ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نحو وضع قانون موحد للمعاملات المالية بين المذاهب الإسلاميّة \ الدكتور إدريس العلوي

لقد جاءت الشريعة الإسلاميّة بتصور شامل ونظر متكامل لهذه الحياة، ولجميع التصرفات التي يجب أنّ تكون منسجمة مع ما يحمله الإنسان من عقيدة صافية نقية فتبرز على ضوئها أفعال صالحة خيرة. والقرآن الكريم هو المصدر الأصيل والركن الركين لهذه الشريعة الغراء من جملة مقاصده الكريمة: تربية الفرد والجماعة، تلك التربية التي تدعو إلى صفاء القلب من سوء الصفات، كما تحض على التعاون بين الأفراد والجماعات.

ومن خصائص هذه الشريعة: السماحة واليسر، وهما أمران مستفادان من أصولها وفروعها، وأن الإحسان في المعاملات من وسائل هذه السماحة وأسباب اليسر. كما أنّ هذه الشريعة قائمة على معنى اجتماعي، سواء على صعيد العبادات أو المعاملات، مما يحق عوامل التعاون والتضامن.

إنّ الشريعة الإسلاميّة تعتمد قبل كل شيءٍ على وجدان الإنسان، لا على قوات السلطان، وغايتها هي: مصلحة الإنسان كخليفة في المجتمع الذي هو منه، وكمسؤول أمام الله الذي استخلفه على إقامة العدل والإنصاف.

وإذا كان القانون الوضعي يهتم بالمساواة فإن الشريعة الإسلاميّة تهتم بتحقيق العدالة. فالمساواة تعني: فقط تطبيق القانون القائم على الجميع كيفما كان القانون، بينما

الشريعة الإسلاميّة تقصد إلى تحقيق العدالة، ولا تعترف بأي قانون مناف لمقاصدها. كما أنها كلفت الإنسان في ميدان المعاملات أنّ يكون هو نفسه الحارس على ضمان العدالة؛ ولأجل ذلك ألزمته بأن ينصف غيره من نفسه ولو كان القانون أو القضاء بجانبه، مفرقة في ذلك بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية.

إنّ الناظر للتراث الفقهي الإسلامي، الناطق بالعظمة والخلود ليقف مشدوهاًَ وهو يقدر قيمة ما تركه الأجداد للأحفاد. ويزداد عبء هذا التقدير في عصرنا الحاضر الذي أصبحنا نطل فيه على ذلك التراث الزاهي من جميع أطرافه، وقد اتسعت آثاره، وترامت نواحيه، وهو يزخر بعلومٍ شتى.

وقد حاول البعض من الدارسين، والمهتمين بهذا التراث الخالد أنّ تتعلق همته بمحاولة إخراجه إلى الوجود بوسائل التحقيق والتوثيق المختلفة، وهي ناحية لا ينكر فضلها؛ لما لها من مراعاة الحفظ والصيانة، ولكن ذلك لا يكفي في خدمة هذا التراث واستغلاله وتقريبه من الأذهان والواقع المعاش - ليكون مرآة للبيئة الاجتماعية المطبق فيها - مالم يعزز بجانب الدراسة والتمحيص والتقويم والمقارنة بالأوضاع الحالية، وما شاع من الدراسات القانونية المتعددة الجوانب في مختلف مظاهر الحياة الاجتماعية.

وإننا حين نذكر هذا النوع من الدراسة المنية على المقارنة والمقابلة فلسنا نحط من قدر فقهنا الإسلامي الذي سادت أحكامه وامتدت شجرته الوارفة الظلال على جميع الأوطان الإسلاميّة. فالشريعة الإسلاميّة بحكم محاسن أحكامها وتعدد مصادرها هي ملائمة لكل عصر وأوان مهما امتدت الدنيا وتجدد معلمها ورقيها، وهي شريعة بعيدة عن التقصير والقصور، ومحفوظة عن أنّ يأتيها الباطل من بين خلفها على مر الأزمان والعصور.

