ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حديث الثقلين \ سماحة الشيخ محمّد واعظ زاده الخراساني

حديث الثقلين: هو أحد الأحاديث المستفيضة، ولربّما كان من المتواترة، ومورد اتفاق الفريقين من أهل السنة والشيعة وباقي الفرق الإسلاميّة. وقد نقل هذا الحديث بعباراتٍ مختلفةٍ وبطرقٍ شتّى يمكن ملاحظتها هنا. وجاءت عبارات الحديث أكثر تفصيلاً في كتب الإماميّة من قبيل: كتاب "عبقات الأنوار" [١] و"المراجعات" [٢] وغيرها.

ولربّما كان أفضل مصدرٍ لهذا الحديث من طرق الشيعة الإماميّة هو: مقدّمة كتاب "جامع الأحاديث الفقهيّة للشيعة الإماميّة" [٣]، الذي دون بأمر وإشراف آية الله العظمى البروجردي - رضوان الله عليه - في باب حجية أقوال وفتاوى أهل البيت - عليهم السلام ـ.

إنّ أهمية حديث الثقلين من حيث المحتوى والمضمون لا تقل أهمية عن حديث الغدير، بل ربما كان أهم منه.

ولتوضيح هذا الأمر نقول: إنّ النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - ورغم كونه نبياً وقد ختمت جميع النبوات به وليس بعده نبي - وهذا أمر مسلم به، ومن الضروريات لدى المسلمين - فإن له مقامين:

المقام الأول: مقام الولاية على المسلمين، والتي يعبر عنها الآن بالحكومة، حيث إنّ من المسلم به أنّ الرسول الأكرم كان له هذا المقام بالإضافة إلى مسؤولية التبليغ بالرسالة عن الله سبحانه وتعالى، وكان أمره ونهيه نافذاً، وطاعته واجبة، وقد قرن القرآن الكريم طاعة الرسول بطاعة الله. وأن المحققين المسلمين - بما في ذلك العلامة الطباطبائي في تفسيره الميزان - يؤكدون على أنّ المراد من طاعة الرسول التي جاءت في كثير من الآيات هو: الولاية له في جميع الأمور. ويعتقد الشيعة الإمامية أنّ مقام الولاية والقيادة قد انتقل منه - صلى الله عليه وآله وسلم - إلى الإمام علي - عليه السلام ـ، وهناك نصوص متواترة تؤكد ذلك في مضمونها، ومنها: حديث الغدير، ونصوص كثيرة أخرى. وأن هذه الولاية والقيادة تختص من بعده بذريته، وهم: الأئمة المعصومون - عليهم السلام - ولهذا فقد فسروا عبارة "أولي الأمر" في آية (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ( [٤] بأئمة أهل البيت المعصومين.

ومن وجهة نظر الشيعة الإمامية: فإن الأئمة المعصومين هم أولوا الأمر، ولربما شملت الآية من نصبوهم (على وجه الخصوص أو العموم) أيضاً، سواء في حياتهم أو بعد الغيبة كما يقول الإمام الثاني عشر - عليه السلام - "فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله…. الحديث" [٥].

إنّ منصب الحكومة في الإسلام هو منصب إلهي لشخص النبي، والوصي من بعده، ويستلزم تبعية الناس لأولي الأمر، وتكون التبعية والطاعة نافذة عند البيعة، أي: أنّ البيعة التي يأخذها الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - ومن بعده الأئمة - عليه السلام - ما هي إلاّ التزام وإقرار ظاهري بما جاء به الرسول، ولا تعني أنّ البيعة شرعية ولاية الرسول عليهم، بل الشرعية تتم

بنفس الاختيار الإلهي لشخص الرسول ومن بعده. ولهذا نرى: أنّ الرسول قد أخذ لعلي - عليه السلام - البيعة يوم الغدير. وهذه البيعة تكشف عن النص الاختياري الإلهي لشخص علي - عليه السلام ـ. وكان لرسول الله هذا المقام في مكة قبل أنّ يهاجر، ولكن الفرصة لم تكن مواتية لكي يحكم رسول الله فعلياً، وبتعبير أدق: إنّ المشركين لم يسمحوا لهذا الأمر بالتحقق؛ بسبب ما كانوا يتمتعون به من نفوذ قوي في مكة آنذاك.

