ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 جولات تقريبية \ الدكتور محمّد علي آذرشب

في العدد السابق عزيزي القارئ - ذكرت: أنّ العلماء والمفكرين وأصحاب الأقلام الملتزمة يتحملون اليوم مسؤولية تجاوز سدود سنوات التخلف والتمزق، ومسؤولية التواصل الفكري والعلمي والثقافي، وهي عملية ضرورية لعود أمة خاتمة الرسالات - بإذن الله تعالى - إلى ساحة التاريخ.

ثم ذكرت أنّه كان لي خلال العامين الأخيرين فرصة في زيارات ذات عطاء تقريبي شجعني الإخوة في هيئة التحرير على كتابة موجز عنها لقرآء "رسالة التقريب".

ففي القسم الأول من هذه الجولات كانت لنا وقفة في مصر والمغرب الأقصى، ونواصل هذه الجولات مبتدئين من تركيا.

في تركيا

خلال الفترة من (٢١ - ٢٣ شعبان ١٤١٣ هـ) عقدت ندوت تحت عنوان "ماضي التشيع وحاضرة" أقامها جمع من الأساتذة الجامعيين الأتراك الأعضاء في "وقف دراسات العلوم الإسلاميّة "، واشترك في الندوة وفود: من مصر والسعودية والأردن وسوريا والعراق وباكستان، وكنت ضمن الوفد المشارك من الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية، الذي ضم: الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة، والسادة العلماء والأساتذة: الشيخ جعفر السبحاني، والسيد مهدي الروحاني، والشيخ إبراهيم الجناتي، والدكتور السيد محمّد باقر حجتي، وكاتب هذه السطور.

وقد أوكلت لي مهمة مناقشة المبحث الأول من مباحث الندوة الذي ألقاه الأستاذ الدكتور " أدهم روحي فغلالي"، ورئيس جامعة وغلا، تحت عنوان: "نشأة الشيعة وتطورها"، وتناول كلّ من أعضاء الوفد موضوعاً من موضوعات الندوة بالبحث والتعليق.

وكان المبحث الثاني تحت عنوان: "الشيعة من القرن العاشر إلى القرن العشرين" للأستاذ الدكتور "إسماعيل آقا"، مدير معهد العلوم الاجتماعية بجامعة إيجي.

والثالث: الشيعة في القرن العشرين والثورة الإسلاميّة في إيران" للأستاذ الدكتور"حسن اوناط"، استاذ في كلية الإلهيات بجامعة أنقرة.

والرابع: "آراء الشيعة المتعلقة بعلوم القرآن" للأستاذ المساعد الدكتور"موسى كاظم يلماز"، خبير برئاسة الشؤون الدينية.

والخامس: "آراء الإمامية الاثني عشرية في تفسير القرآن" للأستاذ الدكتور "علي أوزك"، أستاذ التفسير بكلية الإلهيات بجامعة مر مرة.

والسادس: "الحديث عند الشيعة الإمامية" للأستاذ الدكتور " جمال صوفو أوغلي"، أستاذ في كلية الإلهيات بجامعة"٩ سبتمبر".

والسابع: "أصول الفقه والأدلة الشرعية عند الشيعة" للأستاذ الدكتور "خير الدين فرسان"، أستاذ في كلية الإلهيات بجامعة مر مرة.

والثامن: "التفكير الشيعي السياسي التقليدي ومفهوم ولاية الفقيه عند الإمام الخميني" للأستاذ المساعد الدكتور"إسماعيل أو ستون"، أستاذ في الإلهيات بجامعة مر مرة.

والتاسع: "أصول الدين عند الشيعة" للأستاذ الدكتور "عوني إيلخان"، أستاذ في كلية الإلهيات بجامعة "٩ سبتمبر".

والعاشر: "فروع الدين - الأحوال الشخصية - عند الشيعة" للأستاذ الدكتور "عبد القادر شنر"، أستاذ في كلية الإلهيات بجامعة"٩ سبتمبر".

والحادي عشر: "فروع الدين - أي: العبادات - عند الشيعة" للأستاذ المساعد الدكتور "إبراهيم جاليش قان"، أستاذ كلية الإلهيات بجامعة أنقرة.

والثاني عشر: "التصوف عند الشيعة" للأستاذ المساعد الدكتور "سليمان اولوداغ"، أستاذ كلية الإلهيات بجامعة أولوداغ.

والثالث عشر: "مذهب الزيدية" للأستاذ المساعد الدكتور"عيسى طوفان"، أستاذ في كلية الشريعة بجامعة "٩ سبتمبر".

والرابع عشر: "مذهب الإسماعيلية" للأستاذ المساعد الدكتور"مصطفى أوز".

أستاذ في كلية الإلهيات بجامعة مر مرة.

والخامس عشر: "تقويم حول أسس الاعتقاد وطرز العبادات في مذهب الإسماعيلية" للأستاذ الدكتور "يوسف شوقي يا ووز"، أستاذ بكلية الإلهيات بجامعة مر مرة [١].

