ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 رسالة الأمين العام لمجمع التقريب بين المذاهب الإسلاميّة \ إلى سماحة الشيخ ابن باز

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبينا محمّد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.

سماحة الإستاد الجليل الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز، الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفناء والدعوة والإرشاد المحترم.

السلام عليكم ورحمة الله.

وبعد:

لاحظت تركيزكم على مسألة التوحيد في عدد من أعداد مجلة البحوث الإسلاميّة، كما وفقت لزيارتكم في جلستين سمعتكم تؤكدون تأكيداً متواصلاً على إرشاد الناس إلى التوحيد الخالص لله تعالى، وهو الأساس القويم والركن الركين لهذا الديين الحنيف، بل هو محور كلّ أحكامه وشرائعه، وهذه ميزة لمستها في سماحتكم مشكورين.

ومع احترامي وتقدير ي لجهودكم في هذا السبيل خطر في ذهني بعض الملاحظات فأحببت أنّ أبديها لكم، راجياً أنّ يكون فيها خير الإسلام والمسلمين،

والاعتصام بحبل الله المتين في سبيل تقارب المسلمين، ووحدة صفوفهم في مجال العقيدة والشريعة.

أوّلاً: لاحظتكم تعبرون دائماً عن بعض ما شاع بين المسلمين من التبرك بآثار النبي - صلى الله عليه وآله - وبعض الأولياء: كالمسح بجدران وأبواب الحرم النبوي الشريف وغيره شركاً وعبادة لغير الله، وكذلك طلب الحاجات منه ومنهم، ودعاؤهم، وما إلى ذلك.

فأقول: هناك فرق بين ذلك، فطلب الحاجات من النبي ومن الأولياء باعتبارهم يقضون الحاجات من دون الله أو مع الله فهذا شرك جلي لا شك فيه، لكن الأعمال المتعارفة بين المسلمين والتي لا ينهاهم عنها العلماء في شتى أنحاء العالم الإسلامي - من غير فرق بين مذهب وآخر - ليست هي في جوهرها طلباً للحاجات من النبي والأولياء، ولا اتخاذهم أرباباً من دون الله، بل مرد ذلك كله - لو استثنينا عمل بعض البسطاء من العوام - إلى أحد أمرين:

التبرك والتوسل بالنبي وآثاره، أو بغيره من المقربين إلى الله عز وجل.

أما التبرك بآثار النبي من غير طلب الحاجة منه ولا دعائه: فمنشؤه الحب والشوق الأكيد رجاء أنّ يعطيهم الله الخير بالتقرب إلى نبيه وإظهار المحبة له، وكذلك بآثار غيره من المقربين عند الله.

وإني لا أجد مسلماً يعتقد أنّ الباب والجدار يقضيان الحاجات، ولا أنّ النبي أو الولي يقضياها، بل لا يرجو بذلك إلاّ الله، إكراماً لنبيه أو لأحدٍ من أوليائه أنّ يفيض الله عليه من بركاته.

والتبرك بآثار النبي - كما تعلمون ويعلمه كلّ من اطلع على سيرة النبي - صلى الله عليه وآله - كان معمولاً به في عهد النبي، فكانوا يتبركون بماء وضوئه وثوبه وطعامه وشرابه وشعره وكل شيء منه ولم ينهاهم النبي عنه.

ولعلكم تقولون: أجل، كان هذا، وهو معمول به الآن بالنسبة إلى الأحياء من الأولياء والأتقياء - كما شاهدت بعض أصحابكم يتبركون بطعامكم - لكنه خاص

بالأحياء دون الأموات؛ لعدم وجود دليل على جوازه إلاّ في حال الحياة بالذات.

فأقول: هناك بعض الآثار تدل على أنّ الصحابة قد تبركوا بآثار النبي بعد مماته. فعن عبدالله بن عمر - رضى الله عنهما - أنّه كان يمسح منبر النبي تبركاً به.

وهناك شواهد على أنهم كانوا يحتفظون بشعر النبي كما كان الخلفاء العباسيون، ومن بعدهم العثمانيون يحتفظون بثوب النبي تبركاً به، ولا سيما في الحروب ولم يمنعهم أحد من العلماء الكبار والفقهاء المعترف بفقههم ودينهم.