ولهذا لم يأخذ الرسول البيعة من أحد حينما كان في مكة، في حين قام بأخذ البيعة من الناس في المدينة في طليعة هجرته إليها، وكان يأخذ البيعة من الناس في أماكن ومناسبات متعددة، ومهما كان فهو بحاجة إلى دعم الناس السياسي.

ومنها أيضاً: بيعة الرضوان في الحديبية.

ولهذا الموضوع - أي: دور البيعة في الحكومة الإسلاميّة - بحث طويل ليس هنا محلة.

ونصل بهذا إلى: أنّ هجرة الرسول - صلى الله عليه وآله - كانت بداية حكومته السياسية.

هذا، وقد أخذ أئمة أهل البيت - عليهم السلام - البيعة من الناس أثناء تصديهم الفعلي للحكومة عند ثوراتهم ضد الغاصبين. فالإمام علي والإمام الحسن عليهما السلام قد أخذ البيعة في بداية الخلافة، والإمام الحسين - عليه السلام - قد أخذها قبل ثورته، حيث أخذ ابن عمه مسلم بن عقيل له البيعة من أهل الكوفة.

وأما بقية الأئمة: فإنهم لم يتصدوا للحكومة فعلياً لظروف سياسية، ولذا لم يأخذوا البيعة من أحد إلاّ الإمام الرضا - عليه السلام ـ، حيث كانت بيعته قسرية عندما جعل ولياً للعهد وليس وليا للأمر، وأن الأمر لم يستمر، وانتهى بشهادة الإمام الرضا - عليه السلام ـ، حتّى وصل الأمر إلى الإمام المهدي - عليه السلام - الذي سوف يقوم في مكة بين الركن والمقام حسب الروايات [٦] الكثيرة ويأخذ البيعة من الناس.

كان هذا رأي الشيعة الإمامية في المقام والمنصب السياسي للرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله وسلم -

والأئمة الطاهرين من أهل بيته عليهما السلام.

وأما أهل السنة: فيعطون هذا المقام لكل من ينتخب بعد الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - من قبل الناس، ويبايع باعتباره خليفة لرسول الله. وأساس المسألة هنا هي: أنّ الخلافة والإمامة تأتي بالنص أو الانتخاب.

المقام الثاني: حجية سنة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم - واعتبار أقواله، وأفعاله، وآرائه، وكل ما يراه حلالاً فهو حلال، وكل ما يراه حراماً فهو حرام فـ"حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، وحرامه حرام إلى يوم القيامة" [٧].

إنّ كتاب الله وسنة الرسول يعتبران ركنين وسندين وثيقين في الدين، وهذا هو مورد إجماع الفريقين، بل جميع الفرق الإسلاميّة الأخرى، وإن الأدلة الأصلية في الفقه مورد إجماع الفريقين، بل جميع الفرق الإسلاميّة الأخرى، وإن الأدلة الأصلية في الفقه عندهم الكتاب والسنة، وقد ضمت إليهما أدلة أخرى في أكثر المذاهب الإسلاميّة من قبيل: القياس والإجماع وغيرها.

وعلى أية حال، فإن الحكومة مأخوذة من الحكم، وهو يختلف عن الفتوى، حيث إنّ للحكم بعداً تنفيذياً، وللفتوى بعداً علمياً ونظرياً فهما يختلفان قطعاً وإن الإمامة والنبوة متلازمتان في نبيناً، وفي بعض الأنبياء السابقين، ولا يمكن التفكيك بينهما.

بعد هذه المقدمة نقول: من المسلم به أنّ حديث الثقلين أخذ في الاعتبار: المقام والمنصب الثاني وأثبته للعترة والأئمة المعصومين عليهم السلام، وذلك ظاهر من خلال السياق؛ لأنه قد جعلهم عدلاً للكتاب الذي هو دليل الأحكام وهاد للصراط المستقيم، وليس أميراً ولا حاكماً على الناس.

