا بالجمع بين هذه المصادر إعطاء صورة متكاملة لما يفكر فيه هؤلاء المؤلفون إزاء السوق.

لقد أمدتنا كتب الحسبة ببعض مظاهر العمران، فأتاحت لنا الفرصة لتصور ما كان بالأمس، وما هو عليه الأمر بالنسبة لحاضرنا.

فالشوارع والطرقات العامة كانت تحظى بعناية المحتسب، باعتبار أن استغلالها يدخل في نطاق المصلحة العامة التي عليه أن يقوم برعايتها، فهو يمنع من يريد أن يبني بنياناً يضايق الناس وهم يقطعون الطريق والمحتسب يمنع أن يقوم المرء بأخذ جزء من الطريق ليضمه إلى مبناه. والمحتسب يرغم من له جدار متداع للسقوط على ترميمه أو هدمه حفظاً لحياة المارة. وهو لا يمسح أن تكون الميازيب ظاهرة زمن الشتاء؛ حتّى لا تنفذ منها مياه الأمطار وتنزل على العابرين، فيجب عليه أن يأمر أصحاب تلك الميازيب بأن يتخذوا لها قنوات مدفونة داخل الجدار، كما أنّه يأمر أصحاب الدور بأن يغلقوا مجاري الأوساخ ومخارجها التي تخرج إلى الطريق العام. وأن يحفروا حفراً داخل الدور تجتمع فيها هذه الأوساخ تماماً، على نحو ما أمر به الإمام علي بن أبي طالب - عليه السلام - على ما قلنا في بداية هذا الحديث [٩].

وبالنسبة للأسواق وجدنا أن الشيزري ينص على أن تكون في ارتفاعها واتساعها مثلما كانت الأسواق الرومانية القديمة، ومعلوم أن الأسواق في الدولة البيزنطية كانت تقام غالباً حول الميادين والمعابد والكنائس، وكانت الدكاكين تنشأ على جانبي الشوارع المختلفة، وقد جعل لكل صنف من أصناف التجارة موضع خاص، وبنيت السقوف فوق تلك المواضع لحماية المارة من وهج الشمس أو ضخات المطر، ولذا سميت تلك الأسواق أحيانا بالسقائف، وقد كانت شائعة في أسواق القسطنطينية وغيرها من المدن التي كانت خاضعة للروم.

ويحتاط الشيزرى للمارة أكثر، فيذكر: أن السوق ينبغي أن يتوفر في جانبيه على فريزين يمشي عليهما الناس في زمن الشتاء، إذا لم تكن أرضية السوق مبلطة ويمعن الشيزري في الاحتياط لجانب المارة، فيطلب إلى المحتسب أن يمنع التجار في الأسواق من إخراج مصاطب دكاكينهم عن سمت السقائف الأصلي، والمصطبة تعني: بناء من الحجر أو من الخشب بواجهة الدكان، يبلغ ارتفاعها عن الأرض نحو الذراعين، ويكون سطحها في مستوى أرضية الدكان، ويجلس عليها صاحب الدكان مع زبائنه.

لقد اعتبر الشيزري ذلك التصرف من التجار خروجاً عن القانون، ونعته بأنه "عدوان على المارة"، وطالب المحتسب بوجوب إزالة هذا المنكر والمنع من فعله؛ لما في ذلك من لحوق الضرر بالناس [١٠].

وبعد أن يضمن الشيزري الحق للمواطنين في التوفر على ممرات نظيفة في السوق، ينتقل إلى ترتيب آخر من الأهمية بمكان؛ ذلك أن يقوم المحتسب بتخصيص كلّ مهنة بسوق خاص بها؛ حتّى يقصد المستهلكون أصحاب تلك المهنة في المكان المعد لها بسهولة، فإن ذلك لاقتصادهم أرفق، ولصنائعهم أنفق على حد تعبير الشيزري.

وسنرى: أن هذا التوزيع من لدن الشيزري هو الذي سلكه المخططون لإنشاء المدن الإسلاميّة الكبرى في معظم الأحيان على ما سنرى.

وتنتقل كتب الحسبة بعد هذا إلى ترتيب حضاري آخر أثار انتباه سائر الّذين ما رسوا أمر الحسبة ولم يتساهلوا فيه، بل واعتبروه أساساً لتخطيط السوق الإسلاميّة في المدينة، ويتعلق الأمر بضرورة فصل أماكن الصناعات بعضها عن بعض حسب اختصاصاتها، وحسب قضاءاتها، وهكذا فإن الصناعات التي يلازمها الدخان - مثلاً - كالخبازين، والطباخين، والحدادين، لا ينبغي أن تكون قريبة من الحوانيت أو الدكاكين التي يتجر فيها أصحاب العطور، أو الحوانيت التي تتولى بيع البز والثياب؛ لعدم المجانسة بين التجارتين، وحصول الإضرار بالناس كما يقول الشيزري.

وقد كان مما يندرج في ترتيب السوق وإحكام ضبطه وتنظيمه، أن يقوم المحتسب

ـ عندما تكثر الأشغال عليه - بتعيين أمين لكل مهنة أو حرفة في السوق يكون بمثابة النائب عنه [١١]، والممثل له لدى أهل تلك الحرفة، وهذا الأمين يسمى عند قوم بالعريف ويختار - عادة - من أهل الصلاح والثقة، ومن أهل الخبرة التامة بصناعة أهل الحرفة، وبما يمكن أن يقوم به الحرفيون، من غش وتدليس في مهنتهم، يبقى هذا الأمين على صلة مستمرة بالمحتسب يطالعه أخبار ذلك السوق وما يجلب إليه من السلع والبضائع، وما تستقر عليه الأسعار والكشف عن أحوال النقد المتداول، وغير ذلك من المعلومات التي يلزم المحتسب معرفتها وهم يستدلون على ابتكار وظيفة الأمين بقول النبي - صلى الله عليه وآله - "استعينوا على كلّ صنعة بصالح أهلها" [١٢].

