ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 القسم الثاني من رسالة الأمين العام للمجمع \ إلى الشيخ ابن باز

نظراً لأهمية موضوع الرسالة فقد ارتأت المجلة أنّ تنشر الشطر الثاني منها المتعلق بالقضية الفلسطينية.

ثانياً: أحببت الإشارة إلى مسألة أخرى لها أهميتها، وهي ما أفتيتم به بشأن مسألة فلسطين، حيث تقولون: (إنه يجب على المسلمين وعلى الدول الإسلاميّة والأغنياء والمسؤولين أنّ يبذلوا جهودهم ووسعهم في جهاد أعداء الله اليهود، أو فيما تيسر من الصلح إنّ لم يتيسر الجهاد صلحاً عادلاً يحصل به الفلسطينيون إقامة دولتهم على أرضهم، وسلامتهم من الأذى من عدو الله اليهود، مثلما صالح النبي أهل مكة، وأهل مكة في ذلك الوقت أكثر من اليهود الآن، وأن المشركين والوثنيين أكفر من أهل الكتاب، فقد أباح الله طعام أهل الكتاب والمحصنات من نسائهم، ولم يبح طعام الكفار من المشركين، ولا نساءهم، وصالحهم النبي - صلى الله عليه وآله - على وضع الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، وكان في هذا الصلح خير عظيم للمسلمين، وإن كان فيه غضاضة عليهم بعض الشيء لكن رضيه النبي - صلى الله عليه وآله - للمصلحة العامة.

فإذا لم يتيسر الاستيلاء على الكفرة والقضاء عليهم فالصلح جائز لمصلحة

المسلمين، وأمنهم وإعطائهم بعض الحقوق…. ) [١].

وهذه الفتيا منكم إنما صدرت - بلا شك إخلاصاً للإسلام والمسلمين، وحرصاً على إرشاد الأمة إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم، إلاّ أنّ فيها بعض الملاحظات، فهي تحتوي على شطرين:

الشطر الأول: وجوب الحرب وبذل الجهود في جهاد أعداء الله وهم اليهود. وهذا ما يوافقكم عليه علماء الإسلام جميعاً، شيعة وسنة، ولعلكم لمستم مواقف الشيعة الجهادية في مواجهتهم الاستكبار العالمي بشتى الأساليب عبر شعاراتهم، أو سمعتم بها عن طريق المذياع أو قرأتم عنها في الجرائد، وأنهم أشد الناس حرباً على الكفار ولا سيماً اليهود فهذا حق صريح، ورأيكم حجة على أغلب المسلمين حكومات وشعوب، جزاكم الله عنهم خير الجزاء، وشكر مساعيكم، فقد أديتم واجبكم أمام الله تبارك وتعالى وأمام المسلمين قاطبة.

أما الشطر الثاني: وهو ما تيسر من الصلح إنّ لم يتيسر الجهاد صلحاً عادلاً… إلى آخر ما أبديتم من الرأي بإخلاص فيجب الوقوف عنده طويلاً.

لا ريب أنّ المسألة لو كانت كما اقترحتم وكانت القيود والشروط محققة بالشكل الذي قيدتم فالحكم هو ما صرحتم به، إلاّ أنّ المسألة - مع الأسف الشديد - ليست بهذه السهولة، ومغزى كلامي: أنّ البحث ليس في الكبرى من الدليل، وإنما هو في الصغرى وتوضيحها كما يأتي:

أوّلاً: أنّ الجهاد ضد اليهود ميسور، وبابه مفتوح بمصراعية أمام المسلمين، إلاّ أنّ المتصدين لقيادة شعوبهم لم يقفوا يوماً ولا يريدون أنّ يقفوا أمام العدو بكل جهودهم وإمكانياتهم، فإن بعض العرب طرحوا القضية منذ أربعين سنة ولحد الآن قضية عربية وليست إسلامية، وهذه أول ضربة وجهوها إلى القضية، حيث أبعدوا بهذا المشروع العنصري معظم المسلمين عن ساحة المعركة، ولا أقل من أنّ ذلك أصبح عذراً لأولئك الذين لا علاقة لهم بشؤون المسلمين، فكانوا يقولون كما سمعت مراراً من أعوان الشاه في

إيران: (هذه مشكلة العرب مع اليهود لا شأن لنا فيها) فلم يكونوا يسمعون صرخات المسلمين والعلماء من أنها إسلامية، بحجة أنّ العرب يعدونها مسألة عربية.