إنّ هناك ثروة قانونية لا تنكر قد عمت البلدان الإسلاميّة، وهذه الثروة تحتاج إلى تأصيل وتحليل ومقارنة، ومقارعة الدليل بالدليل، وليس كلها دون فائدة، وإنما تنظر في ضوء فقهنا الإسلامي، ذلك الفقه الذي لا ينضب معينه، ولا تنفد حججه وبراهينه.

والدراسات المقارنة ليست غريبة عن فقهنا الإسلامي، إذ برجوعنا إليه نجد أنّ الفقهاء المسلمين اهتموا بعلم خاص سموه بـ "الخلاف العالي" ومضمون هذا العلم هو: التعرف على الدلائل الأصلية للمسائل الفقهية، وما بني عليه كل قول فقهي منها.

فتارة تربط الفروع بالأصول، وتارة أخرى تربط الأصول بالفروع في صعيد واحد؛ لتظهر بوادر الحجة والبرهان وتتفتح العقول والأذهان، فوسط هذا الميدان من الدراسة المعمقة يحاول الدارس أنّ يستجلي حقائق الفقه الإسلامي، مستفيداً من منهجية الدراسات القانونية الحديثة - وخاصة الناحية الشكلية - تنسيقاً وتبويباً ثم عرض نصوص مواد القانون الوضعي على حقائق وأحكام هذا الفقه أيضاً، كمحاولة من أجل الاستنتاج، ومعرفة مدى التطابق والتوافق، أو التخالف والتباين.

لقد راعت التقنينات الوضعية الإسلاميّة العربية الاحتفاظ بقدر كبير من القوانين المعمول بها في حينها؛ وذلك منعاً للطفرة ومضارها، ورغبة في الإفادة من استقرار تلك القوانين بها، بعد أنّ صقلها العمل، وأوضح الاجتهاد غامضها وأكمل نقصها، وكل منها توخى بدرجات متفاوتة وصل حاضرها بماضيها، وتوثيق الصلة بينه وبين تراثها القانوني العظيم، متمثلاً في الفقه الإسلامي الذي ظل هو القانون العام لهذه التقنينات قرونا طويلة في جميع تلك البلاد، حتى وضع التقنينات الحديثة بها، بل ما يزال هو القانون العام في بعضها، وكل منها استهدف استيعاب تيارات التشريع العالمية، والأخذ بأسباب تطويرها، تقريباً للشقة بين أحكامها وأحكام تقنينات البلاد العصرية المتقدمة، وتيسير التعامل والتبادل مع أهل تلك البلاد، بعد أنّ أصبح العالم كله يكاد أنّ يكون وحدة متكاملة لا يستغني بعضها عن بعض.

لقد فرض الرجوع إلى الفقه الإسلامي عند وضع التقنينات الحديثة في أكثر البلاد العربية والإسلامية أوّلاً وقبل كل شيءٍ: أنّه كان يمثّل القانون القائم في تلك البلاد وقت إعداد تلك التقنينات.

لقد ارتبط الفقه الإسلامي بتاريخ الحضارة الإسلاميّة والعربية، وأمدها بالأسس القانونية التي ساعدت على ازدهارها وانتشارها بضعة قرون في ربوع أوروبا، وحتى أقاصي آسيا، وظل هو القانون العامّ في البلاد الإسلاميّة والعربية إلى وقتٍ قريبٍ جدّاً؛ بل لا يزال كذلك في بعضها حتى الآن. فضلاً عن أنّه ينبثق من مثلٍ عليا تقوم على أساس الدين الإسلامي.

يضاف إلى ذلك: أنّ هذا الفقه بلغ - بفضل اجتهاد أعلامه المجتهدين - شأنا عظيما من الأصالة والدقة، ومن إحكام النظم، وحوى أعداداً لا تحصى من حلول المسائل، مما جعل علماء الغرب يعترفون له في مؤتمراتهم الدولية بمكانة سامية بين النظم القانونية في العالم، وبأنه يعد في طليعة المصادر الصالحة لسد حاجات التشريع الحديث.

وهكذا فقد سجل مؤتمر القانون المقارن المنعقد بمدينة "لاهاي" سنة (١٩٣٦م) قراره التاريخي الهام القاضي باعتبار الشريعة الإسلاميّة مصدراً من مصادر التشريع العام، وأنها حية قابلة للتطور، وأنها شرع قائم بذاته ليس مأخوذاً من غيره.

