ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دراسة في المنهج لعلم الكلام المقارن \ الشيخ عباس علي البراتي

تمهيد

إنّ علم الكلام الإسلامي - كسائر العلوم الإسلاميّة ـظهر في أواخر القرن الأول الهجري. ومن المعلوم أنّ العلوم بتشعبها واختلافها في الموضوع والغرض وأدوات المعرفة المستخدمة فيها لا يمكن الوصول إلى جميعها من خلال منهج واحد ونمط عام، فإن من العلوم ما يبتنى على الحس والتجربة، ومنها ما يعتمد على التحليل العقلي والقياس، ومنها ما يستوحى من الإلهام والوجدان وما إلى ذلك.

وهذا ما حدا بالعلماء في العصر الحديث إلى تخصيص قسم من جهودهم وصرف شطر من أعمارهم في معرفة مناهج البحث في كل علم، وهو ما يسمونه بـ "علم المنهج" [٢].

وفي ما يلي نستعرض علم الكلام في نشأته ونسلط الضوء على أهمية المنهج في دراسته.

الجذور التاريخية لعلم الكلام المقارن:

كثر ما ألف العلماء والباحثون - الإسلاميون وغير الإسلاميين - في مجال مقارنة

الأديان والمذاهب الإسلاميّة ودراسة الملل والنحل، فيّمن لا ينبغي أنّ ننسى جهودهم في هذا المجال في العالم الإسلامي: ابن المفضل [٣].، وأبو القاسم الكعبي، وعباد بن سليمان الصيمري وأبو الحسن الأشعري، وأبو بكر الباقلاني، وابن فورك، والبغدادي وآل نوبخت، والشهرستاني، وابن حزم، وفخر الدين الرازي، ونشوان بن سعيد الحميري اليمني، حيث بذلوا ما في وسعهم للإحاطة بآراء الفرق والمذاهب الإسلاميّة وتأريخها مع المقارنة بين مدارسها.

وقد شفع بعضهم ذكر الآراء بالرد والنقد العنيف، بينما اقتصر البعض على سرد المذاهب والآراء.

لقد تفاوتت أساليبهم في البحث بحسب تنوع المقاصد والأغراض؛ بين مؤلف في الآراء والديانات عامة، ومقتصر على آراء الإسلاميين، أو على فرق مخصوصة منهم خاصة، ومن مكتف على النقل المجرد للآراء، أو منتصر - مع ذلك - لبعض الأقاويل، أو راد على مخالفيه، ومن مركز على ذكر المواضع الخلافية، أو على خصوص الفرق والمذاهب وأصحابها، إلى غير ذلك من مختلف الأساليب التي اتخذوها، والطرق التي سلكوها في كتبهم ومؤلفاتهم [٤].

وللشيعة الإمامية في هذا المجال جهود مشكورة، فقد صنف فيه: أبو محمّد النوبختي، وأبو الحسن المسعودي والحاكم أبو عبدالله النيسابوري وأمثالهم.

وأما في مجال علم الكلام (المقارن) فقد أتى العلماء بإنجازات خالدة أمثال: الشيخ المفيد، محمّد بن محمّد بن النعمان في كتابه (أوائل المقالات في المذاهب والمختارات)، والسيد ابن طاووس في (الطرائف في معرفة مذهب الطوائف)، واللإيجي في (المواقف) والجرجاني في (شرح المواقف)، ولغيرهم من أعلام الكلام تآليف مشابهة. ولكن، قد حان لنا أنّ نقوم بدراسة هذه المؤلفات من جديد، ونعيد صياغة هذا العلم (الكلام المقارن) مع بيان اختلافه عن دراسة (الملل والنحل) بحيث يلائم الأغراض المنشودة

للأمة الإسلاميّة في حياتنا الراهنة، ويتناسق والهدف السامي لـ (مجمع التقريب بين المذاهب الإسلاميّة).

ما هو علم الكلام المقارن؟

المقصود هنا: عرض العقائد الإسلاميّة، مع ملاحظة آراء جميع الفرق الإسلامية، ونظريات رواد الفكر الإسلامي الحديث، مشيرين إلى أدلتهم، مجتنبين الأساليب غير العلمية: كالتزييف والتزوير والتحريف وإسناد الآراء إلى الأشخاص والمذاهب من دون مراجعة إلى مصادرهم الأصلية، وبمجرد الاستنباط والاستخلاص من بعض كلماتهم، وبعبارة أخرى: الأخذ بما يتراءى لنا أنها من ملازمات آرائهم.