وقد كان من أهم الموضوعات التي أثارها وجود المحتسب، أو الأمين النائب عنه في السوق ما يتصل بقضايا التسعير، وهل أن من حقه أن يفرض سعراً خاصاً لكل بضاعة، أم أنّه يكل الأمر إلى ما يتفق عليه أهل السوق؟ ونحن نعرف أن قضية التسعير تعتبر من القضايا التي ظلت مطروحة منذ العهد الأول للإسلام.

وإضافة إلى قضية التسعير تثار قضية الاحتكار أو الحكرة، التي تعتبر في الحقيقة وسيلة لابتزاز الجماعة الإسلاميّة، وحتى نضمن نظافة الأسواق وتطهيرها من كلّ ما يشينها وجدنا أن كتب الحسبة تمنع أحمال الحطب، وأعدال التبن، وروايا الماء، وسلال الأزبال، وأزيار الرماد وغيرها من الدخول إلى الأسواق؛ لما فيها من إلحاق الضرر بالمارة في لباسهم، وفي هندامهم، وفي سيرهم، ويعتبر هذا منتهى التحضر في إعداد الأسواق وتهيئتها وأكثر من هذا أن يلزم المحتسب، أو الأمين الذي يقوم مقامه في الأسواق أهل الأسواق بكنس أسواقهم باستمرار، وتنظيفها من الأوساخ التي تلحق بها، وكذا إزاحة الطين والوحل المتجمع بها أثناء نزول الأمطار، أو ما شابه ذلك من ترسب الثلوج أو انتشار الغبار.

ولم تهمل كتب الحسبة التجاوزات الأخرى التي يمكن أن تحدث في ساحة

الأسواق ودروبها؛ مما قد يشوش على المسلك المعهود للناس، أو يحدث أذى أو ضرراً بالسالكين والعابرين. كما اهتمت كتب الحسبة بما ينبغي أن تكون عليه الشوارع والطرقات من احترام للأخلاق كذلك، فلا يجلس الرجال في عرض الطريق التي يمر فيها النساء، ولا تقف النساء على أبواب بيوتهن للتطلع إلى الرجال [١٣].

وقريباً من هذه التعليمات المتصلة بالسوق نجدها أيضاً عند ابن بسام المحتسب في كتابه "نهاية الرتبة" [١٤]. وهكذا فقد خصص الباب الثاني من الكتاب للنظر في الأسواق والطرقات، وهنا ردد تقريباً نفس المعلومات التي قدمها لنا الشيزري، لكنه عندما كان يتحدث عن ضرورة الفصل بين الدكاكين التي ترجع للعطارين والبزازين، والدكاكين الأخرى التي تحتاج إلى وقود نار، ذكر في جملة الأمثلة لهذه الأخيرة دكاكين "الجردقاني" التي قال عنها المحقق: إنها نسبة إلى الجردقة، وهي: الرغيف، قال: وهي فارسية، ومعناها: المستدير.

وعلى نحو ما فعله الشيزري وجدنا: أن ابن بسام يعرض في فصل تنظيم الأسواق إلى ما يتصل بالتسعير الذي من شأنه ان يضمن الأمن والاستقرار في الأسواق، وكذا ما يتصل بالاحتكار باعتباره يكون في بعض الأحيان عدوانا سافراً على المستهلكين.

وفي نفس السياق تحدث ابن بسام عن قضية حماية الأسواق من التلوث، فمنع مرور أحمال الحطب وما أشبهها مما قد يؤذي المارة، وقد استدل بالحديث الشريف الذي يقول: "لا ضرر ولا ضرار" [١٥]. على وجوب احترام قوانين السير في الطرقات والأسواق.

وابن بسام - وهو متأخر عن الشيزري - يقدم من خلال تجربته في الحسبة تعليمات كلها تتصل بفرض النظام، وضرورة الالتفات إلى الغير عندما تتعلق رغبتنا بإنشاء جديد في مبانينا.

والطريف عند ابن بسام أنّه يختم هذا الباب الثاني بنازلة فقهية مهمة: ويتعلق الأمر

بالتاجر أو الصانع الذي تتكرر خيانته من أهل السوق، فيعرض بصنيعه ذلك سمعة السوق للسوء! هنا يصبح من واجب المحتسب - إنقاذاً للسوق من مثل هؤلاء العابثين - أن يضرب على أيديهم، ويؤدبهم بما يراه رادعاً لهم.

وابن بسام هنا يروي: أن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب - عليه السلام - أمر بضرب رجلٍ وجب عليه الحدّ، فقال له وهو يضربه: قتلتني يا أمير المؤمنين ! فقال له الإمام: الحقّ هو الذي قتلك، قال: فارحمني! قال: لست أرحم بك ممّن أوجب عليك الحدّ…. !