ويلاحظ من عناوين البحوث: أنها "مذهبية" مكرسة لدراسة المذهب الشيعي، ويخيل للشخص - كما كان يخيل الينا قبل الحضور - أنّ هذه الندوة ستثير مسائل طائفية وجدلاً بين أهل السنة والشيعة؛ ولذلك كان الوفد الإيراني مهيئاً ليدفع بالبحوث والمناقشات في اتجاه تقريبي دفعاً للفتنة. ولكننا منذ الجلسة الأولى شعرنا بالروح العلمية التقريبية التي تسود الأجواء، وهذه نماذج من مظاهر الابتعاد عن الروح الطائفية:

روح التقريب في جلسة الافتتاح:

افتتحت الندوة بآي من الذكر الحكيم، اختارها القارئ أو العاملون على إقامة الندوة اختياراً موفقاًً وكلها تدعو إلى رض الصفوف والتمسك بحبل الله وعدم التفرق. ثم انعقدت الجلسة الأولى برئاسة الدكتور"أكمل الدين إحسان أوغلي"، الأستاذ في كلية الآداب بجامعة اسطنبول، ورئيس مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلاميّة التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وهو من وجوه التواصل الثقافي المعروفة في العالم الإسلامي.

ثم ارتأت إدارة الندوة أنّ يتكلم في جلسة الافتتاح ممثل عن أهل السنة وممثل عن الشيعة. فاستدعي الدكتور عبد الله المصلح رئيس جامعة آل سعود فرع أبها، فألقى كلمة ما كان فيها للطائفية مكانة، بل كانت كلمة إسلامية تدعو إلى وحدة الصف وتوخي الروح العلمية في البحث، والى أنّ تضع الندوة نصب عينيها مشاكل العالم الإسلامي وما يحيط بن من تحديات ومؤامرات.

ثم استدعيت لإلقاء كلمة نيابة عن العلماء الشيعة المشاركين في الندوة، فأكدت أنّ الدكتور "المصلح" لو تحدث نيابة عن الشيعة لما زاد عما قال، وأنا لا أزيد عما قاله، بل أثني على ما تفضل به ثم تحدثت عن الأسس التي ينبغي أنّ تلتزم بها الندوة؛ لتخرج بنتائج تخدم العلم والفكر والمصلحة الإسلاميّة العليا.

وكان للكلمتين أثر كبير في نفوس العلماء الأتراك؛ لما فيهما من روح تفاهم علمي يسمو على الاختلافات البسيطة، ولما فيهما من توجه نحو فهم أوسع لقضايانا المعاصرة.

روح التقريب خلال أيام الندوة:

وخلال أيام انعقاد الندوة تليت البحوث، وعلق عليها المعلقون، وكانت جميعاً تتسم بروح علمية موضوعية بعيدة عن التعصب والطائفية ومن الطريف أنّه طرح في الندوة أكثر من مرة موضوع ضرورة عدم إثارة ما اختلف عليه السلف الماضي، وضرورة التوجه نحو المستقبل، ونحو فهم أعمق لمتطلبات المرحلة الراهنة وما تواجهه الأمة من تحديات عظيمة. وأنا بدوري قلت: إنّ موضوع الندوة يتطلب - شئنا أم أبينا -

عودة إلى الماضي؛ لبيان جذور الاختلاف بين المسلمين. وهذه الندوة استطاعت - والحمد لله - أنّ تتناول هذا الموضوع بروح علمية رصينةٍ بعيدةٍ عن الإثارات العاطفية، ولكن كان من الأفضل أنّ تنصب جهود العلماء على رؤية مستقبلية لقضايا عالمنا الإسلامي؛ لأننا أحوج إليها من نبش الماضي. وتمنيت على الإخوة العلماء الأتراك أنّ تكون ندوتهم القادمة حول مسائل التقريب بين المذاهب الإسلاميّة، وحول الصحوة الإسلاميّة المعاصرة، ومستقبل الأمة الإسلاميّة، ووقع هذا الكلام موقع تأييد شديد من قبل الأستاتذة والحاضرين.

وخلال المحاضرات اثيرت مسائل حساسة، وكان للعلماء السنة والشيعة تعليقات ونقاشات عليها، وكانت النتيجة أنّ وجد الجانبان أنهما متفقان عليها تماماً ومن ذلك:

سلامة النص القرآني من أي تحريف.

وضرورة الاجتهاد في فهم نصوص السنة.

ومكانة أهل البيت الكبيرة بين جميع المسلمين.

وأن وحدة المسلمين فريضة يتحمل مسؤوليتها بالدرجة الأولى علماء المسلمين.

وأن المشتركات بين المسلمين عظيمة جداً بحيث لا يحتل الاختلاف إلاّ مساحة صغيرة من الأصول والفروع ومناهج الحياة الإسلاميّة.

روح التقريب في جلسة الاختتام:

وفي جلسة الاختتام تحدث أربعة من الأساتذة العلماء الأتراك، ملخصين بحوث الندوة، ومؤكدين على أهم معطياتها؛ لتكون بمثابة البيان الختامي للندوة. ولأهمية أحاديثهم أذكر أدناه موجزاً لها من خلال رؤوس النقاط التي دونتها في مذكرتي خلال إلقاء كلماتهم:

البروفسور صالح طوغ:

ركز الأستاذ الدكتور صالح على ضرورة التطلع نحو المستقبل، فالماضي يحمل

تركة ثقيلة نحن في غنى عن الخوض فيها، ولا فائدة من إثارة نزاعات أكل الدهر عليها وشرب، ومن الأفضل والأنفع أنّ نتطلع إلى المستقبل.