إذن، للعترة في هذا الحديث نفس ما للكتاب من خاصية في أنهم هداة وأدلة على الصراط المستقيم، وقولهم وعملهم حجة على الأمة، وكما أنّ الناس يعتبرون الكتاب حجة وسنداً عليهم فكذلك العترة، فيجب عليهم أنّ يتمسكوا بقولهم وفتاواهم، بل وعملهم أيضاً.

إذن، فحديث الغدير ونظائره قد لا حظ مقام الولاية والحكومة والإمامة والقيادة السياسية، وحديث الثقلين وأشباهه نظر لحجية واعتبار فتاوى أقوال الأئمة. وبتعبير آخر: فإن الأول يتناول الجانب التنفيذي، والآخر يتعلق بالجانب العلمي، مع اتفاقهما على وجوب الإتباع والإطاعة - واستنادا إلى هذه النوعين من الروايات القطعية الصدور - لهم ما للرسول من هذين المنصبين، وهم خلفاؤه في الجانبين والبعدين: التنفيذي والعلمي.

أهمية هذا الحديث لدى كبار العلماء:

إنّ أحد كبار العلماء الّذين أولوا هذا الحديث أهمية خاصة هو: أستاذنا آية الله العظمى البروجردي (م ١٣٨٠ هـ) رضوان الله عليه. وإن هذه الرسالة - (رسالة حديث الثقلين) - طبعت ونشرت بفضل اهتمام هذا الرجل الذي طالما كان يذكر في درسه هذا الحديث، ويشير إلى ذلك في مقدمة كتاب "جامع أحاديث الشيعة" [٨].

وكان يبحث عن هذا الحديث بحثاً تفصيلياً خلال دروسه ومحاضراته العامة والخاصة، لاسيما في لجنة الحديث التي كانت تعقد في بيته لتأليف الكتاب المذكور، وقد شاركت شخصياً طيلة سبع سنوات في تلك الجلسات التي خصصت لتأليف هذا الكتاب وكان من ضمن المواضيع التي يطرحها ويصر عليها: مسألة الوحدة بين المسلمين، التي بذل جهده في سبيل تحقيقها، وكان يقول: (إنّ مسألة الخلافة هي مسألة ليست مطروحة الآن؛ لأنها غير موجودةٍ، فلسنا بحاجة إليها في هذا الزمان كي نختلف فيها ونتنازع عليها، والبحث في هذا الموضوع في الوقت الحاضر غير مفيد، ولم يكن مفيداً فيما مضى أيضاً، ولكن الشيء المفيد الآن هو: طرح مسألة المرجعية العلمية للأئمة من البيت عليهم السلام والتي يحتاج إليها المسلمون الآن. نعم هي متفرعة عن مسألة الخلافة.

وبهذا يكون طرح مسألة المرجعية العلمية للأئمة موضوعاً منفصلاً عن طرح مسألة الخلافة المتنازع فيها. ولابد أنّ يفهم إخواننا من أهل السنة أنّ الرسول

الأكرم - صلى الله عليه وآله - أعتبر أئمة أهل البيت عليهم السلام هم المراجع للمسلمين فيما يحتاج إليه من علوم الشريعة، وأن المسلمين كانوا يعتبرون القرآن والسنة في عهد رسول الله - صلى الله عليه وآله - هما الحجة والسند. وأما بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وآله - فإن كتاب الله والعترة الطاهرة هما الحجة، فإن العترة هم المعبرون عن سنة الرسول فيجب على المسلمين الرجوع إليهما وإذا استطعنا أنّ نثبت هذا الموضوع فإن المسلمين سوف يتحدون على الأقل في حاجاتهم إلى المسائل العلمية والمعارف والقوانين الإسلاميّة، وخصوصاً في الأحكام الفرعية والمسائل الفقهية المتنازع فيها بين المذاهب.

وإذا بقيت هناك اختلافات فهي كالاختلافات البسيطة الموجودة بين مراجع الشيعة مع بعضهم، وبين أئمة المذاهب أنفسهم وسوف يرتفع الاختلاف في الأصول، وهذا هو أفضل السبل لوحدة المسلمين.

أما بحث الخلافة: فبالإضافة إلى ما يمتاز به من حسياسيةٍ تاريخية فإنه يمنع من الوصول إلى الاتفاق، بل يزيد في دائرة الخلاف.