وبعد أن يقدّم ابن بسام هذا الموقف من الإمام علي - عليه السلام -، يقرر عقوبة أخرى من العقوبات التي يمكن أن ينزلها المحتسب بالمخالفين للنظام في السوق، ويتعلق الأمر بإبعادهم وتنحيتهم من ذلك السوق [١٦]، وهذه العقوبة من المحتسب للمتساهلين والغاشين تعتبر في نظرنا من أشد العقوبات وأقساها؛ ذلك لأنها تحرم المعني بالأمر من حصانة السوق وحمايته أمام الراي العام في لائحة الخونة للأمانة، وكذلك فإن ذلك الإبعاد يقضي عليه من الناحية المادية، يجعله في عداد العاطلين نتيجة إصراره وعناده.

وإذا ما انتقلنا إلى بعض المؤلفات المغربية من التي تناولت موضوع الحسبة وخاصة ما يتصل بالسوق، فإننا سنجد أنفسنا أمام عدد كبير من المؤلفات والرسائل والفتاوى، ولكنها - كما قلنا سابقاً - سنقتصر على إعطاء نماذج لبعضها، وأقصد: إلى ابن عبدون الأندلسي، والعقباني التلمساني، وابن الوزان الفاسي.

ففيما يتصل بمحمد بن أحمد بن عبدون الأندلسي، نجد أنّه كان من أكثر المهتمين بالناحية العمراينة في رسالته عن الحسبة سالفة الذكر فقد تحدث - مثلاً - عن تنظيم حركة الموانىء التي تزود الأسواق بالسلع والبضائع، وعقد فصلاً هاماً بعنوان "فصل في المباني وإصلاح الطرق " وكأنه في هذا الفصل كان يخطط لبناء مدن وأسواق مهددة بالزلازل ! وهكذا فقد ذكر: أن المباني تعتبر مأوى الأنفس والمهج والأبدان، فيجب إذن تحصينها وحفظها؛ لأنها مواضع حفظ الأموال والمهج، فمن الواجب أن ينظر في كلّ ما

يحتاج إليه من العدد [١٧]. ومن ذلك: أن ينظر أولا في تعريض الحيطان، وتقريب الخشب الوافر الغليظ القوي للبناء، وهي التي تحمل الأثقال وتمسك البنيان، يجب أن تكون حصة ألواح البنيان في عرضها شبرين ونصف الشبر لا أقل من ذلك، ويحدد المحتسب ذلك للصناع والبنائين، ولا يجوز أن يصنع حائط يحمل ثقلاً أكثر من هذا، ويجب أن تكون الآجر وافرة معدة لهذا المقدار من عرض الحائط، ومن المهم أن نعرف أن ابن عبدون يؤكد على أنّه يجب أن يكون عند المحتسب قالب غلظ الآجر، وسعة القرمدة، وعرض الجايزة وغلظها، وغلظ الخشبة، وغلظ لوح هذه القوالب مصنوعة من خشب صلب، تكون معلقة بمسامير في أعلى حائط المركز الذي يخصص لجلوس المحتسب، يحافظ عليها كي يرجع إليها متى ما نقص منها أو زيد فيها، ويكون عند الصناع قوالب أخرى لعملهم.

وأكثر من هذا، يهتم ابن عبدون بصيانة المؤسسات العمومية وحمايتها من عوادي الزمن. ويعود إلى تنظيم الطرق والشوارع؛ ليؤكد على ضرورة حمايتها، والحفاظ على نظافتها، وإصلاح المواضع المتطامنة فيها من التي قد تتضرر بالماء والطين، ويحتم قطع الضرر حيث كان قديماً أو حديثاً ويعود ابن عبدون لما تقرر من التأكيد على أن الّذين يبيعون الحشو والدوم والربيع وكل ما له زبل، عليهم أن يجبروا على تنحية تلك الأزبال من الأسواق. وعلى المحتسب أن يتصرف بصرامة ولو بإحراق المواد؛ حتّى ينقاد أهل السوق للنظام.

وفيما يتصل بالعقباني [١٨].: فإننا نجد أن كتابه " تحفة الناظر وغنية الذاكر" لا يخلو من وصف لأشكال بعض المباني، أو لبعض ما احتوت عليه، فقد نقل عن ابن المناصف - المتوفى بمدينة مراكش عام ٦٢٠ هـ = ١٢٢٣ م - في كتابه "تنبيه الحكام" ما يدل على اتخاذ.

أهل المغرب تماثيل في الحمامات، وبعض البيوت تستعمل لتزيين تلك الأمكنة، وعبر أفواه تلك التماثيل تجري المياه. وغالباً ما تكون التماثيل في شكل أسود أو غيرها من الحيوانات، الأمر الذي يفسر لنا سر وجود بعض الأحواض الرخامية، التي تحتفظ بها إلى الآن بعض المباني التاريخية بمراكش.

والعقباني - كالذين سبقوه - حريص على ترتيب السوق وجماله، إلى جانب الإهتمام بما يلزم السوق الإسلامي من مساجد تتوفر على مرافق تضمن الراحة للمؤمنين، بما تحتوي عليه من أدواة التطهير والتنظيف.

وهكذا اهتم العقباني حتّى بأمر تصميم بناء المساجد وموقعها في كلّ مدينة، بل في كلّ قرية، كما اهتم - علاوة على نظافتها وصرف الهوام والحشرات عنها - بأمر تبخيرها بالروائح الطيبة، إمعاناً في إدخال الراحة على المؤمنين الّذين يقصدونها لعبادة الله.