وقال: نحن المسلمون أمة واحدة شئنا أم أبينا، نحن كراكبي سفينة: إما أنّ ننجو جميعاً أو نهلك جميعاً، ومن هنا فإن مصلحة دنيانا وآخرتنا تقتضي أنّ نركز على مواطن الاتفاق والاتحاد.

وأشار الأستاذ إلى مسألة "ولاية الفقيه"، وقال: إنها - خلاف ما أشاع البعض عنها - تستطيع أنّ تكون محور تجمع المسلمين. وقال: إنّ مشروع ولاية الفقيه يجب دراسته والتعمق فيه، واقترح إقامة ندوة خاصة حول اجتماع المسلمين حول محور ولاية الفقيه.

البروفسور حسين آطاي:

تحدث الأستاذ الدكتور حسين عن الرؤية القرآنية في مواجهة الأفكار المختلفة، ذاكراً أنّ الكتاب الكريم يربي المسلمين على سعة الأفق، وبعد النظر في مواجهة المخالفين. ويتحدث عن الدعوة إلى الله باسم التبليغ، وهو اسم له دلالة كبيرة على طبيعة عمل الداعية. فالجدل المثير للنزاع محظور في الإسلام، ولا يجوز الجدال إلاّ بالتي هي أحسن.

وتحدث الأستاذ عن تجربته العلمية مع طلابه، وأوضح: أنّ سعة الصدر تستطيع أنّ تربي الأفراد تربية يتعالون فيها عن الصغائر، ويتجهون نحو أفق رحب في اتخاذ المواقف العلمية. وأشار إلى قوله تعالى: (إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (، مؤكداً أنّ هذه العبارة فيها كلّ معاني السمو والترفع وعلو النظرة في اتخاذ المواقف من المخالفين.

وأشار الأستاذ إلى تفاهة الأمور التي تفرق بين المسلمين اليوم وتثير النزاع في أوساطهم، وقال: إننا نحتاج إلى أنّ نرفع مستوى أمتنا أولاً، وأن نصلح أنفسنا في بداية الأمر؛ كي نسد الثغرة أمام من تسول له نفسه تمزيق صفوف الأمة.

البروفسور محمّد سعيد خطيب أوغلي:

اعتذر الأستاذ الدكتور محمّد سعيد عن عدم مشاركته في طرح بحث في الندوة؛ بسبب سفره خارج تركيا. وركز على مفهوم الأمة وما يتبعه هذا المفهوم من مسؤوليات ملقاة على عاتق هذه المجموعة البشرية.

وأكد: أنّ ما يعانيه العالم الإسلامي اليوم من جراح في البوسنة والهرسك يشكل تحدّياً صارحاً لوجودنا كأمة، فإن لم ننهض يداً واحدة للوقوف بوجه هذا التحدي فإن وجودنا كأمة سيكون موضع تساؤل.

ثم تحدث عن الارتباط الثقافي والتاريخي العريق القائم بين الشعبين الإيراني والتركي، وأشار إلى أنّ الشعبين جمعهما الإسلام، وكانا بعيدين دائماً عن النزاعات السياسية في تاريخ العالم الإسلامي.

وتطرق إلى التراث وما فيه من بعض السلبيات التي لا تزال تفرض إعادة التقويم ونفض الغبار. وأكد: أنّ العالم ملزم بأن يأخذ الحقيقة من أفواه الرجال، فالسلف اختلفوا في توثيق الرواية والرواة، وعلينا أنّ نتبع الحقيقة بمعزل عن الذهنية المذهبية المسبقة.

البروفسور خير الدين قرامان:

الأستاذ الدكتور خير الدين ذكر: أنّ هذه الندوة خرجت في مجمل بحوثها إلى أنّ المسلمين سنة وشيعة متفقون على أمور ثلاثة أساسية وهي:

١ - كتاب الله، وأنه محفوظ بحفظ الله بين الدفتين، لم يعتره تحريف ولا نقص ولا زيادة وأنه المرجع الأول في عقيدة المسلم ومنهج حياته.

٢ - السنة، والمسلمون مجمعون على حجية السنة في العقيدة والعمل، ومجمعون على وجوب الأخذ بها إذا صحت لديهم.

٣ - الإمامة وولاية الفقيه، فكل المسلمين مؤمنون بالقيادة الإسلاميّة، ومشروع ولاية الفقيه يجمع بين نظرات أهل السنة والشيعة.

ثم أشاد الأستاذ بالإمام الراحل الخميني رضى الله عنه باعتباره المنظر لهذا المشروع، وقال: إنّ الشيعة أناموهم قروناً باسم انتظار المهدي، والسنة أنا موهم قروناً باسم الصبر.