فإذن: هذا النوع من الدراسة هو: دراسة موسوعية مقارنة للآراء الكلامية والعقائد الإسلاميّة، فيبتعد فيها الكاتب عن الانحياز والتعصب والغلو، ويحترز عن الأساليب الخطابية في إثارة الجمهور والرأي العام لصالح هذا أو ذاك، ولا يورد ملاحظة، ولا يقضي قضاء باتا في حق مذهب أو شخص إلاّ أنّ يذكر المصدر أو الدليل ثم إذا أراد نقداً أو ملاحظة يذكر ذلك بصورة منفصلة وبأسلوب علمي موضوعي، مراعياً الأمانة والإنصاف وروح البحث العلمي.

ما هو الغرض من علم الكلام المقارن؟

قد يكون منشأ هذا السؤال: أنّ علم الكلام هو: إثبات العقائد الدينية بالأدلة العقلية، فلا بد فيه من ذكر آراء الخصوم، وعقائد المخالفين والرد عليهم، وذكر حججهم وإظهار زيفها، وهذا نفس المقارنة. وقلما يخلو كتاب كلامي من ذكر آراء الآخرين، والإشارة إلى مذاهب المخالفين.

ولكن هذا يختلف عما نحن بصدده تماماً، فإن المقارنة شيء والرد أو النقض شيء آخر، فالناقضون وأصحاب الردود الكلامية وكتب (النقض) إنما همهم دحض آراء المخالفين، وإلزام الخصم وتبكيت المخالف، ولا يهمهم عرض المسألة ودراستها بصورة شاملة، ولا ذكر تأريخها ونشوئها وتأثرها بالمسائل الأخرى، ولا عرضها على المصادر

الإسلاميّة، ولا حتى كشف الحقيقة فيها. إنّ الجدل والخصومة آفة التحقيق والدراسة، وغالباً لا تؤلف أمثال هذه الكتب للعلماء والدارسين وذوي الخبرة المختصين، فلا يراعى فيها منهجية البحث العلمي، بل تكتب للعامة والجماهير المتأثرة بالعواطف الجوفاء والدعاوى الخلابة والشعارات الحماسية ويجوز المؤلف لنفسه أنّ يتهم خصمه أو يخفي جانباً من الحقيقة حول مذهبه، ويحتال الوقيعة فيه.

ولكن الباحث الموضوعي الأمين في موضوعات الكلام المقارن همه عرض الآراء المتضاربة، ودراسة المحاولات الفكرية والجهود المبذولة لحل المشاكل النظرية، وإن سنح له أنّ يقوم بالنقد والرد أو التأييد فإنما يجعله في فصل آخر مميزاً بين النقل والتضعيف، ومحاولا أن يبين وجهة نظر صاحب الرأي وأدلته أولاً، ثم ينقدها ثانياً.

المنهج الخاص في الكلام المقارن:

في هذا النوع من الدراسة يقوم الباحث بالأعمال التالية:

١ - طرح المسألة أو المشكل بصورة واضحة.

٢ - الحبث عن آراء الفرق والمذاهب الإسلاميّة في مصادرهم الموثوقة والمعترف بها عندهم.

٣ - سرد هذه الآراء مع ذكر المصادر والوثائق اللازمة.

٤ - التصريح بأدلة كل مذهب وفرقة.

٥ - ذكر التطورات التي حدثت في عقائد الفرق والمذاهب، وحدوث الآراء وتبدلها لديهم.

٦ - الإيعاز إلى المعتقد الراهن القائم الموجود عندهم في عصرنا هذا، وذكر جغرافية المذهب ومناهجه.

٧ - إفراز النقد العلمي عن النقل الأمين، ومجانبة الهوى والتعصب في النقل.

هذا الطريق يجب على البحاثة الكلامي أنّ يسلكه حتى يستطيع أنّ يقوم بإنجاز في مجال الفكر الإسلامي الثري.

بين المقارنة والانحياز:

إنّ كثيراً من الكتاب المعاصرين تطرقوا إلى دراسة الفرق والمذاهب الإسلاميّة، ولكنهم لم يكونوا بعيدين عن الهوى والعصبية وعن إثارة الشحناء والطائفية. ويجوز لنا أنّ نعتبرهم محقين في بعض تلك المواضع؛ لأنهم جلسوا على منصة الدفاع عن معتقدهم وإلزام خصومهم.