وقد رجع بعد الحديث عن "المسجد" إلى منكرات الأسواق والطرق، وهنا تحدث عما قد يصيب أبنية السوق من تصدع، أو ما يصيب الشوارع التي تقود إلى تلك الأسواق من عيوب، كذلك الجدران المائلة، والدكات التي تنصب في عرض الشارع، مما يضيق بالمارة، وكذا الساباطات المضروبة من فوق على الطرق والممرات بشكل لا يليق، وكذلك إنشاء الأبواب بطريقة عشوائية لا تحقق مصالح السكان، وضرورة جعل ممرات خاصة للدواب المحملة بالبضاعات، تجنبا لإقلاق أصحاب السوق [١٩].

ويذهب العقباني بعيداً، فينقل عن "المازري" في كتابه "جامع الأحكام" قولاً يقضي بهدم المحتسب لكل ما أضر بالمارة حتّى لا يبقى له رسم، وهكذا نجده يقول: (إنّ من المنكر بناء الدكاكين بين أيدي الحوانيت في بعض الأسواق، وربما يضر بالمارين، ويضيق عليهم عند اصطدام الأحمال) وينقل عن بعض الصحابة: أنّه هدم كير حداد وقال: (تضيقون على الناس الطريق) وقد روي عن بعض أهل العلم: (أن الأسواق لها حرمة كحرمة المساجد) [٢٠].

وتوجد في المغرب إلى عهد قريب أسواق خاصة بالنساء لا يدخلها غيرهن، ولها جوانب يختص كلّ جانب بمهنة، وعلى كلّ مهنة عريفة، وتشرف على السوق كله رئيسة تفصل فيما ينشأ بين البائعات والمشتريات من خلاف.

ومن العجب ما ذكره العقباني التلمساني: أن النساء كن يخرجن لمجالس تجمعهن، في مكان يغزلن فيه عند امرأة واحدة في منزلها، ما تدعوهن هي لغزله من كتان أو صوف، إعانة أو رفقاً، وهم يسمون ذلك بـ "التويزة" التي تعني بالدارجة المغربية: العمل المشترك، أو الخدمة المشتركة.

وجاء تدخل المحتسب في مثل هذه التجمعات من حيث ما قد تؤدي إليه من سوء العشرة بين الزوجين. وفي مقابلة "التويزة" هذه تحدثت كتب الحسبة عن نازلة طريفة قد تقع في السوق، وهي: اتفاق التجار على إخلاء السوق في فترة معينة لصالح واحد منهم، جبراً لخاطره، أو تشجيعاً له على مشروع هو بصدده…، وتدخل المحتسب يجيء هنا فقط لحماية الأسعار من التصرف الفردي.

وقد تعرضت كتب الحسبة لاختصاصات التجار والصناع بدقة متناهية… وتحدثت عن اهتمام كلّ فرع من هذه الفروع بما يجري في دائرته، فتحدثت عن المنكرات المتمثلة في عقود المعاوضات وغير ذلك، مما يقضى به للعامة على الخاصة في كلّ الأزمان. وكان مما تناولته تلك المصادر: ما يقع أحياناً في المزاد العلني للكتب من تحيل على المشترين لإيقاعهم في الفخ. وقد كان بسوق الكتبيين بالمغرب بعض رجال الفضل ممن يعرفون بقيمة "المخطوط "، فهم الّذين يعطون للدلال المبلغ الأول الذي يبتدئ به عرض الكتاب على المتزايدين.

ومن خلال اهتمامات المحتسب نراهم يعالجون قضايا الغش: في القطان، والزيوت والدهون، والألبان، واللحوم، والفواكه، والخبز والتوابل، والملابس، والأحذية، والأملاح، والجواهر، والأحجار الكريمة.

ولقد كان المحتسب مسؤولاً في بعض الأحيان عن التجارة الخارجية، أي: عن العلاقات الدولية فيما يتصل بالمبادلات التجارية، وهكذا وجدنا أن الدولة تحتكم إليه فيما يصدره الصناع إلى الخارج، وهل أنّه سالم من الغش والزيف حتّى لا تعطي الصناعة

الإسلاميّة للأجانب فكرة سيئة عن الصانع المسلم [٢١].

ونظراً لما يتميز به السوق - أي سوق كان - من اختلاط الديانات المتعددة ن والأجناس المختلفة، فقد عالجت كتب الحسبة تعامل المسلمين مع غيرهم من الملل والنحل، وتصورت ما يمكن أن يحدث بين هؤلاء وأولئك من نوازل وحالات، مما جعل كتب الحسبة معدودة من بين مصادر القانون الدولي العام.

وعلى نحو ما قلناه سابقاً من: أن ابن عبدون كان يفرض على المحتسب أن يحتفظ له "بقوالب" في محكمته، تكون نموذجاً يرجع إليه عند الحاجة في شؤون البناء والعمران كذلك، فقد كان من المعهود نصب لوحة من مقياس "ذراع" في واجهات أسواق الثياب، تكون مرجعاً للذين يشترون قماشاً ويشكون في قياس الثياب.

وقد فتحنا أعيننا بمدينة فاس على "قالة" مغروسة على جدار السوق يلجأ إليها المشتكون، لقد كان هناك ثلاث "قالات": اثنتان ترجعان لتأريخ - ٧٥٥ هـ = ١٣٥٤ م - عهد السلطان أبي عنان من بني مرين، والثالثة ترجع لتاريخ - ١٢٣٤ م - عهد السلطان المولى سليمان من ملوك العلويين، وقد نقش على هذه ما يلي:

(الحمد لله، هذا قياس قالة القيسارية بالحضرة الإدريسية، حققها محتسب أمير المؤمنين مولانا سليمان، نصره الله وأيده، وخلد في الأنام وجوده، وذلك عام أربعة وثلاثين ومائتين وألف).