وهنا أود أنّ الخص لسماحتكم كلام الأستاذ الدكتور سعيد رمضان - العالم السوري حفظه الله في هذا المجال - نقلاً عن كتابه "فقه السنة" بعد ما أشار إلى شطر مما يدل على جواز التوسل بالنبي - صلى الله عليه وآله - وبآثاره قال: (وليس ثمة فرق بين أنّ يكون ذلك في حياته أو بعد وفاته. فآثار النبي لا تتصف بالحياة مطلقاً، سواء تعلق التبرك والتوسل بها في حياته أو عبد وفاه، كما ثبت في صحيح البخاري، في باب شيب رسول الله - صلى الله عليه وآله - .

ومع ذلك، فقد ضل أقوام لم تشعر أفئدتهم بمحبة رسول الله، وراحوا يستنكرون التوسل بذاته بعد وفاته، بحجة أنّ تأثير النبي قد انقطع بوفاته، فالتوسل به إنّما هو توسل بشيء لا تأثير له البته.

وهذه حجة تدل - كما ترى - على جهل عجيب جداً فهل ثبت لرسول الله تأثير ذاتي في الأشياء حال حياته حتّى نبحث عن مصير هذا التأثير بعد وفاته؟ إنّ أحداً من المسلمين لا يستطيع أنّ ينسب أي تأثير ذاتي في الأشياء لغير الواحد الأحد جل جلاله، ومن اعتقد خلاف هذا يكفر بإجماع المسلمين كلهم.

فمناط التبرك والتوسل به أو بآثاره ليس هو إسناد تأثير إليه والعياذ بالله، وإنّما المناط كونه أفضل الخلائق عند الله على الإطلاق، وكونه رحمة من الله للعباد، فالتوسل به وسيلة لقربه إلى الله، وبرحمته الكبرى للخلق.

وبهذا المعنى كان الصحابة يتوسلون بآثاره من دون أنّ يجدوا فيه أي إنكار.

وقد مر في هذا الكتاب - أي: فقه السنة - بيان استحباب الاستشفاع بأهل الصلاح

والتقوى، وبأهل بيت النبوة في الاستسقاء وغيره، وأن ذلك مما أجمع عليه جمهور الأئمة والفقهاء، بما فيهم الشوكاني وابن قدامة الحنبلي، والصنعاني وغيرهم.

والفرق بعد هذا بين حياته وموته خلط عجيب وغريب في البحث لا مسوغ له) [٢] انتهى.

هذا كله بالنسبة إلى التبرك بآثار النبي حياً وميتاً. وأما التوسل بذاته أو بأحد من أهل بيته فهو كذلك كما رأينا في مطاوي كلام الدكتور البوطي وكان معمولاً به حتّى بعد وفاته. كما استسقى الخليفة عمر - رضى الله عنه - متوسلاً بعم النبي العباس من دون نكير من أحد من الصحابة، ومن دون أنّ يكون لحياة النبي وموته تأثير عنده في جواز التوسل به.

ومرد ذلك: أنّ التبرك بآثار النبي والتوسل به وبآثاره وبذريته والأتقياء من أتباعه ليس معناه طلب الحاجة منه أو منها ولا منهم، ولا أنّ في شيء منها بما في ذلك ذات النبي تأثيراً في رفع الحاجات ودفع الملمات، أو أنّه يضر وينفع، كما ورد في مطاوي كلامهم في صدد النهي عنه (أنّه لا يضر ولا ينفع) فهذا عدول عن جوهر المسألة، بل كلّ ذلك يعد إظهار الحب للنبي وغيره من المقربين استجلاباً لرحمة الله تبارك وتعالى، لما نعلم من منزلتهم عند الله، استناداً إلى سيرته وسيرة المسلمين، فلا يقاس هذا بعمل المشركين في شأن آلهتهم، حيث كانوا يعتقدون فيها التأثير في دفع الملمات ورفع الحاجات إما مباشرة أو بالاشتراك مع الرب.

كما لا ينبغي الاستشهاد على حرمة التبرك والتوسل (بالمعنى المذكور) وكونهما شركاً بما ورد من الآيات بإدانة المشركين، فإن ذلك ليس منه في شيء، والفرق بينهما واضح جلي، فهذا مظهر من مظاهر الشرك، وذاك مظهر من مظاهر التوحيد وحب الله وأوليائه.