والإمام الخميني أيقظ المسلمين حول محور ولاية الفقيه، فقال للشيعة: هذا النوع من الانتظار حرام، ولابد أنّ تنهضوا على طريق تحقيق أهداف الإسلام التي هي نفسها أهداف المهدي - عليه السلام - . وقال للسنة: هذا النوع من الصبر حرام أمام الظالمين والطغاة. فأثار في العالم صحوة جمعت السنة والشيعة؛ فولاية الفقيه إذن نقطة مشتركة بين المسلمين.

وأهاب الأستاذ الدكتور بالعلماء أنّ يشيعوا هذا الاتفاق بين المسلمين. فعامة الناس ينظرون إلى علمائهم ويقتدون بهم، وإذا وجدوهم على قلب واحد فإن ذلك يسري إلى عامة الناس أيضاً.

والإمام الخميني أيقظ المسلمين حول محور ولاية الفقيه، فقال للشيعة: هذا النوع من الانتظار حرام، ولابد أنّ تنهضوا على طريق تحقيق أهداف الإسلام التي هي نفسها أهداف المهدي - عليه السلام - وقال للسنة: هذا النوع من الصبر حرام أما الظالمين والطغاة. فأثار في العالم صحوة جمعت السنة والشيعة؛ فولاية الفقيه إذن نقطة مشتركة بين المسلمين.

وأهاب الأستاذ الدكتور بالعلماء أنّ يثيعوا هذا الاتفاق بين المسلمين فعامة الناس ينظرون إلى علمائهم ويقتدون بهم، وإذا وجدوهم على قلب واحد فإن ذلك يسري إلى عامة الناس أيضاً.

وذكر الأستاذ الدكتور خير الدين مسألة الأخوة بين المسلمين، وما يترتب عليها من واجبات، أقلها الابتعاد عن تكفير البعض البعض الآخر.

وأشار إلى موقف الشيعة من الصحابة، وأكد: أنّ الشيعة لا يسبون الصحابة، بل إنّ جهود الشيعة في إيران اليوم تتجه نحو توحيد الصفوف، ولا أدل على ذلك من فتاوى الإمام الخميني بشأن الاقتداء بأئمة أهل السنة في صلاة الجماعة وعدم الإعادة. واستنكر الأستاذ محاولات تشويه الحقائق عند الشيعة مثل: التقية.

في اسطنبول عقيب الندوة:

كان لنا عقيب الندوة جولة في اسطنبول زرنا خلالها كلية الإلهيات في جامعة مر مرة، ومركز دائرة المعارف الإسلامية، وبعض المؤسسات الثقافية والعلمية، وعدداً من مراكز تدريس القرآن وتحفيظه، وبعض المساجد والمكتبات والمتاحف، والتقينا خلالها جموعاً من الشباب والعلماء والأساتذة، وكان للسيد الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة. ولي كلمات وأحاديث حول الأسس العلمية للتقريب بين المذاهب ووجدنا في هذه المدينة المطوقة بألوان التذويب والتمييع والتخدير آلاف الشباب والشابات يعكفون على دراسة القرآن وحفظه، ودراسة علوم الإسلام والدعوة إليه، يتحدثون بحماس عجيب عن وحدة المسلمين ومستقبل العالم الإسلامي هؤلاء الذين أريد منهم أنّ ينقطعوا حتى عن الحرف العربي، يعكفون اليوم على دراسة الإسلام من مصادره الأساسية، واثقين أنّ عزتهم وسؤددهم في الإسلام لا غير.

وفي إحدى الجلسات مع عدد من شباب الدراسات العليا في العلوم الإسلاميّة طرحت أسئلة عن تفاصيل المسائل المرتبطة بالصحوة الإسلاميّة، والدولة الإسلاميّة في إيران، مما يدل على متابعتهم الدقيقة لكل قضايا العالم الإسلامي.

وفي أحد المراكز الثقافية الإسلاميّة وجدنا شباباً طافحين بالإيمان، يعكفون على ترجمة كتب رجال الصحوة من السنة والشيعة إلى اللغة التركية، وينشرون كراسات تحمل تعاليم الإسلام في مختلف جوانب الحياة، كما أنّ أكثر من صحيفة إسلامية تنشر هموم المسلمين وقضاياهم وأخبارهم.

ومراكز المخطوطات والآثار التركية تعيد إلى ذهن المسلم آخر ما كان يتمتع به المسلمون من عزة قبل عصر الاستعمار، ويعتصره الألم حين يرى ما حل بالمسلمين حين سقطت هذه القلعة الإسلاميّة الشامخة، ويأسف أشد الأسف على ضياع هذه العزة بيد المسلمين أنفسهم قبل أنّ تضيع بيد أعدائهم. ترى ماذا كان يحدث في العالم الإسلامي لو لم تتصارع الدولتان العثمانية والصفوية على مصالح دنيوية مغطاة بالطائفية؟ وأي درس تركه هذا الصراع للمسلمين اليوم وهم يحاولون استعادة كرامتهم وعزتهم؟

في الأردن

في يومي (٢٠ و٢١ من محرم الحرام سنة ١٤١٣ هـ) عقدت في عمان ندوة"الحقوق في الإسلام" بدعوة من "مؤسسة آل البيت". والمهم في هذه الندوة: أنّ القائمين عليها دعوا علماء وباحثين من كلّ المذاهب الإسلاميّة، كي تكون وجهات النظر المطروحة تمثل كلّ الاتجاهات الفقهية في العالم الإسلامي وخصص في الندوة وقت للباحثين ووقت للمناقشين، وكانت البحوث المطروحة جادة معمقة، كان من بينها: بحث لسماحة الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة تحت عنوان: "الفرق بين الحق والحكم في الفقه الإمامي"، وكان لي دور التعليق على بحث الدكتور عبد السلام العبادي، وشمل المدعوين في الندوة بكل إكرام وإحترام، وتوفرت لهم فرص التجوال والزيارات العلمية.