ومعنى كلّ هذا: أن دور المحتسب في السوق كان دوراً حاسماً، وأن كلمته كانت الكلمة الأولى فيما يتصل بضبط سير الأسواق، سواء كانت الأسواق للبيع بالجملة أو للبيع بالتقسيط.

وإذا ما رجعنا إلى كتاب "وصف أفريقيا" للحسن ابن الوزان [٢٢]. فسنجده يتحدث

عن دور المحتسب في عدة مقاطع، كان منها ما ذكر فيه [٢٣]. (أن المحتسب: هو الذي يشرف على أمناء الحرف والمهن، وشغله الشاغل هو: التجول في المدينة باستمرار على ظهر فرسه أو بغلته مصحوباً بعدد من أعوانه لا يقل عن اثني عشر عوناً، لمراقبة الأسواق وما يجري فيها من بيع وشراء، وفي استطاعته متى لم يجد الوزن كما هو، أن يقوم بإهانة الغاش، وبالتصدق بالبضاعة على الفقراء، وبإتلافها، وما أزال أتذكر - إلى اليوم - منظر العديد من الأحذية وقد قطعت ومزقت وألصقت على جدار السوق الرئيسي للأحذية…! ومن الجاري به العمل أن يعين المحتسب بمرسوم يحمل ختم رئيس الدولة نفسه، تعبيراً عن الأهمية التي تولى للمحتسب…. ) [٢٤].

وفي اعتقادي أن ابن الوزان هو الذي أعطى فكرة دقيقة عن هذه الوظيفة الحضارية التي يضطلع بها المحتسب. وحسبنا أن نرجع إلى كتابه سالف الذكر؛ لنعرف عن التقسيمات التي تخضع لها أسواق المدينة، ويذكر مدينة فاس كنموذج لتلك التقسيمات.

إنّ مدينة فاس عنده: عبارة عن حارات، كلّ حارة لها سوق تمارس فيه التجارة في مادة معينة، فهنا سوق الكتب، وسوق الذهب والجوهر، والأواني النحاسية، وباعة الفواكه المجففة، والشمع والخيطان، وسوق الزهور، والليمون والحليب والزبد والجبن، والقطن، والقنب والحبال، وسوق الأحذية، وأرسان الخيول والأسرجة وأغماد السيوف، والأواني الخزفية التي تبلغ مائة دكان، وهناك سوق المخللات، والجزارون والخضارون

والعطارون، وصيادوا السمك، وبائعوا الدجاج والصابون والدقيق والحبوب والقطن والدلاء، والأحواض الجلدية والأوعية والظروف. وهناك الحدادون والقصارون، إلى آخر اللائحة الطويلة العريضة التي قدمها، وكان المهم فيها: أن المهن المتكاملة توجد في أمكنة متقاربة في السوق، بحيث لا يشعر المستهلك بأي تعب وهو يقضي حاجاته [٢٥].

فالذي يهمه أمر التموين سيجد: أن الجزارين على مقربة من الخضارين، وعلى خطوة ما، بائعي التوابل والزيوت. والذي يهمه أمر الخيول سيجد نفسه على مقربة من السراجين والحدادين ومعالجي أمر الخيول… إلى آخره. والذي يهمه أمر الثياب سيجد: أن الأقمشة على اختلافها توجد في المكان الذي يحمل اسم "القيصرية" [٢٦]. فهناك سوق الكتان، وسوق الملف، وهناك الخياطون وبائعوا الحرير والأزرار…، وهكذا، فإن الناس كانوا لا يشتكون بالأمس مما يشتكونه اليوم من الفوضى التي ضربت بإطنابها على الأسواق عندنا، فشوهت ملامحها ونالت من جمالها فنحن نعيش اليوم مع أسواق طابعها الارتباك والاختلاط، فحوانيت القماش بني إلى جانبها متجر لبيع الدراجات، وحوانيت الكتبيين انتصب إلى جانبها دكان لبيع الطماطم…!

ومن الطريف أن نجد الحسن ابن الوزان - وهو يتحدث عن سوق العطارين بمدينة فاس - يتذكر سوق العطارين بمدينة تبريز، ويقوم بمقارنة ومفارقة بين السوق في العاصمة العلمية فاس، وبين السوق في عاصمة إقليم أذربيجان: تبريز، التي كان قد زارها من قبل، والتي يعطيها اسم "توزير" [٢٧]، ومن الطبيعي أن نجد الرحالة المغربي يفضل تصميم سوق العطارين بفاس على سوق العطارين بتبريز خاصة وأن دكاكين هذا

الأخير عبارة عن أروقة شبه مظلمة بالرغم من أنها مبنية بأناقة على أعمدة من رخام.

تصاميم الأسواق:

وقبل الحسن ابن الوزان نجد رحالة مغربياً آخر يزور مدينة تبريز، ويؤدي وصفاً دقيقاً لسوقها المعروف باسم "قازان"، لقد نعتها بأنها سوق عظيمة، قوال: (إنها من أحسن أسواق بلاد الدنيا ترتيباً ونظاماً، كلّ صناعة فيها على حدة لا تخالطها أخرى، واجتزت - يقول ابن بطوطة - سوق الجوهريين، فحار بصري مما رأيته من أنواع الجواهر…، ودخلنا سوق العنبر والمسك فرأينا من ذلك أعظم….، وبعد أن يصف المسجد الجامع الذي كان عليه ذلك العهد، يقدم وصفاً للجدران التي كانت مزخرفة بالقاشاني [٢٨]. الذي يسمى في المغرب بالزليج.