وأمثال هؤلاء المسؤولين من العرب وغيرهم لا يزالون يطيقون استماع صرخات هؤلاء الشباب والأطفال المحاربين بالحجارة داخل الأرض المحتلة وهتافاتهم: "الله أكبر" "نحن مسلمون"، ولا أنّ يروا في الإذاعة المرئية صلاتهم حول المسجد الأقصى؛ لأن ذلك سوف يمثل إسلامية القضية، فتأخذ العذر من أيديهم.

ثانياً: حتى العرب أنفسهم الذين احتكروا المسألة بحجة أنها عربية، وأنها مسألتهم دون سائر المسلمين لا يتفقون على كلمة واحدة، ولم يسخروا إمكانياتهم ضد العدو، ولم يقفوا صفاً واحداً، فبدلاً من ذلك كله افترقوا أحزاباً وشعوباً يهاجم بعضهم بعضاً، عسكرياً وإعلامياً، لا لشيء إلاّ لصالحهم ولصالح العدو، فلم يرغبوا في إعداد العدة والعدد وأن يجهزوا أنفسهم للمعركة، لاهم ولا سائر المسلمين، ولم يمتثلوا أمر ربهم حيث يقول: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ( [٢] فعندهم الذهب الأسود - النفط - الغزير الذي هو شريان حياة الأعداء، فلم يستفيدوا من هذه القوة الهائلة التي هي أقوى بكثير من رباط الخيل ومن أي قوة توجد في العالم.

كما أنهم لم يهتموا بقول ربهم: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ( [٣] وما بمعناه في الكتاب والسنة.

فمن منهم لا يتخذ أعداء الله أولياء، ولا يميل إلى اليمين أو الشمال - وقد سقط بحمد الله - ولا يعتمد ولا يستنصر بالأعداء - سوى النزر اليسير ـ، ولا يركع لصنم منهم ولا يسجد؟ وبعضهم لا يأكل ولا يشرب إلاّ بإذنه ! ومن خفي عليه هذا فليس له الدخول في المعارك السياسية وإظهار الرأي فيها.

والعجب كلّ العجب صمت بعض العلماء عن هؤلاء الركع السجود أمام الأصنام الطواغيت والمشركين ! ثم ينادي ويحكم بكفر وشرك أولئك المسلمين المساكين الذين

بذلوا كلّ ما عندهم، وتحملوا المشاق، وجاؤوا من كلّ فج عميق حتى نالوا زيارة النبي، وقلوبهم ملئت بحبه، فقبلوا الباب والشباك حباً له رجاء التقرب إلى الله بحبه، ويرون هذا منتهى أملهم من الحياة. فإذا بعالم أو مسؤول سكت عن ذلك الشرك الكبير وعن هؤلاء الأبالسة الكبار يضربه بالسياط ويشتمه باللسان، ويكرر عليه: "هذا شرك، هذا كفر" ولم يعتقد هذا القائل إلاّ أنّه كان واجبه، أليس هذا إبعاد المسلمين المخلصين عن الدين، وعن ساحة القتال مع اليهود ومع سائر أعداء الدين؟ ! فإنه إذا كان كافراً ومشركاً فلماذا يضحي بنفسه في المعركة في سبيل الإسلام؟ !

وأنا أقول بصراحة: لو أنّ العلماء ومن ورائهم، بل ومن فوقهم الحكام ما لم يخطئوا الطريق واستقروا على الصراط القويم لأمكن لهم تجهيز الملايين من الشبان المسلمين الغيارى على الإسلام فداء أنفسهم في حب النبي محمّد ضد الصهاينة وحلفائهم ومن يقف وراءهم. ولو تحقق هذا الحلم يوماً ما لنرى أنّ كلمة الله هي العليا، وأن الله يحقق وعده: (إنّ تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ( [٤].

ثالثاً: الاستشهاد للصلح مع اليهود بمثل ما صالح النبي أهل مكة والمشركين عجيب وقياس مع الفارق ! وفيه وجوه من الخلط والتمويه:

١ - إنّ النبي صالح أهل مكة من موقف القوة دون الضعف، كما قال تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أنّ أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيراً ( [٥].