ولكن إذا أراد الباحث الموضوعي دراسة الفكر الإسلامي دراسة أكاديمية فيجب عليه أنّ يتخلى عن التعصب المقيت، ويكون له منهج علمي وأمانة موضوعية.

ففي الدراسات العلمية الحديثة يقدمون البحث على المنهج، ويسمونه بـ (علم النهج) و (مناهج البحث)، ولكن القليل في هذا العلم ممن قام بفصل المناهج التالية:

١ - منهج الرد على المخالف.

٢ - منهج الاستدلال على الآراء والمذاهب والاحتجاج.

٣ - منهج الدراسة المقارنة بين الآراء الكلامية.

٤ - منهج دراسة الفرق والمذاهب الإسلاميّة.

مناهج البحث في علم الكلام:

لابد لكل علم من منهج خاص للدراسة والبحث يتلاءم وموضوع العلم وأدوات المعرفة الخاصة به. وهناك اختلاف كبير بين المناهج العلمية: فبعض العلوم تجريبية، وبعضها عقلية، وبعضها نقلية وهكذا….، وبعضها تدرس في المكتبات وفي طيات الكتب والوثائق والإسناد، وبعضها تدرس في ساحة الطبيعة، وبعضها من خلال مشاهدة سلوك الأفراد والمجتمعات، وبعضها لا يتحصل إلاّ من طريق الوجدان والذوق الباطني، وما إلى ذلك.

إذن، ما هو المنهج المتبع في الدراسات الكلامية؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال تجدر الإشارة إلى المناهج المتبعة في تاريخ هذا العلم، والاستقراء يؤدي بنا إلى تمييز المناهج العلمية التالية:

١ - المنهج النقلي المحض.

٢ - المنهج العقلي المحض.

٣ - المنهج الذوقي والإشراقي.

٤ - المنهج الحسي والتجريبي (والعلمي بالمعنى الحديث)

٥ - المنهج الفطري.

المنهج النقلي المحض

هذا المنهج يمثله الحنابلة والسلفيون في التاريخ، فهم الذين حرموا الرأي والنظر في المسائل الدينية، فاقتصروا في تفسير المتون الإسلاميّة في الكتاب والسنة على المعنى اللغوي والحرفي، وحظروا التأويل، وعدوا السؤال بدعة، والكلام والاحتجاج العقلي ابتداعاً وانحيازاً لأهل الأهواء والكلام، كما انهم حرموا علم الكلام أيضاً، عكفوا على دراسة الكتاب والسنة من دون تعمق، وسموا عملهم هذا "اتباعاً".

إنّ قصارى جهد هؤلاء هو: أنّ يدونوا الأحاديث الخاصة بالمسائل الاعتقادية، وأن يبوبوها ويشرحوا لغاتها المشكلة ويذكروا أسانيدها كما فعله: البخاري، وأحمد بن حنبل، وابن خزيمة، وبلغ بهم الأمر في تحريم علم الكلام والنظر في المسائل الاعتقادية أنّ أفرد بعضهم رسالة سماها بـ (رسالة في تحريم النظر في علم الكلام) وهو ابن قدامة الحنبلي.

قال أحمد بن حنبل: (لا يفلح صاحب الكلام أبداً، ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلاّ وفي قلبه دغل) [٥]. وبالغ في ذم هذا العلم حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه، بسبب تصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة، وقال له: (ويحك، ألست تحكي عنهم أولاً ثم ترد عليهم؟ ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث؟ ) [٦].

وقال أحمد أيضاً: (علماء الكلام زنادقة) [٧]. قال: وقال الزعفراني: قال الشافعي: (حكمي في أصحاب الكلام: أنّ يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام) [٨].

وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا، ولا ينحصر ما نقل عنهم من التشديدات بهذا المقدار، بل قالوا: ما سكت عنه الصحابة - مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح بترتيب الألفاظ من غيرهم - إلاّ لعلمهم بما يتولد منه من الشر؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وآله ـ: "هلك المتنطعون، هلك المتنطّعون، هلك المتنطعون أي المتعمقون في البحث والاستقصاء" [٩]. وهؤلاء جوزوا التقليد في المسائل الاعتقادية، وحرموا النظر كما مرّ.