لم يأت الإسلام بالعقيدة الدينية الصحيحة وحدها، ولا بالنظام الأخلاقي المثالي الذي يقوم عليه المجتمع فحسب، بل جاء مع هذا وذاك بالشريعة المحكمة العادلة. هذه الشريعة التي تحكم الإنسان وتصرفاته ومعاملاته في كلّ حالٍ، في علاقته مع خالقه، وفي خاصة نفسه، وفي علاقته بأسرته، وفي علاقته بالمجتمع الذي يعيش فيه، وفي علاقات أمته بالأمم الأخرى.

ليس الإسلام إذن ديناً فقط له عقائده المعروفة، بل هو دين ودولة معاً، إنه يمثل أيضاً نظريات قانونية وسياسية إنه نظام كامل ومنهاج شامل.

لقد كان كتاب الله - ولا يزال حتى قيام الساعة - الميزان الأعلى، والمعيار الأسمى، والمعين الذي لا ينضب، والسلسبيل الذي لا يغور ولا يذهب، والنبراس المنير والوهاج حين يعم الظلام وتلتطم الأمواج.

وإذا كانت العبادات مبنية على مقاصد قارة فلا حرج في دوامها ولزومها للأمم والعصور إلاّ في أحوال نادرة تدخل تحت حكم الرخصة. أما المعاملات فبحاجة إلى اختلاف تفرعاتها باختلاف الأحوال والعصور، فالحمل فيها على حكم لا يتغير فيه حرج عظيم على كثير من طبقات الأمة، ولذلك كان دخول القياس في العبادات قليلاً نادراً، وكان معظمه داخلاً في المعاملات.

إنّ قواعد الشريعة الإسلامية تحدد المثل العليا لما يجب أنّ يكون عليه سلوك الأفراد في المجتمع، فهي من هذا وليدة المعتقدات والعادات المتأصلة في النفوس، ويجد الناس أنفسهم ملزمين باتباعها وفقاً لوازع شرعي ووجداني وأخلاقي يحكم معاملاتهم ويسود علاقاتهم الاجتماعية.

وتحرص الشريعة الإسلاميّة على أنّ يتصف المتعاملون بحسن النية، وذلك بحثهم على التحلي بمكارم الأخلاق: كالأمانة، والوفاء، والتزام جانب العدل والإحسان.

لقد اقتضت الحكمة الإلهية أنّ يكون الدين الإسلامي صالحاً ومصلحاً للإنسانية، ملائماً للطبائع البشرية، صالحاً لكل زمان ومكان، وافياً بالمقاصد الضرورية والخارجية والتحسينية، يقوم بحفظ الدين والنفس والمال والنسل والعقل، ويرفع عن الناس الحرج، ويدفع عنهم المشقة، ويفتح لهم باب الأخذ من محاسن العادات، ويحول بينهم وبين المدنسات التي تأنفها العقول الراجحات.

لقد نظم الإسلام معاملات الناس المالية وسائر العقود على أساس قاعدة قررها رسول الله - صلى الله عليه وآله - في قوله الشريف: "لا ضرر ولا ضرار" [١]. فحرم بذلك الغش والخداع والاستغلال، وفرض الصدق والأمانة وحسن النية في المعاملات فلو أنّ المسلمين تمسكوا بأحكام الإسلام وطبقوها في معاملاتهم لسادوا، خاصة وأنها تساير تطور الزمن، خلافاً للقوانين الوضعية التي قد تصلح لزمن دون آخر، ولبلد دون بلد. وصدق الله تعالى إذا يقول: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلك وصاكم به لعلكم تتقون ( [٢].

وقوله جل من قائل: (إنّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أنّ لهم أجراً كبيراً [٣].

إنّ أسس أحكام المعاملات تامة بنفسها، محكمة بالتنظيم في نسجها، لا تحتاج إلى تكميل؛ لأنها من الدين، والدين وحي من الله أوحاه إلى رسوله. وما فارق الرسول - صلى الله عليه وآله - هذه الدنيا حتى ترك الشريعة واضحة المناهج، عذبة الموارد، كاملة متيسرة المسائل، سهلة المقاصد، كفيلة بمصالح الدين والدنيا، مؤسسة أصولها على قواعد محكمة ومثل عليا.