مع أنّ بعض المسؤولين العرب حينما يريدون أنّ يساوموا على الصلح مع العدو إنما هم في منتهى الضعف - لا سيما بعد حرب الخليج - سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، والشيطان الأكبر الحامي لإسرائيل قد رست أقدامه على أرضهم بكل ماله من العدة والعدد، وله حق الحياة والبقاء على جملةٍ من المتصدّين لقيادة شعوبهم، فهم عبيد في قبضته، يحق لهم أنّ يركعوا ويسجدوا أمامه آناء الليل والنهار، وإنهم ليبذلون أموال المسلمين وثروات شعوبهم المساكين إلى الكفار مجاناً، لا لشيءٍ سوى الاحتفاظ على

منصبهم، وكي لا تزعزع كراسيّ عروشهم رياح المعارضة والثورة ضدّهم. فهم راكبون أعناق الشعوب، راكعون أمام الأعداء وهم كما قيل: "أسدٌ عليَّ وفي الحروب نعامةُ ".

وفي مثل هذه الحالة يرغبون في الجلوس مع العدو اللدود حول طاولة المفاوضات للسلام العادل !!

ومن الدليل على ضعف المشركين وقوّة المسلمين في الحُديبيّة قول النبي - صلى الله عليه وآله - لرسول المشركين وهو بديل بن ورقاء الخزاعيّ: "إنّ قريشاً قد أنهكتهم الحرب وأخذت بهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدّةً ويخلّوا بيني وبين الناس ـ… إلى أنّ قال ـ: فإن هم أبَوا فوالّذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي وليُفذ الله أمره" [٦].

ثم إنّ مبايعته المسلمين على الحرب والتضحية بالنفس والمال كان استعداداً كاملاً للحرب.

ثم إنّ عروة بن مسعود - رسول المشركين الآخر لديه - حينما رجع إلى المشركين قال لهم: (فو الله ما تنخم رسول الله نخامة إلاّ وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيماً له - إلى أنّ قال ـ: أي قوم، لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصرَ وكِسرى والنجاشيَّ، والله إن رأيت ملكاً يعظِّمه أصحابه ما يعظِّم أصحاب محمّدٍ محمّداً، وأنّه قد عَرَضَ عليكم خِطَّةَ رشدٍ فاقبلوها…. ) [٧].

٢ - إنّ اليهود ليسوا وحدهم الّذين يحاربون شعب فلسطين، بل وقف إلى جنبهم طواغيت العالم الّذين غرسوا هذه الشجرة الخبيثة وسط أرض الإسلام.

وهم الّذين يحاربون الإسلام والمسلمين من أول يوم، فكيف نغفل عنهم ونعتبر الحرب حرباً بين اليهود والعرب أو المسلمين، فندخل في الصلح معهم، لأنهم أقل من المشركين؟

وهؤلاء الطواغيت واليهود الّذين استولوا على أرض فلسطين احتلالاً ليسوا

بأهل كتاب، وإنما هم ملاحدة، دينهم الدولار، وأمنيتهم الاستيلاء على ثروات الأرض، فإن اليهود في فلسطين معظمهم صهاينة ليسوا بأهل دين، بل هم جزء من منظمة وحركة سياسية عنصرية عالمية برزت إلى الوجود بدعم من الاستكبار العالمي، وتقودها الصهيونية العالمية حالياً [٨].

على أنّ اليهود في العالم يعدون بعشرات الملايين، وكلهم مع يهود فلسطين، وبيدهم ثروات هائلة، وفي قبضتهم السوق العالمي والمصانع والسفن والأسلحة، ووسائل الإعلام العالمي فكيف يجوز أنّ يقال: إنّ اليهود اليوم أقل من أهل مكة في ذاك اليوم؟ ! فيجب إذاً أنّ نضع هذه الأشياء في الميزان ثم نحكم بالصلح، وبدونها لن يتحقق صلح عادل.

٣ - إنّ الصلح كان مع أهل مكة بأمر من الله دون مشورة المؤمنين، بل كان أكثرهم قاوموا النبي - صلى الله عليه وآله - أمام عقد الصلح وعند بعض بنوده، حتّى أنزل الله سورة الفتح (إذا جاء نصر الله والفتح… (وكشف النقاب عن وجه الصلح، وعده فتحا مبيناً، ومع ذلك لم يعترف كثير منهم في صميم قلوبهم وباقتناع نفسي بأنه كان خيراً، حتّى رأوا النتيجة ماثلة أمامهم بعد مدة.