يقول الدكتور أحمد محمود صبحي: (وبما أنّ العقيدة لا يمكن فيها التقليد ولا يجوز، خلافاً: لعبيد الله بن الحسن العنبري والحشوية التعليمية [١٠]. وكذا الرازي في المحصل [١١]. ورأي جمهور العلماء على عدم جواز التقليد فيه. وأسنده الأستاذ أبو إسحاق في شرح الترتيب إلى إجماع أهل العلم من أهل الحق وغيرهم من الطوائف).

وقال إمام الحرمين في الشامل: (لم يقل بالتقليد في الأصول إلاّ الحنابلة، ولكن الإمام الشوكاني يعتبر التكليف بوجوب النظر في العقائد تكليفاً بما لا يطاق).

ويقول بعد سرده لأقوال الأئمة: (في الله العجب من هذه المقالة…. ! فإنها جناية على جمهور هذه الأمة المرحومة، وتكليف لهم بما ليس في وسعهم، ولا يطيقونه، وقد كفى الصحابة الذين لم يبلغوا درجة الاجتهاد ولا قاربوها الإيمان الجملي….، بل حرم على كثير منهم النظر في ذلك، وجعله من الضلالة والجهالة…. ) [١٢].

وقد حرم هؤلاء علم المنطق أيضاً، ولم يعتبروه أداة للمعرفة، مع أنّ علم المنطق من أشهر المقاييس القديمة. وهو ما نظمه ودونه أرسطو تحت اسم (ارغنون).

إنّ هؤلاء يقولون بأن استيعاب علم المنطق وحده لا يكفي للصون عن الخطأ [١٣].

فإن كثيراً من مفكّري الإسلام قد برعوا في المنطق: كالكندي، والفارابي، وابن سينا، والإمام الغزالي، وابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد مع اختلافهم في أفكارهم وآرائهم اختلافاً جوهرياً، فلا يكون المنطق ميزاناً للحق والباطل.

ولكن هذا المنهج شهد تحولاً واعتدالا في العصور المتأخرة على يد أمثال: ابن تيمية الذي وقف موقفاً مضطرباً حيال علم الكلام، فهو لا يحرمه تحريماً باتاً، بل يجوزه إذا دعت إليه الضرورة، واستند إلى الأدلة العقلية والشرعية، وصار سبباً لوضع حد لشبه الملاحدة والزنادقة [١٤].

وقد ذهب ابن تيمية أبعد من هذا حين قال بعدم التخالف بين العقل الصريح والنقل الصحيح في كتابه: (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول) موافقاً في ذلك ابن رشد في كتابه: (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال). ولكن لابن تيمية مواقف وآراء يوافق فيها جمهور الحنابلة والسلفية.

فاتباع هذا الخط السلفي يقولون: (نجد ديكارت الفرنسي اخترع مقياساً للفصل بين الخطأ والصواب بدلاً من المنطق الأرسطاطاليسي، وكان يؤكد: أنّ الإنسان لو اتبع في تفكيره المقياس الذي اخترعه خطوة خطوة فإنه لا مناص سينتهي إلى الصواب، وستكون ثمرة السير مع المنهج الديكارتي اليقين.

ولكن انتهى الأمل في منهج ديكارت كما انتهى الأمل في منطق أرسطو بالنسبة إلى الإنسان المعاصر) [١٥].

وهذا ما دفع جمعاً من المفكرين المسلمين القدماء إلى رفض الطريقة العقلية كما حدث للإمام الغزالي حيث هدم في كتابه (تهافت الفلاسفة) آراء الفلاسفة، ولكن هذا الرد كان بأدلةٍ عقليةٍ أيضاً، والمتأمل في كتابه هذا يشهد بأن رأي الإمام الغزالي هو: "أنّ العقل الذي يبني هو العقل الذي يهدم".

فالإمام الغزالي يثبت أنّ العقل الإنساني في علم الإلهيات والأخلاق لا ينتج إلاّ ظنيات لا تصل إلى حد اليقين، هذا مع العلم بان الإمام الغزالي حصل له في أخريات أيامه انزعاج من الطريقة الأشعرية التي كان يتبعها، وانخرط في سلك التصوف، فهو لا يمثل المنهج النقلي، بل المذهب الذوقي (الصوفي).

وقد رد عليه الفيلسوف الإسلامي ابن رشد الأندلسي في كتابه: (تهافت التهافت).

وابن رشد هو الذي حاول أنّ يثبت أنّ العقل الصريح والنقل الصحيح ليس بينهما أي تعارض، وذلك في كتابه (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال).