وإني أرى: أنّ تقنين أحكام المعاملات المالية وفق المذاهب الإسلاميّة هو الوسيلة الحديثة الآن لتطبيق أحكام الفقه الإسلامي. وتقنين هذه الأحكام يعني: جمعها في مدونة واحدة، وهذا يتطلب صياغتها في صورة قواعد عامة ومجردة بعد إتمام دراسة المعاملات المالية في المذاهب الإسلاميّة المختلفة، دراسة مقارنة تستخلص منها وجوه النظر المختلفة، واتجاهاتها العامة، وطرق صياغتها، وأساليب منطقها. لأجل ذلك فإني أرى: أنّ وضع مشروع موحد للمعاملات المالية بين المذاهب الإسلاميّة يستلزم تنظيم مسائل الفقه الإسلامي المنتشرة في الكتب والدواوين وجمعها، بعداختيار ما يوافق روح الشريعة الإسلاميّة ومقاصدها من مختلف المذاهب الإسلاميّة في ديوان جامع بعد التنقيح والترتيب، واختيار حسن التبويب وأحدث الأساليب، وتجنب ركيك العبارة، وحذف ما لا يحتاج إليه من الأقوال والخلافات، والاقتصار على الراجح أو المشهور أو ما به العمل، والأكثر مطابقة لمقاصد الشريعة الإسلاميّة ومكارمها.

لقد كان للفقهاء السابقين مصنفات تتضمن قواعد أشبه بالقواعد القانونية الوضعية، منها: المتون والمختصرات، ومنها: كتاب القوانين الفقهية لابن جزي المالكي، ومجلة "الأحكام العدلية" وهي تقنين للفقه الحنفي، وكتاب "مرشد الحيران لمعرفة أحوال الإنسان" لمحمد قدري باشا على غرار مجلة الأحكام العدلية.

ولا يوجد أي مانع يحول دون تقنين هذه الأحكام وجمعها، ولا أي صارف معتبر شرعاً أو عقلاً يصرفنا إنّ هذا التقنين يقاس على إجماع الصحابة على جمع القرآن في مصحف بعد أنّ كان مجموعاً في الصدور ومكتوباً في أماكن شتى. كما يقاس أيضاً على تدوين السّنة التي أمكن بتدوينها الوقوف على صحيحها وسقيمها، وتمييز قويها من ضعيفها. كما يقاس كذلك على تدوين الفقه بعد ذلك. وليس التقنين إلاّ صورة من صور تدوين الفقه، فهو كما يكون في صورة مختصرات أو شرح أو نظم يمكن أنّ يتخذ شكل مواد متسلسلة في قواعد مرتبة حسب الأبواب والفصول، والعبرة بالمضمون لا بالشكل، أو كما تقضي القاعدة الفقهية: "العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني" [٤].

وإذا كانت المعاملات المالية في الفقه الحنفي قد قننت في الدولة العثمانية في "مجلة

الأحكام العدلية" التي طبقت في الدولة العثمانية، وما زالت تطبق الآن في بعض البلاد العربية والإسلاميّة.

وإذا كان قد تم نشر كتاب بالمملكة العربية السعودية بعنوان: "مجلة الأحكام الشرعية" للمرحوم القاضي أحمد بن عبدالله القاري، وهو مشروع تقنين قام رحمه الله بصياغته وفقاً لمذهب الإمام أحمد بن حنبل على منوال "مجلة الأحكام العدلية" في الفقه الحنفي.

وإذا كانت الإدارة القانونية بجامعة الدول العربية قد قامت بتهيئة مشروع قانون عربي موحد للمعاملات المالية مستقى من بعض المذاهب الإسلاميّة، أو مشروع قانون للأحوال الشخصية، والقوانين الجنائية.