نعم، إنّ من المسائل المهمة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالولاية والحكومة هي:

مسألة ولاية الفقيه التي طرحها الإمام الخميني رضي الله عنه وطبقها في إيران فقد غيرت في هذا البحث أساسه مثل: كثير من المسائل والمفاهيم الإسلاميّة الأخرى التي استطاع الإمام بتحركه هذا أنّ يوجد تحولاً عظيماً فيها، فعليه يجب بحث تلك المسائل من جديد، ومن بينها: مسائل الحكومة الإسلامية ن على أنّ يبتعد بحث هذا الموضوع عن الطائفية السابقة والمشاجرات التي وقعت بين الشيعة والسنة ويطرح بعنوان "بحث ولاية الفقيه على نطاق المذاهب الإسلاميّة عامة".

ومن علمائنا الّذين بحثوا في هذا المجال - أي: حجية قول العترة - المرحوم العلامة الكبير السيد شرف الدين العاملي في كتابه القيم "المراجعات" [٩]، حيث بدأ بحثه مع المرحوم "الشيخ سليم البشري" شيخ الجامع الأزهر في زمانه بمسألة حجية ومستند قول

أهل البيت عليهم السلام… وبعد عدة رسائل ومراجعات جرت بين الطرفين تطرق خلال كلامه لمسألة الحكومة والخلافة، وبين عقيدة الشيعة وأدلتهم في خصوص هذه المسألة، وهذا عمل يستحق صاحبه الإكبار لأصالته، إذ كانت كتبه مورد عناية ومطالعة العلماء والفضلاء، خصوصاً أستاذنا المرحوم آية الله البروجردي. وكم كنت أرى كتاب "الفصول المهمة في تأليف الأمة" من كتب السيد شرف الدين مطروحاً على منضدته وكرسيه، حيث كان يطالعها في كلّ فرصة تسنح له.

بعد هذين العلمين رأينا تأكيد الإمام الخميني رضى الله عنه في بداية وصيته المهمة على حديث الثقلين، إذ يقول: "على علماء المسلمين أنّ يجيبوا عليه". ويعتبر هذا بحد ذاته اتباعاً لرسول الله الذي كرر هذا الحديث في أماكن مهمة، ومن ضمنها: في حجة الوداع، وفي وصاياه في أواخر عمره الشريف.

إنّ الاختلاف في لفظ الحديث وتكراره في يوم الغدير وحجة الوداع وغير ذلك من المشاهد هو دليل على الأهمية التي كان يُوليها الرسول لهذا الحديث، أي للكتاب والعترة، حيث اعتبر العترة خلفاءه وورثة علمه؛ كي لا يبقى المسلمون بعد الرسول حائرين، ويرجعوا في حل مشاكلهم إلى هذين الأصلين.

ضبط كلمة "الثقلين":

منذ زمن بعيد كان الناس يقرأون "الثقلين" بكسر الثاء وسكون القاف، كما يقرأها الخطباء والمحدثون، ولقد سمعت لأول مرة المرحوم آية الله البروجردي رضى الله عنه يتلفظها في الدرس وغيره بفتح التاء والقاف: (ثقلين). ولكن وبعد مراجعنا لكتب الحديث والتفسير واللغة وجدنا فيها ما يأتي:

يقول أكثر المفسرين في ذيل هذه الآية (سنفرغ لكم أيها الثقلان ( [١٠]: إنّ المراد من الثقلين: الجن والإنس، ومناسبة هذا الاسم أحد ثلاثة أوجه:

١ - إنّ الإنس والجن هما سبب ثقل الأرض نسبة إلى سائر الحيوانات

والموجودات من حيث الجلالة والقدر، وقابلية العقل والتمييز التي اختصا بها.

٢ و ٣ - (إنهما مثقلان بثقل التكليف والمعاصي، أو أنّ يعد الإنسان ثقيلاً بالأصالة، والآخر ثقيل أيضاً بالمجاورة مجازاً) [١١].

ويقول صاحب التفسير الكبير: (إنّ كلمة ثقل جاءت - بمعنى: الشيء النفيس والقيم، أو أنّ وزنه ثقيل) [١٢].

