ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 التقريب بين المصطلحات الأصولية \ الشيخ أحمد المبلغي

لا ريب أنّ للتقريب بين المصطلحات الأصوليّة أهمّية كبيرة كما يكون وسيلة للتقريب في الأصول؛ وذلك لأمرين هما:

أولاً: أنّ المصطلحات لدى كل مذهب تعتبر في الحقيقة علائم له؛ ولذلك أصبح مصطلح كل مذهب عرضة للاتهام والعداء من قبل الآخرين؛ نتيجة لوجود التعصب المذهبي بينهم، بل كان تمحور العداوة بينهم حول هذه المصطلحات أكثر منه في غيرها.

وثانياً: تحمل المصطلحات الأصولية بين طياتها حساسية شديدة، إذ أنّ أدنى تغيير يحصل فيها يؤثر كثيراً على عملية الاستنباط، ويكمن سر ذلك في أنّ المصطلحات تعتبر القناة التي يمر عبرها تأثير الأصول على الفقه، وهذا التأثير يبرز في شكل من الأشكال الثلاثة الآتية:

١ - إخراج الدليل عن دائرة الحجية، أي: عدم الاعتراف به كدليل، أو جعله دليلاً تابعاً لغيره من الأدلة.

٢ - تغيير مرتبة الدليل بين الأدلة.

(٥٧)

٣ - تغيير طرق الاستفادة من الكتاب والسنة، ومثاله: التغييرات التي تأتي في مباحث اجتماع الأمر والنهي، وأصالة الظهور، والعموم والخصوص، والتزاحم بين الأدلة، وغير ذلك من الأمثلة. ومعلوم أن أكثر مواطن الاختلاف الأصولي بين المذاهب يكمن في هذه النقاط الثلاث.

مبادئ ثلاثة في التقريب:

قبل بيان كيفية التقريب في هذا المجال يحسن بنا أنّ نذكر حقيقة هامة لها تأثير فاعل ومفيد في مجالات التقريب عامة، وفي مجال التقريب في الأصول بصورة خاصة، وهي: أنّ التقريب يعتمد على مبادئ ثلاثة تدور كلها حول كلمتين هما: الاجتهاد والتسامح، وهذه المبادئ هي:

١ - مبدأ لزوم عدم التسامح في عملية الاجتهاد.

٢ - مبدأ لزوم التسامح مع اجتهاد الغير.

٣ - مبدأ لزوم الاجتهاد في مواطن التسامح.

أما مبدأ عدم التسامح في الاجتهاد فتظهر أهميته في كون أنّ التسامح القليل في عملية الاجتهاد سوف يجعلنا بعيدين عن الإسلام وأحكامه، وسيحدث على الصعيد الفقهي خسارة علمية لا يمكن تعويضها.

هذا وأن ما روي من: أنّ "للمخطئ أجر واحد" [٢]. لا يفهم منه جواز التسامح في الاجتهاد؛ لأنه ناظر إلى المخطئ غير المقصر، لا المخطئ الذي يكون بتسامحه مقصراً، كما يمكن استشعار ذلك من نفس كلمة الاجتهاد.

إنّ اللالتزام بهذا المبدأ يجعلنا أما ميدان واسع للتقريب، لأن ثمرته تقليل مجالات الخطأ، وهي تؤدي بالتالي إلى ثمرة أخرى تتمثل في تقليل الاختلافات، فإن اتساع مجال الخطأ كما يهيئ أرضية لأن تتسع الاختلافات أكثر فأكثر فكذلك تضييقه يؤدي إلى العكس.

وأما مبدأ لزوم التسمح مع اجتهادات الآخرين فاعتباره مأخوذ من أنّ الشارع قد أجاز أنّ نجتهد، والاجتهاد - كما هو معلوم - لا يمكن أنّ لا يتعدد بعد أنّ كانت العقول متفاوتة. بالإضافة إلى ذلك أنّ احتمال الخطأ يتطرق إلى أي اجتهاد، ولا يخفى أنّ لازم الأمرين الالتزام بهذا المبدأ. وأما ما قلناه سابقاً كنتيجة للالتزام بمبدأ عدم التسامح في الاجتهاد فهو: أنّ عدم التسامح فيه يؤدي إلى تقليل حجم هذا التعدد أولاً، وتضييق شقة الاختلاف بين الآراء ومبانيها ثانياً، لا أنه يؤدي إلى القضاء على أصل التعددية في الاجتهاد، فإنها غير منفكة عنه.