٤ - كانت هناك حكم وأسباب جاءت في سورة الفتح تصريحاً أو إيماءاً: كالحفاظ على المؤمنين والمؤمنات القاطنين بمكة يومئذٍ، والذين لم يعرف أشخاصهم. وكالحصول على الأرضية المناسبة لاختلاط المسلمين بالمشركين، وتبيين الإسلام لهم، واكتساب قلوبهم صوب المسلمين، وغير ذلك مما صرحتم به في مقالكم، ويعلم بالتدبر في سورة الفتح وفي الحوادث التي حدثت عقيب الصلح، ولا يوجد شيء من هذه الحكم والأسباب في الصلح مع اليهود الآن، بل الأمر بالعكس كما سنوضح.

٥ - اليهود الآن بما أعدوا واستعدوا للمعركة الصارمة، معتمدين على تلك القوى العالمية الشيطانية فإنهم قادرون على أن يقضوا على الشعب الفلسطيني بأجمعه، وعلى من جاورهم من الشعوب، ولا سيما القاطنين في أرض الجزيرة العربية التي كانت لليهود فيها

مطامع تاريخية: كأراضي بني النضير وبني قريظة وأراضي خيبر وغيرها في طرفة عينٍ، ولعلهم يفعلونها يوماً من الأيام (لا قدر الله ذلك اليوم)، فهم حينما يفاوضون العرب من أجل السلام لم يقصدوا السلام، ولم يكن خوفاً من العرب، بل إنّما يريدون أنّ يسيطروا على أراضيهم وثرواتهم برفق وبرضى منهم أو من حكامهم؛ ليتدخلوا في شؤونهم ثقافياً واقتصادياً وسياسياً، فيكونون أحراراً فيما يعملون في تلك البقاع، ويتخذون من تلك الشعوب أداة لبسط سلطانهم عليهم وعلى العالم الإسلامي كله، ويتعاملون معهم معاملة السيد مع عبيده، والملك مع رعيته طوال الدهر.

ويرون أنّ الصلح المنشود هو الطريق الوحيد للوصول إلى مطامعهم، حتّى أنهم يمهلون أمر الصلح عمداً، ويسوفونه قصداً؛ لإرضاء النفوس شيئاً فشيئاً، حتّى يقتنعوا بأنه لا طريق للخلاص سوى الصلح والسلام.

مع أنّ مثل هذا الصلح هو الرصاصة الأخيرة لسقوط الشعوب العربية، ثم لسقوط العالم الإسلامي، فيكون مسلموا العالم في قبضة اليهود، فأين الصلح العادل؟ ليس هذا سوى الاستسلام المطلق دون السلام العادل !

ثم إنّ اليهود متى التزموا بعهودهم طوال الدهر وخاصة في مسألة فلسطين حتّى نثق بهم؟

وأخيراً لو فرضنا حصول كلّ هذه الشروط والقيود فإن أكثر المسؤولين المتصدين لا نثق بهم، وسوف يتخذون من هذه الفتيا ذريعةً لالتباس الأمر على الشعوب، وسيفاوضون العدو في صالحهم أكثر من صالح الشعوب، وسيكون هذا الحكم من سماحتكم مبدأ شرعية اليهود وشرعية عمل المسؤولين الّذين أجروا مفاوضات السلام معهم.

فإياكم أنّ تجعلوا رقبتكم قنطرة لهؤلاء، والصواب هو الاكتفاء منكم بالشطر الأول من الفتيا، والانصراف عن الشطر الثاني رأساً، والمرجو منكم أخذ هذه السطور بعين الاعتبار، ثم الإجابة عليها، فإني ما أردت إلاّ الإصلاح ما استطعت، والله من وراء القصد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

١ - مجلة البحوث الإسلاميّة ٣٥: ٤٠.

٢ - الأنفال: ٦٠.

٣ - المائدة: ٥١.

٤ - محمّد: ٧.

٥ - الفتح: ٢٤.

٦ - المغازي ١: ٦٥، وسيرة ابن هشام ١: ١٣٥.

٧ - مسند أحمد ٤: ٣٢٩، وصحيح البخاري: ٧٠، باب الوضوء.

٨ - الماسونية للدكتور الزعبي: ١٧٥.



[ Web design by Abadis ]