بقى هنا أمران:

الأول: أنّ يقول قائل: نحن نسلم بجواز التبرك والتوسل للعلماء الّذين فهموا جوهر الدين، إلاّ أنّ ذلك ممنوع على العوام؛ لأنهم سوف يحولونهما إلى الشرك، حيث يعتقدون أنّ للنبي وآثاره وللأولياء تأثيراً ذاتياً في رفع الحاجات أو دفع المضرات، فيجب المنع عنهما سداً للذرائع. وهذا ما أسمعنا به الأستاذ الدكتور محمّد بن سعد سويعر - حفظه الله - يوم حضرنا عندكم عند جلوسنا على مائدتكم مشكورين.

والإجابة على هذا الكلام سهل، فإنه إذا ثبت جواز عمل بل استحبابه بدليل قطعي فلا يجوز المنع عنه بقول مطلق خوفاً من أنّ يحوله بعض من جهل إلى ما فيه لون من الشرك، و إلاّ لكان على الرسول - عليه السلام - أنّ ينهى الناس عن التبرك بآثاره سداً للذريعة، كما كان ينبغي له أنّ يمنع الناس عن زيارة القبور حذراً من أنّ يتخذها الجاهلون صنماً يعبد، أو يمنع من استلام الحجر لنفس السبب.

وهذا ليس هو الطريق الوحيد والقول السديد لسد الذرائع، بل الطريق هو: مراقبة العلماء الّذين هم ورثة الأنبياء، والذين هم أمناء الله على حلاله وحرامه لهكذا أعمال والبت فيها، فإنهم أمروا بحفظ أفكار ومعتقدات المسلمين عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين - كما جاء في الحديث - : " من غير أنّ يحرموا حلالاً أو يحللوا حراماً" [٣]، أو يفرقوا في حكم واحد بين العوام والخواص.

الأمر الثاني: أنّ من يجوز التبرك والتوسل هم: جمهور العلماء في قبال جماعة أقل منهم بكثير ممن لا يجوزونهما، ولاريب أنّ المجوزين اختاروا الجواز بعد الوقوف على الآراء، وبعد البحث والفحص عن الأدلة والاطلاع على ما أبداه الشيخان السلفيان: الشيخ ابن تيمية، والشيخ محمّد بن عبد الوهاب وأتباعهما فهؤلاء لم يقتنعوا طوال هذه القرون السبعة إلى يومنا هذا بحجج مخالفيهم، فهم مجتهدون، ولكل مجتهد مصيب أجران، وللمخطئ أجر واحد كما هو ثابت عند الفقهاء. فالمسألة بعد أنّ عادت خلافية اجتهادية فهل تسمحون في مثل هذه المسألة التي بنى جل العلماء على جوازها وقليل منهم بنى على حرمتها أنّ ينسب الكفر والشرك بل الفسق والضلال إلى هؤلاء الجم الغفير المعترف بفقههم وتقواهم؟ فما هو الفارق إذا بين القطعيات والظنيات سواء في حقل العقيدة أو في حقل الشريعة؟ إنّما الحكم بالكفر ثابت فيمن أنكر ضرورة من ضرورات الدين ليس إلاّ، دون مسألة خلافية هي معترك الآراء بين الفقهاء.

فأقل ما يقال في مثل هذه المسألة الخلافية هو: الاحتياط بالإمساك عن التقول فيهم، حتّى ترجع المسألة قطعية، والاكتفاء - ممن لا يجوزه - بالوعظ والإرشاد إذا رآه شركاً أو بدعة وضلالاً، فهذا منتهى المعقول في أداء الواجب من مثله.

وقد مر بنا أنّ استهللنا كلامنا بالتقدير لجهودكم في سبيل دعم أمر التوحيد، وهذا بنفسه سعي مشكور أغبطكم عليه لولا أنّ ينضم إليه إطلاق القول بالشرك أو الكفر فيمن جوز هذا العمل عن اجتهاد ونظر، من دون تلقيد أعمى، ولا جهل بالكتاب والنسة وبآراء الفقهاء، الموافق منهم والمخالف.

وقد تطرق الأستاذ الشيخ - في رسالته - إلى القضية الفلسطينية، وحث علماء المسلمين على اتخاذ الموقف المبدئي الذي قرره القرآن وذهبت عليه السنة دون التأثر بالأجواء السياسية المفتعلة.

١ - أرسلها من مكة المكرمة في موسم الحج (١٤١٤ هـ).

٢ - فقه السنة: الطبعة العاشرة: ٣٥٥.

٣ - معالم الدين للشهيد الثاني: ٣٣ طبع سنة ١٤١٣ هـ.



[ Web design by Abadis ]