وعلى ضوء ما قلناه يتضح: أنّ المقصود من التسامح مع الاجتهادات هو: أنّ نبدي أمام هذه الاجتهادات موقفاً مرناً، ونحتمل الصواب فيها، ونقوم بدراستها بصورة موضوعية، وهذا الأخير - القيام بدراسة ما اجتهد به الغير - يعتبر أيضاً واجباً يفرضه علينا مبدأ عدم التسامح في الاجتهاد كما قلنا سابقاً؛ لأن هذا المبدأ يتطلب الفحص عن الحقيقة كلما خفيت علينا وكمنت.

ودور مبدأ لزوم التسامح مع آراء الغير في التقريب يظهر على ضوء ملاحظة: أنّ التعصب المذهبي نشأ في بدايته عن بقاء أنصار كل مذهب على آراء مجتهدي المذهب، الأمر الذي أدى إلى محاولتهم القيام بإحياء وتنشيط تلك الآراء، وإماتة آراء الآخرين بأنحاء عديدة، وأقل شيء برز في هذه الظروف هو: التعصب الأعمى. وليكن شعار كل مجتهد - انطلاقاً من هذا المبدأ - ما قاله الإمام الشافعي: (مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب) [٣].

وأما مبدأ الاجتهاد في مواطن التسامح في الإسلام فنعني بالتسامح هنا: ما قد يعبر عنه بالمرونة التي لا تخلو أحكام الإسلام منها في كثير من المجالات الفردية والاجتماعية.

وواضح أنّ توجيه الاجتهادات المختلفة نحو هذه المواطن سوف يؤدي إلى وصولها إلى نقاط متقاربة؛ لأن الوقوف على مواطن التسامح في الإسلام يشرح الصدورويصحح التفكير.

فالنتيجة: أنّ هذه المبادئ كلها تلزمنا قبل كل شيء القيام بالدراسات المقارنة بصورة موضوعية، ونحن نظن ا، علم الأصول هو أكثر استحقاقا إلى هذه الدراسة الموضوعية التي تعالج الاختلافات والخلافات معالجة جذرية.

وأخيراً فإنه يظهر: أنّ جل الخلاف بين المسلمين حدث بسب أنّ كثيراً من علمائهم كانوا يتسامحون في مواطن عدم التسامح، ولا يتسامحون في مواطن التسامح.

كيفية التقريب في القواعد الأصولية:

إنّ كل من يسعى إلى التقريب ويحاول تحقيقه يجب عليه قبل كل شيء القيام بالدراسات الموضوعية حول المسائل الأساسية التي من جملتها: المصطلحات الأصولية، فانطلاقاً من ذلك نقول: هناك مرحلتان يجب مراعاتهما في دراسة المصطلحات الأصولية، فانطلاقاً من ذلك نقول: هناك مرحلتان يجب مراعاتهما في دراسة المصطلحات في علم الأصول، وهما: مرحلة تحديد معاني المصطلحات، ومرحلة إبداء التغيير فيها أو حولها.

تحديد معاني المصطلحات:

تعتبر هذه المرحلة خطوة هامة ومؤثرة جداً في المحاولات التحقيقية الأصولية، ولشدة أ÷ميتها ودورها نرى الأصوليين من مختلف المذاهب قد قاموا بها، وأن كل من يلقي نظرة على كتب الأصول قديماً وحديثاً يرى الاهتمام بالتعريف من جانبهم. فهذا أبو يعلى قد عقد في بداية كتابه "العدة" فصلاً لبيان الحدود [٤].

وكذلك نجد هذا الاهتمام واضحاً عند الباجي، حيث أفرد كتاباً في الحدود الأصولية [٥].

وبإمكاننا أنّ نعرف شدة اهتمامهم بالتحديد من خلال قيامهم بتقسيم المعنى كلما عجزوا عن التعريف.

يقول إمام الحرمين في هذا الصدد: (حق على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلم أنّ يحيط بحقيقته وحده إنّ أمكنت عبارة سديدة على صناعة الحدّ، وإن عسر فعليه أنّ يحاول الدرك بمسلك التقاسيم) [٦].

إبداء التغيير في المصطلحات أو حولها:

تأتي مرحلة التغيير بعد تحديد المصطلحات، وسرّ أهمية هذه الخطوة تكمن في أننا لو لم نقم بها فإن خطوة تحديد المصطلحات سوف تبقى بلا نتيجة مؤثرة، وسوف لا يأخذ علم الأصول دوره الفعال المتوقع منه.