والعجيب من ابن تيمية أنه يلتقي مع ابن رشد في هذا الموقف في كتابه (موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول).

لقد أشرنا فيما مضى إلى تيار فكري في الإسلام يسمى بـ (أهل الحديث) أو (السلفيين)، وفي عصرنا هذا يمثلهم (الوهابية) في عالم التسنن وهم أتباع محمّد بن عبد الوهاب النجدي التميمي، ويمثلهم أيضاً الأخبارية في أوساط الشيعة.

هؤلاء يعتدون بظواهر النصوص الشرعية من الآيات والروايات، ويتجنبون الرأي والقياس، إلاّ في حالة الضرورة، ويسمون منهجهم اتباعاً، وما خالفه ابتداعاً، ويسمون مخالفيهم بـ (أهل البدع) أو

(أهل الأهواء) [١٦].

أما البلاد المنتشر فيها هذا المذهب - مذهب محمّد بن عبد الوهاب - فهي بلاد نجد، ويسود بين أهلها الجفاء والغلو في هذا المذهب، وفي بلاد الهند طوائف سلفية داعية إلى هذا المذهب، وفي العراق والشام ومصر جماعات قليلة منهم يغلب عليهم الاعتدال [١٧].

وتجدر الإشارة إلى أنّ السلفية في أهل الجمهور تنقسم إلى اتجاهين:

١ - اتجاه معتدل، ويمثله رجال أمثال: الشيخ محمّد عبده والسيد رشيد رضا.

٢ - اتجاه آخر يمثله الشيخ محمّد عبد الوهاب النجدي التميمي، وأتباعه يسمون أنفسهم (محمديين) أو (موحدين) أو (سلفيين) وغيرهم يسمونهم (وهابيين).

المنهج العقلي المحض

يتميز هذا المنهج باعتماده على العقل البشري كأداة للمعرفة، ويطلق على أتباعه: (أصحاب الرأي) ويطلق عليه (المعتزلة) أيضاً وقد بدأ هذا المنهج في عصرٍ مبكر من تاريخ الإسلام، ويعتبر المؤسس الأول له (واصل بن عطاء)، ومن بعده: عمرو بن عبيد البصري المعاصر للمنصور الدوانيقي، ثم ابن أبي داود المعاصر للمأمون العباسي، والقاضي عبد الجبار أحمد الهمداني، ومن أكابرهم أيضاً: النظام والجاحظ وأبو الهذيل العلاف والزمخشري - جار الله - صاحب (الكشاف) في تفسير القرآن.

وهذا الاتجاه يعطي للعقل البشري دوراً رئيسياً في فهم الدين الإسلامي، خصوصاً في العقائد ويقدمونه على النقل، ويرى: أنّ معرفة الله سبحانه ومعرفة صفاته وشرائعه لا تتم إلاّ بالعقل الإنساني، ولكن لا يوجد له أتباع وأنصار معروفون في العصر الحاضر، يسمون أنفسهم بهذا الاسم وإن كان الاتجاه العقلي هو الغالب على جمهور العلماء والمفكرين، وإنما دخلت عناصر من فكرهم في المذهب الأباضي والزيدي والإسماعيلي.

ونستطيع أنّ نقول: إنّ هؤلاء مشتركون مع المعتزلة في عدة مواقف فكرية، والحال كذلك بالنسبة إلى الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، ولكن لا يعني ذلك: أنّ الجميع أتباع منهج واحد، أو أنّ واحدة من هذه الفرق اتبعت الفرقة الأخرى مائة بالمائة [١٨].

إنّ أهل السنة يسمون المعتزلة (قدرية)؛ لقولهم بحرية الإرادة الإنسانية، ومن أهم

كتبهم التي جاء فيها معظم عقائدهم: كتاب (شرح الأصول الخمسة) للقاضي عبد الجبار الهمداني [١٩].

كانت المعتزلة أتباع مدرسة الرأي في العقائد، وإذا عارضتهم آية أو رواية يؤولونها، وكانوا يقولون بحجية العقل قبل كل شيء حتى قبل النقل، بحجة أنّ الشرع أيضاً يثبت بالعقل، وبه يؤمن الإنسان بربه، ويصدق نبيه، ويلتزم بوعده ووعيده.