والطبرسي بعد ذكره لهذا المعنى يقول: (ومنه الحديث: "إني تارك فيكم الثقلين") [١٣].

وفي "النهاية" لابن الأثير ضبط هذا الحديث بحركة الثقلين، ويقول: (فأما انهما ثقلان إعظاماً لقدرهما، وتفخيماً لشانهما، والثقل في غير هذا: متاع المسافر) [١٤].

ويقول صاحب مجمع البحرين: (والثقل: واحد الأثقال، وفي الحديث: "إني تارك فيكم الثقلين" قيل سميا بذلك لأن العمل بهما ثقيل، وقيل: من الثقل بالتحريك: متاع المسافر…. - إلى أنّ يقول ـ: وفي حديث النبي: "إنّ لكل نبي أهلاً وثقلاً" وهؤلاء - يعني: علياً وفاطمة والحسن والحسين - أهل بيتي وثقلى" [١٥].

وجاء في نهج البلاغة: (الثقل الأكبر والثقل الأصغر) [١٦]. وحمل الدكتور صبحي الصالح ذلك على حديث الثقلين.

وبهذا لا توجد وحدة رأي بين العلماء من أهل اللغة والأدب والحديث والتفسير؛ لأن ثقل وثقل كلاهما جاءا بمعنى: متاع المسافر، والشيء الثقيل، وأثقال أخذت أيضاً:

جمع ثقل أو ثقل على الخلاف بينهم.

وخلاصة القول: إنه سواء كان الثقل بالفتح أو الكسر فيمكن استفادة معنى متحدٍ

هنا من المعاني المذكورة، أي: الشيء الثقيل، أو المتاع، أو ثقل التكليف، إذ المراد هنا: الشيء النفيس، خصوصاً مع ذكر القرآن الذي هو الثقل الأكبر، وهل يوجد شيء أثقل وأنفس منه؟

المفاهيم السامية والواسعة لهذا الحديث:

إنّ المقارنة بين الثقلين - كتاب الله وعترة الرسول - توصلنا إلى أمور مهمة وكثيرة: إما تصريحاً أو تلميحاً:

١ - إنّ العترة كالكتاب حجة وسنداً، بمعنى: أنّ هذين الأصلين كلّ منهما دليل وسند وحجة مستقلة، لا بمعنى أنّ توافق وتطابق الحجتين يشكل حجة واحدة، فإذا أتى أمر من الأمور الدينية في الكتاب فهو حجة وسند، ولا يتوقف على دعم العترة بقول أو غيره وهذا فيما إذا كان نصاً أو ظاهراً - لا فيما كان له وجوه محتملة - فأمره إلى العترة، إذ هم ورثة علم الرسول، فإليهم يرد فهم الكتاب، وعنهم يؤخذ معنى الخطاب. وكذلك العكس، فإذا جاء أمر من العترة فهو حجة، فإذا كان الأمر يخالف كتاب الله فهو بالطبع دليل على عدم صدقه؛ لأن العترة لا يمكن أنّ تقول شيئاً يخالف الكتاب، كما جاء عنهم في الأحاديث [١٧].

وقد استدل المرحوم الشيخ الطوسي في مقدمة التبيان [١٨] بهذا البيان على حجية الكتاب بنفسه، وأن الكتاب حجة من دون وصول تفسير المعصوم بذلك، كما أنّ قول العترة المعصومة مستقلاً يعتبر حجة.

٢ - إنّ أبعاد حجية قول العترة واسعة جداً: كالكتاب الذي فيه تبيان كلّ شيء، والذي يشمل أنواع المسائل بما في ذلك الأحكام والأخلاق والعقائد وتفسير القرآن والعلوم المتعلقة بحقائق العالم وأسرار الخلقة.

إذن: إذا ثبت قول العترة في العقائد فهو حجة، وكذلك الحال في الفقه والتاريخ

والتفسير والخلق وغيرها بشرط الثبوت القطعي طبعاً، لا بالظن غير القطعي [١٩].

٣ - الاقتران بين الكتاب والعترة دليل على عصمة العترة كما أنّ الكتاب معصوم من الخطأ (وما ينطق عن الهوى إنّ هو إلاّ وحي يوحى) [٢٠]، وهذا وإن نزل في الرسول غير أنّه يجري في الأئمة بعده أيضاً. وإذا لم تكن العترة معصومة فلا يمكن أن نجعلها ترادف كتاب الله وعدلاً له.