وقبل الدخول في تحديد هذه المرحلة ينبغي الإجابة عن سؤال وهو: ألم يشتهر على الألسن: أنّ المشهور خير من الصحيح المهجور؟ فانطلاقاً من ذلك ألا ينبغي الحفاظ على ما وجد في علم الأصول من المصطلحات من دون تغيير؟ والجواب على هذا يتضح من خلال النظر إلى أمرين وهما:

أولاً: المبدأ القائل: بأن التسامح في عملية الاستنباط وبالتالي في الأصول غير صحيح.

وثانياُ: أنّ المصطلحات لها دور مهم في أصول الفقه، وبالتالي لها تأثير كبير على الفقه، والذي يفهم بعد ملاحظة ما تقدم: أنّ الالتزام بمبدأ عدم التغيير يؤدي إلى مسخ الهوية الأصولية، وبالتالي يؤدي إلى التسامح في عملية الاستنباط، هذا من جانب، ومن جانب آخر أننا عندما نتكلم عن لزوم التغيير أو التبديل في عالم المصطلحات فلا نعني به ترك المصطلحات القديمة أو محوها من الكتب، ولكن نعني: إحداث تغييراتٍ في جانب تلك المصطلحات القديمة؛ حتى نتمكن على ضوئها درك معاني تلك المصطلحات، وبهذه الوسيلة يمكن تقليل جوانب الاختلافات بإرجاع بعض المصلحات إلى بعضها الآخر، أو أخذ رأي جديد.

نعم، إنّ المصطلحات الجديدة قد تأخذ - لشدة وضوحها وأهميتها - مكانة هامة في العلم بحيث تغطي على المصطلحات القديمة، وهذا لا يضر شيئاً، بل يسبب تطور آفاق العلم، الأمر الذي تكون نتيجته: إجادة العملية الاستنباطية أكثر فأكثر.

بعد هذه الإجابة نقول: هناك مجالان للتغيير في المصطلحات، وهما:

١ - التغيير في تعريف المصطلح.

٢ - التغيير في نفس المصطلح.

١ - التغيير في تعريف المصطلح وملاكاته:

إنّ التغيير في التعريف يعني: محاولة إعطاء تعريف جديد للمصطلح. والأمر المهم هنا: الوقوف على ملاكات هذا التغيير، وهي:

أ - التغيير على أساس التوسيع: وهذا النوع من التغيير يكون في الموارد التي يعطي فيها التعريف - المراد نقده - معنى ضيقاً بحيث لا يشمل جميع المعنى المقصود منه، وكمثال على ذلك: ما نراه من نقد السيد الحكيم لتعريف الآمدي للاجتهاد بأنه: استفراغ الوسع في طلب الظن، حيث أشكل السيد عليه بعدم شموله لموارد حصول غير الظن [٧].

ب - التغيير على أساس التضييق: ونعني به: تغيير التعريف بما يؤدي إلى تضييق دائرته، وكمثال على ذلك: ما يمكن أنّ نذكره من نقد حول ما أعطي من تعريفات لكلمة "الدليل"، حيث وسعوا دائرة معناه بما يشمل كثيراً من الأدلة غير المستقلة التي ترجع إلى أدلة أخرى مستقلة، أو يشمل مالا يكون دليلاً أصلا، وتفصيل البحث موكول إلى محله.

ج - التغيير على أساس المباينة: ونعني به: اختيار تعريف جديد يباين التعريف السابق.

د - التغيير على أساس الاعتماد على الحد: ولتوضيح ذلك نقول: إنّ هناك كثيراً من التعريفات لم تتم على أساس الحد، بل هي من قبيل: التعريف بالرسم الذي هو قائم على ذكر اللوازم والآثار.

ولعل كثيراً من الباحثين الأصوليين لا يهتمون بالمناقشات الداعية إلى هذا التغيير، انطلاقاً: إما من عدم إمكانية التعريف بالحد، أو من عدم أهميتة، ومن جملتهم: صاحب الكفاية، حيث كان يقول: (إنها تعاريف لفظية تقع في جواب السؤال بـ "ما"

الشارحة، لا واقعة في جواب السؤال بـ"ما" الحقيقة) [٨].

إنّ التغيير في التعريف بجميع أنواعه المذكورة يحق فوائد كثيرة جداً، نذكر منها فائدتين:

الأولى: تحرير محل النزاع، ولا يخفى أهمية ذلك بعد ما نرى أنّ كثيراً من الخلافات هي لفظية تنشأ من عدم تحرير محل النزاع وتبرز هذه الثمرة بصورة جلية في البحوث الأصولية المقارنة.