كان للمعتزلة دور كبير في الوقوف بوجه الهجوم الفكري العنيف المضاد للإسلام في العهد العباسي الأول، وقد مال إليهم الخلفاء من أمثال: المأمون والمعتصم، ولكن سرعان ما انقلب الأمر عليهم في عهد المتوكل.

المذهب الأشعري وموقفه تجاه المعتزلة وأهل الحديث:

المذهب الأشعري الذي عليه غالبية أهل السنة - عدا الحنابلة - مذهب معتدل بين المعتزلة وبين أهل الحديث. إنّ الشيخ أبا الحسن الأشعري كان في بداية أمره معتزليا، ثم أعلن براءته منهم ورجوعه إلى مذهب الجمهور، وأدلى بذلك في تصريح له على منبر المسجد الجامع بالبصرة. فهو أراد أنّ ينتصر لأهل الحديث، لكن بأسلوب المعتزلة، أي: بالاحتجاج والحوار والاستدلال والبحث والنقاش على المنهج العقلي. ولذلك لا يعتبره المعتزلة تابعاً لمنهجهم، ولا يعده أهل الحديث منهم، بل يكفره الاتجاه الأخير لاشتغاله بالكلام.

فالشيخ الأشعري ومعاصره - أبو منصور الماتريدي - أراد أنّ يسلكا منهجاً معتدلاً بين الفريقين المتطرفين (المعتزلة وأهل الحديث) في المسائل الخلافية، فسكت الأشعري في كثير من مواقف النزال، أو قال بالعجز والقصور، وكثيراً ما يردد كلمة (بلا كيف) في صفات الباري، ومعناه: العجز عن بيان كيفية صفاته، حتى سمى العلماء منهجه بـ (البلكفة) [٢٠].

المنهج الذوقيّ (الإشراقيّ):

ومن هنا نصل إلى اتجاه متمايز آخر يضع المباحث الكلامية على طاولة البحث، ويسلك فيها المسلك الرمزي الذوقي الخاص بالصوفية، الذي يختلف تماماً عن مسلك المتكلمين القائم على العقليات، ثم على السمعيات.

والإمام الغزالي من أكبر رواد هذه الطريقة، فهو يقول في كتابه (إلجام العوام عن علم الكلام): بأن هذا طريق الخاصة، وما دونه طريق العامة، ومن لا يفترق عنهم (أي: العامة) سوى أنه يعرف الأدلة، وليس الاستدلال [٢١].

وقد نبه على طريقته الدكتور أحمد محمود صبحي بهذا البيان:

(وإذا كان الغزالي قد حرم النظر في حقيقة الذات الإلهية على العامة - وذلك مالا ينكره أحد عليه ـفإنه أدرج في ضمن العوام: الأدباء والنحاة والمحدثين والفقهاء والمتكلمين، وجعل التأويل مقصوراً على الراسخين في العلم، وهم في نظره: الأولياء الغارقون في بحار المعرفة، المتجردون من دنيا الشهوات، وهي عبارة تعد قرينة لصحة دعوى من رأى من الباحثين للغزالي معتقداً خاصاً في (الحكمة الإشراقية) وفي نظرية الفيض، وفي "المطاع" مغايراً لمعتقده العام الذي أصبح به في نظر جمهور المسلمين (حجة الإسلام).

ويتساءل الدكتور صبحي: (هل الراسخون في العلم هو الصوفية دون الفقهاء والمفسرين والمتكلمين؟ وإذا كان الشد قد ثار منذ فشت (صناعة الكلام) ألا يفتح هذا الاستثناء المجال للصوفية أنّ يكون لهم وحدهم السبيل إلى…. الشطحيات والدعاوى ونظريات التصوف الفلسفي: كالفيض والإشراق؟ وأصولها الأجنبية واضحة، وشرورها على العقيدة الإسلاميّة ليست بأهون من شرور المتكلمين، وكأنه يشير إلى كتاب الحقيقة في نظر الغزالي للدكتور سليمان دنيا) [٢٢].

ثم توالى من بعد الغزالي التأليف من العلماء المتصوفة في العقائد على المنهج الخاص بهم [٢٣].