واستمرت الندوة يومين انعقدت خلالهما في الصباح والمساء، وخرجت بنتيجة واحدة هي: ضرورة مواصلة هذه البحوث والدراسات؛ للتوصل إلى مشروع متفق عليه في الحقوق. وهو موضوع هام خاصة في ظروف التحديات الكبيرة التي يواجهها العالم الإسلامي، إذا اختلطت المعايير، وديست حقوق الشعوب، وانتهكت الحرمات باسم القانون الدولي. ولابد لامتنا الإسلاميّة - وهي تتجه نحو استعادة وجودها وكرامتها - أنّ تطرح على الساحة العلمية بوضوح حقوق الفرد والجماعة في جميع المجالات، وأن تلتزم بها كي تثبت للعالم عمق توجهها الحضاري، وانضباطها التام في إطار الالتزام بالحقوق والعقود الفردية والجماعية.

وكان للأستاذ أمين الندوة والمشرف على أعمال مجمع أهل البيت الدكتور ناصر الدين الأسد دور كبير في إنجاح الندوة، فلقد عرفنا الرجل من الباحثين في الأدب العربي ومصادره، خاصة في العصر الجاهلي، ورأيناه هذه المرة وهو يناقش مسائل الفكر الإسلامي بعمق واضح، ويدير الندوة بمهارة فائقة. وكان ممن سعدنا بلقائهم في هذه الندوة المباركة: الأستاذ الدكتور عبد العزيز الخياط وهو من دعاة التقريب وأعلام الفكر الإسلامي، والأستاذ الدكتور فاضل الحسيني الميلاني، وهو أيضاً صاحب قلم معروف في مجالات الفكر والتراث والتقريب، والشيخ أحمد بن حمد الخليلي مفتي سلطنة عمان، وممثل المذهب الأباضي في الندوة، وعضو المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة في طهران، وسماحة الشيخ عز الدين الخطيب التميمي الذي يجمع بين الأوسمة العسكرية والأوسمة العلمية الدينية، والأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري رئيس جامعة بغداد سابقاً، وصاحب الدراسات التاريخية المعمقة حول أهم فترات الحضارة الإسلاميّة في القرنين الثالث والرابع.

وبعد، فإن هذه الندوة شملت برعاية جادة على أعلى المستويات. واشترك فيها من الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية أيضاً: الدكتور محمّد باقر الحجتي، والدكتور بي آزار الشيرازي، وكان لنا خلال هذه الزيارة لقاء بالأستاذ عربيات رئيس مجلس الشورى الأردني، ودار في هذا اللقاء حديث جاد ومفيد حول مستقبل العالم الإسلامي

والتحديات والتقريب، فوجدنا الرجل مهتماً جداً بتقديم المشروع الإسلامي المقنن المتناسب مع متطلبات الواقع الاجتماعي، ويروم أنّ يكون هذا المشروع شاملاً لنظرات الفقهاء من شتى المذاهب.

كما كانت لنا زيارة لمدينة "مؤتة"، حيث مثوى شهداء الواقعة الشهيرة التي اتخذت اسم هذا المكان. ومن الطبيعي أنّ يعيد هذا المكان التاريخي العظيم إلى أذهان أعضاء مجمع التقريب الزائر ذكريات صدر الإسلام، بما كان فيه من روح جهادية جعلت الجماعة المسلمة ترتفع إلى مستوى يسمو على الخلافات القبلية والقومية، ويتجاوز الذاتيات الصغيرة، وينطلق إلى رحاب واسعة…واسعة جداً.

زرنا قبر الصحابي الشهيد "عبدالله بن رواحة"، واستعدنا كلماته وهو يودع الناس متوجهاً إلى ساحة المعركة وعيناه تذرفان الدمع، فقال له الناس: ما يبكيك؟ فقال: ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله - يقرأ الآية، وهي: (وإن منكم إلاّ واردها كان على ربك حتماً مقضياً (فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورد؟ فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا سالمين.

مررنا على جدث هذا الصحابي ونحن نردد: "أرشدك الله من غاز وقد رشدا" فهو الذي ود أنّ تتلى على قبره هذه العبارة حين أنشد في الوداع:

حتى يقولوا إذا مروا على جدثي أرشك الله من غاز وقد رشدا

أي رفعة هذه التي جعلت عبدالله بن رواحة يشجع المسلمين حين واجه مائة ألف من الروم ومائة ألف من العرب المتحالفين مع الروم، بينما المسلمون لا يزيدون على ثلاثة آلاف؟ … جعله يشجعهم ويقول:

(يا قوم، والله، إنّ التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون: الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة، ولا كثرة، ما نقابلهم إلاّ بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة).