وإذا كان الرحالة ابن بطوطة فاته ذكر القيصرية التي كانت تحتضنها تبريز، فإنّه ذكر القيصرية التي زارها في بلاد الشام. وعلى ذكر قيصرية فاس لا يفوتني أن أسجل هنا ظاهرة حضارية تعتبر قمة فيما بلغه السلوك الأخلاقي في بعض الأحيان.

لقد عرفت قيصرية فاس وقفاً خاصاً، لقرض صغار المستثمرين من التجار والصناع، تشجيعاً لهم على مواصلة نشاطهم في بداية خطواتهم.

وهكذا وضعت الدولة مبالغ من المال في صندوق بالقيصرية جعل رهن إشارة المحتاجين، يأخذون منه ما يشاؤون ويرجعونه عندما تنتهي الحاجة. لقد تمت هذه التجربة - على ما يبدو لي - أيام السلطان المولى إسماعيل جد الأسرة العلوية الحاكمة. فقد ورد في حواشي الإمام ابن عرفة الدسوقي المالكي المصري على شرح أبي البركات الشهير بالدردير على مختصر الشيخ خليل، نقلاً عن حاشية شيخ مشايخه العلامة محمّد البليدي المصري على الزرقاني على مختصر خليل: أنّه كان في قيصرية (أو قيسارية) فاس ألف أوقية من الذهب موقوفة للسلف، فكان الناس يأخذون منها ما تدعو إليه حاجتهم، غير أنّه من المؤسف أن الّذين فكروا في إنشاء هذا "البنك" لم يفكروا في إنشاء

إطار يعمل على ضبط عمليات الأخذ والرد، عن طريق تعويض - مثلاً - يدفعه الّذين يستفيدون منه إلى الّذين يسيرون…، وهكذا أخذ الناس يردون النحاس عوض الذهب، والقزدير عوض الفضة، فاندرست تلك المبالغ وضاع الطالب والمطلوب [٢٩].

* * *

وبعد، فلقد رأينا كيف أن تاريخ السوق ظل في الفكر الإسلامي مرتبطاً بالوظيفة الدينية التي نطلق عليها اسم "المحتسب" فهو الذي يعطي رأيه في تخطيطه، وهو الذي يشرف على خططه، يعمل باستمرار على تطوير حركته وتنمية اقتصاده، الأمر الذي يفسره لنا: أن الدول الإسلاميّة ظلت مقتنعة بجدوى المحتسب، غير مستغنية عنه، سواء في المشرق أو في المغرب.

وهكذا كنا نقف بين الفينة والأخرى على نصوص تتعلق بتسمية المحتسب كمشرف على شؤون السوق. في العهد الأول للصفويين كانت المدن تتوفر كلها على المحتسب، فكان يوجد في كلّ مدينة محتسب خاص بها، تحدد له المجالات التي يهتم بها وعلى رأسها السوق.

وفي أحد القرارات التي صدرت بتسمية محتسب مدينة تبريز بتأريخ (١٠٧٢ هـ = ١٦١٢ م) لا حظنا: أن المشرفين على الحكم في البلاد يضيفون إلى المهمات الموكولة للمحتسب في السوق مهمة جمع "الخمس" و"الزكاة" [٣٠] من التجار، علاوة على السهر على مرافق السوق.

وعلى نحو هذا تقريباً كانت الأحوال في المغرب الإسلامي…، وهكذا توفرنا على عدد من المظاهر والمراسيم التي تعين هذا المحتسب أو ذاك على ما سلفت الإشارة إليه.

لكن الملاحظ - مع الأسف الشديد - أن هذه الوظيفة بالرغم من أهميتها أخذت تتعثر مع بداية القرن التاسع عشر، وخاصة بديار المشرق لقد احتفظت بلاد فارس بالوظيفة بالرغم من تعثرها، ولكن إلى سنة (١٣٠٥ هـ = ١٩٢٦ م) عندما أخذت وظيفة الاحتساب تندمج شيئاً فشيئاً ضمن المؤسسات العصرية التي ظهرت في البلاد.

وبالنسبة للمغرب الأقصى: فبالرغم من محاولات الحماية الفرنسية القضاء عل الوظيفة وإذابتها فيما أنشأته من أجهزة إدارية إلاّ أن الملك محمّد الخامس - ومعه كتلة العمل الوطني في مطالبها لعام ١٩٣٤ م - أصر على الحفاظ على هذا الإطار، وعززه بسلسلة من الإجراءات التي رسخت اسم المحتسب في الساحة السياسية.

وبعد استرجاع المغرب لاستقلاله وتحرره من ربقة الاستعمار، عدنا إلى تكوين طائفة كبيرة من المحتسبين، الّذين توزعوا على مختلف المدن للقيام بمهامهم، تعززهم السلطة فيما يقومون به، من أجل السهر على تنظيم حركة العمران، وإبداء الرأي حول تصاميم الأبنية، بما فيها أبنية الأسواق والمعامل (٣١). وقد كنت ضمن الأساتذة الّذين وقع عليهم الاختيار لتكوين الفوج الأول من المحتسبين الّذين يمارسون اليوم نشاطهم بشتى جهات المملكة المغربية.