المنهج العلميّ (التجريبيّ):

هذا منهج حديث، قد تبع فيه قسم من المفكرين الإسلاميين، رواد الفكر الأوربي الحديث، فتسرب إلى مصر الحديثة والهند والعراق وإيران، ومنها إلى جميع البلدان الإسلاميّة، ويعرف اليوم بـ (الحداثة)، وله أنصاره ورواده، ويعتبر واحداً من التيارات الفكرية المعاصرة الوافدة من الغرب إلى العالم الإسلامي. ولهؤلاء رأي خاص في أدوات المعرفة البشرية، ومن ميزاتهم: الاعتماد التام على الحس والتجربة. وقد رفضوا المنهج العقلي والمنطق الأرسطاطاليسي رفضاً باتاً، وحاولوا البحث عن المعارف العليا والمتافيزيقيا والدين بمناهج مستخدمة في مجال الطبيعة والعلوم التجريبية [٢٤].

ومن آثار هذا المذهب الكلامي: تفسير المعجزات تفسيراً مادياً، وتفسير النبوة بالنبوغ والعبقرية البشرية، وتوجد أمثال هذه الآراء بكثرة في آثار السيد أحمد خان الهندي [٢٥].، وقد أفاد الدكتور عبد الرزاق نوفل منه في كتابه: (المسلمون والعلم الحديث)، وأشار إليه فريد وجدي في كتابه: (الإسلام في عصر العلم)، حيث يقول: (بما أنّ خصومنا يعتمدون على الفلسفة الحسية والعم الطبيعي في الدعوة إلى مذهبهم فنجعلها عمدتنا في هذه المباحث، بل لا مناص لنا من الاعتماد عليها؛ لأنهما اللذان أوصلا الإنسان إلى هذه المنصة من العهد الروحاني [٢٦].

المنهج الفطري

وهذا منهج دل عليه أئمة أهل البيت عليهم السلام، وبينوا للناس أنه المنهج الوحيد الذي

لا يضل من اتبعه، ويكون أقرب إلى الصواب، وأبعد من أنّ يؤدي إلى النزاع والتخاصم.

وتوجد العناصر الأصلية والإطار العام لهذا المنهج في الفطرة الإنسانية التي لا تتبدل بالتربية والبيئة، وقد نص عليه الكتاب بقوله: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها… ( [٢٧]. وقد جاء ذكره في كلام الرسول - صلى الله عليه وآله ـ: (كل مولود يولد على لفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) [٢٨].

ومن ميزات هذا المنهج تخلصه من المجادلات الكلامية والمتاهات النظرية، ومعالم الفطرة لا تندرس لوجود "الذكر" "والوحي".

ولا نستطيع أنّ نعد المنهج الفطري بعيداً عن العقل والنقل، ولا الإشراق والهداية الباطنية؛ لأن الفطرة هي: نفس ما جاء في الكتاب العزيز باسم: (الهداية)، قال سبحانه: (يمنون عليك أنّ أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أنّ هداكم للإيمان إنّ كنتم صادقين [٢٩].

وقد يسمّيه "فضلاً" و"رحمةً"، ويقول: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحدٍ أبداً ( [٣٠].

ويجمع هذا المنهج الحجة العقلية، والنص الشرعي (النقل)، والذوق السليم.

ويضع كل هذه الأمور في مواضعها، ولا يتزمت، ولا يجمد على واحدة من أدوات المعرفة، وأصحاب هذه الطريقة يتجنبون الوقوع في المناظرات الكلامية المعقدة، ويحتجون بأحاديث أهل البيت عليهم السلام والصحابة - رضوان الله عليهم - في النهي عن التورط في الكلام والخصومات حسب الإمكان، إلاّ إذا دعت إليه الضرورة، ولقمع شبه المعاندين، وحجتهم: أنّ المتكلمين من فرقةٍ واحدةٍ ومذهبٍ واحدٍ، وقد يصل عدد المسائل التي يختلفون فيها إلى مائة مسألة (٣١).

ويوجد في طائفة الروايات: الحديث عن الفطرة والطينة وخلق الإنسان عليهما،

وتفسيرهما بالإيمان والتوحيد، وأن لا يخلو من المعرفة عن النهج العقليّ المكاشفة والتجربة في هذا المذهب، وقد دوّنها المحدّثون في كتاب (العقل والجهل)، وجاء فيها: (أنّ الدين بُني على العقل، وأنّه مدار في الثواب والعقاب) (٣٢).

١ - كاتب في مركز الدراسات في مجمع التقريب قم.

٢ - methodoIogy وقد يسمى أيضاً علم المنهجيّة.

٣ - رجال الكشي: ١٧٢، ط بمبي.

٤ - مقدمة (أوائل المقالات في المذاهب والمختارات): ل.

٥ - ابن قدامة ن تحريم النظر في كتب أهل الكلام: ١٧.

