ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دور الفكر الأصولي في تطوير الثقافة الإسلاميّة \ سماحة الشيخ محمّد علي التسخيري

ماذا نعني بالثقافة الاسلامية؟

يشيع بين المسلمين الكثير من المصطلحات التي لا تحدد لها مساحة معينة، مما يؤدي أحيانا إلى اختلاف عميق واستعمالات متهافتة، وتعطي الطرفين المتناقضين أحيانا وسيلة للتمسّك بها، فيصدق هنا قول الشاعر:

وكل يدّعي وصلا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا

وهي كثيرة من قبيل: (التقدم والتأخر، الحضارة والتمدن، التطوير والجمود، الأصالة والحداثة، الطائفية والشموليّّة، التعصّب والتسامح، المرونة والميوعة، الموسوعيّة والتخصّص).

ومن هذا القبيل: مفهوم الثقافة نفسها، إلى الحد الذي قد يفرّق فيها بين المثقف المسلم والعالم المسلم وكأنهما متميزان عن بعضهما والى الحد الذي تضيع فيه معالم الثقافة الإسلامية وتبهت ضفافها، فتمتدّ - مثلا - إلى القصص، ومظاهر الفولكلور) الشعبي، وحتى بعض الخرافات المتداولة بين بعض المسلمين في حين يقتصر البعض على مجرد النصوص المنقولة، مبعدا عن مجالها كل الإنتاج العلمي الإسلامي الفلسفي والاجتماعي

والحقوقي، حتى ولو كان يستند إلى الأصول الأولى، إلا أن الذي يبدو للنظر هو: تحديدها كمفهوم على الشكل التالي:

الثقافة الإسلامية:

هي كل تصور يستند إلى الكتاب الكريم والسنة الشريفة في مجال تحديد الموقف من الوجود والتاريخ والإنسان في معتقداته وعواطفه وسلوكه الفردي والاجتماعيّ.

فكل عمل في هذا السبيل هو عمل ثقافي إسلامي، وكل متخصص أو متبحر فيه هو مثقف مسلم وعلى هذا الأساس وبملاحظة طبيعة الإسلام وأسلوب فهمه بشكل مشروع، ولكي نضمن دقة التطبيق لهذا المفهوم تجدنا بحاجة ماسة إلى العناصر التالية:

١ - تحديد معالم المصادر الإسلامية الرئيسة، وفي طليعتها: الكتاب والسنة والتوفر على علومهما بشكل كاف.

٢ - تحديد أساليب الاستنباط منها، بل وامتلاك الاقتدار الاستنباطي المطلوب، والالتزام بالملاكات والضوابط التي تقبلها الشريعة لعملية الاجتهاد.

٣ - امتلاك القدرة على تحقيق التنظير المطلوب؛ ذلك أن المراد لا يقتصر على فهم الموقف من هذا السلوك الفردي أو ذاك فحسب، بل يتجاوزه إلى تحديد الموقف النظري من مجموعة السلوكات المتناسقة، بل من مجمل السلوكات في أحد المجالات: الاقتصادية والحقوقية والاجتماعية والعبادية وغير ذلك، وربما تعدى الأمر ذلك إلى محاولة تكوين موقف نظري إجمالي من مجمل الحياة أو التأريخ أو الإنسان.

فالقدرة على التنظير في رأينا تتجاوز حتى قدرة الاستنباط الاجتهادي المتعارف الأصيل فضلا عن الاجتهاد الترجيحي، فكيف بنا ونحن نواجه ممارسات ثقافية من أناسٍ لا يملكون حتى هذه المستويات؟

٤ - التوفر على عناصر المرونة المطلوبة؛ ذلك انسجاماً مع خلود الإسلام، وأنه متكفل للتخطيط الإجمالي للمسيرة الاجتماعية إلى يوم الدين، وحل مشاكلها وتعقيداتها باستمرار، وهو ما أثبته خلال هذه القرون الممتدة، رغم ما واجهه من وثبات متتابعة على مر العصور، وما صاحبها من تعقيدات ومشاكل.

إن الإسلام نفسه يحمل كل عناصر المرونة، ومن هذه العناصر ما أوكل تحقيقه للفهم الاجتماعي للمجتهد، وتركت منطقته فارغة ليملأها هذا على ضوء الأنوار الكاشفة التي تركها له الإسلام والمصالح التي تتجدد باستمرار، فتترك آثارها في تغيير الموضوعات، وبتغير المواضيع تتغير الأحكام بلا ريب وهذا يعني بطبيعة الحال: ضرورة معرفة عناصر المرونة، ودور الزمان والمكان في تنقيح المواضيع أو تغييرها.