وعلى هذا الأساس فإن العترة هم أشخاص مخصوصون من أهل بيت النبي - صلى الله عليه وآله - لهم صفات العصمة، وليس كلّ ذرية النبي، فما أكثر السادات الّذين ليس لهم نصيب من العلم والتقوى، بل وقع بعضهم في الأخطاء والذنوب. فمن البديهي أنّ الرسول الأكرم لا يوكل أمر الأمة إلى هكذا أشخاص، فكيف الحال وإن الأئمة - عليهم السلام - يعدون عدل الكتاب؟

٤ - لا يقع الاختلاف والتضاد بين الكتاب والعترة، ولا يكون أحدهما مخالفاً للآخر، وفي حالة وقوع تعارض بين أقوال العترة والكتاب فيجب طرح الأحاديث جانباً بناء على توصية العترة بهذا، أو إرجاع علم ذلك إلى الإمام - عليه السلام ـ، أو يجعل مثل هذا الحديث تفسيرا للقرآن إذا وافق القواعد الأدبية والنحوية. وهذا الموضوع يبحث عنه في علم الأصول في باب التعادل والتراجيح، وأن جملة "أنهما لن يفترقا حتّى يردا علي الحوض" [٢١] دليل على هذا التناسق بين الكتاب والعترة.

وعن هذا الطريق يمكن توضيح هذه النقطة، وهي: أنّ علم الإمام يعتمد ويستند إلى علم الرسول، وينتهي في النهاية إلى الوحي الإلهي، ويختلف هذا كله عن علم الناس، وهذه إحدى المسائل الكلامية المهمة حول مصدر علم الإمام.

فإذن، يوجد هناك توافق وتناسق دائم بين القرآن والعترة، وأن العترة مثل السنة، وكلاهما تجسيد وتمثيل للقرآن.

وتوضيح ذلك: أنّ إحدى نساء الرسول سُئلت يوماً عن أخلاق الرسول - صلى الله عليه وآله -؟

فقالت: كان خلقه القرآن [٢٢]، أي: أنّ القرآن قد تجسد وتمثل في قوله وعمله، فخلقه نفس القرآن، ولربما لهذا السبب يمكن اعتبار سنة الرسول ترادف كتاب الله تعالى، ويجب على المسلمين اتخاذ الرسول أسوة لهم، فهو المثل الكامل والقرآن الناطق. وقد جاء هذا التعبير في شأن الإمام علي - عليه السلام - في بعض الروايات.

والآن وقد عرفنا من هذا الحديث: أنّ قول العترة مثل السنة تماماً، وأنه أيضاً تجسيد للقرآن، وأن القرآن بما فيه من المفاهيم المتعالية قد ظهر وتجسد في هؤلاء، ولهذا فهم لا يختلفون مع القرآن أبداً وعن هذا الطريق يمكننا أنّ نجمع بين الروايتين لحديث الثقلين: الرواية الأولى: "كتاب الله وسنتي" [٢٣]، والأخرى: "كتاب الله وعترتي". وشرح ذلك: أنّ قول النبي وقول عترته كلاهما تجسيد لروح القرآن، ولهذا فالعترة والسنة كلاهما يعتبران مع كتاب الله حجةً وسنداً.

٥ - إنّ العترة ككتاب الله تعالى باقية إلى يوم القيامة، وسوف لن يخلو العالم من هذه العترة، وعن هذا الطريق يمكن الاستدلال بهذا الحديث على ضرورة وجود الإمام صاحب العصر والزمان - عليه السلام - حيّاً.

وأن جملة "لن يفترقا…. إلى آخرها" صريحة بهذا التناسق الزمني، ودوام وجود كلا الثقلين إلى يوم القيامة.

٦ - المسألة المهمة التي جاءت في وصية الإمام الخميني رضي الله عنه هي: أنّ هذا الاقتران يدل على أنّ ما يجري على العترة هو نفس ما يجري على القرآن، فكما أنّ حقائق القرآن تبقى مهجورة لا يؤخذ إلاّ بظاهرها فكذلك العترة بقي قدرها مجهولاً، وحقها ضائعاً، وعلومها مكتومة، وسوف لا يستفيد من هذه الحقائق والمعارف وهذين الأثرين النفيسين إلاّ الخاصة من الناس.