ولا أدري إذا ما كان من حقي أن أدعو هنا - بهذه المناسبة - إلى إحياء هذه الوظيفة التي أعتقد أنها في حاجة إلى رؤية جديدة. إنها إذا كانت بالأمس واجبة للحفاظ على جدية السوق، فإنها اليوم أكثر وجوباً وأوكد؛ لأن الحياة اليومية بما اعتراها من تعقيد وتراكم أمست بحاجة ماسة إلى توظيف أكبر عدد من الأكفاء؛ لخلق ضمير مهني أوّلاً، وعلاج بعض الحالات، ولضمان الأمن الغذائي والأمن الخلقي.

إنّ رجال الإدارة مهما بذلوا من جهد للتعرف على حاجات السوق فسيبقى الشيء الكثير على كاهل المحتسب، الذي تنعته المرددات الشعبية بأنه "فضولي"، يعني: أن عليه ليس فقط أن يبحث، ولكن لتتملكه غريزة البحث حول كلّ الجزئيات مهما صغرت؛ لكي يوفر للمجتمع حياة مزدهرة تقوم على احترام القانون وكرامة الإنسان.

١ - بحث ثدمه الدكتور التازي إلى المؤتمر الدولي الذي انعقد في الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية - تبريز) خلال الفترة من ١٣ - ١٦ جمادي الثاني ١٤١٤ هـ بدعوة من مؤسسة الموسوعة الإسلاميّة حول "السوق في حضارة العالم الإسلامي"، ونشير إلى أن الكاتب - حفظه الله - لم يذكر أياً من المصادر الشيعية التي تطرقت إلى موضوع المقال، ولو فعل ذلك لأصفى قوة على موضوعه، لأن فقهاء الإمامية تناولوا هذا الموضوع واستدلوا على وجوب القيام بالأمور الحسبية بعمومات من الكتاب والسنة والإجماع، وبضرورة العقل الحاكم بوجوب حفظ النظام، وقد قسموا موارد الحسبة إلى قسمين: أحدهما: ما يتعلق بقضايا الأشخاص من قبيل القاصرين باليتم والجنون وغيرهما. وثانيهما: ما يتعلق بقضايا النظام العام في المجتمع، ونحن أضفنا إلى هذا المقال هوامش من مصادر فقه أهل البيت عليهم السلام، مستندين إلى الكتب التالية: تهذيب الأحكام والمبسوط والنهاية للشيخ الطوسي، والدروس للشهيد الثاني، وقواعد العلامة، والمقنعة للشيخ المفيد، وجميع الكتب الفقهية الإمامية، وقد ذكرنا بعضا ً منها. "التحرير".

٢ - كنز العمال ١٥: ٤١١، ورجال الكشي ١: ١٨ - ٢١، والتراتيب الإدارية للكتاني ١: ٢٨٤.

٣ - رسالة في الحسبة لمحمد بن أحمد بن عبدون التجيبي.

Journal Asiatique Avril - Jum ١٩٣٤p. ١٩٣ - ٢٥٤.

٤ - ظهر قبل عشرين سنة عن المعهد الأسباني العربي للثقافة مؤلف ضخم باللغة الأسبانية، يتألف من نحو ثمانمائة صفحة بعنوان:

Pedro Chalmeta gendron: el senor del Zoco en Espana: Madrid ١٩٧٣.

٥ - الاحتكار في الشريعة الإسلاميّة للشيخ محمّد مهدي شمس الدين، والنظام الإداري في الإسلام: ٤٤٢.

٦ - نهاية الرتبة للشيرزي، قام بنشره الباز العريني، بإشراف محمّد مصطفى زيادة، القاهرة، مطبعة لجنة التأليف والترجمة ١٣٦٥هـ ١٩٤٦م.

٧ - معالم القربة في أحكام الحسبة، تأليف محمّد بن محمّد بن أحمد القرشي المعروف بـ "ابن الأخوة"، عني بنقله وتصحيحه روبين ليفي، مطبعة دار الفنون بكيمبرنج ١٩٣٨ م.

٨ ـLambton ENC. De ١ lslam hisba. A. K. S. L.

٩ - انظر بحار الأنوار ٧٢: ٤٩، و ٧٣: ٣٥١.

١٠ - راجع كمال الدين وتمام النعمة: ٢٦٦، والكافي للكليني ٧: ٤٠٦.

١١ - انظر نهج البلاغة ٣: ١٠٠ والغرر والدرر: الحديث ٦٠٦، ووسائل الشيعة: ب ٢٧ من أبواب التجارة ج ١٢، ودعائم الإسلام ٢: ٣٦.

١٢ - كشف الخفاء للعجلوني ١: ١٣٤.

١٣ - راجع من لا يحضره الفقيه ٢: ٨، ووسائل الشيعة: ب ٣٠ من أبواب آداب التجارة ج ١٢.

١٤ - نهاية الرتبة في طلب الحسبة لابن بسام، تحقيق وتعليق حسام الدين السامرائي، ساعدت جامعة بغداد على نشره، مطبعة المعارف، بغداد ٣٣ / ١٠٠٠ / ١٩٦٨م.

١٥ - وسائل الشيعة: كتاب إحياء الموات باب ١٢ ح ٣ ت ٥ ج ١٢، عنه عوالي اللئالي ١: ٢٢.