٥ - وأخيرا، فيجب ضمان توفر نظرة موسوعية للإسلام ككل وذلك باعتبار التخطيط المترابط في الإسلام فلا يكاد ينعزل جزء أو حكم أو مفهوم عن هذا التخطيط العام؛ لذلك فلا يتم فهم كامل له إلا في الإطار العام المذكور، وفهم الإطار العام يتطلب الموسوعية التي أشرنا إليها.

هذه هي متطلبات تحقيق ثقافة إسلامية أصيلة ذكرناها، ولم نتحدث عن أساليب نشرها وتعميمها، فهي لا تدخل في صميم الموضوع وإن كانت تملك دورا كبيرا من منحها الصبغة العمليّة المطلوبة.

وهنا نتعرف على خصائص الفكر الأصولي؛ لنركز عليها، ونجد مدى قدرتها على إشباع هذه الحاجة الفكرية الثقافية.

خصائص الفكر الأصولي:

وقبل أن نحاول التعرف على هذه الخصائص يجب أن نلاحظ أننا نتحدث عن الفكر الأصولي الحي الممارس المستقل، إما مطلقا أو في إطار مذهب معين فهذا وإن لم يكن يحمل تلك الخصائص بشكل معمق إلا أنه - على أي حال يمثل مرحلة ما من مراحل الفكر الأصولي شريطة أن يتمتع بقدرة جيدة قد تشكل ملكة يرجح بها الأقوال، ويقدر على برمجة مسيرته الاستدلالية [١].

فإذا ضممنا الانطلاقة المنطقية الحرة للفرد الأصولي فإنّنا سنشهد الكثير من الخصائص المناسبة فقبل كل شيء يتميز المفكر الأصولي بالموسوعية؛ لأن البحث في علم الأصول يتوقف على معرفة واسعة في مختلف العلوم؛ ذلك أنّه أساس الاجتهاد.

وقد ذكر كثير من العلماء: أن عملية الاجتهاد تتطلب الخبرة بالقواعد الفلسفية والمنطقية، والاطلاع على القرآن الكريم وعلومه، والعلم بفهرست كل ما يرتبط بالنصوص وتحقيقها، وسلامة الرواة، ومعرفة المرجحات، وكذلك الخبرة في علوم اللغة وهيئات المشتقات، وأساليب العرب البلاغية بالإضافة إلى خبرة تاريخية بالظرف الذي وردت فيه النصوص، والقرائن التي تصحب النصوص وغير ذلك [٢].

ثم إنّ المفكر الأصولي يتميز أيضاً بميزة العمق؛ لأنه يدرس مسألة حساسة جداً تترك أثرها على مجمل الفقه، مما لا يقدر معه إلاّ على التعمق وسبر أغوار البحث.

والشمولية أيضا صفة أخرى طبيعية للمفكر الأصولي؛ لأنه مهما اختلفت تعاريف علم الأصول فإنها تنتهي تقريباً إلى التركيز على أنه يعني: العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي [٣].

وبهذا يكون موضوعه هو: الأدلة المشتركة في الاستدلال الفقهي، ومعنى ذلك: أن العناصر المشتركة في الاستدل وفي مختلف الأبواب الفقهية هي التي تقع موقع البحث وحينئذ يغوص المفكر الأصولي في مختلف الأبواب لاكتشاف هذه العناصر المشتركة، مما يمنحه نظرة شمولية لمجمل آراء الإسلام وأحكامه في مختلف الحقول.

هذا، وأن للمفكر الأصولي بطبيعة الأمر قدرة على معرفة التطبيقات المتفاوتة للقاعدة الأصولية، وربما راح يطرح افتراضات فكرية تطبيقية لم تتحقّق بعد في صقع الوجود، وهذه القدرة تعبّر عن مرونة تساعده في استيعاب الظروف المختلفة.

وبهذا نجد: أن الفكر الأصولي يشكل أهم ركيزة للثقافة الإسلامية، موفّرا لها كلّ ما تحتاجه من عناصر الحيوية والإبداع، وخصوصا إذا كان فكرا حرّا ملتزما بكلّ ما تتطلّبه العملية الاجتهادية الحرة من ركائز.