فإن العمل المقترح بوضع مشروع مدونة لجمع أحكام المعاملات المالية عند المذاهب الإسلاميّة ستكون دعامة إنسانية يرسو عليها تقنين الأحكام الشرعية للمعاملات المالية؛ حتى يتجدد شباب هذا الفقه، ويدب فيه عوالم التطور المباشر، مسايراً لروح العصر؛ ليثبت قانوناً متطوراً يجاري المدنية الحديثة ومتطلبات الحياة الجديدة. وينبثق هذا القانون الحديث للمعاملات المالية من الشريعة الإسلاميّة.

الخطة المقترحة لوضع مشروع القانون الموحد:

إني أرى من الأنسب نهج الخطة التالية لوضع المشروع المقترح:

أولاً: أنّ يختار عدد من العلماء يمثلون المذاهب الإسلاميّة القائمة في البلاد الإسلاميّة ممن لهم قدم راسخة في الفقه وقواعده وأصوله والأدلة الشرعية وخلاف العلماء.

ثانياً: متى تم تكوين لجنة أو لجانٍ من الأساتذة والعلماء المتخصصين يرسم لهم اختيار الأبواب المحتاج إليها في المعاملات المالية، ثم توزع الأبواب على هؤلاء العلماء، بعد أنّ يقدم إليهم نموذج ومثال ينسجون على منواله نسجاً واحداً، بحيث تكون الأعمال على نسق واحدٍ في الأبواب والفصول والعبارة والمصطلح.

ثالثاً: يخضع مشروع هذا القانون الإسلامي الموحد للمعاملات المالية لمقاصد

الشريعة الإسلاميّة وقواعدها، والاعتماد على أصلح النظريات الفقهية وأصحها وأوفاها بالمقصود وأغناها؛ لا ستنادها على أدلة الشريعة وقواعدها المتينة، واعتماد أقرب الأقوال إلى مراد الله ومراد رسوله - صلى الله عليه وآله ـ. حيث سنرى أمتنا - بعون الله وتوفيقه - من الشرق إلى الغرب تحتكم إلى قانون موحد يستمد أصوله من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وآله ـ، وما بنى عليهما من أدلة التشريع، وسوف يتضمن هذا القانون ما نريد الوصول إليه من تقديم أصح وأصلح ما قيل من نظريات فقهية استنبطها فقهاء الإسلام من مصادر الشريعة الإسلاميّة العظيمة، الغنية بمقومات الثبات والنجاح، والثرية بمواردها العذبة ومنابعها الأصيلة.

رابعاً: يجب أنّ تجعل الصياغة بعبارة مقتضبة جديدة، غير تابعة لتعبير وصياغة بعض النصوص القديمة المتسمة بالتعقيد والاختصار، كما يجب أنّ تكون الصياغة واضحة لا يشوبها الغموض، دقيقة لا يعتريها الإبهام.

كما يجب أنّ يأخذ اللفظ معنى واحداً، فلا يتغير معناه من مكان إلى مكان في نفس الموضوع، بل يلتزم معناه في كلّ استعمالاته.

خامساً: على اللجنة: أنّ تضع مذكرة تفسيرية أو توضيحية للقانون المزمع وضعه، تذكر أصل كلّ مادةٍ أو حكمٍ من الفقه الإسلامي، وإن انفرد بها مذهب معين ذكرت أسباب أخذها بما انفرد به ذلك المذهب، ومعللة لما اختارته.

سادساً: على اللجنة: أنّ تعتني بذكر دليل كلّ مسألة من الكتاب أو السنة أو كليهما، وإذا كان في المسألة إجماع ذكرت مستندها في ذلك، وإذا لم تجد دليلاً خاصاً ذكرت اندراجها تحت القواعد العامة ووجهه بمناقشة حرة، واستعراض للآراء والمذهب، حيث يجد المطلع على هذه المذكرة التفسيرية - إنّ لم يكن لديه متسعاً من الوقت، أو لم يكن من ذوي الخبرة بمصادر الفقه الإسلامي - ما يشفي غليله ويجيب عن تساؤلاته.