الثانية: أنّ كثيراً من الأخطاء التي حصلت في الآراء الأصولية ناشئة من عدم الدقة في المعنى الاصطلاحي.

وهذا القسم من التغيير وإن شوهد قيام الأصوليين بالتحقيق والبحث فيه في كتبهم بيد أننا نرى من الواجب ترويجه وتنشيطه أكثر مما كان؛ وذلك باعتباره عملاً جذرياً والحقيقة: أنه لو كان هناك نوع من التطور في علم الأصول لأمكننا اعتباره ثمرة لهذا الأمر.

والكتب الأصولية وإن كانت مليئة بأمثلة من هذا النقد في التعريف غير أنه لا بأس بتقديم مثال على ذلك، وهو: ما قام به الأصوليون من نقد ما ذكره الإمام الشافعي في تعريف البيان، وقد واصلوا هذا النقد حتى استقر معناه وحقق [٩].

٢ - التغيير في نفس المصطلح وملاكاته:

والمراد - كما هو واضح - تبديل نفس المصطلح بمصطلح آخر، أو إضافة فروع أخرى للمصطلح، وهذا النوع من التغيير هو الذي يكون جديراً بأن نبني عليه آمالنا لتطوير علم الأصول والتقريب بين قواعده عند مختلف المذاهب، وسر ذلك يظهر من ذكر الملاكات التي تدعونا إليه، وهذا الملاكات هي:

١ - التغيير على أساس التوسيع: قد يكون المصطلح غير واف بالمقصود، وفي بعض الأحيان يكون - مالم يشمله المصطلح - أهم أو أكثر مما شمله، وهذا يجعل المصطلح غير فني.

٢ - التغيير على أساس التضييق: قد يكون المصطلح شاملاً لأكثر مما ينبغي بحيث يجعل المصطلح غير فني؛ لأنه يؤدي إلى الخطأ في الرأي، وكمثال على ذلك: كان الاستصحاب عند الإمامية في البداية اصطلاحاً واحداً، وقد انجر البحث عند المتأخرين منهم إلى إحداث مصطلحات جديدة مثل: الأصل المثبت، والاستصحاب التعليقي والتنجيزي والكلي والجزئي ن وغيرها. وفي ظل ذلك ضيقوا مجال الاستصحاب الذي يكون حجة [١٠].

٣ - التغيير على أساس المباينة: قد لا يكون المصطلح مؤدياً إلى ما يقصد من معنى له، فيحاول الباحث الأصولي تبديله إلى مصطلح آخر يناسب المعنى.

٤ - التغيير على أساس كشف ميادين جديدة، ويمكن القول: إنّ إحداث مصطلحات: الورود، والحكومة، والتزاحم [١١]، والشبهة المصداقية [١٢] قد تم في أصول الإمامية على أساس ذلك، مما أدى إلى تطوير علم الأصول عندهم، وكان من نتيجة ذلك: (أنّ تطورت مباحث هذا العلم، وأدخل عليها تعديلات ونظريات حديثة ظهرت آثارها في مخالفة الأواخر للأوائل في كثير من الأحكام الشرعية) [١٣].

٥ - التغيير على أساس الحساسية الأصولية: غير خفي أنّ المباحث الأصولية - كما ذكرنا سابقا - تتميز بحساسية شديدة، وهذه الحساسية تتطلب أنّ يكون البحث فيها أكثر فنية مما قد تقتضي التغيير في بعض المصطلحات، وكمثال على ذلك: ما نرى في بحوث الشهيد الصدر الأصولية من الإقدام على تغيير مصطلح معين، معللاً هذا التغيير بـ (أنه في رأينا أكثر قدرة على إعطاء الطالب صورة أوضح عن دور القاعدة الأصولية في المجال الفقهي، ورؤية أجلى لكيفية الممارسة الفقهية لقواعد علم الأصول) [١٤].

٦ - التغيير على أساس ما يقتضيه البحث المقارن: قد يكون من الصعب على الباحث المقارن تحديد نقطة الاختلاف عند المقارنة بين الاصطلاحين، والذي يساعده في

هذا المجال للجوء إلى اصطلح جديد للدخول في البحث. ويمكن التمثيل لذلك: بعقد فصل في البحث المقارن حول عنوان "الدليل المستقل" و"الدليل التبعي"، الذي يهيئ بصورة فنية مجالاً واسعاً للبحث حول دليلية كثير من الأدلة.

وإننا ندعو الباحثين في الأصول المقارنة أنّ يوجهوا عنايتهم إلى كشف عناوين جديدة في هذا الباب، وخصوصاً بملاحظة أنّ الفجوة بين المجاميع الأصولية قد اتسعت، مما قد يجعل البحث المقارن عقيماً من دون كشف هذه العناوين.