وزرنا أيضاً في هذه البقعة قبر "زيد بن حارثة" القائد الشهيد الأول في معركة مؤتة، وقبر "جعفر بن أبي طالب" القائد الشهيد الثاني، وكل واحد من هذين الصحابيين يمثلان قمة من قمم المجد والشموخ والقدوة، والمشعل الذي يضيء الطريق أمام المسلمين، وهم يحاولون اليوم أنّ يستعيدوا وحدتهم وعزتهم وكرامتهم.

وكم تمنينا أنّ تتحول هذه البقعة إلى مزار إسلامي عام، ومعلم بارز من معالم تاريخنا الإسلامي العظيم؛ لأنها وإن كانت تعيد إلى الأذهان حادثة "هزيمة" ظاهرية للمسلمين تسجل في الواقع"انتصاراً" للعقيدة، وللروح الجهادية، وللمواقف البطولية في تاريخ الإسلام. إنها تفتح أمام المسلم الزائر افقا رحبا بعيداً واسعاً بمقدار ما يحمل الإسلام من بعد واسع…. ونقله المسلمين إلى تلك الآفاق الواسعة ضرورة التقريب والوحدة.

وتوفرت لنا خلال هذه الجولة زيارة لجامعة اليرموك، وفيها التقينا المسؤولين الذين قابلونا بحفاوة بالغة وبروح إخوية، ودارت معهم أحاديث شتى حول مسائل العالم الإسلامي وسبل توحيد صفوف الأمة. واطلعنا على مناهج دراسات الجامعة والمستوى العلمي المرموق الذي تتمتع به، خاصة على مستوى الدراسات العليا.

ثم كان لنا لقاء مع طلبة الجامعة في قاعة الاجتماعات. ألقى في البداية السيد الأمين العام للمجمع كلمة شكر فيها مسؤولي الجامعة، وتحدث عن أهداف مجمع التقريب والخطوات العملية التي قطعها. ثم فسح المجال للطلبة كي يلقوا أسئلتهم.

كان في كثير من الأسئلة شوق لفهم ما يجري في الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية، وللاطلاع على مدى تجاوب العالم الإسلامي لفكرة التقريب، ولكن كان بعض الأسئلة والتعليقات ينم عن البعد الموجود بين أبناء العالم الإسلامي وعن ضخامة حجم المؤامرة التي فرقت بين المسلمين وأثارت بينهم الحساسيات والحزازات.

وكانت هذه فرصة رائعة لكي يدلي الإخوة الطلبة بكل ما في أذهانهم، وليسمعوا الجواب من السيد الأمين العام، ومن سائر أعضاء الوفد الإيراني بشأن الشيعة، والإمام الراحل الخميني رحمه الله، ودستور الجمهورية الإسلاميّة …، والنظام القائم في إيران الإسلام….، و….، وكانت الجلسة بمجموعها جلسة تقريبية مباركة…. حضرنا بعدها حفل ضيافة كريمة أعدته الجامعة للوفد الزائر… ثم ودعنا اليرموك وجامعتها ونحن نحمل أجمل الانطباعات عن هذه الزيارة.

في اليمن

بعد زيارتنا للأردن اتجهنا إلى اليمن. واليمن يعيد إلى الأذهان أكثر من مسألة بشأن ماضي الأمة الإسلاميّة ومستقبلها. فهذا البلد امتزجت فيه العناصر الفارسية والعربية قبل الإسلام، في إطار الدفاع عن اليمن أمام المهاجمين، وانصهرت هذه الأصول في إطار الإسلام حين خضع حاكم اليمن الإيراني في عصر انبثاق الدعوة للدين المبين، وبذلك دان أهل اليمن جميعاً بالإسلام، وأصبحوا من المدافعين والذابين عنه، والعاملين على انتشاره.

ثم اتجهت الجيوش اليمنية المسلمة العربية والفارسية لفتح مصر، فكان الفتح على يدهم بإذن الله تعالى.

وكان لليمنين دور عظيم في الوقوف إلى جانب القوى الإسلاميّة التي طالبت بصيانة مسيرة المجتمع الإسلامي من الانحرافات على مر التاريخ، واحتضنت الثوار المسلمين.

ثم شهد تاريخ اليمن القديم صراعات طائفية مقيتة، كما شهد هذا البلد في تاريخه الحديث صراعات سياسية وقبلية مؤلمة، مغطاة تارة بالطائفية، وتارة بالأيديولوجيات المستوردة. غير أنّ زيارتنا لليمن كانت مقرونة ببشائر سارة في رأب الصدع:

منها: اتحاد اليمنين وزوال الحاجز بين البلد الواحد.

ومنها: الحوار بين الفرقاء من أجل التوصل إلى صيغة لحياة اجتماعية مستقرة يسودها التفاهم والتعاون والعمل المشترك لإعادة البناء.

وكانت هذه الزيارة ضمن إطار التفاهم والتقارب مع العلماء والأساتذة والمحققين والجامعيين في اليمن الشقيق، وضم الوفد الزائر: الأستاذ الدكتور السيد محمّد باقر الحجتي المتخصص في العلوم القرآنية بجامعة طهران، والأخ الأستاذ علي أنصاريان الباحث في التراث الإسلامي، وكاتب هذه السطور.