مصداقان من الماضي والحاضر:

ولكي يكون ما ذكرناه منسجما مع الواقع التاريخي والحاضر فمن المناسب التحدّث عن بعض النماذج الأصولية والتي قدّمت أروع ثراء للثقافة الإسلامية، وقد اخترنا منها نموذجين:

أحدهما: نموذج الإمام الغزاليّ من الماضي.

والآخر: نموذج المرحوم الإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر من الحاضر؛ لنكتشف من خلالهما مدى تأثير العمق الأصولي على سير الثقافة الإسلامية.

الإمام الغزاليّ في فكره الأصولي وآثاره الثقافية:

يمثّل الإمام الغزاليّ قمة الفكر الأصولي في أواخر القرن الخامس الهجري وأوائل القرن السادس.

كما يمثل كتابه (المستصفى) أروع الثمار الأصولية خلال قرون عديدة، وتتجلى فيه كل الخصائص التي ذكرناها للفكر الأصولي بشكل جيد، ويكفي أن نمرّ بسرعة على محاور هذا الكتاب ليثبت لنا ذلك.

فهو يبدأ ذاكراً: أنّ علم الأصول يدور حول أقطاب أربعة هي: الحكم، ومنبعه، وسبل الاستثمار والاستدلال، والمستدل المستنبط ويقدّم للأمر بذكر مقدمة يحصر فيها مدارك العلوم النظريّة بالحدّ والبرهان، ثمّ يذكر ما يشتمل عليه كلّ منهما من فنون؛ لينتقل إلى القطب الأوّل لعلم الأصول، وهو: الحكم، ليتحدّث عن حقيقته، وأقسامه، وأركانه، وفيما يظهر به الحكم.

أمّا القطب الثاني وهو الأدلّة: فيتعرّض فيها للأصول الأربعة: الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، والاستصحاب، نافياً بعد ذلك كل الأدلّة الأخرى التي ادعي دلالتها.

وفي القطب الثالث: يتحدّث بإسهاب عن كيفية استثمار الأحكام.

أمّا القطب الرابع: فيتحدّث فيه عن الاجتهاد والتقليد والترجيح. وهكذا نجد: أنه يسير بتسلسل منطقي عميق؛ ليقدّم لنا صورة منسجمة ومتكاملة عن هذا العلم الإسلاميّ الأصيل.

ولسنا نقول: إنّنا ننسجم معه في مثل هذا التخطيط، وإنّما نريد القول: بأنّ هذا التخطيط يكشف عن منطقية وشمول وعمق بشكل واضح وقد كان لهذه الروح الأصولية دورها الكبير في تمكّنه من طبع الثقافة الإسلاميّة آنذاك، بل وحتّى إلى قرون بعده بطابع أصولي أصيل.

وكما بنى علم الأصول وأقامه على أربعة دعائم فإنّنا نجده يقيم الدين وإحياءه في كتابه (إحياء علوم الدين) على أربعة شعب هي: ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات وهكذا يسير بشكل منطقي في هذه الأرباع، مكتشفا العلاقات فيما بينها، مبدعا في الإشارة إلى الصورة المتكاملة التي يخططها الدين للحياة، وهو يقول في هذا الصدد:

(وإنمّا حملني على تأسيس هذا الكتاب على أربعة أرباع أمران: أحدهما - وهو الباعث الأصلي ـ: أن هذا الترتيب في التحقيق والتفهّم كالضرورة؛ لأنّّ العلم الّذي يتوجّه به إلى الآخرة ينقسم إلى: علم المعاملة وعلم المكاشفة…، ثمّ إنّ علم المعاملة ينقسم إلى: علم ظاهر، أعني: العلم بأعمال الجوارح، والى علم باطن، أعني: العلم بأعمال القلوب.

والجاري على الجوارح: إمّا عادة، وإمّا عبادة……) [٤].

وقد بلغ هذا الكتاب شأواً من العمق والحكمة، بهر به النفوس، حتّى أنّ فريد وجدي يقول في دائرة معارفه عنه بأنّه: (مصوغ في قالب من الحكمة العالية، لا يدانيه فيه كتاب سواه) [٥].

وقال عنه الإمام محمّد بن يحيى: (الغزاليّ هو الشافعيّ الثاني). وقال أسعد الميهنيّ:

(لا يصل إلى معرفة علم الغزاليّ وفضله إلاّ من بلغ أو كاد يبلغ الكمال في عقله) [٦].

والّذي أعتقده: أنّ ما تمتّع به من فكر أصوليّّ ترك أكبر الأثر في إنتاجه الثر الّذي طبع الثقافة الإسلاميّة عبر قرون.