قصة رسالة حديث الثقلين:

في مجلة "رسالة الإسلام" [٢٤] الناطقة باسم دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة في تفسير القرآن للشيخ محمود شلتوت [٢٥] نقل حديث الثقلين بالكيفية المعروفة عند أهل السنة: "كتاب الله وسنتي" ولكن جاء في الحاشية: (تعددت طرق هذا الحديث، وجاء في بعضها "كتاب الله وعترتي" ولا شك أنّ سنته هي التي كان عليها هو وعترته الطاهرة).

وقد وصلت هذه المجلة إلى بعض العلماء في مدينة قم المقدسة، وبدأ الحديث والتساؤل في المجالس بشأن هذا الموضوع: هل أنّ النص "كتاب الله وسنتي" أم "كتاب الله وعترتي" وقد كنت حاضراً في بعض هذه المجالس، وقلت: إنّ هذا الحديث موجود في نهج البلاغة، وطلب مني المرحوم الشهيد الأستاذ المطهري - وكان من جملة الحضور - أنّ أبحث عن هذا الحديث فيه، ووجدته بعد ذلك، وجاء فيه: "الثقل الأكبر والثقل الأصغر"، ويفسر الثقل الأصغر طبعاً بأبناء النبي - صلى الله عليه وآله - وعبارة نهج البلاغة هكذا: "ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر وتركت فيكم الثقل الأصغر؟ " [٢٦].

وقد اشتهر حين ذلك في المحافل العلمية في قم أنّ المرحوم آية الله البروجردي قام بإيكال أمر تحقيق جميع أسناد وطرق ومتون هذا الحديث إلى العالم المحدث والمتتبع الشيخ قوام الدين القمي الوشنوي أحد وعاظ مدينة قم الذي كان له خبرة في هذا المجال. فألف هذه الرسالة وأرسلت إلى "دار التقريب"، حيث قامت بنشرها. ويشير الشيخ قوام الدين الوشنوي في نهاية رسالته: إلى أنّه أخذ إجازة نقل كتب السنة والشيعة من أستاذه آية الله العظمى المرعشي النجفي رحمه الله الذي ظل ملازماً له سنواتٍ طويلةً

وساعده في تصحيح وتحشية كتاب "إحقاق الحق" مع آخرين. هذه قصة الرسالة في مدينة قم.

أما قصتها في مصر: فقد نقل لي العلامة الشيخ محمّد تقي القمي رحمه الله، السكرتير العام لدار التقريب - فقال: عند تصحيح العدد المذكور في المطبعة فوجئت أنّ العلامة الشيخ شلتوت قد نقلها هكذا: "كتاب الله وسنتي"، فاتصلت به "تلفونياً" وقلت: إنها جاءت في أغلب كتب الحديث "كتاب الله وعترتي"، فقال لي: أكتب في الحاشية: (تعددت طرق هذا الحديث… إلى آخر ما تقدم)، فقمت بدوري بكتابته. وكما كتب الشيخ الوشنوي فإنه لا شك أنّ هناك حديثاً بلفظ: "كتاب الله وسنتي"، ولكن هذا الحديث غير ذلك الحديث المشهور بـ "كتاب الله وعترتي".

وقال الشيخ الوشنوي: إنّ هذا الحديث الثاني المشتهر بين الباحثين من أهل السنة منذ زمن بعيد، هو حديث مرسل - كما تقدم في موطأ مالك - وليس مسنداً، ولكني رأيت في كتاب أخبار أصفهان لأبي نعيم الأصفهاني وبعض المصادر الأخرى هذا الحديث مسنداً [٢٧]. وعلى كلّ حال فإن الكتاب والسنة هما ركنان أساسيان في الفقه، وقد خصص الكليني في أصول الكافي [٢٨] باباً خاصاً بذلك أما حديثنا فيتعلق بحديث الثقلين المعروف، والذي روي بهذا اللفظ "كتاب الله وعترتي" وقد أشرنا فيما مضى إلى وجه الجمع بين الحديثين.