زرنا في جولتنا عدداً من العلماء الزيدية والسنة، ووجدنا أنّ الحوار - مع الأسف - مقطوع بين الفريقين ثمة حساسية تاريخية، عمقتها حساسيات قبلية وسياسية، فأصبح تراشق الجانبين بالتهم هو طابع العلاقة الوحيد بينهما. وحين جلسنا مع علماء الفريقين

واستمعنا إلى أقوالهم ما وجدنا أبداً ما يبرر وجود أي اختلاف بينهما، بل ألفينا أنّ الهموم الإسلاميّة مشتركة، وأن التحديات التي تواجه الجميع واحدة، وأن الآمال والتطلعات نحو المستقبل متشابهة تماماً.

والذي سرنا من الأعماق هو: اهتمام كلّ من زرناهم من العلماء الزيدية والسنة بظاهرة قيام الدولة الإسلاميّة المباركة في إيران، وكان استقبالهم لنا حافلاً؛ لأننا قادمون من إيران بهدف التواصل والتعارف.

والإخوة الزيدية هيأوا لنا فرص لقاء وحوار، وأطلعونا على مركز نشاطهم الإسلامي في حقل التدريس والطباعة والنشر والإعلام. والإخوة أهل السنة وفروا لنا مثل هذه الفرص، فكانت لنا مع علمائهم وأساتذتهم جلسات حوار هادف بناء طرحت خلالها كلّ القضايا صراحة، وبينا لهم: أنّ الجمهورية الإسلاميّة الإيرانية تتبنى النهج الرسالي، لا (الطائفي)، وأنها إذا أقرت في دستورها المذهب الشيعي فإنها أقرته باعتباره مدرسة فقهية معترفاً بها من قبل كلّ المسلمين، قائمة على أساس القرآن وسنة رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ، وهي ترفض الطائفية بمختلف صورها، وتتخذ من قضايا أمتنا الإسلاميّة موقفاً (مبدئياً)، لا (مصلحياً) ولا (طائفياً) ….، ولهذا أمثلة كثيرة. وكان لهذا الكلام أطيب الوقع على هؤلاء السادة العلماء والأساتذة، ورأيناهم يرددون: أننا بحاجةٍ إلى مثل هذه اللقاءات؛ ليفهم بعضنا بعضاً مباشرةً، دون الاعتماد على إعلام الآخرين.

كما وفر لنا الإخوة علماء السنة فرصة القيام بجولة في مدارسهم ومعاهدهم العلمية، حيث يدرس فيها الطلبة والطالبات العلوم الإسلاميّة، ويحفظون القرآن الكريم.

كما رأينا الاهتمام الفائق بالتربية والتعليم وفق مقتضيات العصر في هذه المؤسسات التعليمية.

وفي لقاءاتنا مع الإخوة من علماء الزيدية أكدنا لهم ضرورة الانفتاح على الإسلام بمعناه الرسالي الحضاري الواسع، والابتعاد عن كلّ ما يفرق بين المسلمين من موروثات تاريخية. فرأينا كثيراً منهم يحمل نفس توجهاتنا، وأوعدونا كما أو عدنا الإخوة من علماء السنة أنّ يكون الهم الإسلامي والمصلحة الإسلاميّة ووحدة أبناء اليمن على أساس من عقيدة الإسلام ومنهجه فوق كلّ الاعتبارات.

ثم كان لنا لقاء مع الجامعيين، وعلى رأسهم: الأستاذ الأديب الشاعر والمفكر المجاهد الدكتور عبد العزيز المقالح رئيس جامعة صنعاء. لقد جلسنا معه في مكتبه بعض الوقت، فألفيناه مفخرة من مفاخر اليمن، بل العرب، بل المسلمين. جمع الرجل بين ميدان الجهاد التحريري من أجل استقلال اليمن، وميدان الأدب والشعر، وميدان العمل الأكاديمي، وساحة الاهتمامات الفكرية الإسلاميّة. وجدنا الرجل مهتماً بإيران أدباً وثورة ونظاماً. فهو قد درس في القاهرة على المرحوم الدكتور يحيى الخشاب، وقرأ الشعر الفارسي، وتأثر بالعطار والرودكي. ولا يزال يحمل في ذاكرته هذه اللغة، وقال: إنه يفهمها ولكن لا يتكلم بها.

وأخبرنا الأستاذ الدكتور: أنّه أنشد قصيدتين عن الإمام الخميني رضى الله عنه، كما هم بتأليف كتاب عن الثورة الإسلاميّة في إيران، ودون مقداراً منه، ولكنه لم ينهه…، وهنا تغيرت ملامح الأستاذ الدكتور وتحدث بلهجة غضب ممزوجة بالأسف عن جريمة الإعلام المضاد الذي أحاط بالثورة الإسلاميّة، فأعطى صورة مشوهة عنها في الأذهان. وكان سبب عدم مواصلته الكتابة عن الثورة الإسلاميّة هو هذا الإعلام المضاد.