الإمام الشهيد الصدر مثال حاضر:

وبهذا المثال نطوي القرون، حتّى نصل إلى القرنين: الرابع عشر والخامس عشر، ونركّز بالتحديد على مدرسة النجف الأشرف الأصوليّة؛ لنجد جهابذة في الفكر الأصوليّ من أمثال: الميرزا النائينيّ، والمحقّق الأصفهانيّ، والمحقّق العراقيّ، والمحقّق الخوئيّ، والإمام الخمينيّ، والإمام الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر رحمه الله، وكلّ منهم يكاد يشكّل بنفسه مدرسة أصوليّة واسعة تركت أثرها على الثقافة الإسلامية العامّة بشكلٍ واسع.

وقد كان ما تركه المرحوم الشهيد الصدر وخصوصاً على طلاب الثقافة العربية - غزيراًَ جدّاً، فقد قدّم للمثقف المسلم أوّل نظريّةٍ اقتصاديّةٍ متكاملةٍ، وأوّل نظريه إسلامية حول البنك اللاربوي، وأول نظرية منطقية حديثة حول مباني الاستقراء، وأول أطروحة للمرجعية الدينية الرشيدة وأول كتابة مدرسية لعلم الأصول، وأول وأقوى مناقشة للفكر المادي والماركسي منه بالخصوص، وأول أطروحة للدستور الإسلامي للدولة الإسلامية، وغير ذلك الكثير من العطاء الثر والواسع.

وأحاول هنا أن اُلخّص خصائص هذا الفكر عبر ذكر النقاط التالية في فكره الحي وهي:

١ - التنظير:

فلقد كان رحمه الله منظرا إسلامياً يقلّ نظيره في الزمان، ومدرسةً فكريّةً مجدّدةً في مختلف الحقول، لها خصائصها وصفاتها الفريدة، والتي يمكن اختصارها في النقاط التالية:

أ - الشموليّة والكلّيّة في النظرة:

هي خصوصيّة يلاحظها كل من يتعرّف على مؤلّفات الأستاذ الشهيد ولأول مرّةٍ….، فيجده لا ينظر لكل قضية وفي أي حقل كانت إلا في إطارها العام، ومن خلال متابعة صلاتها وجذورها والمؤثرات في صياغة الموقف حولها.

فإذا عالج قضيّة (الإمامة) ـ تاريخياً - ربطها بالمسيرة الإنسانيّة الكبرى والهدف الكبير.

وإذا درس الفلسفة نفذ إليها من خلال موقعها الاجتماعيّ الرفيع.

وإذا عالج قضية منطقيةً - كالاستقراء - نفذ من خلالها إلى أعظم حقيقة في الكون.

وإذا تعرض لنظام العبادات درس دوره في نفي أكبر أعراض المرض في المسيرة الحضارية.

وإذا درس الماركسية ناقش من خلالها نظريات العامل الواحد.

وإذا ركز على الواقعة الفقهية انتقل لدراسة كل القواعد الفقهية الأوسع فالأوسع.

وإذا عالج موضوعا أصوليا نظر إليه من جميع الجهات، وربما تطرق إلى نظريات عالمية لم يعهد طرحها في مثل المجالات الأصولية كما تمّ في بحث (الوضع).

وإذا ذكر الاجتهاد وكيفيّته درسه من خلال حركته والمؤثّرات الخارجيّة فيه، أو من خلال نقاط الخطر النفسيّة والتاريخيّة العاملة على انحرافه.

وإذا درس قضيّةً معاصرة ً - كقضيّة البنوك - فإنّه يضعها في ظروفها، ويسدّ كلّ ثغورها، ويقدّمها أطروحة كاملةً قابلةً للتطبيق.

وإذا درس الموقع الإنسانيّ سار به منذ بدء مسيرته وعبر به كلّ المراحل الاجتماعيّة.

وإذا طالع القرآن الكريم انتقلت روحه العظيمة في آفاقه ورجعت بتفسيرٍ موضوعيٍّ اجتماعي رائع. وحتّى عندما كان يكتب رسالته العمليّة لمقلّديه فكان يطرح نموذجا جديداً للرسالة العمليّة، يبدأ بالعبادات ويمرّ بالمعاملات، ويصل إلى السلوك الخاصّ، وينتهي بالسلوك العامّ.

وهكذا نجده عندما يخطّط للمرجعيّة الموضوعيّة التي تقود الجامعات العلميّة دون تأثّرٍ بالذاتيّات والعلائق الشخصيّة.