٦ - الدكتور عبد الحليم محمود، التوحيد الخالص، أو الإسلام والعقل: ٤ - ٢٠.

٧ - المصدر السابق.

٨ - ابن قدامة، تحريم النظر في كتب أهل الكلام: ١٧، تصحيح جورج المقدسي.

٩ - مسلم، الصحيح ٤: ٢٠٥٠ كتاب العلم، الحديث ٧ أحمد بن حنبل المسند ١: ٣٧٦.

١٠ - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام ٤: ٣٠٠.

١١ - الشوكاني، إرشاد الفحول: ٢٦٦.

١٢ - الجويني، الإرشاد إلى قواطع الأدلة: ٢٥، والدكتور أحمد صبحي في علم الكلام ١: المقدمة، والغزالي في إلجام العوام عن علم الكلام: ٦٦ - ٦٧.

١٣ - في الأعوام الأخيرة شاهدنا تطوّراً هامّاً في هذا المجال في أوساط السلفية (الحنابلة) فقد حكى لي استاذ في الجامعة الإسلاميّة في المدينة المنورة أنه تغير رأي علمائهم حول تعليم المنطق، وأخيراً أباحوا تعليمه في جامعاتهم، وذلك أثر مناقشات جرت مع الأساتذة المصريين المدرسين بالجامعة الإسلاميّة بالمدينة المنورة.

١٤ - ابن تيمية، مجموع الفتاوى ٣: ٣٠٦ - ٣٠٧.

١٥ - الدكتور عبد الحليم محمود، التوحيد الخاص أو الإسلام والعقل: ٥ - ٢٠.

١٦ - علي حسين الجابري، الفكر السلفي عند الاثنا عشرية: ١٥٤، ١٦٧، ٢٤٠، ٤٢٤، ٤٣٩، والسيوطي صون المنطق والكلام عن علمي المنطق والكلام: ٢٥٢، الشوكاني إرشاد الفحول: ٢٠٢، علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام: ١٩٤ - ١٩٥، برترند رسل، تاريخ الفلسفة العربية ١: ٢١٨.

١٧ - القاسمي، تاريخ الجهمية والمعتزلة: ٦٥ - ٧٠.

١٨ - راجع: هاشم معروف الحسني: الشيعة بين الأشاعرة والمعتزلة، والمفيد في أوائل المقالات في المذاهب والمختارات: ٥٥، ٥٦، ٦٢، ٦٥، ٨٨، ٨٩، ١٢٦ - ١٣٩. ط المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد، إيران، قم ١٤١٣هـ.

١٩ - لم يكن في القرون الأخيرة أي أثر موجود من كتب المعتزلة إلاّ في خزائن المخطوطات باليمن.

٢٠ - الأستاذ العلامة جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل ١: ١، ٢، ٤.

٢١ - الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام: ٦٦ - ٦٧.

٢٢ - الدكتور أحمد محمود صبحي، في علم الكلام ٢: ٦٠٤ - ٦٠٦.

٢٣ - الشعراني أبو المواهب عبد الوهاب بن احمد في: اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ١: ٢ - ٣، و٢٤ـ ٢٦.

٢٤ - الدكتور عبد الحليم محمود، التوحيد الخالص أو الإسلام والعقل، المقدمة.

٢٥ - محمود شلتوت، تفسير القرآن الكريم: الأجزاء العشرة الأولى: ١١ - ١٤ وإقبال اللاهوري، إحياء الفكر الديني في الإسلام (الترجمة الفارسية بقلم أحمد آرام): ١٤٧ - ١٥١.

٢٦ - على أطلال المذهب المادي ١: ١٦.

٢٧ - الروم: ٣٠.

٢٨ - صحيح البخاري، كتاب الجنائز: ٨٠، ٩٣ مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٢٣.

٢٩ - الحجرات: ١٧.

٣٠ - النور: ٢١.

٣١ - كشف المحجّة لثمرة المهجة، علي بن طاووس: ١١ - ٢٠.

٣٢ - راجع الكليني، الكافي ١: باب ١، كتاب العقل والجهل، الحديث ١، ٢، ٤، ٧، ٨، توحيد المفضل بن عمر، الإمام الصادق - عليه السلام ـ: كتاب الإهليلجة، الصدوق، محمّد بن علي بن بابويه، كتاب التوحيد.



[ Web design by Abadis ]