ثم أثنى الأستاذ الدكتور على التجربة الإسلاميّة في إيران؛ لما حملت من توجه حضاري مستقبلي عظيم مشرف، ورجا أنّ يكون الإسلاميون في اليمن وخاصة الإخوة الزيدية مطلعين على هذه التجرية؛ كي يزول ما قد يوجد في الوسط الإسلامي اليمني من تحجر وجمود وتخلف عن ركب الحضارة الإنسانية.

ولم يكتف بذلك، بل أصر أنّ يرينا مشهداً آخر من مشاهد كرم الضيافة اليمني، فأعد لنا مائدة طعام سخية، حضرها جمع من الأساتذة والمسؤولين الجامعيين في جامعة صنعاء. ودارت في هذا اللقاء أحاديث شتى حول الشؤون الجامعية والفكرية.

ثم زرنا مراكز البحوث والدراسات اليمنية، والتقينا رئيسه الأستاذ الفاضل الدكتور أحمد المروني، ووجدنا هذا الرجل أيضاً ممن جمع بين ميدان الجهاد والعمل العلمي. فقد عانى من أجل تحرير اليمن النفي والسجون، لكنه لم ينقطع عن عمله العلمي، ورأينا المركز الذي يشرف عليه - رغم ضعف إمكاناته الفنية - يموج بحركة تحقيق ودراسة ومطالعة والمؤلفات التي أخرجها المركز تنم عن نشاطاته الواسعة المعمقة.

والأستاذ المروني في حديثه ينطلق من روح عالية تتطلع إلى تعاون فكري وثقافي بين أرجاء العالم الإسلامي؛ ولذلك رحب كثيراً حينما اقترحنا عليه فكرة إنشاء حلقة دراسية لبحث العلاقات الثقافية العريقة بين إيران واليمن قبل وبعد الإسلام. وخرجنا من المركز ونحن مؤمنون أكثر بوجود مجالات وساعة للتقارب بين أجزاء العالم الإسلامي.

وحرصنا أنّ يكون لنا لقاء مع الباحثين والمحققين، فتعرفنا على آثار الأستاذ عبد الله محمّد الحبشي، وزرناه في بيته، فوجدنا الرجل يعيش حياة متواضعة جداً، وضع جميع كتبه في غرفة صغيرة قد استقبلنا فيها، وكانت هذه الكتب غير منظمة في رفوف، بل متراكمة فوق بعضها لكثرتها. غير أنّ الأستاذ الحبشي ما إنّ أراد استخراج كتاب حتى سحبه من بين الركام بسرعة وسهولة مدهشة.

وتحدثنا مع الأستاذ الحبشي عن أعماله العلمية، فأطلعنا على تحقيقاته وبحوثه، وكانت تربو على الثلاثين رغم أنّه في مقتبل عمره العلمي، وكان أكثر مؤلفاته في الكشف عن تراث الزيدية في اليمن….، ومن حقه أنّ يكرس اهتمامه في هذا المجال؛ لأن المكتبة اليمنية تضم كنوزاً في التراث الزيدي لا نظير له في العالم. أبدى الرجل اهتمامه بتراث الإسلام في إيران، وضرورة التعاون بين الباحثين الإيرانيين واليمنين؛ لنفض الغبار عن تراث أهل بيت رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ.

وكانت لنا أيضاً جولة في مكتبات اليمن، ومن خلالها عرفنا بوجود عبقريات يمنية عظيمه في البحث والتحقيق والأدب والتراثيات، وكم تمنينا أنّ تلتقي الطاقات العلمية في العالم الإسلامي لاستكشاف كنوزه العلمية الموروثة، والانطلاق منها لرسم مستقبل زاهر لأمة خاتم النبيين.

والمكتبات في اليمن لها حديث طويل، فهي تسجل بمخطوطاتها لضخمة - في مكتبة الجامع الكبير وغيرها من المكتبات الرسمية والشخصية - ماضياً عريقاً في مختلف الأصعدة. وخزائنها تضم تراثاً زيدياً وإسماعيلياً وشيعياً اثني عشرياً وسنياً على مختلف الفرق في الأصول والفروع، إنه ميراث أمة بمختلف مذاهبها واتجاهاتها، ويحتاج إلى جهود كلّ علماء الأمة لصيانته وإحيائه. غير أنّ الغربيين أكثر اهتماماً بهذه المكتبات من أبناء الأمة أنفسهم. وهذه ظاهرة لها دلالات مؤلمة كثيرة، وتحمل أكثر من حافز للمخلصين؛ كي يسعوا بجد إلى استعادة الحياة.

١ - سيكون لنا لقاء - بإذن الله - مع القرّاء حول هذه الموضوعات، وما دار حولها من مباحثات ومناقشات. ويذكر: أنّ "وقف الدراسات الإسلاميّة" نشر فيما بعد المحاضرات والمناقشات في كتاب مستقل، ونشر معها مقالين كانا قد أرسلا إلى الوقف، ولم نقف عليهما إلاّ بعد نشر هما في الكتاب المذكور، وفيهما الكثير من نقاط الضعف العلمية، وكان من الأولى عرضها على أعضاء الندوة لمناقشتها.



[ Web design by Abadis ]