وأروع ما نجده من تخطيطٍ وتنظيرٍ هو: ما تجلّى في كتابه الرائع (اقتصادنا)، فهو أفضل نموذجٍ لبيان هذه الخصوصيّة.

ب - العمق:

وهي خصوصيّة يشهد لها كلّ من هو بمستوى فهم البحث المعمّق حين يطالع كتبه الرائعة. إنّه يتجلّى كلّ كتابٍ من كتبه، وكلّ حديثٍ من أحاديثه، وكلّ درسٍ من دروسه القيّمة.

إنّه يتتبّع الفكرة، مناقشاً إيّاها بكلّ منطقيةٍ وموضوعيةٍ وإبداعٍ، دارساً الصلة بينها وبين أسسها، وربما حاكم الفكرة على أساسٍ ممّا تقوله هي، وهو ما صنعه حين ناقش (المادّيّة الديالكتيكيّة) على ضوئها هي.

وأروع ما يتجلّى العمق في كتبه الفقهيّة والأصولية التي عبّرت عن مرحلةٍ جديدةٍ في هذا المجال، كما يتجلّى بوضوحٍ في كتابه الرائع (الأسس المنطقيّة للاستقراء)، والذي قال عنه: (إنني أقمت البراهين في هذا الكتاب بما لو قرأه المادي لآمن بالله وبالعلوم الطبيعية معاً، أو كفر بهما معاً، وأغلقت في وجه الكافر باب الخضوع للعلم والتمرّد على الله سبحانه).

ج - الموسوعيّة:

فقد ألف في مختلف المجالات الإسلامية: الاجتماعية، والاقتصادية، والفلسفية، والماليّة والأصولية، والفقهيّة، والتاريخية، والحضاريّة، والتفسيرية، والحديثيه والعقائديّة وغيرها، وجاء في كل هذه المجالات بالجديد العميق، وهو ما يقودنا إلى الصفة الأخرى وهي:

د - الأصالة:

فهو يستقي من القرآن والقرآن لا غير، يسلك الطريق الوسطى، رافضاً كلّ السبل الأخرى، غير متأثرٍ بأية فكرةٍ لا تأتيه من منبع الوحي وإن كان يستوعبها بحثاً ونظراً، ولا يقف منها موقف الرفض اللاموضوعيّ

إنه يناقش الفكر الماركسي المادي بأروع مناقشة، كما يناقش الفكر الرأسمالي بكل عمق، فإذا انتهى من نفيهما عاد إلى منبع الوحي، يستقي منه المذهب الاقتصادي الإسلامي الأصيل.

وكذلك يناقش الأفكار اللامنطقية المنحرفة بكل منطقية وبرهنة، ثم يختار الرأي الأصيل. وأنت تجد هذه الأصالة في كل ما كتب وخطب.

هـ البعد الاجتماعي:

وهي صفة هامة إلى جنب الصفات الأخرى التي يتسم بها تنظيره الفريد…. إنه يرى الإنسان موجوداً يتكامل في الإطار الاجتماعي لا غير، ووعى الإسلام ديناً، يركز على المسيرة الإنسانية الاجتماعية المتكاملة وإن كان يمنح الفرد أصالته الذاتية.

هذه النظرة الاجتماعية الواسعة قد تجلت في أغلب بل في كل ما كتب، حتى تجده يطرد النظرية الفلسفية الإسلامية من خلال مقدمة اجتماعية. وإذا تعرض لحركة الاجتهاد طرحها بهذا المنظار. وإذا درس فكرة الإمامة أو الخلافة الإنسانية تجلى هذا البعد بشكل رائع، كل هذه كانت ملامح للشهيد العظيم، منظراً للامة ومخططا لها صورتها ونظرتها الكونية (وأيديولوجيتها) السلوكية العامة.

٢ - التربية:

وهي تستحق أن تشكل بعدا ضخماً من أبعاد شخصية الشهيد الصدر العظيمة، ولقد قضى كل عمره الشريف المبارك مربيا يصنع الجيل الناهض الواعي من خلال:

أ - تربيته للعديد من العلماء الواعين الذين انتشروا يبثون أنوار التربية الإسلامية في جسم الأمة المسلمة.

ب - محاضراته العامة التي كانت تترك أكبر الآثار في نفوس الشباب الإسلامي والعراقي المتطلع.