سابعاً: على السادة العلماء - أعضاء اللجنة المهتمين بالدراسات الفقهية والقانونية - تعميق البحث الذي يزخر بروائع الكنوز القانونية، مع المقارنة بالقانون الوضعي بقصد إبراز ما يتميز به هذا الفقه من واقعية وحلول صائبة، ومن جزئيات تستدعي الوقوف عندها والنظر إليها بعين الاعتبار، وجمع تلك الجواهر الثمينة التي ترد

متناثرة الحلقات، وسبكها وتقريبها إلى أذهان المشتغلين بالقانون الوضعي، واستخراج أحكامها وشرح مصطلحاتها بروح العصر.

لقد قام الفقهاء بقسطهم الوافر من التحليل، حيث عمدوا إلى التأليف في فروعه، ولجأوا إلى التركيب بعد التحليل، ويتعين البدء من حيث انتهوا؛ لنصل بذلك ما كان قد انقطع، وسوف يلبي هذا القانون الإسلامي الأصيل رغبات أمتنا الإسلاميّة، ويعيدها إلى التحاكم فيما شجر بينها إلى شريعة ربها العليم الخبير، فيحصل الخير، ويعم الرضا، وتزول الفوارق أو تخف كثيراً.

إنّ نفوس المسلمين جياشة بالرغبة الأكيدة للعودة إلى شريعة رب العالمين، هذه الشريعة التي لبت رغبات الأمة الإسلاميّة ورفعت من قيمتها، وهيمنت على كلّ شيءٍ في حياتها، مما أكسبها شخصية فذة وأورثها مادة فقهية فريدة من نوعها، غزيرة في مادتها، أثبتت صلاحيتها لكل مجتمع في كلّ عصر، ونقلت الناس في الشرق والغرب من أوضاع إجتماعية وأخلاقية فاسدة إلى وضع كريم سليم، فكان هذا التراث الذي له ما يزيد عن أربعة عشر قرناً منها والذي طوف في الآفاق شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ونزل السهول والوديان، وواجه الأحداث في جميع هذه الأطوار فكانت ثروة فقهية ضخمة لا مثيل لها، وفيها يجد كلّ بلد أيسر الحلول لمشاكله.

وغير خاف ما تعانيه بعض الدول الإسلاميّة والعربية من ويلات تطبيق بعض القوانين الغربية التي تحرم ما أحل الله أو تحل ما حرم، وما أجدرنا بان نولي وجهنا شطر فقهنا وأدلته، ونجعل منه نبراساً يقتدى، ومنهاجاً يهتدى ويحتذى؛ لكي ينير لنا القانون الطريق في ركب الحياة، وكم يرينا من أساليب الفكر والنظام، ومن صورة التلاقي بين الناس تناسقاً وغير ذلك ما قد يهدينا إلى التدبير في القانون الأكبر، وما عسى أنّ يكون قانون الوجود الأزلي الذي أبدعه الله.

إنّ كلّ شيءٍ في هذا الكون يسير على وتيرة واحدة من الاتزان والاستمرار - سواء في مجال العبادات أو المعاملات - بإذن الواحد القهار؛ ليكون بهذا المنوال أدعى إلى الحكمة ومعرفة العليم الخبير، وليدل على الانسجام والوئام، فليس بين هذه الآيات الكونية والمشاهدات الخارجية تنافر ولا تناحر، بل بينهما تعايش وحسن تجاورٍ رغم

اختلاف الطبائع والصور والمدار. قال تعالى: (لا الشمس ينبغي لها أنّ تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون ( [٥].

ومن خلال هذه الطبيعة الهادئة المنسجمة ألف عبرةٍ للإنسان الواعي المفكّر؛ لتكون أحواله جاريةً على منوالها المحكم الرتيب.

نسأل الله سبحانه بأسمائه وصفاته أنّ يجعل عملنا خالصاً لوجهه، وصواباً على وفق مراده ومراد رسول الله - صلى الله عليه وآله - وصحبه ومن اتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

١ - عوالي اللئالي ١: ٣٨٣ عن مسند أحمد بن حنبل ١: ٣١٣.

٢ - الأنعام: ١٥٣.

٣ - الإسراء: ٩.

٤ - الفروق للقرافي ٢: ٣١٩.

٥ - يس: ٤٠.



[ Web design by Abadis ]