وآخر دعوانا أنّ الحمد لله رب العالمين.

١ - راجع خلاصة العبقات للسيد الشهيد القاضي نور الله التستري: ج١ من أوله إلى آخره، حيث جمع فيه طرق إسناد هذا الحديث بما لا مزيد عليه.

٢ - المراجعات: ١٤ - ١٦، ط ٢.

٣ - جامع أحاديث الشيعة ١: ٢٠٤ كتاب المقدمات، منشورات مدينة العلم للخوئي، ط ٢.

٤ - النساء: ٥٩.

٥ - البحار ٥٣: ١٨١، عن كتاب الاحتجاج للطبرسي.

٦ - جامع الأحاديث ١: ٢٠٤، ط ٢.

٧ - وسائل الشيعة ١٨: ١٢٤ ح ٤٧، بحار الأنوار ٢: ٢٦٠ ح ١٧.

٨ - جامع أحاديث الشيعة ١: ١٩.

٩ - جامع أحاديث الشيعة ١: ٢٥٨.

١٠ - الرحمن: ٣١.

١١ - تفسير البيضاوي ٢: ٤٤.

١٢ - التفسير الكبير ٩: ١١٢.

١٣ - مجمع البيان ٨: ٢٧٥، و ٩: ٢٠٤، ومستدرك الصحيحين ٣: ١٦١.

١٤ - النهاية ٦: ٢١٧…

١٥ - مجمع البحرين ٥: ٣٣٠.

١٦ - نهج البلاغة: ٥٩٧، والنسخة بإعداد الدكتور صبحي الصالح: ١٢٠، الخطبة ٨٧، والمعجم الكبير للطبراني: ١٣٧ مخطوط، ومناقب الفارابي: ٢٣٤.

١٧ - جامع أحاديث الشيعة ١: ٢٥٨.

١٨ - تفسير التبيان ١: ٥.

١٩ - هذا ما اتفق عليه المتأخرون من علماء الإمامية: أنّ اعتبار الظن يختص بالأحكام دون غيرها.

٢٠ - النجم: ٤.

٢١ - جامع الأحاديث ١: ٢٦ فما بعدها، ومجمع الزوائد ٩: ١٦٢.

٢٢ - مسند أحمد بن حنبل ٦: ٩١.

٢٣ - رواه الإمام مالك في الموطأ؛ مرسلاً هكذا: (عن مالك: أنّه بلغه أنّ رسول الله - صلى الله عليه وآله - قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة نبيه" (ط كتاب الشعب ص ٦٤٨، كتاب القدر رقم ٣)، وكنز العمال ١: ٩٥٥.

٢٤ - مجلة رسالة الإسلام، العدد الأول، السنة الثالثة ص ٢٣ طبع القاهرة.

٢٥ - شيخ الجامع الأزهر سابقاً، وهو أحد دعاة الوحدة الإسلاميّة، والذي أصدر فتواه في اعتبار العمل بفقه جميع المذاهب الإسلاميّة، ومن بينها: مذهب الشيعة الإمامية، وأنه مجزئ ومبرئ للذمة.

٢٦ - نهج البلاغة إعداد الدكتور صبحي الصالح: ١٢٠ الخطبة ٨٧.

٢٧ - وقد طبقها الدكتور صبحي الصالح في حاشية رقم (٩٦٢) على حديث الثقلين الذي نحن بصدد البحث عنه فقال: (الثقل بمعنى: النفيس من كلّ شيء، وفي الحديث عن النبي - صلى الله عليه وآله - قال: "تركت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي، أي: النفيسين) انتهى. وأقول: جاء في وسط هذه الجملة: "فكيف تعمهون وبينكم عترة نبيكم، وهم أزمة الحق، وأعلام الدين والسنة الصدق؟ فأنزلوهم بأحسن منازل القرآن، وردوهم ورود الهيم العطاش " وهذا يعتبر تفسيراً وتأييدا لما قال - عليه السلام - بعده من ذكر "الثقل الأكبر والثقل الأصغر".

٢٨ - أصول الكافي ١: ٥٩.



[ Web design by Abadis ]