١٦ - نهج البلاغة ٣: ١٠٠، والنهاية للشيخ الطوسي: ٣٧٤، ومستدرك الوسائل: باب ٢١ من أبواب التجارة ج ١٢.

١٧ - الجوامع الفقهية: ٣١، وجواهر الكلام ٢٢: ٤٨٠.

١٨ - كتاب "تحفة الناظر وغنية الذاكر في حفظ الشعائر وتغيير المناكر" تأليف أبي عبد الله محمّد بن أحمد بن قاسم بن سعيد العقباني التلمساني (ت ٨٧١ هـ = ١٤٦٧ م). تحقيق علي الشنوفي.

Institu Francais De Damas: Bulletin d Etudes Orientales Tome XIX

Ennees ١٩٦٥ - ١٩٦٦ darnas١٩٦٧ P: ١٤٣.

١٩ - الحدائق الناضرة ١٨: ٦٤، والختصر النافع للعلامة: ١٢٠.

٢٠ - كنز العمال ٤، كتاب البيوع، وبحار الأنوار ٧٣: ٣٤٧، وتهذيب الأحكام ٦: ٣٠٣.

٢١ - ابن زيدان في "إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس": ج ٤ ص ٤٦٢، الطبعة الثانية إيديال الدار البيضاء، والدكتور التازي في "أمير مغربي في طرابلس": ص ١٨، سنة (١٩٧٦ م) نشر المعهد الجامعي للبحث العلمي. وراجع التراتيب الإدارية ٢: ١٦٣.

٢٢ - الحسن ابن الوزان شخصية إسلامية معروفة، عاشت اسرته بالأندلس، وولد بغرناطة، وانتقل لمدينة فاس فتعلم بها، له عدة رحلات، كان منها: رحلة إلى تبريز للقاء السلطان "سيلم" سفيراً لديه من قبل ملك فاس عام (٩٢٣ هـ = ١٥١٧ م)، وعند عودته عام (٩٢٦ هـ = ١٥٢٠ م) وقع في أيدي القراصنة الإيطاليين الّذين قدموه هدية إلى البابا في روما فمسحوه وأصبح اسمه: "ليون الافريقي". من كتبه: "وصف إفريقيا" الذي ترجم عن الإيطالية إلى الفرنسية من قبل " A. EPAULAR"، وعن الفرنسية ترجمه الدكتور محمّد حجي، ومحمد الأخضر، الطبعة الثانية دار الغرب الإسلاميّة (١٩٨٣ م).

٢٣ - ج ١، ٢٣٧ - ٢٥١ - ٢٦٠، ج ٢ ص ٢١٤ - ٢٣٢.

٢٤ - وصف أفريقيا: ج ١ ص ٢٣٧ و ٢٥١ و ٢٦٠ و: ج ٢ ص ٢١٤ - ٢٣٢، والقلقشندي في صبح الأعشى: ج ١٠ ص ٤٦٠ وابن زيدان: الإتحاف ج ١ ص ٣٦٩، والعز والصولة ج ٢ ص ٦٩، وظهير عزيزي يتعلق بالحسبة في طنجة، جريدة "الميثاق"، طنجة: ص ٣ العدد ١٠٢٥ في ٢٠ شعبان، ونظام الحكم والإدارة للشيخ محمّد مهدي شمس الدين: ٤٤٢.

٢٥ - التراتيب الإدارية ١: ٢٨٤.

٢٦ - يعطينا ابن الوزان هنا معلومات عن هذا الاسم، فيذكر: أنّه اسم قديم يشير إلى قيصر أكبر ملوك عصره بأوروبا، ومعلوم: أن جميع ساحل المغرب القديم كان خاضعاً للروم، وكل مدنه كانت تحتوي على سوق يحمل هذا الاسم الذي قد يتحرف إلى (قيسارية)، وقد كان للموظفين الرومانيين متاجر متناثرة هنا وهناك، ففكر أحد الأباطرة في إحداث شبه مدينة صغيرة داخل كلّ مدينة يجتمع فيها التجار المتميزون، ويحفظون فيها ماتقاضوه.

٢٧ - خفي هذا الاسم "توزير" على الّذين ترجموا كتاب ابن الوزان إلى العربية من المشارقة والمغاربة فاكتفوا بالقول بأنها طوريس، إحدى مدن فارس، ولم يوضحوا أنها هي بالذات مدينة "تبريز"

٢٨ - الدكتور التازي في "إيران بين الأمس واليوم": ص ٨٠، نشر المعهد الجامعي للبحث العلمي لسنة ١٤٠٤ هـ = ١٩٨٤ م.

٢٩ - الكتاني في "التراتيب الإدارية" ١: ٤٠٩، طبع عام ١٣٤٦ هـ = ١٩٢٧ م، ص ٢٨ الرباط، وروجي لوتورنو في "فاس قبل الحماية"، الفصل الرابع: التجارة، تعريب: محمّد حجي، ومحمد الأخضر، دار: المغرب الإسلامي، بيروت سنة ١٤٥٦ هـ = ١٩٨٦ م.

٣٠ - راج المكاسب للشيخ الأنصاري: بحث الخمس والزكاة، وبلغة الفقيه للسيد بحر العلوم: بحث الخمس والزكاة. والمقنعة والسرائر.

٣١ - محمّد العلمي في "تقييم الحسبة منذ انبعاثها"، عمالة الدار البيضاء آنفاً (١٩٨٨م).



[ Web design by Abadis ]