وأخيراً نشير إلى مسالة مهمة لو روعيت فسوف لا نخاف على الفقه من إبداء هذه التغييرات في البحوث الأصولية، وهذه المسألة هي: أنه من الواجب أنّ يكون الفقيه ذا اطلاع فقهي واسع بحيث يمتلك الذوق الفقهي اللازم، وتظهر نتيجة هذا الذوق في تطبيق القواعد الأصولية في عملية الاستنباط، وبذلك نفهم: أنّ لزوم استثمار الذوق الفقهي لا يعني وجود الخطأ في علم الأصول لأن الخطأ الذي نريد منعه من جراء الذوق الفقهي إنما هو كامن في جانب التطبيق، لا أصل القاعدة الأصولية.

نعم، قد تكون لهذا الذوق نتيجة أخرى وهي: منع الفقيه أحياناً من التأثر بخطأ ناشئ عن الأصول قد خفي عليه عند بحثه الأصولي، ولكن ذلك لا يقلل من أهمية علم الأصول شيئاً، بل بالعكس، فإنه يملي علينا أحيانا لزوم تطوير الأصول أكثر فأكثر؛ لأن هناك ميادين في الفقه لم تكشف بعد وهي بحاجة إلى سد النقص فيها، والكفيل بالإجابة على هذه الحاجة هو: علم الأصول، فالخطأ الذي قلنا بأنه ناشئ عن البحث الأصولي هو في الحقيقة ناشئ عن عدم تطويره.

ومن هنا نفهم: أنّ الكشف الذي يحققه الذوق الفقهي هو كشف غير تفصيلي لا يكون داخلاً ضمن أي إطار أو قاعدة. بيد أنّ الكشف الذي يقوم به علم الأصول هو: كشف تفصيلي يبرز ضمن القواعد، فمعنى: أنّ الذوق الفقهي قد يقوم بمنح ورود الخطأ الأصولي في الفقه هو: أنه يكشف شيئاً لم يكشفه علم الأصول بعد.

ويمكن أنّ نمثل لذلك: بما وقع لصاحب الجواهر من أخذه رأيا في مسألة من مسائل باب الشهادات لم يحرره العلماء قبله، وقال بصدد توجيه ما تبناه: (وظني أنّ من يقف على كلامنا هذا يستبشعه ويستنكره، لخلو كلام الأصحاب عن تحريره على الوجه المزبور،

وإنما فيها - أي: في كلمات الأصحاب - الإطناب بذكر المناسبات التي لا تصلح دليلاً شرعياً، وإنما هي أشبه شيء بالعلل النحوية التي تذكر بعد السماع، بل جملة منها حقيقة بأن لا تسطر؛ لما فيها من تشويش الذهن ومنعه عن الوصول إلى الحق، خصوصاً الأذهان المعتادة على التقليد وإثبات عصمة لغير المعصوم) [١٥].

١ - كاتب في مركز الدراسات الإسلامية في مجمع التقريب - فرع قم.

٢ - نص الحديث ما رواه مسلم وأبو داود هكذا: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذ حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر" يقول صاحب الفصول في الأصول: (إنّ هذه الرواية قد تلقتها الأمة بالقبول) انظر كتاب الفصول في الأصول: ٤٠٣.

٣ - نقلاً عن رسالة الإسلام، العدد ٣ للسنة الأولى: ٢٤٤.

٤ - راجع كتاب العدة لأبي يعلى.

٥ - انظر الحدود في الأصول للباحي.

٦ - راجع كتاب الحدود في الأصول للباجي.

٧ - انظر أصول الفقه المقارن للسد محمّد تقي الحكيم: ٥٦٢.

٨ - الكفاية للآخوند الخراساني: ٢٥٢.

٩ - الفكر الأصولي للدكتور أبي سليمان: ٤٤٨.

١٠ - انظر كفاية الأصول للآخوند، مبحث الاستصحاب، وفوائد الأصول للنائيني ٤: ٤١١.

١١ - انظر أصول الفقه المقارن للسيد الحكيم: ٨٨.

١٢ - فوائد الأصول للنائيني ٢: ٥٢٥.

١٣ - رسالة الإسلام العدد ٣ للسنة ٢: ٢٧٨.

١٤ - بحوث في علم الأصول ١: ٦٢.

١٥ - جواهر الكلام للنجفي ٤١: ١٣٥.



[ Web design by Abadis ]