ج - مؤلفاته التي تخاطب القلب والعاطفة، كما تخاطب العقل، فتترك أثرها المتوازن على شخصية الجيل الإسلامي، مما أمكننا أن نقول بحق: إنه ربى جيلاً كاملاً،

وحصنه ضد كل الهجمات الإلحادية والاستعمارية.

د - سلوكه المناقبي الرائع، الذي كان يجذب إليه كل واع متطلع فيربيه التربية المثلى.

٣ - الحب الإلهي والفناء في الإسلام والعمل به:

فلقد كان رحمه الله شعلة حب لله وتفان في الإسلام، وشوقً لتطبيقه لا يوازيه شوق….، عاش معه ومات من أجله.

لقد كان يخطط للحكم الإسلامي نظريا عندما بدأ بالتخطيط لكتابة (فلسفتنا)، و (اقتصادنا)، و (مجتمعنا).

كما اتجه لنفس السبب إلى إيجاد ظاهرة التنظيم الإسلامي في المجتمع، بعد أن واجه هجمة شرسة من قبل الشيوعية والعلمانية.

وقاد عملية توعية فكرية ضخمة في هذا المجال، ثم قام بدور أساسي في إنشاء جماعة العلماء، وراح يدعو للتحديد الواعي لأسلوب المرجعية ثم عمل على مقارعة الحكم المنحرف، مما جعله يتعرض للتضييق والاعتقال مرات عديدة.

وفي خاتمة هذا الحديث:

يحسن لنا أن نوصي كل المفكرين والمنظرين، وكل أولئك الذين يهمهم أن تنعم جماهيرنا الإسلامية بفكر قوي ومعنويات يدعمها الفكر الإسلامي الأصيل، نوصيهم بالعناية بالدراسات الأصولية، سواء في إطار الاجتهاد الحرّ وهو الأمر المطلوب حقا، بعد أن انتفت كل عوامل الجمود والحصر والانغلاق، أو حتى في إطار الاجتهاد الترجيحي، خصوصا مع الإيمان بانفتاح معقول على الآراء المتنوعة لدى المذاهب، بما يشبه عملية التلفيق بين الفتاوى، إلا أن التلفيق هنا تلفيق بين الآراء الأصولية يقوم على أساس فذلكة للدليل وترجيح للمستندات.

لننبذ من حياتنا الفكرية تلك الآراء المطروحة على أساس استحسان ينقدح في الذهن لا يعلم مستنده !! أو قياس ضعيف الشبه أو خفيه، لا يملك صاحبه شرحاً إلا ما ركنت إليه نفسه من وجه الشبه بن علة الأصل وعلة الفرع، أو حتى مصلحة سياسية أو اقتصادية نتصورها فرديا فيبني عليها حكم الإسلام ونظرته للحياة.

إنها مزالقُ حقيقية يجب أن يتجنبها المفكر المسلم، حتى يمكنه أن يحمل نور الثقافة الإسلامية إلى امتنا المنطلقة إليها؛ لتصنع غدها القرآني العظيم.

١ - لاحظت أثناء مناقشات مجمع الفقه الإسلامي الدولي: أن سير الاستدلال هناك في كثير من موارده غير طبيعي إذ يعتمد: إما على الاستناد إلى أقوال الأئمة، أو حتى إلى المجتهدين في إطار المذاهب أو الاستناد إلى أدلة مختلفة المراتب في إطار المذاهب، أو الاستناد إلى أدلة مختلفة المراتب في سلّم الاستدلال: كالاستناد إلى بعض الأصول العملية التي تشخّص الوظيفة العمليّة فقط قبل تحقيق الأمر في الأدلة الاجتهادية التي تنظر إلى الواقع وتعمل على كشفه، وهي مقدمة - أصولياً - على تلك الأدلة العملية فيجب ضمان البرمجة الاستدلالية، والتأكد من كونها برمجة منطقية طبيعة، والحديث عن هذا مفصل لا مجال له هنا.

٢ - راجع أصول الفقه المقارن للسيّد محمّد تقي الحكيم: ٥٧١ ـ٥٧٦.

٣ - دروس في علم الأصول للامام الشهيد الصدر ١: ٩، الحلقة الثالثة.

٤ - إحياء علوم الدين ١: ١، طبعة دار المعرفة، بيروت.

٥ - دائرة المعارف الإسلاميّة ٧: ٦٦، طبعة دار المعرفة، بيروت.

٦ - مقدّمة كتاب (إحياء علوم الدين).



[ Web design by Abadis ]